الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠
فِي الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ الشَّافِعِيِّ، وَيُطْعِمُ الْوَلِيُّ وَفْقًا لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنِ اعْتِكَافِ يَوْمٍ بِلَيْلَتِهِ مُدًّا (١) وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الاِعْتِكَافَ فَرْعٌ عَنِ الصَّوْمِ، وَلَمَّا كَانَ الصَّوْمُ الَّذِي وَجَبَ عَلَى الْمَيِّتِ بِالنَّذْرِ تُجْزِئُ فِيهِ الْفِدْيَةُ، فَكَذَلِكَ الاِعْتِكَافُ يُجْزِئُ فِيهِ ذَلِكَ إِذَا أَوْصَى بِهِ (٢) . وَبِأَنَّ الاِعْتِكَافَ عِبَادَةٌ، وَكُل مَا كَانَ كَذَلِكَ فَلاَ بُدَّ فِيهِ مِنْ الاِخْتِيَارِ، وَهَذَا يَظْهَرُ فِي الإِْيصَاءِ دُونَ الْوِرَاثَةِ، لأَِنَّهَا جَبْرِيَّةٌ، وَلأَِنَّ الاِعْتِكَافَ عَنِ الْمَيِّتِ تَبَرُّعٌ ابْتِدَاءً، لأَِنَّهُ فِعْلٌ مُكَلَّفٌ بِهِ، وَقَدْ سَقَطَتِ الأَْفْعَال كُلُّهَا بِمَوْتِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَصَارَ الاِعْتِكَافُ كَأَنَّهُ سَقَطَ فِي حَقِّ الدُّنْيَا، فَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِأَدَاءِ الْفِدْيَةِ عَنْهُ تَبَرُّعًا، فَيُعْتَبَرُ مِنْ ثُلُثِ التَّرِكَةِ (٣)
الاِتِّجَاهُ الثَّالِثُ: يَرَى أَصْحَابُهُ أَنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ اعْتِكَافٌ مَنْذُورٌ، فَلاَ يُعْتَكَفُ عَنْهُ، وَلاَ يُجْزِئُهُ ذَلِكَ، وَلاَ يُطْعَمُ عَنْهُ وَلاَ يَسْقُطُ عَنْهُ الاِعْتِكَافُ بِالْفِدْيَةِ، وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْمَعْرُوفُ مِنْ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ فِي
_________
(١) الدُّرُّ الْمُخْتَارُ ٢ / ١١٩، وَالْمَبْسُوطُ ٣ / ١٢٣ - ١٢٤، وَالْمَجْمُوعُ ٦ / ٣٧٢، ٥٤١، وَالْمُنْتَقَى ٣ / ٢٣٠.
(٢) الْمَبْسُوطُ ٣ / ١٢٣ - ١٢٤.
(٣) الْعِنَايَةُ ٢ / ٨٤.
