الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠
وَقَوْلِهِ ﷺ لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵄: إِنَّمَا يُغْسَل الثَّوْبُ مِنْ خَمْسٍ: وَذَكَرَ مِنْهَا الْمَنِيَّ (١) وَلَوْ أَصَابَ الْبَدَنَ وَجَفَّ، رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لاَ يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ، وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ يَطْهُرُ لأَِنَّ الْبَلْوَى فِيهِ أَعَمُّ، وَالاِكْتِفَاءَ بِالْفَرْكِ لاَ يَدُل عَلَى طَهَارَتِهِ، فَإِنَّ الصَّحِيحَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَمْ يَقُل بِالْفَرْكِ، فَتَجُوزُ الصَّلاَةُ فِيهِ حَتَّى إِذَا أَصَابَهُ الْمَاءُ يَعُودُ نَجِسًا عِنْدَهُ خِلاَفًا لَهُمَا.
٠ وَكَذَلِكَ الرَّوْثُ وَالإِْخْثَاءُ وَبَوْل مَا لاَ يُؤْكَل لَحْمُهُ مِنَ الدَّوَابِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لأَِنَّ نَجَاسَتَهَا ثَبَتَتْ بِنَصٍّ لَمْ يُعَارِضْهُ غَيْرُهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ فِي الرَّوْثَةِ: هِيَ رِجْسٌ (٢)، وَالإِْخْثَاءُ مِثْلُهُ، وَلأَِنَّهُ اسْتَحَال إِلَى نَتَنٍ وَفَسَادٍ وَهُوَ مُنْفَصِلٌ عَنْ حَيَوَانٍ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَصَارَ كَالآْدَمِيِّ.
_________
(١) حَدِيث: " إِنَّمَا يَغْسِل الثَّوْبَ مِنْ خَمْس. . " سَبَقَ تَخْرِيجَهُ ف ١٧.
(٢) حَدِيث: " هِيَ رِجْس ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي ١ / ٢٥٦ ط السَّلَفِيَّة) وَابْن مَاجَهْ (١ / ١١٤ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود ﵁ وَلَفَظَ الْبُخَارِيّ: " هَذَا رَكْس " بِالْكَاف.
وَكَذَلِكَ بَوْل الْفَأْرَةِ وَخُرْؤُهَا، لإِطْلاَقِ قَوْلِهِ ﷺ: اسْتَنْزِهُوا مِنَ الْبَوْل (١)، وَالاِحْتِرَازُ عَنْهُ مُمْكِنٌ فِي الْمَاءِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فِي الطَّعَامِ وَالثِّيَابِ فَيُعْفَى عَنْهُ فِيهِمَا.
وَكَذَلِكَ بَوْل الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ أَكَلاَ أَوْ لاَ، لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ نَضْحِ بَوْل الصَّبِيِّ إِذَا لَمْ يَأْكُل فِيمَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: يُنْضَحُ بَوْل الْغُلاَمِ، وَيُغْسَل بَوْل الْجَارِيَةِ (٢) فَالنَّضْحُ يُذْكَرُ بِمَعْنَى الْغَسْل، قَال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ لِلْمِقْدَادِ بْنِ الأَْسْوَدِ لَمَّا سَأَلَهُ عَنِ الْمَذْيِ: تَوَضَّأْ وَانْضَحْ فَرْجَكَ (٣) أَيِ اغْسِلْهُ فَيُحْمَل عَلَيْهِ تَوْفِيقًا.
وَالْبَطُّ الأَْهْلِيُّ وَالدَّجَاجُ نَجَاسَتُهُمَا غَلِيظَةٌ بِإِجْمَاعِ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ (٤) وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الْمُغَلَّظَ مَا نَجُسَ بِمُلاَقَاةِ
_________
(١) حَدِيث: " اسْتَنْزَهُوا مِنَ الْبَوْل. . " سَبَقَ تَخْرِيجَهُ ف ٢٦.
(٢) حَدِيث: " يَنْضَحُ بَوْل الْغُلاَمِ. . . " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (١ / ٢٦٣ ط حِمْص) وَالتِّرْمِذِيّ (٢ / ٥٠٩ ط التِّجَارِيَّة الْكُبْرَى) وَصَحَّحَ إِسْنَاده ابْن حَجَرٍ فِي التَّلْخِيصِ (١ / ١٨٧ ط دَار الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ) .
(٣) حَدِيث: " تَوَضَّأَ وَانَضْح فَرَجك ". أَخْرَجَهُ مُسْلِم (١ / ٢٤٧ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) .
