الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠ الصفحة 18

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠

يُعْفَ عَنْهُ، وَلاَ يُعْفَى عَنِ الدَّمِ الْخَارِجِ مِنْ حَيَوَانٍ نَجِسٍ كَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ، وَيُضَمُّ مُتَفَرِّقٌ فِي ثَوْبٍ مِنْ دَمٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ فَحُشَ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ، وَيُعْفَى عَنْ دَمِ بَقٍّ وَقَمْلٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ كُل مَا لاَ نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً (١) . (ر: عَفُوف ٧ وَمَا بَعْدَهَا، مَعْفُوَّات ف ٣ وَمَا بَعْدَهَا) .

ح - دَمُ الْحَيْضِ وَالاِسْتِحَاضَةِ وَالنِّفَاسِ:

٢٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى نَجَاسَةِ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالاِسْتِحَاضَةِ (٢)، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلاَ أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلاَةَ؟ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ، إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلاَةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي (٣) .

وَلِلتَّفْصِيل فِي أَثَرِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالاِسْتِحَاضَةِ فِي مَنْعِ الْعِبَادَاتِ تَنْظُرُ

_________

(١) كَشَّاف الْقِنَاع ١ / ١٩٠، ١٩١.

(٢) الاِخْتِيَار شَرْح الْمُخْتَارِ ١ / ٣١ ط مُصْطَفَى الْحَلَبِيِّ ١٩٣٦، وَمَرَاقِي الْفَلاَح ٣٠، وَأَسْهَل الْمَدَارِك شَرْح إِرْشَادِ السَّالِكِ ١ / ١٠٤، وَالْمُهَذَّبِ ١ / ٥٣، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة مَعَ الشَّرْحِ ١ / ٧٣١.

(٣) حَدِيث عَائِشَة: " إِنَّمَا ذَلِكَ عَرَق وَلَيْسَ بِحَيْض. . " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي ١ / ٣٣١ ط السَّلَفِيَّة) وَمُسْلِم (١ / ٢٦٢ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ.

مُصْطَلَحَاتِ: (اسْتِحَاضَة ف ٢٥ وَمَا بَعْدَهَا، حَيْض ف ٣٣ وَمَا بَعْدَهَا، نِفَاس) .

ط - الْمِسْكُ وَالزَّبَادُ وَالْعَنْبَرُ:

٢٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمِسْكَ طَاهِرٌ حَلاَلٌ، فَيُؤْكَل بِكُل حَالٍ، وَكَذَا نَافِجَتُهُ طَاهِرَةٌ مُطْلَقًا عَلَى الأَْصَحِّ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ رَطْبِهَا وَيَابِسِهَا، وَبَيْنَ مَا انْفَصَل مِنَ الْمَذْبُوحَةِ وَغَيْرِهَا، وَبَيْنَ كَوْنِهَا بِحَال لَوْ أَصَابَهَا الْمَاءُ فَسَدَتْ أَوْ لاَ.

وَكَذَا الزَّبَادُ طَاهِرٌ لاِسْتِحَالَتِهِ إِلَى الطِّيبِيَّةِ.

وَكَذَا الْعَنْبَرُ كَمَا فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى، قَال فِي خِزَانَةِ الرِّوَايَاتِ نَاقِلًا عَنْ جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى: الزَّبَادُ طَاهِرٌ، وَفِي الْمِنْهَاجِيَّةِ مِنْ مُخْتَصَرِ الْمَسَائِل: الْمِسْكُ طَاهِرٌ لأَِنَّهُ وَإِنْ كَانَ دَمًا لَكِنَّهُ تَغَيَّرَ، وَكَذَا الزَّبَادُ طَاهِرٌ، وَكَذَا الْعَنْبَرُ (١) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمِسْكَ - كَمَا قَال النَّوَوِيُّ - طَاهِرٌ، وَفِي فَأْرَتِهِ الْمُنْفَصِلَةِ فِي حَيَاةِ الظَّبْيَةِ وَجْهَانِ: الأَْصَحُّ الطَّهَارَةُ كَالْجَنِينِ، فَإِنِ انْفَصَلَتْ بَعْدَ مَوْتِهَا فَنَجِسَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ كَاللَّبَنِ، وَطَاهِرَةٌ فِي وَجْهٍ كَالْبَيْضِ الْمُتَصَلِّبِ.