الأُْمِّ وَغَيْرِهِ (١) وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنِ الشَّارِعِ مَا يُفِيدُ جَوَازَ الاِعْتِكَافِ عَمَّنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ اعْتِكَافٌ مَنْذُورٌ، وَلاَ تُجْزِئُهُ الْفِدْيَةُ عَنْ هَذَا الاِعْتِكَافِ، لِعَدَمِ وُرُودِ مَا يَدُل عَلَى إِجْزَاءِ الْفِدْيَةِ عَنْهُ (٢)
رَابِعًا: مَوْتُ مَنْ نَذَرَ الصَّلاَةَ قَبْل أَدَائِهَا: ٦٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَلاَةٌ مَنْذُورَةٌ، لَمْ يُؤَدِّهَا حَتَّى مَاتَ، وَذَلِكَ عَلَى اتِّجَاهَيْنِ: الاِتِّجَاهُ الأَْوَّل: يَرَى أَصْحَابُهُ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَلاَةٌ مَنْذُورَةٌ فَلاَ يَجُوزُ لِوَلِيِّهِ أَوْ غَيْرِهِ فِعْلُهَا عَنْهُ، وَلاَ تَسْقُطُ عَنْهُ بِالْفِدْيَةِ، بِاسْتِثْنَاءِ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ، فَإِنَّهُمَا تُصَلَّيَانِ عَنِ الْمَيِّتِ الَّذِي يُحَجُّ أَوْ يُعْتَمَرُ عَنْهُ إِنْ قِيل بِجَوَازِ النِّيَابَةِ عَنْهُ فِيهِمَا، إِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ، وَلاَ تُنَفَّذُ عِنْدَهُمْ وَصِيَّتُهُ بِالاِسْتِئْجَارِ عَلَيْهَا، وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَدْ حَكَى الْعَيْنِيُّ إِجْمَاعَ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَنَقَل الْقَاضِي عِيَاضٌ الإِْجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُصَلَّى
_________
(١) الْمَجْمُوعُ ٦ / ٣٧٢، وَمُغْنِي الْمُحْتَاجِ ١ / ٤٣٩، وَزَادُ الْمُحْتَاجِ ١ / ٢٥٧.
(٢) مُغْنِي الْمُحْتَاجِ ١ / ٤٣٩، وَزَادُ الْمُحْتَاجِ ١ / ٥٢٧.
عَنِ الْمَيِّتِ، وَقَال الْقَرَافِيُّ: حُكِيَ فِي الصَّلاَةِ الإِْجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُصَلَّى عَنِ الْمَيِّتِ، وَنَقَل ابْنُ بَطَّالٍ إِجْمَاعَ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ فَرْضًا وَلاَ سُنَّةً، لاَ عَنْ حَيٍّ وَلاَ عَنْ مَيِّتٍ (١) وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ " لاَ يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلاَ يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ " (٢) وَبِمَا رُوِيَ عَنِ الإِْمَامِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَال: لَمْ أَسْمَعْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلاَ مِنَ التَّابِعِينَ بِالْمَدِينَةِ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ أَمَرَ أَحَدًا أَنْ يَصُومَ عَنْ أَحَدٍ أَوْ يُصَلِّيَ عَنْ أَحَدٍ (٣) وَبِأَنَّ الصَّلاَةَ عِبَادَةٌ لاَ تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ فِي حَال الْحَيَاةِ، فَلاَ تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ بَعْدَ الْمَوْتِ (٤) وَبِأَنَّ الصَّلاَةَ لاَ بَدَل لَهَا بِحَالٍ، فَلاَ يَقُومُ فِيهَا فِعْل النَّائِبِ مَقَامَ فِعْل الْمَنُوبِ عَنْهُ (٥)
_________
(١) الْهِدَايَةُ وَالْعِنَايَةُ وَفَتْحُ الْقَدِيرِ ٢ / ٨٥، وَرَدُّ الْمُحْتَارِ ٢ / ١١٨، وَالْفُرُوقُ ٣ / ١٨٧، وَتَهْذِيبُ الْفُرُوقِ لاِبْنِ الشَّاطِّ ٣ / ٢١٩، وَمَوَاهِبُ الْجَلِيل ٢ / ٥٤٣، ٥٤٤، وَالْمَجْمُوعُ ٦ / ٣٧٢، وَمُغْنِي الْمُحْتَاجِ ١ / ٤٣٩، وَزَادُ الْمُحْتَاجِ ١ / ٥٢٧، وَالْمُغْنِي ٩ / ٣٠ - ٣١، وَالْكَافِي ٤ / ٤٣٠، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ ٢ / ٣٣٦، وَعُمْدَةُ الْقَارِي ١١ / ٦٠، ٢٣ / ٢١٠.
(٢) أَثَرُ: " لاَ يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ. . . " سَبَقَ تَخْرِيجُهُ (ف ٦٧) .
