الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠
وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى عَدَمِ طَهَارَةِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغَةِ.
وَأَمَّا جِلْدُ الْحَيَوَانِ الْحَيِّ غَيْرِ مَأْكُول اللَّحْمِ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ التَّذْكِيَةَ لاَ تُطَهِّرُهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ عِنْدَهُمْ بِالدِّبَاغِ يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَتَفْصِيل مَا سَبَقَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِ (جِلْد ف ٨، ١٠، وَدِبَاغَة ف ٩ وَمَا بَعْدَهَا، وَطَهَارَة ف ٢٣) .
حُكْمُ مَا يَخْرُجُ مِنْ أَبْدَانِ النَّاسِ وَالْحَيَوَانَاتِ:
أ - الرِّيقُ وَالْمُخَاطُ وَالْبَلْغَمُ:
١٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى طَهَارَةِ الْبَلْغَمِ، فَمَنْ قَاءَ بَلْغَمًا لاَ يَنْتَقِضُ وُضُوؤُهُ وَإِنْ مَلأَ الْفَمَ لِطَهَارَتِهِ، لأَِنَّهُ ﷺ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَزَقَ فِيهِ وَرَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ (١)، وَلِهَذَا لاَ يَنْقُضُ النَّازِل مِنَ الرَّأْسِ بِالإِْجْمَاعِ، هُوَ لِلُزُوجَتِهِ لاَ تَتَدَاخَلُهُ النَّجَاسَةُ، وَأَمَّا مَا يُجَاوِرُهُ مِنَ النَّجَاسَةِ فَهُوَ قَلِيلٌ، وَالْقَلِيل غَيْرُ نَاقِضٍ، بِخِلاَفِ الصَّفْرَاءِ فَإِنَّهَا تُمَازِجُهَا.
وَقَال أَبُو يُوسُفَ: إِنْ كَانَ مِنَ الْجَوْفِ نَقَضَ
_________
(١) حَدِيث " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَزَقَ فِيهِ وَرَدّ بَعْضه عَلَى بَعْض ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي ١ / ٥١٣ ط السَّلَفِيَّة) مِنْ حَدِيثِ أَنَس ﵁.
لأَِنَّهُ مَحَل النَّجَاسَةِ فَأَشْبَهَ الصَّفْرَاءَ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ كُل حَيٍّ بَحْرِيًّا كَانَ أَوْ بَرِّيًّا، كَلْبًا أَوْ خِنْزِيرًا أَوْ آدَمِيًّا، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، لُعَابُ ذَلِكَ كُلِّهِ - وَهُوَ مَا سَال مِنْ فَمِهِ فِي يَقَظَةٍ أَوْ نَوْمٍ - طَاهِرٌ، مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ الْمَعِدَةِ بِصُفْرَتِهِ وَنُتُونَتِهِ، فَإِنَّهُ نَجِسٌ، وَلاَ يُسَمَّى حِينَئِذٍ لُعَابًا، وَيُعْفَى عَنْهُ إِذَا لاَزَمَ وَإِلاَّ فَلاَ، وَمُخَاطُهُ كَذَلِكَ طَاهِرٌ، وَهُوَ مَا سَال مِنْ أَنْفِهِ (٢) .
وَالْبَلْغَمُ طَاهِرٌ، وَهُوَ الْمُنْعَقِدُ كَالْمُخَاطِ يَخْرُجُ مِنَ الصَّدْرِ أَوْ يَسْقُطُ مِنَ الرَّأْسِ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ، حَيْثُ يَقُولُونَ بِطِهَارَةِ الْمَعِدَةِ لِعِلَّةِ الْحَيَاةِ، فَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا طَاهِرٌ، وَعِلَّةُ نَجَاسَةِ الْقَيْءِ الاِسْتِحَالَةُ إِلَى فَسَادٍ (٣) .
وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ مَا انْفَصَل عَنْ بَاطِنِ الْحَيَوَانِ، وَلَيْسَ لَهُ اجْتِمَاعٌ وَاسْتِحَالَةٌ فِي الْبَاطِنِ، وَإِنَّمَا يَرْشَحُ رَشْحًا كَاللُّعَابِ وَالدَّمْعِ وَالْعَرَقِ وَالْمُخَاطِ، فَلَهُ حُكْمُ الْحَيَوَانِ الْمُتَرَشَّحِ مِنْهُ، إِنْ كَانَ نَجِسًا فَنَجِسٌ، وَإِلاَّ فَطَاهِرٌ.
وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْبَلْغَمَ الصَّاعِدَ مِنَ الْمَعِدَةِ
_________
(١) مَرَاقِي الْفَلاَح ص ١٨ ط الْحَلَبِيّ، وَالاِخْتِيَار شَرْح الْمُخْتَار ١ / ٩ ط الْحَلَبِيّ.
(٢) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ١ / ٥٠، وَجَوَاهِر الإِْكْلِيل ١ / ٨، وَأَسْهَل الْمَدَارِك شَرْح إِرْشَادِ السَّالِكِ ١ / ٦٤ - ٦٥.
(٣) حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيّ ١ / ٥١، وَالشَّرْح الصَّغِير ١ / ٤٤، وَجَوَاهِر الإِْكْلِيل ١ / ٩.
نَجِسٌ، بِخِلاَفِ النَّازِل مِنَ الرَّأْسِ أَوْ مِنْ أَقْصَى الْحَلْقِ أَوِ الصَّدْرِ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ (١) .
وَيَقُول الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ رِيقَ الآْدَمِيِّ وَمُخَاطَهُ وَنُخَامَتَهُ طَاهِرٌ، فَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُؤِيَ فِي وَجْهِهِ، فَقَامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ فَقَال: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلاَتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ - أَوْ: إِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ - فَلاَ يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَل قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَقَال: أَوْ يَفْعَل هَكَذَا (٢)، وَلَوْ كَانَتْ نَجِسَةً لَمَا أَمَرَ بِمَسْحِهَا فِي ثَوْبِهِ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ وَلاَ تَحْتَ قَدَمِهِ.
وَلاَ فَرْقَ فِي الْبَلْغَمِ بَيْنَ مَا يَخْرُجُ مِنَ الرَّأْسِ وَمَا يَخْرُجُ مِنَ الصَّدْرِ.
وَرِيقُ مَأْكُول اللَّحْمِ طَاهِرٌ، وَمَا لاَ يُؤْكَل لَحْمُهُ وَيُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ، فَهُمَا نَجِسَانِ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِمَا وَفَضَلاَتِهِمَا وَمَا يَنْفَصِل عَنْهُمَا.
الثَّانِي: مَا عَدَاهُمَا مِنْ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ وَجَوَارِحِ
_________
(١) رَوْضَة الطَّالِبِينَ ١ / ١٦ ط الْمَكْتَب الإِْسْلاَمِيّ، وَالإِْقْنَاع لِلشِّرْبِينِيِّ الْخَطِيب ١ / ٣٢، وقليوبي مَعَ الْمِنْهَاجِ ١ / ٦٩ وَحَاشِيَة الْجُمَل ١ / ١٧٤.
(٢) حَدِيث أَنَس: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نُخَامَة فِي الْقِبْلَةِ. . " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي ١ / ٥٠٧ - ٥٠٨ ط السَّلَفِيَّة) .
الطَّيْرِ وَالْبَغْل وَالْحِمَارِ، فَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا نَجِسَةٌ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا وَفَضَلاَتِهَا إِلاَّ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ نَجَاسَتِهَا، وَعَنْهُ مَا يَدُل عَلَى طَهَارَتِهَا فَحُكْمُهَا حُكْمُ الآْدَمِيِّ (١) .
ب - الْقَيْءُ وَالْقَلْسُ:
١٧ - يَقُول الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِنَجَاسَةِ الْقَيْءِ، لأَِنَّهُ طَعَامٌ اسْتَحَال فِي الْجَوْفِ إِلَى النَّتْنِ وَالْفَسَادِ فَكَانَ نَجِسًا (٢)، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِعَمَّارٍ ﵁: إِنَّمَا يُغْسَل الثَّوْبُ مِنْ خَمْسٍ. . . وَعَدَّ مِنْهَا الْقَيْءَ (٣) .
وَهُوَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ نَجِسٌ إِذَا كَانَ مِلْءَ الْفَمِ أَمَّا مَا دُونَهُ فَطَاهِرٌ عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ مِنْ قَوْل أَبِي يُوسُفَ (٤) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ النَّجِسَ مِنْهُ هُوَ الْمُتَغَيِّرُ عَنْ حَال الطَّعَامِ، فَإِنْ كَانَ تَغَيُّرُهُ لِصَفْرَاءَ أَوْ بَلْغَمٍ وَلَمْ
_________
(١) الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة مَعَ الشَّرْحِ ١ / ٧٣٣ - ٧٣٤.
(٢) الْمُهَذَّب ١ / ٥٣ - ٥٤، وَمِنْهَاج الطَّالِبِينَ مَعَ شَرْحِ الْمَحَلِّيّ ١ / ٧٠، وَالإِْقْنَاعِ لِلشِّرْبِينِيِّ الْخَطِيب ١ / ٣١، وَمَنَار السَّبِيل فِي شَرْحِ الدَّلِيل ١ / ٥٣، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة مَعَ الشَّرْحِ ١ / ١٧٥، ١٧٦.
(٣) حَدِيث: " إِنَّمَا يَغْسِل الثَّوْبَ مِنْ خَمْس. . ". أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ (١ / ١٢٧ ط الْفَنِّيَّة الْمُتَّحِدَة) مِنْ حَدِيثِ عَمَّار بْن يَاسِر، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيّ أَنَّ فِي إِسْنَادِهِ رَاوِيَيْنِ ضَعِيفَيْنِ.
(٤) فَتْح الْقَدِير ١ / ١٤١، وَمَرَاقِي الْفَلاَح ص ١٦، ١٨، ٣٠ ط الْحَلَبِيّ، وَالاِخْتِيَار شَرْح الْمُخْتَار ١ / ٨، ٩ ط حِجَازِيّ.
يَتَغَيَّرْ عَنْ حَالَةِ الطَّعَامِ فَطَاهِرٌ (١) .
فَإِذَا تَغَيَّرَ بِحُمُوضَةٍ أَوْ نَحْوِهَا فَهُوَ نَجِسٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ (٢) .
١٨ - أَمَّا الْقَلْسُ - بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ اللاَّمِ - فَهُوَ كَمَا قَال الْمَالِكِيَّةُ: مَاءٌ تَقْذِفُهُ الْمَعِدَةُ أَوْ يَقْذِفُهُ رِيحٌ مِنْ فَمِهَا، وَقَدْ يَكُونُ مَعَهُ طَعَامٌ (٣) .
وَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْقَلْسَ نَجِسٌ، فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ أَوْ قَلْسٌ أَوْ مَذْيٌ فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ، ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى صَلاَتِهِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ لاَ يَتَكَلَّمُ (٤) .
وَقَالُوا: إِنَّ خُرُوجَ النَّجَاسَةِ هُوَ الَّذِي يُؤَثِّرُ فِي زَوَال الطَّهَارَةِ (٥) .
_________
(١) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ١ / ٥١، وَجَوَاهِر الإِْكْلِيل ١ / ٩، وَمَوَاهِب الْجَلِيل ١ / ٩٤، وَالْخَرَشِيُّ عَلَى مُخْتَصَر خَلِيل ١ / ٨٦، وَأَسْهَل الْمَدَارِك شَرْح إِرْشَادِ السَّالِكِ ١ / ٦٣ ط دَار الْفِكْرِ.
(٢) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ عَلَى الشَّرْحِ الْكَبِيرِ ١ / ٥١.
(٣) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ عَلَى الشَّرْحِ الْكَبِيرِ ١ / ٥١، وَالْخَرَشِيُّ عَلَى مُخْتَصَر خَلِيل ١ / ٨٦.
(٤) حَدِيث عَائِشَة ﵂: " مَنْ أَصَابَهُ قَيْء أَوْ رُعَاف أَوْ قَلْس أَوْ مَذْي، فَلْيَتَوَضَّأْ. . " أَخْرَجَهُ ابْن مَاجَة (١ / ٣٨٥ - ٣٨٦ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) وَضِعْف إِسْنَاده الْبُوصَيْرِيّ فِي مِصْبَاحِ الزُّجَاجَةِ (١ / ٢٢٣ ط دَار الْجِنَان) .
