الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤
اسْتِيفَاء
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِيفَاءُ: مَصْدَرُ اسْتَوْفَى، وَهُوَ أَخْذُ صَاحِبِ الْحَقِّ حَقَّهُ كَامِلًا، دُونَ أَنْ يَتْرُكَ مِنْهُ شَيْئًا. (١)
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْقَبْضُ:
٢ - قَبَضَ الدَّيْنَ أَخَذَهُ، وَهُوَ كَمَا يَكُونُ فِي الدُّيُونِ يَكُونُ كَذَلِكَ فِي الأَْعْيَانِ، فَالْقَبْضُ أَعَمُّ مِنْ الاِسْتِيفَاءِ.
عَلاَقَةُ الاِسْتِيفَاءِ بِالإِْبْرَاءِ وَالْحَوَالَةِ:
٣ - مِنْ تَقْسِيمَاتِ الإِْبْرَاءِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ: إِمَّا إِبْرَاءُ إِسْقَاطٍ، أَوْ إِبْرَاءُ اسْتِيفَاءٍ، فَفِي الْكَفَالَةِ لَوْ قَال الدَّائِنُ لِلْكَفِيل: بَرِئْتَ إِلَيَّ مِنَ الْمَال، كَانَ إِبْرَاءَ اسْتِيفَاءٍ لِكُلٍّ مِنَ الْكَفِيل وَالدَّائِنِ، أَمَّا لَوْ قَال: أَبْرَأْتُكَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ إِبْرَاءَ إِسْقَاطٍ، يُبَرَّأُ بِهِ الْكَفِيل فَقَطْ. وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (إِبْرَاءٌ) .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَرْجِيحِ حَقِيقَةِ الْحَوَالَةِ، هَل هِيَ بَيْعٌ أَوِ اسْتِيفَاءٌ؟ قَال النَّوَوِيُّ: وَالتَّرْجِيحُ مُخْتَلِفٌ فِي الْفُرُوعِ بِحَسَبِ الْمَسَائِل، لِقُوَّةِ الدَّلِيل وَضَعْفِهِ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: لَوْ خَرَجَ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا، وَقَدْ شَرَطَ يَسَارَهُ، فَالأَْصَحُّ لاَ رُجُوعَ
_________
(١) القاموس، ولسان العرب مادة (وفى) .
لِلْمُحَال، بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا اسْتِيفَاءٌ، وَمُقَابِلُهُ: لَهُ الرُّجُوعُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا بَيْعٌ. (١)
مَنْ لَهُ حَقُّ الاِسْتِيفَاءِ:
٤ - يَخْتَلِفُ مَنْ لَهُ حَقُّ الاِسْتِيفَاءِ بِاخْتِلاَفِ الْحَقِّ الْمُرَادِ اسْتِيفَاؤُهُ، إِذْ هُوَ إِمَّا حَقٌّ خَالِصٌ لِلَّهِ ﷾، أَوْ حَقٌّ خَالِصٌ لِلْعَبْدِ، كَالدُّيُونِ، أَوْ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ.
وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ يُقَسِّمُ هَذَا الْحَقَّ الْمُشْتَرَكَ إِلَى قِسْمَيْنِ: مَا غَلَبَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ كَحَدِّ السَّرِقَةِ، وَمَا غَلَبَ فِيهِ حَقُّ الْعَبْدِ كَالْقِصَاصِ.
