الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤ الصفحة 62

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤

الْمُشْتَرَكِ، وَعَلَيْهِ الْكَرْخِيُّ وَفَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيَّ وَالْبَصْرِيُّ وَالْجُبَّائِيُّ وَأَبُو هَاشِمٍ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ.

وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلاَّنِيُّ الْمَالِكِيُّ وَالْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ الْمُعْتَزِلِيُّ إِلَى جَوَازِ عُمُومِ الْمُشْتَرَكِ. (١)

مَوَاطِنُ الاِشْتِرَاكِ:

٥ - يَرِدُ الاِشْتِرَاكُ كَثِيرًا فِي الْفِقْهِ فِيمَا نُجْمِل بَعْضَ أَحْكَامِهِ مَعَ الإِْحَالَةِ إِلَى مَوْطِنِهَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ.

أ - الشَّرِكَةُ:

وَهِيَ نَوْعَانِ جَبْرِيَّةٌ وَاخْتِيَارِيَّةٌ.

(١) الْجَبْرِيَّةُ: وَهِيَ بِأَنْ يَخْتَلِطَ مَالاَنِ لِرَجُلَيْنِ اخْتِلاَطًا لاَ يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا، أَوْ يَرِثَا مَالًا.

(٢) الاِخْتِيَارِيَّةُ: بِأَنْ يَشْتَرِيَا عَيْنًا، أَوْ يَتَّهِبَا، أَوْ يُوصَى لَهُمَا فَيَقْبَلاَنِ، أَوْ يَسْتَوْلِيَا عَلَى مَالٍ، أَوْ يَخْلِطَا مَالَهُمَا. وَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَجْنَبِيٌّ فِي نَصِيبِ الآْخَرِ، لاَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ. وَالشَّرِكَةُ فِي الْعُقُودِ نَوْعَانِ أَيْضًا: فَهِيَ إِمَّا شَرِكَةٌ فِي الْمَال، أَوْ شَرِكَةٌ فِي الأَْعْمَال. فَالشَّرِكَةُ فِي الأَْمْوَال أَنْوَاعٌ: مُفَاوَضَةٌ وَعَنَانٌ وَوُجُوهٌ، وَشَرِكَةٌ فِي الْعُرُوضِ. وَالشَّرِكَةُ فِي الأَْعْمَال نَوْعَانِ: جَائِزَةٌ، وَهِيَ شَرِكَةُ الصَّنَائِعِ، وَفَاسِدَةٌ وَهِيَ الشَّرِكَةُ فِي الْمُبَاحَاتِ.

وَهُنَاكَ اخْتِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي مَشْرُوعِيَّةِ بَعْضِ الشَّرِكَاتِ. (٢) وَفِي تَفْصِيل أَنْوَاعِ الشَّرِكَاتِ رَاجِعْ مُصْطَلَحَ (شَرِكَة) .

_________

(١) فواتح الرحموت ١ / ١٠١، والمنار مع حواشيه ص ٣٤٣، وجمع الجوامع ١ / ٤٩٤ - ٤٩٥.

(٢) الاختيار ٣ / ١٢ وما بعدها، والإقناع للشربيني ١ / ٢٩١ وما بعدها، ومنار السبيل ١ / ٤٠٠ ط المكتب الإسلامي، وبلغة السالك ١ / ١٦٥ وما بعدها ط دار المعرفة.

ب - الاِشْتِرَاكُ فِي الْجِنَايَةِ:

بِأَنْ يَشْتَرِكَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا فِي قَتْلٍ عَمْدٍ أَوْ شِبْهِ عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ أَوْ قَطْعِ عُضْوٍ أَوْ جُرْحٍ، فَاخْتُلِفَ فِي الاِنْتِقَال إِلَى الدِّيَةِ، أَوْ قَتْل الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ عَلَى تَفْصِيلٍ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (جِنَايَاتٌ، قِصَاص) .