(٥) فَتْح الْقَدِير ١ / ٢٦، ٢٧، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَة مَعَ الشَّرْحِ ١ / ١٧٦، ٧٣٤.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الْقَلْسَ طَاهِرٌ كَالْقَيْءِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ حَالَةِ الطَّعَامِ، فَإِنْ تَغَيَّرَ كَانَ نَجِسًا (١) .
ج -
الْجِرَّةُ مِنَ الْحَيَوَانِ الْمُجْتَرِّ:
١٩ - الْجِرَّةُ بِالْكَسْرِ: عَرَّفَهَا الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهَا: مَا يَصْدُرُ مِنْ جَوْفِ الْبَعِيرِ أَوِ الْبَقَرِ أَوِ الْغَنَمِ إِلَى فِيهِ (٢) .
وَعَرَّفَهَا الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهَا مَا يُخْرِجُهُ الْبَعِيرُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ جَوْفِهِ لِلاِجْتِرَارِ (٣) .
وَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ مَا عَدَا زُفَرَ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا نَجِسَةٌ كَرَوْثِهِ، لأَِنَّهُ وَارَاهُ جَوْفُهُ، كَالْمَاءِ إِذَا وَصَل إِلَى جَوْفِهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ بَوْلِهِ، فَكَذَا الْجِرَّةُ يَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ الرَّوْثِ، وَلاَ يَجْتَرُّ مِنَ الْحَيَوَانِ إِلاَّ مَا لَهُ كَرِشٌ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلاَ يَتَأَتَّى ذَلِكَ عِنْدَهُمْ لأَِنَّ مَعِدَةَ مُبَاحِ الأَْكْل طَاهِرَةٌ عِنْدَهُمْ لِعِلَّةِ الْحَيَاةِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ مَرَارَةٍ وَصَفْرَاءَ (٤) .
_________
(١) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ عَلَى الشَّرْحِ الْكَبِيرِ ١ / ٥١، وَمَوَاهِب الْجَلِيل ١ / ٩٤، وَالْخَرَشِيّ عَلَى مُخْتَصَر خَلِيل ١ / ٨٦.
(٢) مَرَاقِي الْفَلاَح ٣٠، وَالاِخْتِيَار شَرْح الْمُخْتَار ١ / ٣١ ط مُصْطَفَى الْحَلَبِيِّ.
(٣) الإِْقْنَاع لِلشِّرْبِينِيِّ الْخَطِيب ١ / ٣١.
(٤) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ١ / ٢٣٣، والقليوبي عَلَى الْمِنْهَاجِ ١ / ٧٢، وَالاِخْتِيَار لِتَعْلِيل الْمُخْتَار ١ / ٣١، وَالأَْشْبَاه وَالنَّظَائِر لاِبْنِ نَجِيمِ ١ / ٢٠٢، وَمَوَاهِبَ الْجَلِيل ١ / ٩٤، ٩٥ ط دَار الْفِكْرِ، وَالْمُغْنِي ٢ / ٨٨ ط مَكْتَبَة الرِّيَاضِ، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٧٩.
د - عَرَقُ الْحَيَوَانِ:
٢٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ طَهَارَةِ عَرَقِ الْحَيَوَانِ أَوْ نَجَاسَتِهِ.
فَذَهَبُوا إِلَى طَهَارَةِ عَرَقِ مَا يُؤْكَل لَحْمُهُ مِنَ الْحَيَوَانِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (عَرَق ف ٤ وَمَا بَعْدَهَا) .
هـ - اللَّبَن:
٢١ - اللَّبَن إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ حَيَوَانٍ، فَإِنْ كَانَ مِنْ آدَمِيٍّ حَيٍّ فَهُوَ طَاهِرٌ بِاتِّفَاقٍ.
وَإِنْ كَانَ مِنْ حَيَوَانٍ حَيٍّ مَأْكُول اللَّحْمِ فَهُوَ طَاهِرٌ بِلاَ خِلاَفٍ.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ تَبَعًا لاِخْتِلاَفِهِمْ فِي حِل أَكْل الْحَيَوَانِ، فَمَا حَل أَكْلُهُ كَانَ لَبَنُهُ طَاهِرًا.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (لَبَن ف ٢ وَمَا بَعْدَهَا) .