وَالْمُرَادُ بِحَقِّ الْعَبْدِ الْمَحْضِ: مَا يَمْلِكُ إِسْقَاطَهُ، عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَوْ أَسْقَطَهُ لَسَقَطَ، وَإِلاَّ فَمَا مِنْ حَقٍّ لِلْعَبْدِ إِلاَّ وَفِيهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ أَمَرَهُ بِإِيصَال ذَلِكَ الْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، فَيُوجَدُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى دُونَ حَقٍّ لِلْعَبْدِ، وَلاَ يُوجَدُ حَقٌّ لِعَبْدٍ إِلاَّ وَفِيهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى. (٢)
اسْتِيفَاءُ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى
أَوَّلًا: اسْتِيفَاءُ الْحُدُودِ:
٥ - يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الأَْمْرِ إِنْفَاذُ الْحُدُودِ، وَلاَ يَمْلِكُ وَلِيُّ الأَْمْرِ وَلاَ غَيْرُهُ إِسْقَاطَهَا بَعْدَ ثُبُوتِهَا لَدَيْهِ، وَاَلَّذِي يَتَوَلَّى اسْتِيفَاءَهَا هُوَ وَلِيُّ الأَْمْرِ أَوْ مَنْ يُنِيبُهُ، فَإِنِ اسْتَوْفَاهَا غَيْرُهُ دُونَ إِذْنِهِ يُعَزَّرُ لاِفْتِيَاتِهِ عَلَيْهِ. (٣)
_________
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٥١ - ١٥٢ ط التجارية.
(٢) الفروق ١ / ١٤١ ط دار إحياء الكتب العربية سنة ١٣٤٤ هـ.
(٣) ابن عابدين ٣ / ١٤٥، ١٨٧، والمغني ٨ / ٣٢٦، والفروق للقرافي ٤ / ١٧٩، وتبصرة الحكام ٢ / ٢٦٠ ط الحلبي، والبجيرمي على ابن قاسم ٢ / ٣٧ ط الحلبي ١٣٤٣ هـ، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٤٢ ط الحلبي ١٩٣٨ م، ومغني المحتاج ٤ / ٦١ ط الحلبي ١٩٥٨ م.
أ - كَيْفِيَّةُ اسْتِيفَاءِ حَدِّ الزِّنَا:
٦ - حَدُّ الزِّنَا إِمَّا الرَّجْمُ، وَإِمَّا الْجَلْدُ:
وَعَلَى كُلٍّ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الزِّنَا قَدْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالإِْقْرَارِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ، فَالْحَنَفِيَّةُ يَشْتَرِطُونَ أَنْ يَحْضُرَ الشُّهُودُ، وَأَنْ يَبْدَءُوا بِالرَّجْمِ، فَإِنْ امْتَنَعُوا سَقَطَ الْحَدُّ.
وَغَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يَشْتَرِطُونَ حُضُورَ الشُّهُودِ، إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ يَرَوْنَ حُضُورَهُمْ مُسْتَحَبًّا، أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلاَ يَرَوْنَ حُضُورَهُمْ وَاجِبًا وَلاَ مُسْتَحَبًّا.
وَالْكُل مُجْمِعٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى أَنَّهُ إِنْ حَاوَل الْهَرَبَ لاَ يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ، بَل قَال بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ إِنْ خِيفَ هَرَبُهُ يُقَيَّدُ أَوْ يُحْفَرُ لَهُ.
وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً يُحْفَرُ لَهَا، أَوْ تُرْبَطُ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا حَتَّى لاَ تَتَكَشَّفَ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ قَدْ ثَبَتَ بِالإِْقْرَارِ، فَهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ إِنْ حَاوَل الْهَرَبَ لَمْ يُتَّبَعْ، وَيُوقَفُ التَّنْفِيذُ، جَلْدًا كَانَ أَوْ رَجْمًا، وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ رُجُوعًا عَنْ إِقْرَارِهِ.
وَهُنَاكَ تَفْصِيلاَتٌ وَخِلاَفٌ فِي بَعْضِ هَذِهِ الأَْحْكَامِ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي مُصْطَلَحِ (حَدِّ الزِّنَا) .
وَإِذَا كَانَ الْحَدُّ جَلْدًا فَالْكُل مُجْمِعٌ عَلَى نَزْعِ مَا يَلْبَسُهُ مِنْ حَشْوٍ أَوْ فَرْوٍ.