(٣) فَتْحُ الْقَدِيرِ ٢ / ٨٤.
(٤) الْمُهَذَّبُ مَعَ شَرْحِهِ الْمَجْمُوعِ ٦ / ٣٦٧، وَالْكَافِي ٤ / ٤٣٠.
(٥) الْمُغْنِي ٩ / ٣٠.
وَبِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ الاِبْتِلاَءُ وَالْمَشَقَّةُ، وَهَذَا يَتَحَقَّقُ فِي الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ بِإِتْعَابِ النَّفْسِ وَالْجَوَارِحِ بِالأَْفْعَال الْمَخْصُوصَةِ، وَبِفِعْل النَّائِبِ لاَ تَتَحَقَّقُ الْمَشَقَّةُ عَلَى نَفْسِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، فَلَمْ تَجُزِ النِّيَابَةُ فِيهَا مُطْلَقًا (١)
الاِتِّجَاهُ الثَّانِي: يَرَى مَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَلاَةٌ مَنْذُورَةٌ أَدَّاهَا وَلِيُّهُ عَنْهُ، رُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، وَقَال بِهِ الأَْوْزَاعِيُّ وَعَطَاءٌ وَإِسْحَاقُ، وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: يَجُوزُ أَنْ يُسْتَأْجَرَ عَنِ الْمَيِّتِ مَنْ يُصَلِّي عَنْهُ مَا فَاتَهُ مِنَ الصَّلَوَاتِ، وَذَهَبَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْوَارِثَ يُصَلِّي عَنِ الْمَيِّتِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَمَشْهُورُ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِوَلِيِّ الْمَيِّتِ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ مَا فَاتَهُ مِنْ صَلاَةٍ نَذَرَ أَدَاءَهَا وَلَمْ يُؤَدِّهَا حَتَّى مَاتَ، وَذَلِكَ صِلَةٌ لَهُ وَإِبْرَاءٌ لِذِمَّتِهِ مِنْهَا (٢) وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ اسْتَفْتَى رَسُول اللَّهِ
_________
(١) الْبَحْرُ الرَّائِقُ ٣ / ٦٥.
(٢) مَوَاهِبُ الْجَلِيل ٢ / ٥٤٣، وَإِعَانَةُ الطَّالِبِينَ ٢ / ٢٤٤، وَالْمُغْنِي ٩ / ٣٠، وَالْكَافِي ٤ / ٤٣٠، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ ٢ / ٣٣٦، وَعُمْدَةُ الْقَارِي ٢٣ / ٢١٠، وَشَرْحُ النَّوَوِيِّ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ ١ / ٩٠.
ﷺ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ، فَتُوُفِّيَتْ قَبْل أَنْ تَقْضِيَهُ، فَأَفْتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ يَقْضِيهِ عَنْهَا، فَكَانَتْ سُنَّةً بَعْدَهُ (١) وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ بِالأَْحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى جَوَازِ الْحَجِّ عَنِ الْمَيِّتِ، وَالصِّيَامِ عَنْهُ وَنَحْوِهَا، إِذْ جَاءَ فِيهَا قَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ: فَاقْضُوا اللَّهَ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ (٢)، وَهَذِهِ الصَّلاَةُ الَّتِي أَوْجَبَهَا النَّاذِرُ عَلَى نَفْسِهِ هِيَ دَيْنُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَقَدْ مَاتَ قَبْل أَدَائِهِ، فَيُجْزِئُهُ قَضَاءُ وَلِيِّهِ عَنْهُ ذَلِكَ.
وَبِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ " أَنَّهُ أَمَرَ امْرَأَةً جَعَلَتْ أُمُّهَا عَلَى نَفْسِهَا صَلاَةً بِقُبَاءَ، فَقَال: صَلِّي عَنْهَا " (٣) وَأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ قَضَاءُ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ عَنِ الْمَيِّتِ بِالنَّصِّ، فَيَجُوزُ قَضَاءُ الصَّلاَةِ عَنْهُ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِمَا، لأَِنَّ كُلًّا مِنْهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، وَلأَِنَّ كُلًّا مِنْهَا دَيْنٌ وَجَبَ عَلَى الْمَيِّتِ، فَيُقْضَى عَنْهُ كَبَقِيَّةِ دُيُونِهِ وَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ (٤)
_________
(١) حَدِيثُ: " إِنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ اسْتَفْتَى رَسُول اللَّهِ ﷺ. . . " سَبَقَ تَخْرِيجُهُ (ف ٦٦) .
(٢) حَدِيثُ: " فَاقْضُوا اللَّهَ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ " سَبَقَ تَخْرِيجُهُ (ف ٦٥) .
(٣) أَثَرُ ابْنِ عُمَرَ ﵄: " أَنَّهُ أَمَرَ امْرَأَةً جَعَلَتْ أُمُّهَا عَلَى نَفْسِهَا صَلاَةً بِقُبَاءَ فَقَال: صَلِّي عَنْهَا ". ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَةِ بَابِ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ (فَتْحُ الْبَارِي ١١ / ٥٨٣ ط السَّلَفِيَّةِ) وَلَمْ يَعْزُهُ ابْنُ حَجَرٍ إِلَى أَيِّ مَصْدَرٍ.
(٤) الْكَافِي ٤ / ٤٣٠.
خَامِسًا: مَوْتُ مَنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ قَبْل أَدَائِهَا: ٧٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ مَنْ نَذَرَ صَدَقَةً وَمَاتَ قَبْل أَدَائِهَا، عَلَى اتِّجَاهَيْنِ: الاِتِّجَاهُ الأَْوَّل: يَرَى أَصْحَابُهُ أَنَّ مَنْ نَذَرَ صَدَقَةً وَمَاتَ قَبْل أَدَائِهَا أَدَّاهَا وَلِيُّهُ عَنْهُ مِنَ التَّرِكَةِ، سَوَاءٌ أَوْصَى بِهَا أَوْ لَمْ يُوصِ بِهَا، إِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (١)، وَقَالُوا: إِنَّ أَدَاءَ الْوَلِيِّ هَذَا النَّذْرَ مُسْتَحَبٌّ عَلَى سَبِيل الصِّلَةِ وَالْمَعْرُوفِ، وَتَبْرِئَةً لِذِمَّةِ الْمَيِّتِ عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ.
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ (٢) وَبِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَجُلًا قَال لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَل لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَال: نَعَمْ (٣) وَبِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ
_________
(١) مُغْنِي الْمُحْتَاجِ ١ / ٤١١، وَالْمُغْنِي ٩ / ٣٠ - ٣١، وَالْكَافِي ٤ / ٤٣٠، وَكَشَّافُ الْقِنَاعِ ٢ / ٣٣٥، وَشَرْحُ النَّوَوِيِّ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ ١١ / ٨٤، ٩٦.
(٢) سُورَةُ النِّسَاءِ / ١١
(٣) حَدِيثُ: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ. . . " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٣ / ٢٥٤، ط السَّلَفِيَّةِ) وَمُسْلِمٌ (٢ / ٦٩٦، ط عِيسَى الْحَلَبِيِّ) .