- الاِشْتِرَاكُ فِي الإِْرْثِ:

وَهُوَ اشْتِرَاكٌ جَبْرِيٌّ كَمَا تَقَدَّمَ. وَفِي كَيْفِيَّةِ تَوْزِيعِ الأَْنْصِبَةِ وَإِعْطَاءِ كُل ذِي حَقٍّ حَقَّهُ اُنْظُرْ مُصْطَلَحَ (إِرْثٌ) .

د - الطَّرِيقُ الْمُشْتَرَكُ:

وَهُوَ أَنْ تَشْتَرِكَ عِدَّةُ دُورٍ فِي طَرِيقٍ وَاحِدٍ. وَهَذَا الطَّرِيقُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَفْتُوحًا وَهُوَ الشَّارِعُ، أَوْ يَكُونَ مَسْدُودًا. وَفِي الْبِنَاءِ الزَّائِدِ عَلَى الْبَيْتِ إِلَى الدَّرْبِ تَفْصِيلٌ فِي الْجَوَازِ وَالْحُرْمَةِ. (١) اُنْظُرْ مُصْطَلَحَ (طَرِيق) .

هـ - زَوَال الاِشْتِرَاكِ:

يَزُول الاِشْتِرَاكُ بِالْقِسْمَةِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ بِأَنْفُسِهِمْ بِالتَّرَاضِي، لأَِنَّ الْحَقَّ لَهُمْ، وَمَنْ نَصَّبُوهُ لِلْقِسْمَةِ وَكِيلٌ لَهُمْ. (٢) اُنْظُرْ مُصْطَلَحَ (قِسْمَة) .

وَكَمَا تُقْسَمُ الأَْعْيَانُ الْمُشْتَرَكَةُ تُقْسَمُ الْمَنَافِعُ الْمُشْتَرَكَةُ أَيْضًا مُهَايَأَةً، أَيْ مُنَاوَبَةً فِي الزَّمَنِ. (٣) وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (قِسْمَة) (وَمُهَايَأَة) .

_________

(١) قليوبي وعميرة ٢ / ٣١٢.

(٢) شرح الروض ٤ / ٣٢٩.

(٣) شرح الروض ٤ / ٣٣٧.

اشْتِغَال الذِّمَّةِ

التَّعْرِيفُ

١ - الاِشْتِغَال فِي اللُّغَةِ: التَّلَهِّي بِشَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ، وَهُوَ ضِدُّ الْفَرَاغِ، (١) وَالذِّمَّةُ فِي اللُّغَةِ: الْعَهْدُ وَالضَّمَانُ وَالأَْمَانُ. (٢)

وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵊: وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. (٣)

وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِلاِشْتِغَال عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

أَمَّا الذِّمَّةُ فَهِيَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ: وَصْفٌ يَصِيرُ الشَّخْصُ بِهِ أَهْلًا لِلإِْيجَابِ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَهُوَ مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ الْفُقَهَاءُ وَالأُْصُولِيُّونَ بِأَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ. وَبَعْضُهُمْ عَرَّفَهَا بِأَنَّهَا: نَفْسٌ لَهَا عَهْدٌ، فَإِنَّ الإِْنْسَانَ يُولَدُ وَلَهُ ذِمَّةٌ صَالِحَةٌ لِلْوُجُوبِ لَهُ وَعَلَيْهِ. (٤) فَهِيَ مَحَل الْوُجُوبِ لَهَا وَعَلَيْهَا. (٥)

_________

(١) المصباح المنير وتاج العروس مادة: (شغل)، ومتن اللغة ٣ / ٣٣٩ وتاج العروس ٩ / ٣٩١.

(٢) المصباح المنير مادة: (شغل) .

(٣) حديث: " وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم. . . " أخرجه البخاري ومسلم من حديث علي بن أبي طالب ﵁ مرفوعا (فتح الباري ٦ / ٢٧٩، ٢٨٠ ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ٢ / ٩٩٤ - ٩٩٨ ط عيسى الحلبي) .