فَإِنْ كَانَ رَجُلًا يُنْزَعُ عَنْهُ ثِيَابُهُ إِلاَّ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، ثُمَّ إِنْ كَانَ الْمَحْدُودُ بِالْجَلْدِ مَرِيضًا مَرَضًا يُرْجَى شِفَاؤُهُ أُرْجِئَ التَّنْفِيذُ إِلَى أَنْ يَبْرَأَ، وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً حَامِلًا أُرْجِئَ الْحَدُّ مُطْلَقًا - رَجْمًا أَوْ جَلْدًا -
إِلَى أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا، وَيَسْتَغْنِيَ وَلَدُهَا عَنْ الرَّضَاعِ مِنْهَا. (١)
ب - كَيْفِيَّةُ اسْتِيفَاءِ حَدِّ الْقَذْفِ وَحَدِّ شُرْبِ الْخَمْرِ:
٧ - سَبَقَ مَا يَتَّصِل بِالْجَلْدِ وَحَدِّ الزِّنَا، عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي فِي الْجَلْدِ فِي حَدِّ الزِّنَا أَنْ يَكُونَ أَشَدَّ مِنْهُ فِي حَدِّ الْقَذْفِ، وَأَنْ يَكُونَ فِي حَدِّ الْقَذْفِ أَشَدَّ مِنْهُ فِي حَدِّ شُرْبِ الْخَمْرِ.
وَيُرْجَعُ فِي تَفْصِيل ذَلِكَ إِلَى (حَدِّ الْقَذْفِ) (وَحَدِّ الْخَمْرِ) . (٢)
هَذَا، وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلاَتٌ فِي آلَةِ الاِسْتِيفَاءِ فِي الْجَلْدِ وَمُلاَبَسَاتِهِ، تَرْجِعُ إِلَى تَحْقِيقِ عَدَمِ تَعْرِيضِ الْمُسْتَوْفَى مِنْهُ الْحَدُّ إِلَى التَّلَفِ جُزْئِيًّا أَوْ كُلِّيًّا، وَتَفْصِيلاَتُ ذَلِكَ فِي الْحُدُودِ. وَانْظُرْ أَيْضًا مُصْطَلَحَ (جَلْد) وَمُصْطَلَحَ (رَجْم) .
هَذَا، وَقَدْ صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّ مَبْنَى إِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى الْعَلاَنِيَةِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) وَلِكَيْ يَحْصُل الرَّدْعُ وَالزَّجْرُ، فَيَأْمُرُ الإِْمَامُ قَوْمًا غَيْرَ مَنْ يُقِيمُونَ الْحَدَّ بِالْحُضُورِ. (٤)
ج - كَيْفِيَّةُ اسْتِيفَاءِ حَدِّ السَّرِقَةِ:
٨ - حَدُّ السَّرِقَةِ مِنَ الْحُقُوقِ الْمُشْتَرَكَةِ كَحَدِّ الْقَذْفِ،
_________
(١) رد المحتار ٣ / ١٤٧، والبدائع ٧ / ٣٩، والزرقاني ٨ / ٨٤، ونهاية المحتاج ٧ / ٤١٤، والمغني ٩ / ٤٥.
(٢) رد المحتار ٣ / ١٦٢، والمراجع السابقة.
(٣) سورة النور / ٣.
(٤) ابن عابدين ٣ / ١٤٥.
وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الَّذِي يُقِيمُ حَدَّ الْقَذْفِ وَحَدَّ السَّرِقَةِ هُوَ الإِْمَامُ. (١)
وَالتَّفْصِيل فِي شُرُوطِ ثُبُوتِ الْحُدُودِ، وَحَالاَتِ سُقُوطِهَا يُذْكَرُ فِي أَبْوَابِ الْحُدُودِ. أَمَّا كَيْفِيَّةُ الاِسْتِيفَاءِ فِي حَدِّ السَّرِقَةِ، فَالْفُقَهَاءُ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ إِذَا وَجَبَ الْقَطْعُ فِي حَدِّ السَّرِقَةِ بِشُرُوطِهِ الْمُبَيَّنَةِ فِي بَابِهِ، فَإِنَّهُ يُسْتَوْفَى بِقَطْعِ الْيَدِ الْيُمْنَى مِنْ مِفْصَل الْكَفِّ، بِطَرِيقَةٍ تُؤْمَنُ مَعَهَا السِّرَايَةُ، كَالْحَسْمِ بِالزَّيْتِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْوَسَائِل. لِحَدِيثِ: اقْطَعُوهُ ثُمَّ احْسِمُوهُ (٢) .
