الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤ الصفحة 31

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤

هـ - اسْتِيفَاءُ الْمُسْتَعِيرِ مَنْفَعَةَ مَا اسْتَعَارَهُ:

٢٣ - أَوْرَدَ صَاحِبُ الْمُغْنِي أَحْكَامَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ فِي الإِْعَارَةِ فَقَال: وَإِنْ اسْتَعَارَ شَيْئًا فَلَهُ اسْتِيفَاءُ مَنْفَعَتِهِ بِنَفْسِهِ وَبِوَكِيلِهِ، لأَِنَّ وَكِيلَهُ نَائِبٌ عَنْهُ، وَيَدُهُ كَيَدِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَجِّرَهُ، لأَِنَّهُ لَمْ يَمْلِكِ الْمَنَافِعَ، فَلاَ يَصِحُّ أَنْ يَمْلِكَهَا، وَلاَ نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلاَفًا، وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ لاَ يَمْلِكُ الْعَيْنَ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْمُسْتَعِيرِ اسْتِعْمَال الْمُعَارِ فِيمَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ، أَمَّا إِعَارَتُهُ لِغَيْرِهِ فَفِيهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ (إِعَارَةٌ) .

و النِّيَابَةُ فِي الاِسْتِيفَاءِ:

(١) اسْتِخْلاَفُ الإِْمَامِ غَيْرَهُ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ:

٢٤ - أَجْمَعَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ عَلَى أَنَّ لِلإِْمَامِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ غَيْرَهُ عَلَى إِقَامَةِ الْحُدُودِ، لأَِنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْجَمِيعِ بِنَفْسِهِ، لأَِنَّ أَسْبَابَ وُجُوبِهَا تُوجَدُ فِي أَقْطَارِ دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَلاَ يُمْكِنُهُ الذَّهَابُ إِلَيْهَا، وَفِي الإِْحْضَارِ إِلَى مَكَانِ الإِْمَامِ حَرَجٌ عَظِيمٌ، فَلَوْ لَمْ يَجُزْ الاِسْتِخْلاَفُ لَتَعَطَّلَتِ الْحُدُودُ وَهَذَا لاَ يَجُوزُ، وَلِهَذَا كَانَ ﵊ يَجْعَل إِلَى أُمَرَائِهِ تَنْفِيذَ الأَْحْكَامِ، وَإِقَامَةَ الْحُدُودِ.

وَالاِسْتِخْلاَفُ نَوْعَانِ: تَنْصِيصٌ، وَتَوْلِيَةٌ.

أَمَّا التَّنْصِيصُ: فَهُوَ أَنْ يَنُصَّ عَلَى إِقَامَةِ الْحُدُودِ، فَيَجُوزُ لِلنَّائِبِ إِقَامَتُهَا بِلاَ شَكٍّ.

وَالتَّوْلِيَةُ عَلَى نَوْعَيْنِ: خَاصَّةٌ، وَعَامَّةٌ.

فَالْعَامَّةُ: هِيَ أَنْ يُوَلِّيَ الإِْمَامُ رَجُلًا وِلاَيَةً عَامَّةً، مِثْل إِمَارَةِ إِقْلِيمٍ أَوْ بَلَدٍ عَظِيمٍ، فَيَمْلِكُ الْمُوَلَّى إِقَامَةَ الْحُدُودِ وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهَا، لأَِنَّهُ لَمَّا قَلَّدَهُ إِمَارَةَ ذَلِكَ

الْبَلَدِ فَقَدْ فَوَّضَ إِلَيْهِ الْقِيَامَ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ مِنْ أَعْظَمِ مَصَالِحِهِمْ، فَيَمْلِكُهَا. (١)

