الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠ الصفحة 15

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٠

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ تَمْيِيزِ الأَْعْيَانِ الطَّاهِرَةِ عَنِ النَّجِسَةِ:

أ - الْجَمَادَاتُ كُلُّهَا عَلَى الطَّهَارَةِ إِلاَّ الْمُسْكِرَ.

ب - وَالْحَيَوَانَاتُ كُلُّهَا عَلَى الطَّهَارَةِ.

ج - وَالْمَيْتَاتُ كُلُّهَا عَلَى النَّجَاسَةِ.

د - وَدُودُ الطَّعَامِ كُلُّهُ طَاهِرٌ، وَلاَ يَحْرُمُ أَكْلُهُ مَعَ الطَّعَامِ، وَكُل مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ لاَ يَنْجَسُ بِالْمَوْتِ، وَلاَ يَنْجَسُ مَا مَاتَ فِيهِ مِنْ مَاءٍ أَوْ مَائِعٍ (١) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الأَْصْل فِي الأَْعْيَانِ الطَّهَارَةُ.

وَفَصَّلُوا فِي ضَبْطِهَا فَقَالُوا: الأَْعْيَانُ جَمَادٌ وَحَيَوَانٌ.

فَالْجَمَادُ كُلُّهُ طَاهِرٌ.

وَالْحَيَوَانُ - أَيِ الْحَيُّ - كُلُّهُ طَاهِرٌ إِلاَّ الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ وَفَرْعَ كُلٍّ مِنْهُمَا.

وَجُزْءُ الْحَيَوَانِ كَمَيْتَتِهِ.

وَالْمَيْتَةُ كُلُّهَا نَجِسَةٌ إِلاَّ السَّمَكَ، وَالْجَرَادَ، وَالآْدَمِيَّ، وَالْجَنِينَ بَعْدَ ذَكَاةِ أُمِّهِ، وَالصَّيْدَ الَّذِي لاَ تُدْرَكُ ذَكَاتُهُ.

وَالْمُنْفَصِل عَنِ الْحَيَوَانِ إِمَّا يَرْشَحُ رَشْحًا كَالْعَرَقِ، وَلَهُ حُكْمُ حَيَوَانِهِ - أَيِ الْحَيِّ - وَإِمَّا لَهُ

_________

(١) عقد الجواهر الثمينة ١ / ١١.

اسْتِحَالَةٌ فِي الْبَاطِنِ كَالْبَوْل فَهُوَ نَجِسٌ إِلاَّ مَا اسْتُثْنِيَ (١) .

تَقْسِيمُ النَّجَاسَةِ إِلَى نَجَاسَةٍ عَيْنِيَّةٍ وَنَجَاسَةٍ حُكْمِيَّةٍ:

٥ - مِنْ تَقْسِيمَاتِ النَّجَاسَةِ الَّتِي جَرَى عَلَيْهَا الْفُقَهَاءُ تَقْسِيمُهَا إِلَى نَجَاسَةٍ عَيْنِيَّةٍ وَنَجَاسَةٍ حُكْمِيَّةٍ.

وَفِي ذَلِكَ يَقُول الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الْعَيْنِيَّةَ تَعْنِي الْخَبَثَ، وَالْحُكْمِيَّةَ تَعْنِي الْحَدَثَ.

وَعَرَّفُوا الْخَبَثَ بِأَنَّهُ: عَيْنٌ مُسْتَقْذَرَةٌ شَرْعًا.

وَعَرَّفُوا الْحَدَثَ بِأَنَّهُ: وَصْفٌ شَرْعِيٌّ يَحُل فِي الأَْعْضَاءِ يُزِيل الطَّهَارَةَ (٢) . سَوَاءٌ كَانَ أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ، فَلاَ تَحِل مَثَلًا صَلاَةٌ مَعَ وُجُودِهِ حَتَّى يَضَعَ مُرِيدُ الصَّلاَةِ الطَّهُورَ مَوَاضِعَهُ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: " إِنَّهُ لاَ تَتِمُّ صَلاَةٌ لأَِحَدٍ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ فَيَضَعَ الْوُضُوءَ مَوَاضِعَهُ (٣) فَهُوَ يُوجِبُ الطَّهَارَةَ مِنَ

_________

(١) حاشية البرلسي مع القليوبي على شرح المحلي للمنهاج ١ / ٦٨ - ٦٩، وحاشية الجمل على شرح المنهج ١ / ١٦٨، وروضة الطالبين ١ / ١٣، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٦٠، ومغني المحتاج ١ / ٧٧.

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٥٨، ٢٠٥ ط بولاق.