وَالزَّبَادُ طَاهِرٌ لأَِنَّهُ لَبَنُ سِنَّوْرٍ بَحْرِيٍّ أَوْ عَرَقُ

_________

(١) الأَْشْبَاه وَالنَّظَائِر ٧٦، وَالْفَتَاوَى الْخَانِيَة عَلَى هَامِشِ الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ١ / ٢٤، وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ١ / ١٣٩ - ١٤٠، وَمَرَاقِي الْفَلاَح ص ٣٣، وَفَتْح الْقَدِير ١ / ١٤١، ١٤٧.

سِنَّوْرٍ بَرِّيٍّ، وَهُوَ الأَْصَحُّ، وَيُعْفَى عَنْ قَلِيل شَعَرٍ فِيهِ عُرْفًا فِي مَأْخُوذٍ جَامِدٍ، وَفِي مَأْخُوذٍ مِنْهُ مَائِعٍ.

وَالْعَنْبَرُ طَاهِرٌ لأَِنَّهُ نَبَاتٌ بَحْرِيٌّ عَلَى الأَْصَحِّ، نَعَمْ مَا يَبْتَلِعُهُ مِنْهُ حَيَوَانُ الْبَحْرِ ثُمَّ يُلْقِيهِ نَجِسٌ لأَِنَّهُ مِنَ الْقَيْءِ وَيُعْرَفُ بِسَوَادِهِ (١) .

وَيَقُول الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّهُ لاَ خِلاَفَ فِي طَهَارَةِ الْمِسْكِ وَحِل أَكْلِهِ، وَهُوَ الدَّمُ الْمُنْعَقِدُ يُوجَدُ عِنْدَ بَعْضِ الْحَيَوَانِ كَالْغَزَال وَاسْتَحَال إِلَى صَلاَحٍ، وَكَذَا فَأْرَتُهُ وَهِيَ وِعَاؤُهُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ مِنَ الْحَيَوَانِ الْمَخْصُوصِ، لأَِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ تَطَيَّبَ بِذَلِكَ (٢) وَلَوْ كَانَ نَجِسًا مَا تَطَيَّبَ بِهِ (٣) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: الْمِسْكُ وَفَأْرَتُهُ طَاهِرَانِ وَهُوَ سُرَّةُ الْغَزَال، وَكَذَا الزَّبَادُ طَاهِرٌ لأَِنَّهُ عَرَقُ سِنَّوْرٍ بَرِّيٍّ، وَفِي الإِْقْنَاعِ نَجِسٌ، لأَِنَّهُ عَرَقُ حَيَوَانٍ أَكْبَرَ مِنَ الْهِرِّ، وَالْعَنْبَرُ طَاهِرٌ (٤) .

_________

(١) الْقَلْيُوبِيّ عَلَى الْمِنْهَاجِ ١ / ٧٢، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ١ / ١٧، وَالإِْقْنَاع لِلشِّرْبِينِيِّ ١ / ٢٦، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ١ / ٢٢٤.

(٢) حَدِيث أَنَّ الرَّسُول ﷺ تَطِيبُ بِالْمِسْكِ. أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٢ / ٨٤٩ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ عَائِشَة ﵂.

(٣) أَسْهَل الْمَدَارِك شَرْح إِرْشَادِ السَّالِكِ ١ / ٦٥، ٦٦، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ١ / ٥٢، وَجَوَاهِر الإِْكْلِيل ١ / ٩، وَحَاشِيَة الزُّرْقَانِيّ ١ / ٢٧.

(٤) شَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ ١ / ١٠٣، ١٠٤، وَمَطَالِب أُولِي النُّهَى ١ / ٢٣٧ - ٢٣٨، ٦ / ٣٠٨.

ي - الْبَوْل وَالْعَذِرَةُ:

٢٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى نَجَاسَةِ بَوْل وَعَذِرَةِ الآْدَمِيِّ وَبَوْل وَرَوْثِ مَا لاَ يُؤْكَل لَحْمُهُ، لِمَا وَرَدَ أَنَّهُ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَال فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ (١) وَقَوْلُهُ ﷺ: اسْتَنْزِهُوا مِنَ الْبَوْل (٢) وَلِقَوْلِهِ ﷺ لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: إِنَّمَا يُغْسَل الثَّوْبُ مِنْ خَمْسٍ مِنَ الْغَائِطِ وَالْبَوْل وَالْقَيْءِ وَالدَّمِ وَالْمَنِيِّ (٣) .