وَالْخَاصَّةُ: هِيَ أَنْ يُوَلِّيَ رَجُلًا وِلاَيَةً خَاصَّةً، مِثْل جِبَايَةِ الْخَرَاجِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَلاَ يَمْلِكُ إِقَامَةَ الْحُدُودِ، لأَِنَّ هَذِهِ التَّوْلِيَةَ لَمْ تَتَنَاوَل إِقَامَةَ الْحُدُودِ، وَلَوِ اسْتَعْمَل أَمِيرًا عَلَى الْجَيْشِ الْكَبِيرِ، فَإِنْ كَانَ أَمِيرَ مِصْرٍ أَوْ مَدِينَةٍ فَغَزَا بِجُنْدِهِ، فَإِنَّهُ يَمْلِكُ إِقَامَةَ الْحُدُودِ فِي مُعَسْكَرِهِ، لأَِنَّهُ كَانَ يَمْلِكُ الإِْقَامَةَ فِي بَلَدِهِ، فَإِذَا خَرَجَ بِأَهْلِهِ أَوْ بِبَعْضِهِمْ مَلَكَ عَلَيْهِمْ مَا كَانَ يَمْلِكُ فِيهِمْ قَبْل الْخُرُوجِ، وَأَمَّا مَنْ أَخْرَجَهُ أَمِيرُ الْبَلَدِ غَازِيًا فَمَنْ كَانَ يَمْلِكُ إِقَامَةَ الْحُدُودِ عَلَيْهِمْ قَبْل خُرُوجِهِ وَبَعْدَهُ لَمْ يُفَوِّضْ إِلَيْهِ الإِْقَامَةَ، فَلاَ يَمْلِكُ الإِْقَامَةَ. (٢)

(٢) الْوَكَالَةُ بِالاِسْتِيفَاءِ:

٢٥ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ كُل مَا يَمْلِكُ الإِْنْسَانُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ فَلَهُ أَنْ يُوَكِّل فِيهِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْقَوَدُ وَالْحُدُودُ.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: كُل مَا يَمْلِكُ الإِْنْسَانُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ مِنَ الْحُقُوقِ بِنَفْسِهِ، يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّل فِيهِ إِلاَّ الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهَا الْوَكِيل فِي غَيْبَةِ الْمُوَكِّل عَنْ مَجْلِسِ الاِسْتِيفَاءِ، لأَِنَّهَا تَنْدَرِئُ

_________

(١) ومثل هذا لا يختلف فيه، وعند إطلاق التولية ينصرف ما يملكه النائب إلى ما يدل عليه العرف.

(٢) البدائع ٧ / ٥٨ ط الجمالية الأولى، والمغني ٩ / ٣٧ ط مكتبة القاهرة، والأحكام السلطانية للآمدي ص ٢٢١ ط الحلبي، وتبصرة الحكام ١ / ١٤٩ ط الحلبي ١٩٥٨.

بِالشُّبُهَاتِ. (١)

وَاسْتَدَل الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ عَلَى جَوَازِ التَّوْكِيل فِي الْقَوَدِ وَالْحُدُودِ، بِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَال: اُغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا. فَاعْتَرَفَتْ فَرُجِمَتْ (٢) وَلأَِنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ، لأَِنَّ الإِْمَامَ لاَ يُمْكِنُهُ تَوَلِّي ذَلِكَ بِنَفْسِهِ.

وَيَجُوزُ التَّوْكِيل فِي إِثْبَاتِهَا. وَوَافَقَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ الْحَنَفِيَّةَ عَلَى مَا قَالُوهُ مِنْ عَدَم جَوَازِ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ فِي غَيْبَةِ الْمُوَكِّل (٣) .

_________

(١) ابن عابدين ٤ / ٤١٨.

(٢) حديث " اغد يا أنس ". أخرجه البخاري واللفظ له ومسلم من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني مرفوعا ضمن قصة (فتح الباري ١٢ / ١٨٥، ١٨٦، ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ٣ / ١٣٢٤، ١٣٢٥ ط عيسى الحلبي ١٣٧٥ هـ) .

(٣) بداية المجتهد لابن رشد ٢ / ٢٩٧، والبجيرمي على الخطيب ٣ / ١١٢، والمغني ٥ / ٦٦ وما بعدها.