(٤) التعريفات للجرجاني ص ٩٥ ط الحلبي.

(٥) كشف الأسرار لأصول البزدوي ٤ / ٢٣٧، والتوضيح والتلويح ٢ / ١٦٢، وكشاف القناع ٢ / ١١٧.

وَلَعَل تَسْمِيَةَ النَّفْسِ بِالذِّمَّةِ مِنْ قَبِيل تَسْمِيَةِ الْمَحَل (أَيِ النَّفْسِ) بِالْحَال (أَيِ الذِّمَّةِ) .

فَمَعْنَى اشْتِغَال الذِّمَّةِ بِالشَّيْءِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ هُوَ وُجُوبُ الشَّيْءِ لَهَا أَوْ عَلَيْهَا، وَمُقَابِلُهُ فَرَاغُ الذِّمَّةِ وَبَرَاءَتُهَا، كَمَا يَقُولُونَ: إِنَّ الْحَوَالَةَ لاَ تَتَحَقَّقُ إِلاَّ بِفَرَاغِ ذِمَّةِ الأَْصِيل، وَالْكَفَالَةُ لاَ تَتَحَقَّقُ مَعَ بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ. (١)

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ:

٢ - هِيَ فَرَاغُ الذِّمَّةِ وَضِدُّ الاِشْتِغَال، وَهِيَ أَصْلٌ مِنَ الأُْصُول الْمُسَلَّمَةِ الْفِقْهِيَّةِ. يُحَال عَلَيْهِ مَا لَمْ يَثْبُتْ خِلاَفُهُ، وَالْقَاعِدَةُ الْكُلِّيَّةُ تَقُول: " الأَْصْل بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ " (٢) .

وَلِذَا لَمْ يُقْبَل شَغْلُهَا إِلاَّ بِدَلِيلٍ، وَمَوْضِعُ تَفْصِيلِهِ مُصْطَلَحُ (بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ) .

ب - تَفْرِيغُ الذِّمَّةِ:

٣ - وَمَعْنَاهُ جَعْل الذِّمَّةِ فَارِغَةً، وَهُوَ يَحْصُل بِالأَْدَاءِ مُطْلَقًا، أَوْ بِالإِْبْرَاءِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ الَّتِي تَقْبَل الإِْبْرَاءَ، كَمَا يَحْصُل بِالْمَوْتِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ يُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ.

وَيَحْصُل أَيْضًا بِالْكَفَالَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ.

وَعَبَّرَ الأُْصُولِيُّونَ عَنْ وُجُوبِ تَفْرِيغِ الذِّمَّةِ بِوُجُوبِ الأَْدَاءِ، كَمَا يَقُول صَاحِبُ التَّوْضِيحِ: إِنَّ وُجُوبَ الأَْدَاءِ هُوَ لُزُومُ تَفْرِيغِ الذِّمَّةِ عَمَّا تَعَلَّقَ بِهَا. (٣)

_________

(١) الزيلعي ٤ / ١٧١.

(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ١ / ٢٣.

(٣) الهداية مع الفتح ٥ / ٤١٨، والتوضيح والتلويح ١ / ٢٠٣، وكشف الأسرار لأصول البزدوي ١ / ٢٢٢.

صِفَتُهَا (الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ):

٤ - الْغَالِبُ اسْتِعْمَال هَذَا الْمُصْطَلَحِ فِي الدُّيُونِ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ الْمَالِيَّةِ، وَلِهَذَا يُعَرِّفُ الْفُقَهَاءُ الدَّيْنَ بِأَنَّهُ مَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ، كَمِقْدَارٍ مِنَ الدَّرَاهِمِ فِي ذِمَّةِ رَجُلٍ، وَمِقْدَارٍ مِنْهَا لَيْسَ بِحَاضِرٍ. (١) وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَلْزَمُ تَفْرِيغُهَا بِالأَْدَاءِ أَوِ الإِْبْرَاءِ. وَتَظَل الذِّمَّةُ مَشْغُولَةً وَإِنْ مَاتَ، وَلِذَا يُوَفَّى الدَّيْنُ مِنْ مَال الْمَدِينِ الْمُتَوَفَّى إِذَا تَرَكَ مَالًا. وَمَوْضِعُ تَفْصِيلِهِ مُصْطَلَحُ (دَيْن) .