(٤) الاِخْتِيَار شَرْح الْمُخْتَار ١ / ٣٢، ٣٣ - ٣٥ ط مُصْطَفَى الْحَلَبِيِّ ١٩٣٦.
شَيْءٍ مِنْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ مُتَوَلِّدٍ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا (١) .
وَالنَّجِسُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: مَا كَانَتْ ذَاتُهُ نَجِسَةً كَالْبَوْل وَالْعَذِرَةِ وَنَحْوِهِمَا، وَالْمُتَنَجِّسُ مَا كَانَ طَاهِرًا فِي الأَْصْل وَأَصَابَهُ نَجَاسَةٌ (٢) .
وَقَسَّمَ الْحَنَابِلَةُ النَّجَاسَةَ مِنْ حَيْثُ تَطْهِيرِهَا إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ.
الأَْوَّل: نَجَاسَةُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَيَكُونُ تَطْهِيرُهَا بِالْغَسْل سَبْعَ مَرَّاتٍ إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ.
الثَّانِي: نَجَاسَةُ بِوْل الصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يَأْكُل الطَّعَامَ، وَيُطَهَّرُ مَحَل النَّجَاسَةِ مِنْ هَذَا الْبَوْل بِنَضْحِهِ أَيْ غَمْرِهِ بِالْمَاءِ.
الثَّالِثُ: بَقِيَّةُ الْمُتَنَجِّسَاتِ وَتُطَهَّرُ بِسَبْعِ غَسَلاَتٍ مُنْقِيَةٍ وَلاَ يُشْتَرَطُ لَهَا تُرَابٌ (٣) .
ب - النَّجَاسَاتُ الْمُخَفَّفَةُ:
٥٢ - الْمُخَفَّفُ مِنَ النَّجَاسَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: مَا تَعَارَضَ نَصَّانِ فِي طَهَارَتِهِ وَنَجَاسَتِهِ.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ: مَا اخْتُلِفَ فِي نَجَاسَتِهِ، لأَِنَّ الاِجْتِهَادَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ كَالنَّصِّ.
_________
(١) مُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٨٣.
(٢) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ عَلَى الشَّرْحِ الْكَبِيرِ ١ ٦٠.
(٣) كَشَّاف الْقِنَاع ١ / ٨٣ ١ - ٨٩ ١، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ ١ / ٩٧، ١٠١.
وَالنَّجَاسَةُ الْمُخَفَّفَةُ لاَ تَمْنَعُ الصَّلاَةَ إِذَا لَمْ تَبْلُغْ رُبُعَ الثَّوْبِ، لأَِنَّ لِلرُّبُعِ حُكْمَ الْكُل فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ كَمَسْحِ الرَّأْسِ وَحَلْقِهِ، وَثُمَّ قِيل: رُبُعُ جَمِيعِ الثَّوْبِ، وَقِيل: رُبُعُ مَا أَصَابَهُ كَالْكُمِّ وَالذَّيْل، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: شِبْرٌ فِي شِبْرٍ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: ذِرَاعٌ فِي ذِرَاعٍ، وَعَنْهُ: مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ، وَالْمُخْتَارُ الرُّبُعُ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ هُوَ مَوْكُولٌ إِلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى، لِتَفَاوُتِ النَّاسِ فِي الاِسْتِفْحَاشِ (١) .
وَمِنَ النَّجَسِ نَجَاسَةً مُخَفَّفَةً عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ الرَّوْثُ وَالإِْخْثَاءُ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ فِي الطُّرُقَاتِ وَوُقُوعِ الاِخْتِلاَفِ فِيهِ (٢) .
وَبَوْل مَا يُؤْكَل لَحْمُهُ وَبَوْل الْفَرَسِ وَدَمُ السَّمَكِ وَلُعَابُ الْبَغْل وَالْحِمَارِ وَخُرْءُ مَا لاَ يُؤْكَل لَحْمُهُ مِنَ الطُّيُورِ نَجَاسَتُهُ مُخَفَّفَةٌ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بَوْل مَا يُؤْكَل لَحْمُهُ طَاهِرٌ، لِحَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ، وَهُوَ أَنَّ قَوْمًا مِنْ عُرَيْنَةَ أَتَوُا الْمَدِينَةَ فَاجْتَوَوْهَا - أَيْ لَمْ تُوَافِقْهُمْ - فَاصْفَرَّتْ أَلْوَانُهُمْ وَانْتَفَخَتْ بُطُونُهُمْ فَأَمَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِأَنْ يَخْرُجُوا إِلَى إِبِل الصَّدَقَةِ وَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَخَرَجُوا وَشَرِبُوا
_________
(١) الاِخْتِيَار شُرِحَ الْمُخْتَار ١ / ٣٠ - ٣١ ط مُصْطَفَى الْحَلَبِيِّ ١٩٣٦.