اسْتِيلاَء

التَّعْرِيفُ

١ - مِنْ مَعَانِي الاِسْتِيلاَءِ لُغَةً: وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الشَّيْءِ، وَالْغَلَبَةُ عَلَيْهِ، وَالتَّمَكُّنُ مِنْهُ. (١)

وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: إِثْبَاتُ الْيَدِ عَلَى الْمَحَل (٢)، أَوْ الاِقْتِدَارُ عَلَى الْمَحَل حَالًا وَمَآلًا (٣)، أَوِ الْقَهْرُ وَالْغَلَبَةُ وَلَوْ حُكْمًا. (٤)

وَأَمَّا الْفِعْل الْمَادِّيُّ الَّذِي يَتَحَقَّقُ بِهِ الاِسْتِيلاَءُ فَإِنَّهُ يَخْتَلِفُ تَبَعًا لِلأَْشْيَاءِ وَالأَْشْخَاصِ، أَيْ أَنَّ مَدَارَ الاِسْتِيلاَءِ عَلَى الْعُرْفِ (٥) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْحِيَازَةُ:

٢ - الْحِيَازَةُ وَالْحَوْزُ لُغَةً: الْجَمْعُ وَالضَّمُّ. (٦)

وَشَرْعًا: وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الشَّيْءِ وَالاِسْتِيلاَءُ عَلَيْهِ، كَمَا قَال الدَّرْدِيرُ (٧) .

_________

(١) المصباح والقاموس مادة (ولي) .

(٢) البدائع ٧ / ١٢١ ط الثانية سنة ١٣٩٤ هـ.

(٣) البحر الرائق ٥ / ١٠٣.

(٤) حاشية القليوبي ٣ / ٢٦ ط عيسى الحلبي، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٣ / ٤٦٩ ط دار إحياء التراث.

(٥) حاشية الجمل ٣ / ٤٦٩.

(٦) المصباح مادة (حوز) وطلبة الطلبة ص ١٠٦، والتحرير على التنبيه للنووي ص ١٤١.

(٧) الشرح الصغير ٤ / ٣١٩، والفواكه الدواني ٢ / ١٦٨.

ب - الْغَصْبُ:

٣ - الْغَصْبُ لُغَةً: أَخْذُ الشَّيْءِ قَهْرًا وَظُلْمًا. (١)

وَشَرْعًا: الاِسْتِيلاَءُ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ بِلاَ حَقٍّ. (٢)

فَالْغَصْبُ أَخَصُّ مِنْ الاِسْتِيلاَءِ، لأَِنَّ الاِسْتِيلاَءَ يَكُونُ بِحَقٍّ وَبِغَيْرِ حَقٍّ.

ج - وَضْعُ الْيَدِ:

٤ - يُسْتَفَادُ مِنْ كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ وَضْعَ الْيَدِ هُوَ: الاِسْتِيلاَءُ عَلَى الشَّيْءِ بِالْحِيَازَةِ.

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّ وَضْعَ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفَ مِنْ أَقْوَى مَا يُسْتَدَل بِهِ عَلَى الْمِلْكِ، وَلِذَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ بِأَنَّهُ مِلْكُهُ، وَلَيْسَ لِلإِْمَامِ أَنْ يُخْرِجَ شَيْئًا مِنْ يَدِ أَحَدٍ إِلاَّ بِحَقٍّ ثَابِتٍ مَعْرُوفٍ (٣)، وَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ.

د - الْغَنِيمَةُ:

٥ - الاِغْتِنَامُ: أَخْذُ الْغَنِيمَةِ، وَهِيَ كَمَا قَال أَبُو عُبَيْدٍ: مَا أُخِذَ مِنْ أَهْل الْعَدُوِّ عَنْوَةً فَالاِغْتِنَامُ أَخَصُّ مِنْ الاِسْتِيلاَءِ. (٤)

هـ - الإِْحْرَازُ:

٦ - الإِْحْرَازُ لُغَةً: جَعْل الشَّيْءِ فِي الْحِرْزِ، وَهُوَ

_________

(١) المصباح المنير مادة (غصب) .

(٢) شرح المنهج مع حاشية الجمل ٤ / ٤٦٩، وكشاف القناع ٤ / ٧٦، وحاشية الدسوقي ٣ / ٤٤٢، والدر المختار ٥ / ١١٣ ط بولاق سنة ١٤٧٢ هـ، والفواكه الدواني ٢ / ٢١٦.