وَالْحَقُّ أَنَّ الذِّمَّةَ كَمَا تَشْتَغِل بِحُقُوقِ النَّاسِ الْمَالِيَّةِ، تَشْغَلُهَا الأَْعْمَال الْمُسْتَحَقَّةُ، كَالْعَمَل فِي ذِمَّةِ الأَْجِيرِ فِي إِجَارَةِ الْعَمَل، وَتَشْغَلُهَا أَيْضًا الْوَاجِبَاتُ الدِّينِيَّةُ مِنْ صَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَنُذُورٍ، لأَِنَّ الْوَاجِبَ فِي الذِّمَّةِ قَدْ يَكُونُ مَالًا، وَقَدْ يَكُونُ عَمَلًا مِنَ الأَْعْمَال، كَأَدَاءِ صَلاَةٍ فَائِتَةٍ، وَإِحْضَارِ شَخْصٍ أَمَامَ الْقَضَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، (٢) وَحِينَ اشْتِغَال الذِّمَّةِ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الأُْمُورِ يَجِبُ تَفْرِيغُهَا، إِمَّا بِالأَْدَاءِ، وَإِمَّا بِالإِْبْرَاءِ إِذَا كَانَتْ حَقًّا لِلْعِبَادِ.

الْوُجُوبُ فِي الذِّمَّةِ، وَتَفْرِيغُهَا:

٥ - عَبَّرَ الْفُقَهَاءُ عَنِ اشْتِغَال الذِّمَّةِ بِالْوُجُوبِ، كَمَا يَقُولُونَ: إِنَّ الْوُجُوبَ هُوَ اشْتِغَال ذِمَّةِ الْمُكَلَّفِ بِالشَّيْءِ، وَوُجُوبُ الأَْدَاءِ هُوَ لُزُومُ تَفْرِيغِ الذِّمَّةِ عَمَّا تَعَلَّقَ بِهَا. (٣)

_________

(١) مجلة الأحكام العدلية م / ١٥٨.

(٢) الحموي على الأشباه والنظائر ٢ / ٢٠٩.

(٣) التوضيح والتلويح ١ / ٢٠٣، وكشف الأسرار لأصول البزدوي ١ / ٢٢٢.

وَالأَْصْل أَنَّ الإِْيجَابَ هُوَ سَبَبُ اشْتِغَال الذِّمَّةِ، لأَِنَّ اشْتِغَال الذِّمَّةِ يَحْصُل بِالْوُجُوبِ عَلَيْهَا. يَقُول صَاحِبُ التَّوْضِيحِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالأَْدَاءِ وَالْقَضَاءِ: إِنَّ الشَّرْعَ شَغَل الذِّمَّةَ بِالْوَاجِبِ ثُمَّ أَمَرَ بِتَفْرِيغِهَا (١) وَيَقُول الْغَزَالِيُّ فِي مُسْتَصْفَاهُ: اشْتَغَلَتِ الذِّمَّةُ بِالأَْدَاءِ، وَبَقِيَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْوَقْتِ، فَأُمِرَ بِتَفْرِيغِهَا بِإِتْيَانِ الْمِثْل، فَالْوُجُوبُ الَّذِي ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ وَاحِدٌ. (٢)