(٣) حديث: " إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس. . " أخرجه الطبراني في الكبير (٥ / ٣٨ ط وزارة الأوقاف العراقية) من حديث رفاعة الزرقي، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢ / ١٠٤ ط القدسي): رجاله رجال الصحيح.

النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ.

وَيَطْهَرُ الْخَبَثُ بِزَوَالِهِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: " اغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي (١) فَإِنَّهُ يُوجِبُ الطَّهَارَةَ مِنَ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ (٢) .

وَيَمْنَعُ بَقَاءَ الْحُكْمِيَّةِ عَنِ الْمَشْرُوطِ بِزَوَالِهَا بَقَاءُ بَعْضِ الْمَحَل وَإِنْ قَل مِنْ غَيْرِ إِصَابَةِ مُزِيلِهَا. فَالْمُحْدِثُ حَدَثًا أَصْغَرَ يَمْنَعُهُ قِيَامُ هَذَا الْحَدَثِ مِنَ الصَّلاَةِ مَثَلًا حَتَّى يَتَوَضَّأَ حَالَةَ وُجُودِ الْمَاءِ أَوْ يَتَيَمَّمَ حَالَةَ فَقْدِهِ بِشُرُوطِهِ، وَالْمُحْدِثُ حَدَثًا أَكْبَرَ يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَغْتَسِل. وَعَلَى هَذَا فَقَلِيل الْحُكْمِيَّةِ يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلاَةِ بِالاِتِّفَاقِ.

وَالْعَيْنِيَّةُ تَخْتَلِفُ مِنْ حَيْثُ غِلَظِهَا وَخِفَّتِهَا، وَقَلِيلُهَا عَفْوٌ، وَهُوَ دُونَ مُقَعَّرِ الْكَفِّ فِي الْغَلِيظَةِ، وَدُونَ رُبْعِ الثَّوْبِ أَوِ الْبَدَنِ فِي الْخَفِيفَةِ، وَتَطْهَرُ بِزَوَال عَيْنِهَا فِي الْمَرْئِيِّ، وَبِالْغُسْل فِي غَيْرِهِ (٣) .

وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الْعَيْنِيَّةَ هِيَ مَا لاَ تَتَجَاوَزُ مَحَل حُلُول مُوجِبِهَا كَالنَّجَاسَاتِ، وَالْحُكْمِيَّةَ

_________

(١) حديث: " اغسلي عنك الدم وصلي ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٣٣٢ ط السلفية) ومسلم (١ / ٢٦٢ ط عيسى الحلبي) من حديث عائشة ﵂.

(٢) الاختيار شرح المختار ١ / ٤٣ ط مطبعة حجازي - القاهرة.

(٣) مراقي الفلاح ص ٤٥، ٥٢، والعناية بهامش فتح القدير ١ / ١٣٢، وابن عابدين ١ / ٢١٥ ط الثالثة.

هِيَ مَا تَتَجَاوَزُهُ بِغَسْل أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ أَوْ جَمِيعِ الْبَدَنِ بِخُرُوجِ الْخَارِجِ وَبِنُزُول الْمَنِيِّ.

وَقَدْ تُطْلَقُ الْحُكْمِيَّةُ عَلَى مَا لاَ وَصْفَ لَهُ مِنْ طَعْمٍ أَوْ لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ مِنْ بَابِ مَجَازِ الْمُشَاكَلَةِ (١) .

وَيَقُول الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الْحَدَثَ هُوَ الْوَصْفُ الْمَانِعُ مِنَ الصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا، الْمُقَدَّرُ شَرْعًا قِيَامُهُ بِجَمِيعِ الْبَدَنِ أَوْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَقَطْ عِنْدَ مُوجِبِهِ.

وَالْخَبَثُ: هُوَ الْوَصْفُ الْمُقَدَّرُ شَرْعًا قِيَامُهُ بِعَيْنِ النَّجَاسَةِ (٢) .

وَفِي ذَلِكَ يَقُولُونَ: النَّجَاسَةُ حَدَثٌ وَخَبَثٌ، فَالْحَدَثُ هُوَ الْمَنْعُ الْقَائِمُ بِالأَْعْضَاءِ لِمُوجِبٍ مِنْ بَوْلٍ وَنَحْوِهِ أَوْ جَنَابَةٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ.

وَإِنْ كَانَ الْمَمْنُوعُ مِنْهُ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يُرِيدُ الدُّخُول فِي الصَّلاَةِ ثَوْبًا أَوْ مَكَانًا فَهِيَ طَهَارَةُ خَبَثٍ أَيْ طَهَارَةٌ مِنْهُ.

وَالْحَدَثُ وَالْخَبَثُ لاَ يُرْفَعَانِ إِلاَّ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ.