و الإِْنْفَحَةُ:
٢٢ - الإِْنْفَحَةُ: مَادَّةٌ بَيْضَاءُ صَفْرَاوِيَّةٌ فِي وِعَاءٍ جِلْدِيٍّ يُسْتَخْرَجُ مِنْ بَطْنِ الْجَدْيِ أَوِ الْحَمَل الرَّضِيعِ يُوضَعُ مِنْهَا قَلِيلٌ فِي اللَّبَنِ الْحَلِيبِ فَيَنْعَقِدُ وَيَتَكَاثَفُ وَيَصِيرُ جُبْنًا، وَجِلْدَةُ الإِْنْفَحَةِ هِيَ الَّتِي تُسَمَّى كَرِشًا إِذَا رَعَى الْحَيَوَانُ
الْعُشْبَ (١) .
وَالإِْنْفَحَةُ إِنْ أُخِذَتْ مِنْ مُذَكًّى ذَكَاةً شَرْعِيَّةً فَهِيَ طَاهِرَةٌ مَأْكُولَةٌ بِالاِتِّفَاقِ، وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ بِأَلاَّ يُطْعَمَ الْمُذَكَّى غَيْرُ اللَّبَنِ.
وَإِنْ أُخِذَتْ مِنْ مَيِّتٍ، أَوْ مِنْ مُذَكًّى ذَكَاةً غَيْرَ شَرْعِيَّةٍ فَهِيَ نَجِسَةٌ غَيْرُ مَأْكُولَةٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَطَاهِرَةٌ مَأْكُولَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ صُلْبَةً أَمْ مَائِعَةً قِيَاسًا عَلَى اللَّبَنِ.
وَقَال الصَّاحِبَانِ: إِنْ كَانَتْ صُلْبَةً يُغْسَل ظَاهِرُهَا وَتُؤْكَل، وَإِنْ كَانَتْ مَائِعَةً فَهِيَ نَجِسَةٌ لِنَجَاسَةِ وِعَائِهَا بِالْمَوْتِ فَلاَ تُؤْكَل (٢) .
وَلِلتَّفْصِيل (ر: أَطْعِمَة ف ٨٥) .
ز - الدَّمُ وَالْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ:
٢٣ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى نَجَاسَةِ الدَّمِ، لِحَدِيثِ أَسْمَاءَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَال: " تَحُتُّهُ ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ وَتَنْضَحُهُ وَتُصَلِّي فِيهِ (٣)، وَقَوْلُهُ ﷺ لِعَمَّارِ بْنِ
_________
(١) الْمِصْبَاح الْمُنِير وَالْقَامُوس الْمُحِيط.
(٢) الْبَدَائِع ٥ / ٤٣، وَالْخَرَشِيّ عَلَى خَلِيل ١ / ٨٥، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ١ / ٢٢٧، وَالْمُغْنِي مَعَ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ ١١ / ٨٩.
(٣) حَدِيث أَسْمَاءٍ ﵂: " تَحُتُّهُ ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ وَتَنْضَحُهُ، وَتُصَلِّي فِيهِ ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي ١ / ٣٣٠ ط السَّلَفِيَّة) وَمُسْلِم (١ / ٢٤٠ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ.
يَاسِرٍ ﵄: إِنَّمَا يُغْسَل الثَّوْبُ مِنَ الْمَنِيِّ وَالْبَوْل وَالدَّمِ (١) وَكَذَلِكَ الْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ لأَِنَّهُمَا مِثْلُهُ.
وَاسْتَثْنَى الْفُقَهَاءُ دَمَ الشَّهِيدِ عَلَيْهِ فَقَالُوا بِطَهَارَتِهِ مَا دَامَ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ لِقَتْلَى أُحُدٍ: زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ فَإِنَّهُ لَيْسَ كَلْمٌ يُكْلَمُ فِي اللَّهِ إِلاَّ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى، لَوْنُهُ لَوْنُ الدَّمِ وَرِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ (٢) . فَإِنِ انْفَصَل الدَّمُ عَنِ الشَّهِيدِ كَانَ الدَّمُ نَجِسًا.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ دَمِ الإِْنْسَانِ الَّذِي لاَ يَسِيل عَنْ رَأْسِ جُرْحِهِ، وَيُعْفَى أَيْضًا عَنْ دَمِ الْبَقِّ وَالْبَرَاغِيثِ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ عَنْهُ وَفِيهِ حَرَجٌ (٣) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُعْفَى عَمَّا دُونَ الدِّرْهَمِ مِنَ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ إِذَا انْفَصَل عَنِ الْحَيَوَانِ (٤) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُعْفَى عَنِ الْيَسِيرِ فِي
_________
(١) حَدِيث: " إِنَّمَا يَغْسِل الثَّوْبَ مِنَ الْمَنِيِّ وَالْبَوْل. . . " سَبَقَ تَخْرِيجَهُ ف ١٧.