وَاخْتَلَفُوا فِي نَجَاسَةِ بَوْل وَرَوْثِ الْحَيَوَانِ مَأْكُول اللَّحْمِ، وَكَذَا خُرْءُ الطَّيْرِ.

فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى طَهَارَتِهِمَا فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ أَوْ بَعْدَ ذَكَاتِهِ لِحَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ فَإِنَّ الرَّسُول ﷺ أَمَرَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا (٤)، وَلَوْ كَانَ

_________

(١) حَدِيث: " جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَال فِي طَائِفَة الْمَسْجِد ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي ١ / ٣٢٤ ط السَّلَفِيَّة)، وَمُسْلِم (١ / ٢٣٦ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ أَنَس بْن مَالِك، وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ.

(٢) حَدِيث: " اسْتَنْزَهُوا مِنَ الْبَوْل ". أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنِهِ (١ / ١٢٨ ط الْفَنِّيَّة الْمُتَّحِدَة) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَال: الصَّوَابُ مُرْسَل، ثُمَّ ذَكَّرَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْن عَبَّاسٍ بِلَفْظٍ مُقَارِبٍ، وَقَال

(٣) حَدِيث: " إِنَّمَا يَغْسِل الثَّوْبَ مِنْ خَمْس: مِنَ الْغَائِطِ وَالْبَوْل. . " تَقَدَّمَ تَخْرِيجه (ف ١٧) .

(٤) حَدِيث أَمْرِ الرَّسُول ﷺ العرنيين بِشُرْب أَبْوَال الإِْبِل أُخْرِجُهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي ١ / ٣٣٥ ط السَّلَفِيَّة)، وَمُسْلِم (٣ / ١٢٩٦ ط الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ أَنَس بْن مَالِك ﵁.

نَجِسًا لَمَا أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ، وَلِصَلاَتِهِ ﷺ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ (١)، وَلأَِنَّهُ لَوْ كَانَ بَوْل وَرَوْثُ الْحَيَوَانِ مَأْكُول اللَّحْمِ نَجِسًا لَتَنَجَّسَتِ الْحُبُوبُ الَّتِي تَدُوسُهَا الْبَقَرُ فَإِنَّهَا لاَ تَسْلَمُ مِنْ أَبْوَالِهَا.

وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّ بَوْل مَا يُؤْكَل لَحْمُهُ نَجِسٌ نَجَاسَةً خَفِيفَةً، أَمَّا رَوْثُهُ فَهُوَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ نَجِسٌ نَجَاسَةً غَلِيظَةً، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ نَجَاسَتُهُ خَفِيفَةٌ.

وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّجَاسَةِ الْخَفِيفَةِ وَالْغَلِيظَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ مِنَ الْخَفِيفَةِ وَقِلَّةِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ مِنَ الْغَلِيظَةِ، لاَ فِي كَيْفِيَّةِ التَّطْهِيرِ، لأَِنَّهُ لاَ يَخْتَلِفُ بِالْغِلَظِ وَالْخِفَّةِ.

وَأَمَّا خُرْءُ مَا لاَ يُؤْكَل لَحْمُهُ مِنَ الطُّيُورِ فَهُوَ نَجِسٌ نَجَاسَةً مُخَفَّفَةً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَخُرْءُ مَا يُؤْكَل لَحْمُهُ مِنَ الطُّيُورِ طَاهِرٌ إِلاَّ الدَّجَاجَ وَالْبَطَّ الأَْهْلِيَّ وَالأَْوِزَّ فَنَجَاسَةُ خُرْئِهَا غَلِيظَةٌ لِنَتْنِهِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ بَوْل الْحَيَوَانِ الْمَأْكُول اللَّحْمِ نَجِسٌ وَكَذَلِكَ رَوْثُهُ، وَكَذَا ذَرْقُ الطَّيْرِ، لِمَا وَرَدَ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا جِيءَ لَهُ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ لِيَسْتَنْجِيَ

_________

(١) حَدِيث صَلاَتِهِ ﷺ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ أُخْرِجُهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي ١ / ٥٢٤ ط السَّلَفِيَّة) وَمُسْلِم (١ / ٣٧٣ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ أَنَس بْن مَالِك ﵁.