أَنَّ الْعَاصَ بْنَ وَائِلٍ أَوْصَى أَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ مِائَةُ رَقَبَةٍ، فَأَعْتَقَ ابْنُهُ هِشَامٌ خَمْسِينَ رَقَبَةً، فَأَرَادَ ابْنُهُ عَمْرٌو أَنْ يُعْتِقَ عَنْهُ الْخَمْسِينَ الْبَاقِيَةَ فَقَال: حَتَّى أَسْأَل رَسُول اللَّهِ ﷺ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنَّ أَبِي أَوْصَى بِعِتْقِ مِائَةِ رَقَبَةٍ، وَإِنَّ هِشَامًا أَعْتَقَ عَنْهُ خَمْسِينَ، وَبَقِيَتْ عَلَيْهِ خَمْسُونَ رَقَبَةً، أَفَأُعْتِقُ عَنْهُ؟ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا فَأَعْتَقْتُمْ عَنْهُ أَوْ تَصَدَّقْتُمْ عَنْهُ أَوْ حَجَجْتُمْ عَنْهُ بَلَغَهُ ذَلِكَ (١) وَبِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ اسْتَفْتَى رَسُول اللَّهِ ﷺ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ لَمْ تَقْضِهِ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: اقْضِهِ عَنْهَا. فَكَانَتْ سُنَّةً بَعْدَهُ (٢)
الاِتِّجَاهُ الثَّانِي: يَرَى مَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ أَنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ مَنْذُورَةٌ، فَلاَ تُؤَدَّى عَنْهُ إِلاَّ إِذَا أَوْصَى بِذَلِكَ، وَكَانَتْ لَهُ تَرِكَةٌ تُؤَدَّى مِنْهَا، فَإِنْ أَوْصَى بِإِخْرَاجِهَا كَانَتْ وَصِيَّةً وَأُخْرِجَتْ مِنْ ثُلُثِ تَرِكَتِهِ مُقَدَّمَةً عَلَى سَائِرِ الْوَصَايَا، وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهَا سَقَطَتْ عَنْهُ بِمَوْتِهِ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى الْوَارِثِ أَدَاؤُهَا مِنْ مَالِهِ الْخَاصِّ أَوْ مِنْ تَرِكَةِ
_________
(١) حَدِيثُ " أَنَّ الْعَاصَ بْنَ وَائِلٍ أَوْصَى أَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ. . . " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٣ / ٣٠٢ - ط حِمْصَ) .
(٢) حَدِيثُ: " أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ اسْتَفْتَى رَسُول اللَّهِ ﷺ. . . " سَبَقَ تَخْرِيجُهُ (ف ٦٦) .
الْمَيِّتِ، إِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ (١) وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ التَّكَالِيفِ الاِبْتِلاَءُ وَالْمَشَقَّةُ، وَهَذَا يَتَأَتَّى فِي الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ بِتَنْقِيصِ الْمَال الْمَحْبُوبِ لِلنَّفْسِ بِإِيصَالِهِ إِلَى الْفَقِيرِ، وَهَذَا الْمَال مُتَعَلِّقٌ بِفِعْل الْمُكَلَّفِ بِهِ، وَقَدْ سَقَطَتِ الأَْفْعَال كُلُّهَا بِالْمَوْتِ، لِتَعَذُّرِ ظُهُورِ طَاعَتِهِ بِهَا فِي دَارِ التَّكْلِيفِ، فَكَانَ الإِْيصَاءُ بِالْمَال الَّذِي هُوَ مُتَعَلَّقُهَا تَبَرُّعًا مِنَ الْمَيِّتِ ابْتِدَاءً، فَيُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ (٢)
_________
(١) فَتْحُ الْقَدِيرِ ٢ / ٨٥، وَالْبَحْرُ الرَّائِقُ ٣ / ٦٤، ٦٥، وَتُحْفَةُ الْفُقَهَاءِ ١ / ٤٨٢، وَالْمُنْتَقَى ٢ / ٦٢، ٦٣.
(٢) فَتْحُ الْقَدِيرِ ٢ / ٨٥، وَالْبَحْرُ الرَّائِقُ ٣ / ٦٥.