د - مَكَانُ اسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ:
٩ - لاَ يُسْتَوْفَى حَدٌّ وَلاَ قِصَاصٌ فِي الْمَسْجِدِ، حَتَّى لَوْ وَقَعَتِ الْجِنَايَةُ فِيهِ، لِئَلاَّ يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إِلَى تَلْوِيثِهِ، أَمَّا إِذَا وَقَعَتِ الْجِنَايَةُ فِي الْحَرَمِ دُونَ الْمَسْجِدِ فَالإِْجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ فِيهِ.
أَمَّا إِذَا وَقَعَتْ فِي الْحِل وَلَجَأَ الْجَانِي إِلَى الْحَرَمِ،
_________
(١) بداية المجتهد ٢ / ٤٣٣ ط المعاهد.
(٢) المغني ٩ / ١٢٠ - ١٢٣ وما بعدها ط مكتبة القاهرة، والشرح الكبير ٤ / ٣٠٨ توزيع دار الفكر، ونهاية المحتاج ٧ / ٤٤٥، والبدائع ٧ / ٨٥ ط الجمالية. وحديث " اقطعوه ثم احسموه " أخرجه الدارقطني من حديث أبي هريرة بلفظ " أن رسول الله أتي بسارق سرق شملة، فقالوا: يا رسول الله إن هذا سرق، فقال رسول الله ﷺ: اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه، ثم ائتوني به، فقطع فأتي به. . . ". وأخرجه موصولا أيضا الحاكم والبيهقي، وصححه ابن القطان، وأخرجه أبو داود في المراسيل من حديث محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان بدون ذكر أبي هريرة، ورجح المرسل ابن خزيمة وابن المديني وغير واحد. (سنن الدارقطني ٣ / ١٠٢ ط دار المحاسن للطباعة ١٣٨٦ هـ، ونيل الأوطار ٧ / ١٤٢ ط مصطفى الحلبي ١٣٨٠ هـ) .
فَقَدِ اُخْتُلِفَ فِيهِ: فَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُخْرَجُ، بَل يُضْطَرُّ لِلْخُرُوجِ بِمَنْعِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ عَنْهُ. وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (١) .
وَقَال أَبُو يُوسُفَ: يُبَاحُ إِخْرَاجُهُ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يُؤَخَّرُ بَل يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ أَوِ الْقِصَاصُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ. قَال فِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ: لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ إِنَّ الْحَرَمَ لاَ يُعِيذُ فَارًّا بِدَمٍ (٢) .
ثَانِيًا: اسْتِيفَاءُ التَّعْزِيرَاتِ:
١٠ - التَّعْزِيرَاتُ الَّتِي تَرْجِعُ إِلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا، فَقَال مَالِكٌ: وَجَبَ التَّعْزِيرُ لِحَقِّ اللَّهِ كَالْحُدُودِ، إِلاَّ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّ الإِْمَامِ أَنَّ غَيْرَ الضَّرْبِ مَصْلَحَةٌ مِنَ الْمَلاَمَةِ وَالْكَلاَمِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَنْصُوصًا مِنَ الشَّارِعِ عَلَى التَّعْزِيرِ وَجَبَ، وَإِلاَّ فَلِلإِْمَامِ إِقَامَتُهُ أَوِ الْعَفْوُ عَنْهُ، حَسَبَ الْمَصْلَحَةِ وَحُصُول الاِنْزِجَارِ بِهِ أَوْ بِدُونِهِ، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: هُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى الإِْمَامِ، إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ وَإِنْ شَاءَ
_________
(١) سورة آل عمران / ٩٧.