(٣) المصباح والقاموس، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٢٥٧، والمنثور في القواعد للزركشي ٣ / ٣٧٠.

(٤) المصباح، وحاشية الشلبي على تبيين الحقائق ٣ / ٢٤٨ ط دار المعارف بيروت، وفتح القدير ٤ / ٢٠٣.

الْمَوْضِعُ الْحَصِينُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ الشَّيْءُ. وَفِي الشَّرْعِ: حِفْظُ الْمَال فِيمَا يُحْفَظُ فِيهِ عَادَةً، كَالدَّارِ وَالْخَيْمَةِ، أَوْ بِالشَّخْصِ نَفْسِهِ (١) .

وَبَيْنَ الإِْحْرَازِ وَالاِسْتِيلاَءِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ. وَلِذَا كَانَ الإِْحْرَازُ شَرْطًا لِتَرَتُّبِ الْمِلْكِ عَلَى الاِسْتِيلاَءِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، فَيَنْفَرِدُ الاِسْتِيلاَءُ فِي مِثْل اسْتِيلاَءِ الْكُفَّارِ عَلَى أَمْوَال الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ إِحْرَازًا.

صِفَةُ الاِسْتِيلاَءِ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ):

٧ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الاِسْتِيلاَءِ بِحَسَبِ الشَّيْءِ الْمُسْتَوْلَى عَلَيْهِ، وَتَبَعًا لِكَيْفِيَّةِ الاِسْتِيلاَءِ، فَالأَْصْل بِالنِّسْبَةِ لِلْمَال الْمَعْصُومِ الْمَمْلُوكِ لِلْغَيْرِ أَنَّ الاِسْتِيلاَءَ عَلَيْهِ مُحَرَّمٌ، إِلاَّ إِذَا كَانَ مُسْتَنِدًا إِلَى طَرِيقٍ مَشْرُوعٍ.

أَمَّا الْمَال غَيْرُ الْمَعْصُومِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الاِسْتِيلاَءُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مَمْلُوكًا، وَكَذَا الْمَال الْمُبَاحُ فَإِنَّهُ يُمْلَكُ بِالاِسْتِيلاَءِ عَلَيْهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.

أَثَرُ الاِسْتِيلاَءِ فِي الْمِلْكِ وَالتَّمَلُّكِ:

٨ - الاِسْتِيلاَءُ يُفِيدُ الْمِلْكَ إِذَا وَرَدَ عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ لأَِحَدٍ، عَلَى تَفْصِيلٍ يَأْتِي بَيَانُهُ، أَوْ كَانَ فِي حُكْمِ الْمُبَاحِ لِعَدَمِ الْعِصْمَةِ، بِأَنْ كَانَ مَالًا لَلْحَرْبِيِّينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ. وَهَذَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْقُولًا، أَوْ عَقَارًا، وَلِكُلٍّ حُكْمُهُ الْخَاصُّ.

٩ - فَإِنْ كَانَ الْمَال الَّذِي تَمَّ الاِسْتِيلاَءُ عَلَيْهِ مِنَ

_________

(١) القاموس والمصباح مادة (حرز)، وطلبة الطلبة ص ٧٧، والنظم المستعذب ١ / ٣٦٦ ط م الحلبي، وحاشية الشلبي على تبيين الحقائق ٣ / ٢٢٠ ط دار المعارف، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٢٨٢ ط أولى بولاق.

الْحَرْبِيِّينَ مَنْقُولًا أُخِذَ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، فَإِنَّ الْمِلْكَ لاَ يَتَحَقَّقُ فِيهِ إِلاَّ بِالْقِسْمَةِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، فَالْمِلْكُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهَا. (١) وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ بِنَفْسِ الاِسْتِيلاَءِ بِدَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْقِتَال، لِزَوَال مِلْكِ الْكُفَّارِ بِالاِسْتِيلاَءِ، وَوُجُودِ مُقْتَضَى التَّمْلِيكِ، وَهُوَ انْقِضَاءُ الْقِتَال، وَفِي قَوْلٍ أَنَّ الْمِلْكَ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ سُلِّمَتِ الْغَنِيمَةُ إِلَى الْقِسْمَةِ بَانَ مِلْكُهُمْ عَلَى الشُّيُوعِ. (٢)