(٢) الاِخْتِيَار شَرْح الْمُخْتَارِ ١ / ٣١ ط مُصْطَفَى الْحَلَبِيِّ ١٩٣٦.
فَصَحُّوا (١) . فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ الإِْبِل نَجِسًا لَمَا أَمَرَهُمْ بِشُرْبِهِ لِكَوْنِهِ حَرَامًا - وَقَدْ قَال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَل شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ (٢) .
وَيَدْخُل فِي الطَّاهِرِ بَوْل الْفَرَسِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ أَيْضًا، وَدَمُ السَّمَكِ لَيْسَ بِدَمٍ حَقِيقَةً لأَِنَّهُ يَبْيَضُّ بِالشَّمْسِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ نَجِسٌ، وَلِذَا قِيل بِخِفَّتِهِ لِذَلِكَ، وَلُعَابُ الْبَغْل وَالْحِمَارِ لِتَعَارُضِ النُّصُوصِ، وَخُرْءُ مَا لاَ يُؤْكَل لَحْمُهُ مِنَ الطُّيُورِ لِعُمُومِ الْبَلْوَى فَإِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ عَنْهُ لأَِنَّهَا تَزْرِقُ مِنَ الْهَوَاءِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ نَجَاسَتُهُ غَلِيظَةٌ لأَِنَّهَا لاَ تُخَالِطُ النَّاسَ فَلاَ بَلْوَى (٣) .
وَالْمُخَفَّفَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ هِيَ خُصُوصُ بَوْل الصَّبِيِّ إِذَا لَمْ يَبْلُغِ الْحَوْلَيْنِ وَلَمْ يَتَغَذَّ إِلاَّ بِاللَّبَنِ، بِخِلاَفِ الأُْنْثَى وَالْخُنْثَى الْمُشْكِل، ذَلِكَ لأَِنَّ بَوْل
_________
(١) حَدِيث: " أَمْر رَسُول اللَّهِ ﷺ بِأَنْ يُخْرِجُوا إِلَى إِبِل الصَّدَقَةِ وَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالهَا " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي ١ / ٣٣٥ ط السَّلَفِيَّة) وَمُسْلِم (٣ / ١٢٩٦ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ أَنَس ﵁.
(٢) حَدِيث: " إِنِ اللَّهَ لَمْ يَجْعَل شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرُمَ عَلَيْكُمْ ". أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى (١٠ / ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة) مِنْ حَدِيثٍ أَمْ سَلَمَةٍ ﵂. وَقَال الهيثمي فِي مَجْمَع الزَّوَائِد (٥ / ٨٦ ط الْقُدْسِيّ): رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى وَالْبَزَّار، وَرِجَال أَبِي يُعْلَى رِجَال الصَّحِيحِ خَلاَ حَسَّان بْن مخارق وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْن حِبَّانَ.
(٣) الاِخْتِيَار شَرْح الْمُخْتَارِ ١ / ٣٣ ط مُصْطَفَى الْحَلَبِيِّ ١٩٣٦.
الصَّبِيِّ عِنْدَمَا يُرَادُ تَطْهِيرُ مَحَل إِصَابَتِهِ يُرَشُّ عَلَى مَحَل الإِْصَابَةِ بِمَاءٍ يَعُمُّ النَّجَاسَةَ وَإِنْ لَمْ يَسِل، أَمَّا الأُْنْثَى وَالْخُنْثَى الْمُشْكِل فَإِنَّهُ يَجِبُ غَسْل مَحَل الإِْصَابَةِ، وَيَتَحَقَّقُ الْغَسْل بِالسَّيَلاَنِ لِقَوْلِهِ ﷺ: يُغْسَل مِنْ بَوْل الْجَارِيَةِ، وَيُرَشُّ مِنْ بَوْل الْغُلاَمِ (١) . وَأُلْحِقَ الْخُنْثَى بِالأُْنْثَى.
وَلَهُمْ تَقْسِيمٌ ثَالِثٌ وَهُوَ النَّجَاسَةُ الْمُتَوَسِّطَةُ، وَهِيَ مَا عَدَا النَّجَاسَةَ الْمُغَلَّظَةَ وَالْمُخَفَّفَةَ.