(٢) ابن عابدين ٥ / ٣٦٣ ط الأميرية الثالثة، والدسوقي ٤ / ٢٣١ - ٢٣٢، والجمل ٥ / ٥٠، ونهاية المحتاج ٧ / ٢٨٨، والمغني ٨ / ٢٣٦. وحديث " إن الحرم لا يعيذ عاصيا. . . " أخرجه البخاري ومسلم من مقولة عمرو بن سعيد. (فتح الباري ٤ / ٤١ ط السلفية، وصحيح مسلم بشرح النووي ٩ / ١٢٧، ١٢٨ ط المطبعة المصرية بالأزهر ١٣٤٧ هـ) .
تَرَكَهُ. وَيُنْظَرُ تَفْصِيل هَذَا وَأَدِلَّتُهُ فِي مُصْطَلَحِ (تَعْزِير) . (١)
ثَالِثًا: اسْتِيفَاءُ حُقُوقِ اللَّهِ الْمَالِيَّةِ:
أ - اسْتِيفَاءُ الزَّكَوَاتِ:
١١ - مَال الزَّكَاةِ نَوْعَانِ: ظَاهِرٌ، وَهُوَ الْمَوَاشِي وَالزُّرُوعُ وَالْمَال الَّذِي يَمُرُّ بِهِ التَّاجِرُ عَلَى الْعَاشِرِ، وَبَاطِنٌ: وَهُوَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَأَمْوَال التِّجَارَةِ فِي مَوَاضِعِهَا.
وَوِلاَيَةُ أَخْذِ الزَّكَاةِ فِي الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ لِلإِْمَامِ فِي مَذَاهِبِ: الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَأَحَدِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيَّةِ.
وَدَلِيل ذَلِكَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٢) وَاَلَّذِي عَلَيْهِ عَامَّةُ أَهْل التَّأْوِيل أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّدَقَةِ الزَّكَاةُ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ (٣) فَقَدْ جَعَل اللَّهُ تَعَالَى لِلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا حَقًّا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلإِْمَامِ أَنْ يُطَالِبَ أَرْبَابَ الأَْمْوَال بِصَدَقَاتِ الأَْنْعَامِ وَالزُّرُوعِ فِي أَمَاكِنِهَا، وَكَانَ أَدَاؤُهَا إِلَى أَرْبَابِ الأَْمْوَال، لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ الْعَامِلِينَ وَجْهٌ.
وَكَانَ الرَّسُول ﵊ وَالأَْئِمَّةُ بَعْدَهُ يَبْعَثُونَ الْمُصَدِّقِينَ إِلَى أَحْيَاءِ الْعَرَبِ وَالْبُلْدَانِ وَالآْفَاقِ، لأَِخْذِ الصَّدَقَاتِ مِنَ الأَْنْعَامِ وَالْمَوَاشِي فِي
_________
(١) ابن عابدين ٣ / ١٤٥، ١٨٧، والمغني ٨ / ٣٢٦، والفروق للقرافي ٤ / ١٧٩، وتبصرة الحكام ٢ / ٢٦٠ ط الحلبي، والبيجوري على ابن قاسم ٢ / ٢٣٧ ط الحلبي ١٣٤٣ هـ، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٤٢ ط الحلبي ١٩٣٨ م، ومغني المحتاج ٤ / ٦١ ط الحلبي ١٩٥٨ م.
(٢) سورة التوبة / ١٠٣.
(٣) سورة التوبة / ٦٠.