وَبِالْقِسْمَةِ - وَلَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ - ثَبَتَ الْمِلْكُ، وَيَسْتَقِرُّ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ. وَبِهَذَا قَال الأَْوْزَاعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو ثَوْرٍ، لِمَا رَوَى أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ قَال: قُلْتُ لِلأَْوْزَاعِيِّ: هَل قَسَمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ شَيْئًا مِنَ الْغَنَائِمِ بِالْمَدِينَةِ؟ قَال: لاَ أَعْلَمُهُ، إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يَتَّبِعُونَ غَنَائِمَهُمْ وَيَقْسِمُونَهَا فِي أَرْضِ عَدُوِّهِمْ، وَلَمْ يَقْفُل رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ غَزَاةٍ قَطُّ، أَصَابَ فِيهَا غَنِيمَةً إِلاَّ خَمَّسَهُ وَقَسَّمَهُ مِنْ قَبْل أَنْ يَقْفُل، وَلأَِنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ فِيهَا بِالْقَهْرِ وَالاِسْتِيلاَءِ، فَصَحَّتْ قِسْمَتُهَا كَمَا لَوْ أُحْرِزَتْ بِدَارِ الإِْسْلاَمِ، لأَِنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ الاِسْتِيلاَءُ التَّامُّ وَقَدْ وُجِدَ، فَإِنَّنَا أَثْبَتْنَا أَيْدِيَنَا عَلَيْهَا حَقِيقَةً، وَقَهَرْنَاهُمْ وَنَفَيْنَاهُمْ عَنْهَا، وَالاِسْتِيلاَءُ يَدُل عَلَى حَاجَةِ الْمُسْتَوْلِي فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ كَالْمُبَاحَاتِ. (٣)

_________

(١) البدائع ٧ / ١٢١، والمغني ٨ / ٤٤٦ - ٤٤٧.

(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٣٩ ط ١٩٦٠، ونهاية المحتاج ٨ / ٧٣.

(٣) حاشية الدسوقي ٢ / ١٩٤، ومنح الجليل ١ / ٧٤٥، ٧٥٠. ونهاية المحتاج ٨ / ٧٣، والمغني ٨ / ٤٢١ - ٤٢٢.

١٠ - لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَرَوْنَ أَنَّ الْمِلْكَ لاَ يَثْبُتُ لِلْغُزَاةِ بِدَارِ الْحَرْبِ بِالاِسْتِيلاَءِ، وَلَكِنْ يَنْعَقِدُ سَبَبُ الْمِلْكِ فِيهَا، عَلَى أَنْ يَصِيرَ عِلَّةً عِنْدَ الإِْحْرَازِ بِدَارِ الإِْسْلاَمِ، وَعَلَى هَذَا فَلَمْ يَعْتَبِرُوا قِسْمَةَ الْغَنَائِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ قِسْمَةَ تَمْلِيكٍ، وَإِنَّمَا هِيَ قِسْمَةُ حَمْلٍ، لأَِنَّ مِلْكَ الْكُفَّارِ قَائِمٌ، إِذْ الْمِلْكُ لاَ يَتِمُّ عَلَيْهَا إِلاَّ بِالاِسْتِيلاَءِ التَّامِّ، وَلاَ يَحْصُل إِلاَّ بِإِحْرَازِهَا فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَمَا دَامَ الْغُزَاةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَاسْتِرْدَادُ الْكُفَّارِ لَيْسَ بِنَادِرٍ بَل هُوَ مُحْتَمَلٌ (١) .