بِهَا أَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَرَدَّ الرَّوْثَةَ وَقَال: هَذَا رِكْسٌ (١)، وَالرِّكْسُ النَّجَسُ.

وَأَمَّا أَمْرُهُ ﷺ الْعُرَنِيِّينَ بِشُرْبِ أَبْوَال الإِْبِل فَكَانَ لِلتَّدَاوِي، وَالتَّدَاوِي بِالنَّجِسِ جَائِزٌ عِنْدَ فَقْدِ الطَّاهِرِ إِلاَّ خَالِصَ الْخَمْرِ، وَلأَِنَّ أَبْوَال مَأْكُول اللَّحْمِ وَأَرْوَاثَهَا مِمَّا اسْتَحَال بِالْبَاطِنِ، وَكُل مَا اسْتَحَال بِالْبَاطِنِ نَجِسٌ (٢) .

انْظُرْ مُصْطَلَحَ (ذَرْق ف ٣ - ٥، رَوْث ف ٢ - ٣) .

ك - الْمَنِيُّ وَالْمَذْيُ وَالْوَدْيُ:

٢٧ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى نَجَاسَةِ الْمَذْيِ، لِلأَْمْرِ بِغَسْل الذَّكَرِ مِنْهُ وَالْوُضُوءِ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ قَال: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، وَكُنْتُ أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَل النَّبِيَّ ﷺ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الأَْسْوَدِ فَسَأَلَهُ، فَقَال: يَغْسِل ذَكَرَهُ

_________

(١) حَدِيثُ: " هَذَا رَكْس ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (فَتْح الْبَارِي ١ / ٢٥٦ ط السَّلَفِيَّة) مِنْ حَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود ﵁.

(٢) بَدَائِع الصَّنَائِع ١ / ٨٠، ٨١، وَالْفَتَاوَى الْخَانِيَة بِهَامِش الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ١ / ١٩، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ١ / ٤٦ - ٤٨، وَالاِخْتِيَار شَرْح الْمُخْتَار ١ / ٣٠ - ٣٣ ط مُصْطَفَى الْحَلَبِيِّ ١٩٣٦، وَمَرَاقِي الْفَلاَح ص ٣٠، وَجَوَاهِر الإِْكْلِيل ١ / ٩، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ١ / ٥١، وَالشَّرْح الصَّغِير ١ / ٤٧، وَحَاشِيَة الْجُمَل عَلَى الْمَنْهَجِ ١ / ١٧٤، وَالْمَجْمُوعِ ٢ / ٥٥٠، وَالْمُغْنِي ١ / ٧٣١ - ٨٣٢، وَمَطَالِب أُولِي النُّهَى ١ / ٢٣٤، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٧٩.

وَيَتَوَضَّأُ (١)، وَلأَِنَّهُ خَارِجٌ مِنْ سَبِيل الْحَدَثِ لاَ يَخْلُقُ مِنْهُ طَاهِرٌ فَهُوَ كَالْبَوْل.

وَذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى نَجَاسَةِ الْوَدْيِ كَذَلِكَ.

وَاخْتَلَفُوا فِي نَجَاسَةِ الْمَنِيِّ أَوْ طَهَارَتِهِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى نَجَاسَتِهِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى طَهَارَتِهِ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (مَذْي ف ٤، وَمَنِيّ ف ٥، وَوَدْي) .

ل - رُطُوبَةُ الْفَرْجِ:

٢٨ - ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى طَهَارَةِ رُطُوبَةِ فَرْجِ الْمَرْأَةِ الدَّاخِلِيِّ كَسَائِرِ رُطُوبَاتِ الْبَدَنِ، وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى نَجَاسَتِهِ.

أَمَّا رُطُوبَةُ الْفَرْجِ الْخَارِجِيِّ فَطَاهِرَةٌ اتِّفَاقًا.

وَإِذَا كَانَتِ النَّجَاسَةُ فِي مَحَلِّهَا فَلاَ عِبْرَةَ بِهَا بِاتِّفَاقٍ (٢) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ رُطُوبَةَ الْفَرْجِ مِنْ غَيْرِ مُبَاحِ الأَْكْل نَجِسَةٌ، أَمَّا مِنْ مُبَاحِ الأَْكْل فَطَاهِرَةٌ مَا لَمْ يَتَغَذَّ بِنَجِسٍ، وَرُطُوبَةُ فَرْجِ الآْدَمِيِّ نَجِسَةٌ عَلَى الرَّاجِحِ خِلاَفًا لِمَنْ قَال بِطَهَارَتِهِ (٣) .