أَمَاكِنِهَا.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّهُ يَلْحَقُ بِالأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ الْمَال الْبَاطِنُ إِذَا مَرَّ بِهِ التَّاجِرُ عَلَى الْعَاشِرِ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ الزَّكَاةَ فِي الْجُمْلَةِ، لأَِنَّهُ لَمَّا سَافَرَ بِهِ وَأَخْرَجَهُ مِنَ الْعُمْرَانِ صَارَ ظَاهِرًا وَالْتَحَقَ بِالسَّوَائِمِ، وَهَذَا لأَِنَّ الإِْمَامَ إِنَّمَا كَانَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِزَكَاةِ الْمَوَاشِي فِي أَمَاكِنِهَا لِمَكَانِ الْحِمَايَةِ، لأَِنَّ الْمَوَاشِيَ فِي الْبَرَارِيِّ لاَ تَصِيرُ مَحْفُوظَةً إِلاَّ بِحِفْظِ السُّلْطَانِ وَحِمَايَتِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي مَالٍ يَمُرُّ بِهِ التَّاجِرُ عَلَى الْعَاشِرِ فَكَانَ كَالسَّوَائِمِ. وَعَلَيْهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ﵃. (١)
وَهَذَا الْحُكْمُ (دَفْعُ زَكَاةِ الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ إِلَى الأَْئِمَّةِ) إِذَا كَانَ الأَْئِمَّةُ عُدُولًا فِي أَخْذِهَا وَصَرْفِهَا.
وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ عُدُولٍ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ، فَإِنْ طَلَبَهَا الإِْمَامُ الْعَدْل فَادَّعَى الْمُزَكِّي إِخْرَاجَهَا لَمْ يُصَدَّقْ، (٢) وَاَلَّذِي فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ السَّلاَطِينَ الَّذِينَ لاَ يَضَعُونَ الزَّكَاةَ مَوَاضِعَهَا إِذَا أَخَذُوا الزَّكَاةَ أَجْزَأَتْ عَنِ الْمُزَكِّينَ، لأَِنَّ وِلاَيَةَ الأَْخْذِ لَهُمْ، فَلاَ تُعَادُ. وَقَال بَعْضُهُمْ: يَسْقُطُ الْخَرَاجُ وَلاَ تَسْقُطُ الزَّكَوَاتُ. وَمُؤَدَّى هَذَا أَنَّهُ إِذَا كَانَ الإِْمَامُ غَيْرَ عَادِلٍ فَلِلْمُزَكِّي إِخْرَاجُ زَكَاتِهِ. (٣)
وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ. أَنَّهُ إِذَا كَانَ الإِْمَامُ عَدْلًا فَفِيهَا قَوْلاَنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الإِْيجَابِ، وَلَيْسَ لَهُمْ التَّفَرُّدُ بِإِخْرَاجِهَا، وَلاَ تُجْزِئُهُمْ إِنْ أَخْرَجُوهَا. (٤)
_________
(١) البدائع ٢ / ٣٧ وما بعدها ط شركة المطبوعات، والشرح الكبير ١ / ٤٦٢ ط دار الفكر، والأحكام السلطانية ص ١١٣.
(٢) الشرح الكبير ١ / ٤٦٢.
(٣) البدائع ٢ / ٣٦.
(٤) الأحكام السلطانية ص ١١٣ ط الحلبي.
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ لاَ يَخْتَلِفُ عَنِ الْجُمْهُورِ فِي الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ، أَمَّا فِي الأَْمْوَال الْبَاطِنَةِ فَقَدْ صَرَّحَ أَبُو يَعْلَى بِأَنَّهُ لَيْسَ لِوَالِي الصَّدَقَاتِ نَظَرٌ فِي زَكَاتِهَا، وَأَرْبَابُهَا أَحَقُّ مِنْهُ بِإِخْرَاجِهَا إِلاَّ أَنْ يَبْذُل رَبُّ الْمَال زَكَاتَهَا طَوْعًا، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ لِلإِْمَامِ طَلَبَ زَكَاةِ الأَْمْوَال الْبَاطِنَةِ أَيْضًا. (١)
وَإِذَا تَأَكَّدَ الإِْمَامُ أَنَّ أَرْبَابَ الأَْمْوَال لاَ يُؤَدُّونَ زَكَاتَهَا أَجْبَرَهُمْ عَلَى إِيتَائِهَا وَلَوْ بِالْقِتَال، كَمَا فَعَل أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِمَا يَفِي الزَّكَاةَ، وَهَذَا إِنْ كَانَ الإِْمَامُ يَضَعُهَا مَوْضِعَهَا، وَإِلاَّ فَلاَ يُقَاتِلُهُمْ. (٢)
ب - اسْتِيفَاءُ الْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ:
١٢ - لَيْسَ لِلإِْمَامِ وِلاَيَةُ اسْتِيفَاءِ الْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ، وَإِنَّمَا يُؤَدِّيهَا مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ. (٣) وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ طَلَبُ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْكَفَّارَةِ. (٤)
اسْتِيفَاءُ حُقُوقِ الْعِبَادِ:
أَوَّلًا: اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ:
١٣ - اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ إِذْنِ الإِْمَامِ، فَإِنِ اسْتَوْفَاهُ صَاحِبُ الْحَقِّ بِدُونِ إِذْنِهِ وَقَعَ مَوْقِعَهُ، وَعُزِّرَ لاِفْتِيَاتِهِ عَلَى الإِْمَامِ.