١١ - وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمَال الْمُسْتَوْلَى عَلَيْهِ مِنَ الْكُفَّارِ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ أَرْضًا، فَإِنَّ لِلْفُقَهَاءِ ثَلاَثَةَ اتِّجَاهَاتٍ: فَالْحَنَفِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ - عَلَيْهَا الْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ - صَرَّحُوا بِأَنَّ الإِْمَامَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَقْسِمَهَا أَوْ يَتْرُكَهَا فِي يَدِ أَهْلِهَا بِالْخَرَاجِ. (٢)

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ: إِنَّهَا لاَ تُقْسَمُ، وَيُرْصَدُ خَرَاجُهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، إِلاَّ أَنْ يَرَى الإِْمَامُ فِي وَقْتٍ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ تَقْتَضِي الْقِسْمَةَ، وَالْقَوْل بِأَنَّهَا تَصِيرُ وَقْفًا بِالاِسْتِيلاَءِ، وَيُرْصَدُ خَرَاجُهَا لِصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّهَا تُمَلَّكُ لِلْفَاتِحِينَ كَالْمَنْقُول.

وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَبِهِ قَال ابْنُ رُشْدٍ الْمَالِكِيُّ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُقَابِل الْمَشْهُورَ، وَقَالُوا: إِنَّ الاِسْتِيلاَءَ الْحُكْمِيَّ كَالْحَقِيقِيِّ فِي تَرَتُّبِ الْمِلْكِ عَلَى الاِسْتِيلاَءِ. (٣)

_________

(١) البدائع ٧ / ١١٦، ١١٨ - ١٢١، والمغني ٨ / ٤٢١.

(٢) المغني ٢ / ١١٨، والمقنع وحواشيه ١ / ٥١٠.

(٣) البدائع ٧ / ١١٨، وحاشية الدسوقي ٢ / ١٨٩، ونهاية المحتاج ٨ / ٧٣، ١١٩، والأحكام السلطانية للماوردي ١٣٧ - ١٣٨، والمغني ٢ / ٧١٧، وكشاف القناع ٤ / ١٢٨، ١٣٣، ومنح الجليل ١ / ٥٨٥ - ٥٨٦.

١٢ - أَمَّا الأَْرْضُ الَّتِي اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ جَلاَءِ الْكُفَّارِ عَنْهَا خَوْفًا، فَإِنَّهَا تَصِيرُ بِالاِسْتِيلاَءِ عَلَيْهَا وَقْفًا لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ.

وَأَمَّا الأَْرْضُ الَّتِي اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ صُلْحًا فَإِنَّهَا تَبْقَى فِي أَيْدِي أَصْحَابِهَا، إِذَا كَانَ الصُّلْحُ عَلَى أَنْ تَبْقَى فِي مِلْكِيَّتِهِمْ، وَيُوضَعُ عَلَيْهَا الْخَرَاجُ. أَمَّا إِذَا كَانَ الصُّلْحُ عَلَى أَنْ يَتَمَلَّكَهَا الْمُسْلِمُونَ فَإِنَّهَا تَكُونُ وَقْفًا لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ. (١)

١٣ - وَأَمَّا إِذَا كَانَ الاِسْتِيلاَءُ عَلَى مَالٍ مَعْصُومٍ مَمْلُوكٍ لِلْغَيْرِ بِطَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ التَّمَلُّكِ، فَإِنَّ الاِسْتِيلاَءَ وَحْدَهُ لاَ يُكْسِبُ مِلْكِيَّةً، (٢) وَإِنَّمَا حُدُوثُ التَّمَلُّكِ يَكُونُ بِالسَّبَبِ الْمَشْرُوعِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَالشِّرَاءِ وَالْهِبَةِ، وَحَقُّ الاِسْتِيلاَءِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ أَثَرًا وَنَتِيجَةً لِلتَّمَلُّكِ وَلَيْسَ سَبَبًا لَهُ.

وَأَمَّا إِذَا كَانَ الاِسْتِيلاَءُ عُدْوَانًا، فَإِنَّهُ لاَ يُفِيدُ مِلْكًا. وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَاتِ (غَصْب) (وَسَرِقَة) .