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَيْنًا، وَهِيَ مَا تُيُقِّنَ وُجُودُهَا، وَلاَ يُدْرَكُ لَهَا طَعْمٌ وَلاَ لَوْنٌ وَلاَ رِيحٌ كَفَى فِي تَطْهِيرِهَا جَرْيُ الْمَاءِ عَلَى مَحَلِّهَا بِحَيْثُ يَسِيل زَائِدًا عَلَى النَّضْحِ.
وَإِنْ كَانَتْ عَيْنِيَّةً وَجَبَ بَعْدَ زَوَال عَيْنِهَا إِزَالَةُ الطَّعْمِ وَالرِّيحِ وَإِنْ عَسُرَ، لأَِنَّ بَقَاءَهُ يَدُل عَلَى بَقَاءِ الْعَيْنِ.
وَلاَ يَضُرُّ بَقَاءُ لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ عَسُرَ زَوَالُهُ فَيُطَهَّرُ الْمَحَل لِلْمَشَقَّةِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا سَهُل فَيَضُرُّ بَقَاؤُهُ لِدَلاَلَةِ ذَلِكَ عَلَى بَقَاءِ الْعَيْنِ.
وَفِي الرِّيحِ قَوْلُهُ أَنَّهُ يَضُرُّ بَقَاؤُهُ، قَال النَّوَوِيُّ:
_________
(١) حَدِيث: " يَغْسِل مِنْ بَوْل الْجَارِيَة وَيَرُشُّ. . . ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (١ / ٢٦٢ ط حِمْص) وَالنَّسَائِيّ (١ / ١٥٨ ط التِّجَارِيَّة الْكُبْرَى) وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرِكِ (١ / ١٦٦ ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة) مِنْ حَدِيثِ أَبِي السَّمْحِ ﵁، وَقَال الْحَاكِم: صَحِيحٌ وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيّ.
فَإِنْ بَقِيَا مَعًا بِمَحَلٍّ وَاحِدٍ ضَرَّا عَلَى الصَّحِيحِ لِقُوَّةِ دَلاَلَتِهِمَا عَلَى بَقَاءِ الْعَيْنِ، وَالثَّانِي لاَ يَضُرُّ لاِغْتِفَارِهِمَا مُنْفَرِدَيْنِ، فَكَذَا مُجْتَمِعَيْنِ (١) .
وَقَسَّمَ الْحَنَابِلَةُ النَّجَاسَةَ مِنْ حَيْثُ تَطْهِيرُهَا إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ: الأَْوَّل: نَجَاسَةُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَيَكُونُ تَطْهِيرُهَا بِالْغَسْل سَبْعَ مَرَّاتٍ إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ.
وَالثَّانِي: نَجَاسَةُ بَوْل الصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يَأْكُل الطَّعَامَ، وَيُطَهَّرُ مَحَل النَّجَاسَةِ مِنْ هَذَا الْبَوْل بِنَضْحِهِ أَيْ غَمْرِهِ بِالْمَاءِ.
الثَّالِثُ: بَقِيَّةُ النَّجَاسَاتِ، وَتُطَهَّرُ بِسَبْعِ غَسَلاَتٍ مُنْقِيَةٍ وَلاَ يُشْتَرَطُ لَهَا تُرَابٌ (٢) .
ج - - النَّجَاسَاتُ الْمَعْفُوُّ عَنْهَا:
٥٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُعْفَى فِي النَّجَاسَةِ الْمُغَلَّظَةِ عَنْ أُمُورٍ: فَيُعْفَى قَدْرَ الدِّرْهَمِ وَزْنًا فِي النَّجَاسَةِ الْكَثِيفَةِ وَقُدِّرَ بِعِشْرِينَ قِيرَاطًا، وَفِي النَّجَاسَةِ الرَّقِيقَةِ أَوِ الْمَائِعَةِ بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ مِسَاحَةً، وَقُدِّرَ بِمُقَعَّرِ الْكَفِّ دَاخِل مَفَاصِل الأَْصَابِعِ، وَالْمَقْصُودُ بِعَفْوِ الشَّارِعِ
_________
(١) مُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٨٥.
(٢) كَشَّاف الْقِنَاع ١ / ١٨٣ - ١٨٩، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ ١ / ٩٧، ١٠١
عَنْهَا: الْعَفْوُ عَنْ فَسَادِ الصَّلاَةِ، وَإِلاَّ فَكَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ بَاقِيَةٌ إِجْمَاعًا إِنْ بَلَغَتِ الدِّرْهَمَ، وَتَنْزِيهًا إِنْ لَمْ تَبْلُغْ.