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٦ - يَتَكَلَّمُ الْفُقَهَاءُ عَنِ اشْتِغَال الذِّمَّةِ فِي الْكَلاَمِ عَنِ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ، (٣) وَفِي عَقْدِ الْكَفَالَةِ، (٤) وَالْحَوَالَةِ، وَفِي بَحْثِ الدَّيْنِ (٥) . وَالْقَرْضِ، وَالأُْصُولِيُّونَ يَتَكَلَّمُونَ عَنْهُ فِي بُحُوثِ الأَْهْلِيَّةِ، وَالأَْدَاءِ، وَالْقَضَاءِ، (٦) وَالْمَأْمُورِ بِهِ، (٧) وَفِي بَحْثِ الْقُدْرَةِ كَشَرْطٍ لِلتَّكْلِيفِ. (٨) وَلِلتَّفْصِيل يُرْجَعُ إِلَى الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

_________

(١) التوضيح والتلويح ١ / ١٦١.

(٢) المستصفى للغزالي ١ / ١٤٢.

(٣) الأشباه والنظائر لابن نجيم ١ / ٢٣، ٨٩.

(٤) أسنى المطالب ٢ / ٢٣٥، وفتح القدير ٥ / ٤١٨.

(٥) ابن عابدين ٣ / ١٣٨.

(٦) كشف الأسرار لأصول البزدوي ١ / ١٣٤، والمستصفى للغزالي ١ / ١٤٢.

(٧) التوضيح والتلويح ١ / ٢٠٣.

(٨) المستصفى للغزالي ١ / ١٤٠.

اشْتِمَال الصَّمَّاءِ

التَّعْرِيفُ:

١ - فِي اللُّغَةِ: اشْتَمَل بِالثَّوْبِ إِذَا أَدَارَهُ عَلَى جَسَدِهِ كُلِّهِ حَتَّى لاَ تَخْرُجَ مِنْهُ يَدُهُ، وَاشْتَمَل عَلَيْهِ الأَْمْرُ: أَحَاطَ بِهِ، وَالشَّمْلَةُ الصَّمَّاءُ: الَّتِي لَيْسَ تَحْتَهَا قَمِيصٌ وَلاَ سَرَاوِيل.

قَال أَبُو عُبَيْدٍ: اشْتِمَال الصَّمَّاءِ هُوَ أَنْ يَشْتَمِل بِالثَّوْبِ حَتَّى يُجَلِّل بِهِ جَسَدَهُ، وَلاَ يَرْفَعُ مِنْهُ جَانِبًا، فَيَكُونُ فِيهِ فُرْجَةٌ تَخْرُجُ مِنْهَا يَدُهُ، وَهُوَ التَّلَفُّعُ. (١)

أَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ: فَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

وَيَرَى بَعْضُهُمْ أَنَّ اشْتِمَال الصَّمَّاءِ هُوَ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ: الاِضْطِبَاعُ، وَهُوَ أَنْ يَضَعَ طَرَفَيْ ثَوْبِهِ عَلَى عَاتِقِهِ الأَْيْسَرِ.

كَمَا أَنَّ الْكَثْرَةَ مِنَ الْفُقَهَاءِ يَرَوْنَ أَنَّ اشْتِمَال الصَّمَّاءِ لاَ يَكُونُ فِي حَالَةِ وُجُودِ إِزَارٍ.

وَيَرَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لاَ مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَّزِرًا أَوْ غَيْرَ مُتَّزِرٍ.

وَمَنْشَأُ الْخِلاَفِ فِي هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الثَّوْبِ. (٢)

_________

(١) لسان العرب مادة: (شمل) .

(٢) ابن عابدين ١ / ٤٥٨ ط بولاق ثالثة، والمجموع شرح المهذب ٣ / ١٧٣ ط المكتبة السلفية، وحاشية الدسوقي ١ / ٢١٩ ط دار الفكر، وكشاف القناع ١ / ٢٥١ ط أنصار السنة، والمغني لابن قدامة ١ / ٥٨٤ مكتبة الرياض، والمجموع ٣ / ١٧٣.