١٤ - وَاسْتِيلاَءُ الْحَاكِمِ عَلَى مَا يَحْتَكِرُهُ التُّجَّارُ لَهُ أَثَرٌ فِي إِزَالَةِ مِلْكِيَّتِهِمْ، إِذْ لِلْحَاكِمِ رَفْعُ يَدِ الْمُحْتَكِرِينَ عَمَّا احْتَكَرُوهُ وَبَيْعُهُ لِلنَّاسِ جَبْرًا، وَالثَّمَنُ لِمَالِكِيهِ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ مُبَيَّنٍ فِي مُصْطَلَحِ (احْتِكَارٌ) .

وَمِنْ ذَلِكَ مَا قَالُوهُ مِنِ اسْتِيلاَءِ الْحَاكِمِ عَلَى الْفَائِضِ مِنَ الأَْقْوَاتِ بِالْقِيمَةِ لإِمْدَادِ جِهَةٍ انْقَطَعَ عَنْهَا الْقُوتُ أَوْ إِمْدَادِ جُنُودِهِ، لأَِنَّ لِلإِْمَامِ أَنْ يُخْرِجَ ذَلِكَ إِذَا كَانَ بِحَقٍّ ثَابِتٍ مَعْرُوفٍ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ

_________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٣٧ - ١٣٨، والمغني ٢ / ٧١٩.

(٢) البدائع ٧ / ١٢١، ١٢٧، والمغني ٨ / ٤٣٠، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٤ / ١٨٧، ونهاية المحتاج ٨ / ٧٣، والمهذب ٢ / ٢٤٣.

حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ (١)، وَالاِسْتِيلاَءُ عَلَى عَمَل الصَّانِعِ إِذَا احْتَاجَ النَّاسُ إِلَى صِنَاعَةِ طَائِفَةٍ كَالْفِلاَحَةِ وَالنِّسَاجَةِ، (٢) وَمَدَارُ الاِسْتِيلاَءِ فِي الصُّورَتَيْنِ عَلَى الْعُرْفِ.

اسْتِيلاَءُ الْكُفَّارِ الْحَرْبِيِّينَ عَلَى أَمْوَال الْمُسْلِمِينَ:

١٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذَا عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ مَشْهُورَةٍ:

(١) إِنَّ مَا اسْتَرَدَّهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَيْدِي الْحَرْبِيِّينَ فَهُوَ لأَِرْبَابِهِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ لاَ يَمْلِكُونَ أَمْوَال الْمُسْلِمِينَ بِالاِسْتِيلاَءِ عَلَيْهَا أَصْلًا، وَمِمَّنْ قَال بِهَذَا الشَّافِعِيَّةُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، (٣) وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ أَنَّهُ أُسِرَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَْنْصَارِ، وَأُصِيبَتِ الْعَضْبَاءُ، فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْوَثَاقِ، وَكَانَ الْقَوْمُ يُرِيحُونَ نَعَمَهُمْ بَيْنَ يَدَيْ بُيُوتِهِمْ، فَانْفَلَتَتْ مَعَ نَعَمِهَا ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنَ الْوَثَاقِ، فَأَتَتِ الإِْبِل، فَجَعَلَتْ إِذَا دَنَتْ مِنَ الْبَعِيرِ رَغَا فَتَتْرُكُهُ، حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الْعَضْبَاءِ، فَلَمْ تَرْغُ. قَال: وَنَاقَةٌ مُنَوَّقَةٌ. فَقَعَدَتْ فِي عَجُزِهَا ثُمَّ زَجَرَتْهَا فَانْطَلَقَتْ، وَنَذَرُوا بِهَا، فَطَلَبُوهَا فَأَعْجَزَتْهُمْ. قَال: وَنَذَرَتْ لِلَّهِ إِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، فَلَمَّا قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ رَآهَا النَّاسُ، فَقَالُوا: الْعَضْبَاءُ نَاقَةُ رَسُول اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: إِنَّهَا نَذَرَتْ إِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا. فَأَتَوْا رَسُول اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا ذَلِكَ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٥٧.

(٢) البدائع ٥ / ١٢٩، والشرح الصغير ٤ / ٣٩، وحاشية الجمل ٤ / ٤٦٩.

(٣) المغني ٨ / ٤٣٣ - ٤٣٤، والمهذب ٢ / ٢٤٢، وبجيرمي على المنهج ٤ / ٢٥٩.