وَيُعْفَى عَنْ بَوْل الْهِرَّةِ وَالْفَأْرَةِ وَخُرْئِهِمَا فِيمَا تَظْهَرُ فِيهِ حَالَةُ الضَّرُورَةِ، فَيُعْفَى عَنْ خُرْءِ الْفَأْرَةِ إِذَا وَقَعَ فِي الْحِنْطَةِ وَلَمْ يَكْثُرْ حَتَّى يَظْهَرَ أَثَرُهُ، وَيُعْفَى عَنْ بَوْلِهَا إِذَا سَقَطَ فِي الْبِئْرِ لِتَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا أَصَابَ أَحَدُهُمَا ثَوْبًا أَوْ إِنَاءً مَثَلًا فَإِنَّهُ لاَ يُعْفَى عَنْهُ لإِمْكَانِ التَّحَرُّزِ، وَيُعْفَى عَنْ بَوْل الْهِرَّةِ إِذَا وَقَعَ عَلَى نَحْوِ ثَوْبٍ لِظُهُورِ الضَّرُورَةِ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا أَصَابَ خُرْؤُهَا أَوْ بَوْلُهَا شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لاَ يُعْفَى عَنْهُ.
وَيُعْفَى عَنْ بُخَارِ النَّجِسِ وَغُبَارِ سِرْقِينٍ، فَلَوْ مَرَّتِ الرِّيحُ بِالْعَذِرَاتِ وَأَصَابَتِ الثَّوْبَ لاَ يَتَنَجَّسُ إِلاَّ أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ فِي الثَّوْبِ، وَقِيل: يَتَنَجَّسُ إِنْ كَانَ مَبْلُولًا لاِتِّصَالِهَا بِهِ.
وَيُعْفَى عَنْ رَشَاشِ الْبَوْل إِذَا كَانَ رَقِيقًا كَرُءُوسِ الإِْبَرِ بِحَيْثُ لاَ يُرَى وَلَوْ مَلأَ الثَّوْبَ أَوِ الْبَدَنَ، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ كَالْعَدَمِ لِلضَّرُورَةِ، وَمِثْلُهُ الدَّمُ الَّذِي يُصِيبُ الْقَصَّابَ فَيُعْفَى عَنْهُ فِي حَقِّهِ لِلضَّرُورَةِ، فَلَوْ أَصَابَ الرَّشَاشُ ثَوْبًا ثُمَّ وَقَعَ ذَلِكَ الثَّوْبُ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ تَنَجَّسَ الْمَاءُ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ حِينَئِذٍ، وَمِثْل هَذَا أَثَرُ الذُّبَابِ الَّذِي وَقَعَ عَلَى نَجَاسَةٍ ثُمَّ أَصَابَ ثَوْبَ الْمُصَلِّي فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ.
وَيُعْفَى عَمَّا يُصِيبُ الْغَاسِل مِنْ غُسَالَةِ الْمَيِّتِ مِمَّا لاَ يُمْكِنُهُ الاِمْتِنَاعُ عَنْهُ مَا دَامَ فِي تَغْسِيلِهِ.
وَيُعْفَى عَنْ طِينِ الشَّوَارِعِ وَلَوْ كَانَ مَخْلُوطًا بِنَجَاسَةٍ غَالِبَةٍ مَا لَمْ يُرَ عَيْنُهَا.
وَيُعْفَى فِي النَّجَاسَةِ الْمُخَفَّفَةِ عَمَّا دُونَ رُبُعِ الثَّوْبِ كُلِّهِ أَوْ رُبُعِ الْبَدَنِ كُلِّهِ.
وَإِنَّمَا تَظْهَرُ الْخِفَّةُ فِي غَيْرِ الْمَائِعِ، لأَِنَّ الْمَائِعَ مَتَى أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ تَنَجَّسَ، لاَ فَرْقَ بَيْنَ مُغَلَّظَةٍ وَمُخَفَّفَةٍ، وَلاَ عِبْرَةَ فِيهِ لِوَزْنٍ أَوْ مِسَاحَةٍ.
وَيُعْفَى عَنْ بَعْرِ الإِْبِل وَالْغَنَمِ إِذَا وَقَعَ فِي الْبِئْرِ أَوْ فِي الإِْنَاءِ، مَا لَمْ يَكْثُرْ كَثْرَةً فَاحِشَةً أَوْ يَتَفَتَّتْ فَيَتَلَوَّنَ بِهِ الشَّيْءُ الَّذِي خَالَطَهُ.