_________

(١) حَدِيث: " يَغْسِل ذِكْره وَيَتَوَضَّأُ " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي ١ / ٣٧٩ ط السَّلَفِيَّة) وَمُسْلِم (١ / ٢٤٧ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ)، وَاللَّفْظ لِمُسْلِم.

(٢) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ١ / ١١٢، ٢٠٨، ٢٣٣.

(٣) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ١ / ٥٧، وَجَوَاهِر الإِْكْلِيل ١ / ٩ وَمَوَاهِب الْجَلِيل ١ / ١٠٥.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ رُطُوبَةَ الْفَرْجِ مِنَ الآْدَمِيِّ أَوْ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ وَلَوْ غَيْرِ مَأْكُولٍ لَيْسَتْ بِنَجِسٍ فِي الأَْصَحِّ بَل طَاهِرَةٌ لأَِنَّهَا كَعَرَقِهِ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ أَنَّهَا نَجِسَةٌ، لأَِنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ مَحَل النَّجَاسَةِ يَنْجُسُ بِهَا ذَكَرُ الْمُجَامِعِ (١) .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ رُطُوبَةَ فَرْجِ الْمَرْأَةِ طَاهِرَةٌ لِلْحُكْمِ بِطَهَارَةِ مَنِيِّهَا، فَلَوْ حَكَمْنَا بِنَجَاسَةِ رُطُوبَةِ فَرْجِهَا لَزِمَ الْحُكْمُ بِنَجَاسَةِ مَنِيِّهَا.

وَقَالُوا فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ - اخْتَارَهَا أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلاَ وَجَزَمَ بِهِ فِي الإِْفَادَاتِ - إِنَّ رُطُوبَةَ الْفَرْجِ نَجِسَةٌ، وَقَال الْقَاضِي: مَا أَصَابَ مِنْهُ فِي حَال الْجِمَاعِ نَجِسٌ لأَِنَّهُ لاَ يَسْلَمُ مِنَ الْمَذْيِ (٢) .

حُكْمُ الْخَمْرِ:

٢٩ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْخَمْرَ نَجِسَةٌ كَالْبَوْل وَالدَّمِ، لِثُبُوتِ حُرْمَتِهَا وَتَسْمِيَتِهَا رِجْسًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَْنْصَابُ وَالأَْزْلاَمُ رِجْسٌ (٣)، وَالرِّجْسُ فِي اللُّغَةِ: الشَّيْءُ الْقَذِرُ أَوِ النَّتِنُ.

_________

(١) مُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٨١، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ١ / ٢٢٨ - ٢٢٩، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج ١ / ٣١٥ - ٣١٦.

(٢) كَشَّاف الْقِنَاع ١ / ١٩٥، وَمَطَالِب أُولِي النُّهَى ١ / ٢٣٧، وَالإِْنْصَاف ١ / ٣٤١.

(٣) سُورَة الْمَائِدَة / ٩٠

وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْهُمْ رَبِيعَةُ شَيْخُ مَالِكٍ وَالصَّنْعَانِيُّ وَالشَّوْكَانِيُّ إِلَى طَهَارَتِهَا تَمَسُّكًا بِالأَْصْل، وَحَمَلُوا الرِّجْسَ فِي الآْيَةِ عَلَى الْقَذَارَةِ الْحُكْمِيَّةِ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (أَشْرِبَة ف ٣٠ - ٣٢ وَمَا بَعْدَهَا، وَتَخْلِيل ف ١٣ - ١٤) .