صِفَتُهَا (الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ):

٢ - مَعَ اخْتِلاَفِهِمْ فِي التَّعْرِيفِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ اشْتِمَال الصَّمَّاءِ - إِنِ انْكَشَفَتْ مَعَهُ الْعَوْرَةُ - كَانَ حَرَامًا وَمُفْسِدًا لِلصَّلاَةِ. وَأَمَّا إِذَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى ذَلِكَ فَقَدِ اتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَلَكِنْ حَمَلَهَا بَعْضُهُمْ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ، (١) وَبَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهَا كَرَاهَةٌ تَحْرِيمِيَّةٌ.

وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ نَهَى عَنْ لُبْسَتَيْنِ: اشْتِمَال الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُل بِثَوْبٍ لَيْسَ بَيْنَ فَرْجِهِ وَبَيْنَ السَّمَاءِ شَيْءٌ (٢) .

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٣ - يُنْظَرُ تَفْصِيل الْمَوْضُوعِ فِي: (لِبَاس، وَصَلاَة، وَعَوْرَة، وَمَكْرُوهَات الصَّلاَةِ) .

اشْتِهَاء

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِشْتِهَاءُ فِي اللُّغَةِ: حُبُّ الشَّيْءِ وَاشْتِيَاقُهُ،

_________

(١) المراجع السابقة.

(٢) حديث أن النبي ﷺ " نهى عن لبستين: اشتمال الصماء. . . . " أخرجه البخاري، والنسائي من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ بلفظ: " إن النبي ﷺ نهى عن اشتمال الصماء، وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء " (فتح الباري ١٠ / ٢٧٩ ط السلفية، وسنن النسائي ٨ / ٢١٠ ط المطبعة الأزهرية

وَالرَّغْبَةُ فِيهِ وَنُزُوعُ النَّفْسِ إِلَيْهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ خَاصًّا بِالنِّسَاءِ أَمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ. وَالشَّهْوَةُ كَذَلِكَ، وَقَدْ يُقَال لِلْقُوَّةِ الَّتِي تَشْتَهِي الشَّيْءَ شَهْوَةً. (١)

وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَأَغْلَبُ مَا يَعْنُونَ بِاسْتِعْمَالِهِمْ لِلَفْظَيِ اشْتِهَاءٍ وَشَهْوَةٍ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِرَغْبَةِ الرَّجُل فِي الْمَرْأَةِ وَرَغْبَتِهَا فِيهِ، وَهُوَ مَا يَجِدُهُ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا مِنْ لَذَّةٍ نَفْسِيَّةٍ، بِتَحْرِيكِ الْقَلْبِ وَمَيْلِهِ، أَوْ لَذَّةٍ حِسِّيَّةٍ بِتَحَرُّكِ أَعْضَاءِ التَّنَاسُل، وَذَلِكَ عِنْدَ النَّظَرِ أَوِ الْمَسِّ، أَوِ الْمُبَاشَرَةِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامٍ. (٢)

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

٢ - الشَّبَقُ: وَهُوَ هِيَاجُ شَهْوَةِ النِّكَاحِ، فَالشَّبَقُ أَخَصُّ مِنْ الاِشْتِهَاءِ. (٣)

صِفَتُهَا (الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ):

٣ - الاِشْتِهَاءُ الطَّبِيعِيُّ الَّذِي لاَ إِرَادَةَ فِي إِيجَادِهِ لاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٤) وَلِقَوْلِهِ ﵊: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلاَ تُؤَاخِذْنِي فِيمَا لاَ أَمْلِكُ (٥) وَلَكِنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِالاِشْتِهَاءِ الإِْرَادِيِّ.

_________

(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والمفردات للراغب، والمعجم الوسيط: مادة (شهي) .