وَالْقَلِيل الْمَعْفُوُّ عَنْهُ هُوَ مَا يَسْتَقِلُّهُ النَّاظِرُ إِلَيْهِ، وَالْكَثِيرُ عَكْسُهُ.
وَأَمَّا رَوْثُ الْحِمَارِ وَخَثْيُ الْبَقَرِ وَالْفِيل فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ وَالْبَلْوَى، سَوَاءٌ كَانَ يَابِسًا أَوْ رَطْبًا (١) .
٥٤ - وَعَدَّ الْمَالِكِيَّةُ مِنَ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ مَا يَأْتِي: أ - سَلَسُ الأَْحْدَاثِ كَبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ مَذْيٍ أَوْ وَدْيٍ أَوْ مَنِيٍّ إِذَا سَال شَيْءٌ مِنْهَا بِنَفْسِهِ، فَلاَ يَجِبُ غَسْلُهُ عَنِ الْبَدَنِ أَوِ الثَّوْبِ أَوِ الْمَكَانِ الَّذِي لاَ يُمِكُنُ
_________
(١) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ١ / ٢١٠، وَمَرَاقِي الْفَلاَح ص ٨٤، ٨٥، ١٨٨ - ١٩٠.
التَّحَوُّل عَنْهُ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ إِذَا حَصَل شَيْءٌ مِنْهَا وَلَوْ كُل يَوْمٍ مَرَّةً.
ب - بَلَل الْبَاسُورِ إِذَا أَصَابَ يَدَ صَاحِبِهِ أَوْ ثَوْبِهِ كُل يَوْمٍ وَلَوْ مَرَّةً، وَأَمَّا يَدُهُ فَلاَ يُعْفَى عَنْ غَسْلِهَا إِلاَّ إِذَا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهَا فِي إِرْجَاعِهِ بِأَنْ يَزِيدَ عَنْ مَرَّتَيْنِ كُل يَوْمٍ، وَإِنَّمَا اكْتُفِيَ فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْيَوْمِ وَلَمْ يُكْتَفَ فِي الْيَدِ إِلاَّ بِمَا زَادَ عَلَى اثْنَتَيْنِ لأَِنَّ الْيَدَ لاَ يَشُقُّ غَسْلُهَا إِلاَّ عِنْدَ الْكَثْرَةِ بِخِلاَفِ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ.
ج - مَا يُصِيبُ ثَوْبَ أَوْ بَدَنَ الْمُرْضِعَةِ مِنْ بَوْل أَوْ غَائِطِ رَضِيعِهَا - وَلَوْ لَمْ يَكُنْ وَلِيدَهَا - إِذَا اجْتَهَدَتْ فِي التَّحَرُّزِ عَنْهُمَا حَال نُزُولِهِمَا، وَلَكِنْ يُنْدَبُ لَهَا إِعْدَادُ ثَوْبٍ لِلصَّلاَةِ.
د - مَا يُصِيبُ ثَوْبَ أَوْ بَدَنَ الْجَزَّارِ وَنَازِحِ الْمَرَاحِيضِ وَالطَّبِيبِ الَّذِي يُعَالِجُ الْجُرُوحَ، وَلَكِنْ يُنْدَبُ لَهُمْ إِعْدَادُ ثَوْبٍ لِلصَّلاَةِ.
هـ - مَا يُصِيبُ ثَوْبَ الْمُصَلِّي أَوْ بَدَنَهُ أَوْ مَكَانَهُ مِنْ دَمِهِ أَوْ دَمِ غَيْرِهِ، آدَمِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَلَوْ خِنْزِيرًا، إِذَا كَانَتْ مِسَاحَتُهُ لاَ تَزِيدُ عَنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ، وَهُوَ الدَّائِرَةُ السَّوْدَاءُ الَّتِي تَكُونُ فِي ذِرَاعِ الْبَغْل، وَلاَ عِبْرَةَ بِالْوَزْنِ، وَمِثْل الدَّمِ فِي ذَلِكَ الْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ.
ومَا يُصِيبُ ثَوْبَهُ أَوْ بَدَنَهُ أَوْ مَكَانَهُ مِنْ بَوْل أَوَرَوْثِ خَيْلٍ أَوْ بِغَالٍ أَوْ حَمِيرٍ إِذَا كَانَ مِمَّنْ يُبَاشِرُ