نَرْدٌ
التَّعْرِيفُ: ١ - النَّرْدُ فِي اللُّغَةِ: لُعْبَةٌ مَعْرُوفَةٌ، وَهُوَ مُعَرَّبٌ، وَضَعَهُ أَرْدَشِيرُ بْنُ بَابَكَ، وَلِهَذَا يُقَال: النَّرْدَشِيرُ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (١)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الشِّطْرَنْجُ: ٢ - فِي اللُّغَةِ: الشِّطْرَنْجُ مُعَرَّبٌ بِالْفَتْحِ، وَقِيل: بِالْكَسْرِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَهُوَ فَارِسِيٌّ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢)
وَالصِّلَةُ بَيْنَ النَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لُعْبَةٌ، غَيْرَ أَنَّ النَّرْدَ يَعْتَمِدُ عَلَى الْحَزْرِ وَالتَّخْمِينِ وَالشِّطْرَنْجَ يَعْتَمِدُ عَلَى الْفِكْرِ وَالتَّدْبِيرِ (٣)
_________
(١) الْمِصْبَاحُ الْمُنِيرُ، وَالْقَامُوسُ الْمُحِيطُ، وَحَاشِيَةُ ابْنِ عَابِدِينَ ٥ / ٢٥٢ - ٢٥٣.
(٢) الْمِصْبَاحُ الْمُنِيرُ، وَمُغْنِي الْمُحْتَاجِ ٤ / ٤٢٨.
(٣) تُحْفَةُ الْمُحْتَاجِ ١٠ / ٢١٥، ٢١٦.
حُكْمُ اللَّعِبِ بِالنَّرْدِ: ٣ - اللَّعِبُ بِالنَّرْدِ حَرَامٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَرَأْيٌ لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ (١) لِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ (٢) وَلِقَوْلِهِ: مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ (٣) وَيُكْرَهُ تَحْرِيمًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَلأَِنَّهُ إِنْ قَامَرَ بِهِ فَالْمَيْسِرُ حَرَامٌ بِالنَّصِّ وَإِنْ لَمْ يُقَامِرْ فَهُوَ عَبَثٌ وَلَهْوٌ (٤) قَال النَّبِيُّ ﷺ: لَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ إِلاَّ ثَلاَثٌ: تَأْدِيبُ الرَّجُل فَرَسَهُ، وَمُلاَعَبَتُهُ أَهْلَهُ، وَرَمْيُهُ بِقَوْسِهِ وَنَبْلِهِ (٥) وَعَلَّل الشَّافِعِيَّةُ التَّحْرِيمَ بِأَنَّ مُعْتَمَدَهُ الْحَزْرُ
_________
(١) الدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ عَلَيْهِ ٥ / ٢٥٢ و٢٥٣، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٤ / ١٦٧، وَعَقْد الْجَوَاهِر الثَّمِينَة فِي مَذْهَب عَالَمِ الْمَدِينَةِ لاِبْن شاس ٣ / ٥٣٥ ط الأُْولَى، دَار الْغَرْبِ الإِْسْلاَمِيّ، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٤ / ٤٢٨، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج وَحَاشِيَته للشرواني ١٠ / ٢١٦، وَرَوَّضَ الطَّالِبُ ٤ / ٣٤٣ - وَالْمُغْنِي ٩ / ١٧٠، ١٧١.
(٢) حَدِيث: " مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ شَيِّر فَكَأَنَّمَا. . . " أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٤ / ١٧٧٠ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثٍ بُرَيْدَة ﵁.
(٣) حَدِيث: " مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُوله " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (٥ / ٢٣٠ ط حِمْص) مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ ﵁.
(٤) تَكْمِلَة فَتْحِ الْقَدِير ١٠ / ٦٤، وَتَبْيِينِ الْحَقَائِقِ للزيلعي ٦ / ٣٠
(٥) حَدِيث: " لَيْسَ مِنَ اللَّهْوِ إِلاَّ ثَلاَث. . . " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (٣ / ٢٩ ط حِمْص) وَالنَّسَائِيّ (٦ / ٢٢٣ ط التِّجَارِيَّة الْكُبْرَى) مِنْ حَدِيثِ عُقْبَة بْن عَامِر ﵁.