مَا تُلاَقِيهِ النَّجَاسَةُ:

أ - تَلاَقِي الْجَافَّيْنِ أَوِ الطَّاهِرِ الْجَافِّ بِالنَّجِسِ الْمَائِعِ أَوِ الْمُبْتَل وَعَكْسِهِ:

٣٥ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوِ ابْتَل فِرَاشٌ أَوْ تُرَابٌ نَجِسَانِ مِنْ عَرَقِ نَائِمٍ أَوْ بَلَل قَدَمٍ وَظَهَرَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ فِي الْبَدَنِ وَالْقَدَمِ تَنَجَّسَا وَإِلاَّ فَلاَ، كَمَا لاَ يَنْجُسُ ثَوْبٌ جَافٌّ طَاهِرٌ لُفَّ فِي ثَوْبٍ نَجِسٍ رَطْبٍ لاَ يَنْعَصِرُ الرَّطْبُ لَوْ عُصِرَ، وَلاَ يَنْجُسُ ثَوْبٌ رَطْبٌ بِنَشْرِهِ عَلَى أَرْضٍ نَجِسَةٍ يَابِسَةٍ فَتَنَدَّتْ مِنْهُ وَلَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهَا فِيهِ، وَلاَ بِرِيحٍ هَبَّتْ عَلَى نَجَاسَةٍ فَأَصَابَتِ الثَّوْبَ إِلاَّ أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُهَا فِيهِ أَيِ الثَّوْبِ، وَقِيل: يَنْجُسُ إِنْ كَانَ مَبْلُولًا لاِتِّصَالِهَا بِهِ.

وَلَوْ خَرَجَ مِنْهُ رِيحٌ وَمَقْعَدَتُهُ مَبْلُولَةٌ فَالصَّحِيحُ طَهَارَةُ الرِّيحِ الْخَارِجَةِ فَلاَ تُنَجِّسُ الثِّيَابَ الْمُبْتَلَّةَ (١) .

_________

(١) حَاشِيَة الطحطاوي عَلَى مَرَاقِي الْفَلاَح ٨٥، وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ١ / ٢٣١، ٢٢١ - ٢٢٣، ٥ / ٤٦٨، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ١ / ٤١، ٤٥.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لَوْ زَال عَيْنُ النَّجَاسَةِ عَنِ الْمَحَل بِغَيْرِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ مِنْ مُضَافٍ وَبَقِيَ بَلَلُهُ، فَلاَقَى جَافًّا، أَوْ جَفَّ وَلاَقَى مَبْلُولًا لَمْ يَتَنَجَّسْ مُلاَقِي مَحَلِّهَا عَلَى الْمَذْهَبِ، إِذْ لَمْ يَبْقَ إِلاَّ الْحُكْمُ وَهُوَ لاَ يَنْتَقِل، وَمُقَابِل الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُضَافَ قَدْ يَتَنَجَّسُ بِمُجَرَّدِ الْمُلاَقَاةِ فَالْبَاقِي نَجِسٌ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ: أَنَّهُ إِذَا لاَقَى الْمَحَل الْمَبْلُول جَافًّا، أَوْ لاَقَى الْمَحَل الْجَافَّ شَيْءٌ مَبْلُولٌ أَنَّهُ يَتَنَجَّسُ بِمُجَرَّدِ الْمُلاَقَاةِ (١) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الأَْعْيَانَ الطَّاهِرَةَ إِذَا لاَقَاهَا شَيْءٌ نَجِسٌ وَأَحَدُهُمَا رَطْبٌ وَالآْخَرُ يَابِسٌ فَيُنَجَّسُ الطَّاهِرُ بِمُلاَقَاتِهَا (٢) .

ب - وُقُوعُ النَّجَاسَةِ فِي مَائِعٍ أَوْ جَامِدٍ:

٣١ - إِذَا وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي سَمْنٍ وَنَحْوِهِ مِنَ الْمَائِعَاتِ الطَّاهِرَةِ، فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهَا تُلْقَى وَمَا حَوْلَهَا وَيُنْتَفَعُ بِالْبَاقِي، لِمَا رَوَتْ مَيْمُونَةُ ﵂ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ سُئِل عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ فَقَال: " أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ، وَكُلُوا سَمْنَكُمْ (٣)

_________

(١) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ١ / ٨٠، وَجَوَاهِر الإِْكْلِيل ١ / ١٣، وَمَوَاهِب الْجَلِيل ١ / ١٦٥، وَشَرْح الزُّرْقَانِيّ ١ / ٥٠.

(٢) الْمُهَذَّب ١ / ٥٥، وَكَشَّاف الْقِنَاع ١ / ١٨٤، ١٨٨، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٨٣.

(٣) حَدِيث مَيْمُونَة: " أَلْقَوْهَا، وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ، وَكُلُوا سُمْنَكُمْ ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي ١ / ٣٤٣ ط السَّلَفِيَّة) .