(٢) ابن عابدين ٥ / ٢٤١ ط بولاق ثانية، ومغني المحتاج ٣ / ١٢٨ وما بعدها ط مصطفى الحلبي، ومنح الجليل ٢ / ٤ ط مكتبة النجاح بليبيا.

(٣) المصباح المنير مادة: (شبق) .

(٤) سورة البقرة / ٢٨٦.

(٥) حديث: " اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما لا أملك ". أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجه والحاكم من حديث عائشة ﵂ مرفوعا بألفاظ مقاربة، ولفظ أبي داود والحاكم: " اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " والحديث صححه ابن حبان والحاكم وأقره الذهبي ورجح الترمذي إرساله. وكذا أعله النسائي والدارقطني. وقال أبو زرعة: لا أعلم أحدا تابع حماد بن سلمة على وصله (تحفة الأحوذي ٤ / ٢ وعون المعبود ٢ / ٢٠٨ ط الهند، وسنن ابن ماجه بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ١ / ٦٣٤ ط عيسى الحلبي، والمستدرك ٢ / ١٨٧ نشر دار الكتاب العربي، وموارد الظمآن بتحقيق محمد عبد الرزاق حمزة ص ٣١٧ نشر دار الكتب العلمية، ونيل الأوطار ٦ / ٣٧٢ ط دار الجيل، وشرح السنة للبغوي ٩ / ١٥١ نشر المكتب الإسلامي) .

وَمَا تَشْتَهِيهِ النَّفْسُ: إِمَّا مُبَاحٌ أَوْ مُحَرَّمٌ.

أَمَّا الْمُبَاحُ: فَقَدْ حَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِي إِعْطَاءِ النَّفْسِ حَظَّهَا مِنَ الشَّهَوَاتِ الْمُبَاحَةِ مَذَاهِبَ.

أَحَدُهَا: مَنْعُهَا وَقَهْرُهَا حَتَّى لاَ تَطْغَى.

الثَّانِي: إِعْطَاؤُهَا تَخَيُّلًا عَلَى نَشَاطِهَا.

الثَّالِثُ، وَهُوَ الأَْشْبَهُ: التَّوَسُّطُ (١) .

أَمَّا اشْتِهَاءُ الْمُحَرَّمِ فَحَرَامٌ،

وَأَكْثَرُ مَا يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ هُوَ اشْتِهَاءُ الرَّجُل الْمَرْأَةَ الأَْجْنَبِيَّةَ، أَوِ الْعَكْسُ، وَيُرَتِّبُونَ عَلَى ذَلِكَ أَحْكَامًا مِنْهَا:

أ - النَّظَرُ:

٤ - الْقَاعِدَةُ الْعَامَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّظَرَ بِشَهْوَةٍ حَرَامٌ قَطْعًا لِكُل مَنْظُورٍ إِلَيْهِ مِنْ أَجْنَبِيَّةٍ أَوْ مُحَرَّمٍ، لاَ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ نَظَرَ إِلَى مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ عَنْ شَهْوَةٍ صُبَّ فِي عَيْنَيْهِ الآْنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٢)

وَخَوْفُ الشَّهْوَةِ أَوِ الشَّكُّ فِي الاِشْتِهَاءِ يَحْرُمُ مَعَهُ النَّظَرُ أَيْضًا، وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُل فِي ذَلِكَ يَحْرُمُ نَظَرُهَا إِلَى

_________

(١) حاشية عميرة بأسفل القليوبي ٤ / ٢٦٤ ط الحلبي.

(٢» حديث: " من نظر إلى محاسن امرأة أجنبية عن شهوة صب في عينيه الآنك يوم القيامة ". أورده ابن حجر في الدراية، وقال: لم أجده. وذكره أيضا الزيلعي في نصب الراية واستغربه (الدراية في تخريج أحاديث الهداية ٢ / ٢٢٥ ط الفجالة الجديدة، ونصب الراية ٤ / ٢٣٩، ٢٤٠ دار المأمون) .