_________
(١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٩٩، والإنصاف ٣ / ١٩٢.
(٢) كشاف القناع ٢ / ٢٥٧ ط الرياض.
(٣) تنبيه: القواعد العامة للشريعة توجب على الإمام جبر الممتنع من أداء الواجب ديانة، وعلى هذا لو امتنع من وجبت عليه كفارة، أو الناذر عن أداء ما وجب عليه، فعلى الإمام إجباره على الأداء.
(٤) الإنصاف ٣ / ١٩٢، والقليوبي ٣ / ١٨٩.
ثُمَّ إِنَّ الَّذِي يَسْتَوْفِي الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ هُوَ الإِْمَامُ، وَلَيْسَ لِلأَْوْلِيَاءِ ذَلِكَ، لأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ مِنْهُمْ التَّجَاوُزُ أَوِ التَّعْذِيبُ.
أَمَّا إِنْ كَانَ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ هُوَ الَّذِي يَتَوَلاَّهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُتِل مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ (١) .
وَلِلْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ: أَنَّ الرَّسُول ﷺ دَفَعَ الْقَاتِل إِلَى أَخِ الْمَقْتُول وَقَال لَهُ: دُونَكَ صَاحِبُكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (٢) وَلَهُ أَنْ يُوَكِّل فِيهِ، وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ وَكَّلُوا أَحَدَهُمْ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الأَْصْل تَوَلِّي الإِْمَامِ أَوْ مَنْ يُنِيبُهُ ذَلِكَ، فَإِنْ طَلَبَ الْمُسْتَحِقُّ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ بِنَفْسِهِ، وَرَآهُ الإِْمَامُ أَهْلًا أَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَإِلاَّ لَمْ يُجِبْهُ.
وَتَفْصِيل الْكَلاَمِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِل فِي مُصْطَلَحِ: (قِصَاص) .
هَذَا، وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِوُجُوبِ حُضُورِ الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، لِيُؤْمَنَ التَّجَاوُزُ أَوِ التَّعْذِيبُ، وَحُضُورُ الْقَاضِي الَّذِي حَكَمَ بِالْقِصَاصِ مَسْنُونٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِوُجُوبِ حُضُورِ صَاحِبِ الْحَقِّ رَجَاءَ أَنْ يَعْفُوَ. (٣)
أ - كَيْفِيَّةُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ.
١٤ - قَال الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّ
_________
(١) سورة الإسراء / ٣٣.
(٢) صحيح مسلم ٢ / ١٣٠٨ ط استانبول (الكتب الستة) .
(٣) البدائع ٧ / ٢٤٢ - ٢٤٦، والبحر الرائق ٨ / ٣٣٩، والدسوقي ٤ / ٢٥٩، والحطاب ٦ / ٢٥٠، والمواق ٦ / ٢٥٣، والروضة ٩ / ٢٢١، ونهاية المحتاج ٧ / ٢٨٦، ٢٨٧.