وَالْحَدَثُ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: الأَْكْبَرُ وَالأَْصْغَرُ، أَمَّا الأَْكْبَرُ فَهُوَ الْجَنَابَةُ وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ، وَالأَْصْغَرُ هُوَ الْبَوْل وَالْغَائِطُ وَالرِّيحُ وَالْمَذْيُ وَالْوَدْيُ.

وَأَمَّا الْخَبَثُ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ النَّجَاسَةِ الْقَائِمَةِ

_________

(١) القليوبي ١ / ١٧، ٦٩.

(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٣١، ٣٣، وجواهر الإكليل ١ / ٥.

بِالشَّخْصِ أَوِ الثَّوْبِ أَوِ الْمَكَانِ.

وَهَذِهِ الأَْشْيَاءُ هِيَ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِالأَْحْدَاثِ وَالأَْخْبَاثِ، وَلاَ يَصِحُّ التَّطْهِيرُ مِنْهَا إِلاَّ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ الْمُطْلَقِ، وَهُوَ مَا كَانَ عَلَى خِلْقَتِهِ أَوْ تَغَيَّرَ بِمَا لاَ يَنْفَكُّ عَنْهُ غَالِبًا كَقَرَارِهِ وَالْمُتَوَلِّدِ مِنْهُ، قَال تَعَالَى: وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (١) وَالْمَاءُ الطَّهُورُ مَا كَانَ طَاهِرًا فِي نَفْسِهِ مُطَهِّرًا لِغَيْرِهِ، كَمَاءِ الْمَطَرِ وَالْبَحْرِ وَالْبِئْرِ إِذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ شَيْءٌ مِنْ أَوْصَافِهِ الثَّلاَثَةِ، وَهِيَ اللَّوْنُ وَالطَّعْمُ وَالرِّيحُ (٢) .

وَيَقُول الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الْحَدَثَ هُوَ الْوَصْفُ الْقَائِمُ بِالْبَدَنِ الْمَانِعُ مِنَ الصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا، وَزَوَال هَذَا الْوَصْفِ يَكُونُ بِالْوُضُوءِ فِي الْحَدَثِ الأَْصْغَرِ، وَبِالْغُسْل فِي الْحَدَثِ الأَْكْبَرِ (الْجَنَابَةُ وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ) .

وَالْخَبَثُ مَا كَانَ نَجِسًا مُسْتَقْذَرًا، وَتَطْهِيرُهُ بِغَسْلِهِ بِالْمَاءِ، فَهُوَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَيُزِيل الْخَبَثَ (٣) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيُنَزِّل عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً

_________

(١) سورة الفرقان / ٤٨.

(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٣٢، ٤٠، والشرح الصغير ١ / ٢٥، ٣٦، وأسهل المدارك شرح إرشاد السالك ١ / ٣٤ ط دار الفكر.

(٣) منار السبيل في شرح الدليل ١ / ٨ المكتب الإسلامي، ونيل المآرب بشرح دليل الطالب ١ / ٣٨، نشر مكتبة الفلاح، والمغني لابن قدامة مع الشرح ١ / ٧١٤ ط دار الكتاب.

لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ (١) وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: " اللَّهُمَّ اغْسِل خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ (٢)، وَقَوْلِهِ فِي الْبَحْرِ: " هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِل مَيْتَتُهُ (٣) .

وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْخَبَثَ يَخْتَصُّ بِالنَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَيُقَسِّمُونَ النَّجَاسَةَ الْحَقِيقِيَّةَ (الْخَبَثَ) إِلَى قِسْمَيْنِ: مُغَلَّظَةٌ وَمُخَفَّفَةٌ.

فَمَا تَوَافَقَتْ عَلَى نَجَاسَتِهِ الأَْدِلَّةُ فَمُغَلَّظٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، سَوَاءٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ وَكَانَ فِيهِ بَلْوَى أَمْ لاَ، وَإِلاَّ فَهُوَ مُخَفَّفٌ.

وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: مَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى نَجَاسَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ بَلْوَى فَمُغَلَّظٌ وَإِلاَّ فَمُخَفَّفٌ، وَلاَ نَظَرَ لِلأَْدِلَّةِ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: النَّجَاسَةُ الْعَيْنِيَّةُ (الْخَبَثُ) ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ: مُغَلَّظَةٌ أَوْ مُخَفَّفَةٌ أَوْ مُتَوَسِّطَةٌ:

الْقِسْمُ الأَْوَّل: مَا نَجُسَ بِمُلاَقَاةِ شَيْءٍ مِنْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا.

الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا تَنَجَّسَ بِبَوْل صَبِيٍّ لَمْ يُطْعَمْ

_________

(١) سورة الأنفال / ١١.

(٢) حديث: " اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد " أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٢٢٧ ط السلفية) ومسلم (١ / ٤١٩ ط عيسى الحلبي) من حديث أبي هريرة ﵁، واللفظ للبخاري.

(٣) حديث: " هو الطهور ماؤه الحل ميتته ". أخرجه أبو داود (١ / ٦٤ ط حمص) والترمذي (١ / ١٠١ ط الحلبي) من حديث أبي هريرة ﵁، وقال الترمذي: حسن صحيح.

غَيْرَ لَبَنٍ.

الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا تَنَجَّسَ بِغَيْرِهِمَا (١) .

طَهَارَةُ الآْدَمِيِّ وَنَجَاسَتُهُ:

٦ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى طَهَارَةِ الآْدَمِيِّ الْحَيِّ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ (٢) وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَنْزَل وَفْدَ ثَقِيفٍ فِي الْمَسْجِدِ (٣)، وَلَوْ كَانَتْ أَبْدَانُهُمْ نَجِسَةً لَمْ يُنْزِلْهُمْ فِيهِ تَنْزِيهًا لَهُ (٤) .

وَأَمَّا الآْدَمِيُّ الْمَيِّتُ فَيَرَى عَامَّةُ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يَتَنَجَّسُ بِالْمَوْتِ لِمَا فِيهِ مِنَ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ، كَمَا يَتَنَجَّسُ سَائِرُ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي لَهَا دَمٌ سَائِلٌ بِالْمَوْتِ، وَلِهَذَا لَوْ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ يُوجِبُ تَنَجُّسَهُ، إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا غُسِل يُحْكَمُ بِطِهَارَتِهِ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا كَرَامَةً لَهُ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَإِنَّهُ لاَ يَطْهُرُ بِالْغَسْل، وَأَنَّهُ لاَ تَصِحُّ صَلاَةُ حَامِلِهِ (٥) .

_________

(١) مراقي الفلاح ص ٨٢، ومغني المحتاج ١ / ٨٣، ٨٥.

(٢) سورة الإسراء / ٧٠.

(٣) حديث: " أنزل النبي ﷺ وفد ثقيف في المسجد ". أخرجه أبو داود (٣ / ٤٢١ ط حمص) من حديث الحسن البصري عن عثمان بن أبي العاص ﵁، وقال المنذري في مختصر السنن (٤ / ٢٤٤): إن الحسن البصري لم يسمع من عثمان بن أبي العاص.

(٤) الاختيار شرح المختار ١ / ١٧، والإقناع للشربيني الخطيب ١ / ٣٠، والمغني لابن قدامة ١ / ٤٣ ط دار الكتاب العربي.

(٥) الاختيار شرح المختار ١ / ١٥ ط حجازي، وبدائع الصنائع ١ / ٢٩٩، وحاشية ابن عابدين ١ / ١٤١.

وَيَقُول الْمَالِكِيَّةُ: مَيْتَةُ الآْدَمِيِّ وَلَوْ كَافِرًا طَاهِرَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ شَعْبَانَ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ نَجَاسَتُهُ.

قَال عِيَاضٌ: لأَِنَّ غَسْلَهُ وَإِكْرَامَهُ يَأْبَى تَنْجِيسَهُ، إِذْ لاَ مَعْنَى لِغَسْل الْمَيْتَةِ الَّتِي هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْعَذِرَةِ وَلِصَلاَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى سُهَيْل بْنِ بَيْضَاءَ ﵁ فِي الْمَسْجِدِ (١)، وَلِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَبَّل عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ بَعْدَ الْمَوْتِ (٢)، وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَمَا فَعَل عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ ذَلِكَ (٣) .

وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ كَذَلِكَ بِطَهَارَةِ الآْدَمِيِّ الْمَيِّتِ مُسْلِمًا أَوْ غَيْرَ مُسْلِمٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ (٤) وَتَكْرِيمُهُمْ يَقْتَضِي طَهَارَتَهُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، وَقَضِيَّةُ التَّكْرِيمِ أَنْ لاَ يُحْكَمَ بِنَجَاسَتِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُسْلِمُ وَغَيْرُهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ

_________

(١) حديث صلاته ﵊ على سهيل بن بيضاء في المسجد. أخرجه مسلم (٢ / ٦٦٨ ط عيسى الحلبي) من حديث عائشة ﵂.