(٢) حَدِيث: " زَمَّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ فَإِنَّهُ لَيْسَ كَلِمٌ يُكَلِّمُ. . " أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ (٤ / ٧٨ ط التِّجَارِيَّة الْكُبْرَى) وَأَحْمَد (٥ / ٤٣١ ط الميمنية) مِنْ حَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن ثَعْلَبَة، وَاللَّفْظ لِلنِّسَائِيِّ، وَقَال السُّيُوطِيّ: صَحِيحٌ (فَيْض الْقَدِير ٤ / ٦٥ ط التِّجَارِيَّة الْكُبْرَى) .
(٣) الاِخْتِيَار شَرْح الْمُخْتَارِ ١ / ٨، ٣٠، ٣١، وَمَرَاقِي الْفَلاَح ١٧، ٣٠ ط الْحَلَبِيّ.
(٤) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ١ / ٥٧، وَالْخَرَشِيّ عَلَى مُخْتَصَر خَلِيل ١ / ٨٧.
الْعُرْفِ مِنَ الدَّمِ وَالْقَيْحِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ نَفْسِهِ كَأَنِ انْفَصَل مِنْهُ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ أَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِ، إِلاَّ دَمَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَفَرْعَ أَحَدِهِمَا فَلاَ يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ لِغِلَظِ نَجَاسَتِهِ، وَأَمَّا دَمُ الشَّخْصِ نَفْسِهِ الَّذِي لَمْ يَنْفَصِل مِنْهُ كَدَمِ الدَّمَامِيل وَالْقُرُوحِ وَمَوْضِعِ الْفَصْدِ فَيُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، انْتَشَرَ بِعَرَقٍ أَمْ لاَ.
وَيُعْفَى عَنْ دَمِ الْبَرَاغِيثِ وَالْقَمْل وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَيَشُقُّ الاِحْتِرَازُ عَنْهُ، وَمَحَل الْعَفْوِ عَنْ سَائِرِ الدِّمَاءِ مَا لَمْ يَخْتَلِطْ بِأَجْنَبِيٍّ، فَإِنِ اخْتَلَطَتْ بِهِ كَأَنْ خَرَجَ مِنْ عَيْنِهِ دَمٌ أَوْ دَمِيَتْ لِثَتُهُ لَمْ يُعْفَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ.
وَأَمَّا مَا لاَ يُدْرِكُهُ الْبَصَرُ مِنَ النَّجَاسَاتِ فَيُعْفَى عَنْهُ وَلَوْ مِنَ النَّجَاسَةِ الْمُغَلَّظَةِ لِمَشَقَّةِ الاِحْتِرَازِ عَنْهُ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ دَمٍ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ مِنْ قَيْحٍ وَصَدِيدٍ فِي غَيْرِ مَائِعٍ وَمَطْعُومٍ، أَيْ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ فِي الصَّلاَةِ، لأَِنَّ الإِْنْسَانَ غَالِبًا لاَ يَسْلَمُ مِنْهُ وَيَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَقَدْرُ الْيَسِيرِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ هُوَ مَا لاَ يَفْحُشُ فِي النَّفْسِ، وَالْمَعْفُوُّ عَنْهُ مِنَ الْقَيْحِ وَنَحْوِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يُعْفَى عَنْ مِثْلِهِ مِنَ الدَّمِ، وَالْمَعْفُوُّ عَنْهُ هُوَ مَا كَانَ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ خَارِجًا مِنْ غَيْرِ سَبِيلٍ، فَإِنْ كَانَ مِنْ سَبِيلٍ لَمْ
_________
(١) الإِْقْنَاع لِلشِّرْبِينِيِّ الْخَطِيب ١ / ٨٢، ٨٣.