(٢) حديث: " قبل النبي ﷺ عثمان بن مظعون بعد الموت ". أخرجه أبو داود (٣ / ٥١٣ ط حمص) والترمذي (٣ / ٣٠٦ ط الحلبي) من حديث عائشة ﵂، وقال الترمذي: حسن صحيح.

(٣) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك ١ / ٦٤ - ٦٥ ط دار الفكر، والشرح الكبير ١ / ٥٣، ٥٤.

(٤) سورة الإسراء / ٧٠.

نَجَسٌ سورة التوبة / ٢٨. فَالْمُرَادُ بِهِ نَجَاسَةُ الاِعْتِقَادِ أَوِ اجْتِنَابُهُمْ كَالنَّجِسِ لاَ نَجَاسَةُ الأَْبْدَانِ (١) .

وَيَقُول الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الصَّحِيحَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الآْدَمِيَّ طَاهِرٌ حَيًّا وَمَيِّتًا، لِقَوْلِهِ ﷺ: " إِنَّ الْمُؤْمِنَ لاَ يَنْجُسُ (٢) وَلأَِنَّهُ آدَمِيٌّ فَلَوْ نَجُسَ بِالْمَوْتِ لَمْ يَطْهُرْ بِالْغُسْل كَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي تَنْجُسُ.

وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ لاِسْتِوَائِهِمَا فِي الآْدَمِيَّةِ وَفِي حَال الْحَيَاةِ، وَيُحْتَمَل أَنْ يَنْجُسَ الْكَافِرُ بِمَوْتِهِ، لأَِنَّ الْخَبَرَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي الْمُسْلِمِ وَلاَ يَصِحُّ قِيَاسُ الْكَافِرِ عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ لاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُ حُرْمَةٌ كَحُرْمَةِ الْمُسْلِمِ (٣) . .

٧ - وَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: أَنَّ حُكْمَ أَجْزَاءِ الآْدَمِيِّ وَأَبْعَاضِهِ حُكْمُ جُمْلَتِهِ سَوَاءٌ انْفَصَلَتْ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ، لأَِنَّهَا أَجْزَاءٌ مِنْ جُمْلَتِهِ وَلأَِنَّهَا يُصَلَّى عَلَيْهَا فَكَانَتْ طَاهِرَةً كَجُمْلَتِهِ (٤) .

_________

(١) الإقناع للشربيني الخطيب ١ / ٣٠.

(٢) حديث: " إن المؤمن لا ينجس ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٣٩١ ط السلفية)، ومسلم (١ / ٢٨٢ ط عيسى الحلبي) من حديث أبي هريرة ﵁.

(٣) المغني لابن قدامة ١ / ٤٦.

(٤) الاختيار شرح المختار ١ / ١٥، ومراقي الفلاح ص ٤٩، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١ / ٥٤، والإقناع للشربيني ١ / ٣٠، المغني لابن قدامة ١ / ٤٦.

وَذَكَرَ الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهَا نَجِسَةٌ رِوَايَةً وَاحِدَةً لأَِنَّهَا لاَ حُرْمَةَ لَهَا بِدَلِيل أَنَّهُ لاَ يُصَلَّى عَلَيْهَا (١) .

طَهَارَةُ الْحَيَوَانِ الْحَيِّ وَنَجَاسَتُهُ:

أ - الْكَلْبُ:

٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْكَلْبِ مِنْ حَيْثُ الطَّهَارَةُ وَالنَّجَاسَةُ.

فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْكَلْبَ نَجِسُ الْعَيْنِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْكَلْبَ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ، وَلَكِنَّ سُؤْرَهُ وَرُطُوبَاتِهِ نَجِسَةٌ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْكَلْبَ طَاهِرُ الْعَيْنِ، لِقَوْلِهِمْ: الأَْصْل فِي الأَْشْيَاءِ الطَّهَارَةُ، فَكُل حَيٍّ وَلَوْ كَلْبًا طَاهِرٌ، وَكَذَا عَرَقُهُ وَدَمْعُهُ وَمُخَاطُهُ وَلُعَابُهُ.

كَمَا اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ شَعْرِ الْكَلْبِ، وَحُكْمِ مَعَضِّ كَلْبِ الصَّيْدِ مِنْ حَيْثُ النَّجَاسَةُ وَالطَّهَارَةُ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْحُكْمِ بِالنَّجَاسَةِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى الْحُكْمِ بِالطَّهَارَةِ.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ كُلِّهِ فِي مُصْطَلَحِ (كَلْب ف ١٥ - ١٩، شَعْر وَصُوف وَوَبَر ف ١٩، صَيْد.

ف ٤٤) .

_________

(١) المغني لابن قدامة ١ / ٤٥ - ٤٦.