الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤ الصفحة 22

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْقَوْل الْمَرْجُوحِ، وَهُوَ أَحَدُ وَجْهَيْنِ لِلْحَنَابِلَةِ يَسْتَنِدُ الْفَسْخُ إِلَى وَقْتِ الْعَقْدِ. (١)

اسْتِنْبَاطٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِسْتِنْبَاطُ لُغَةً: اسْتِفْعَالٌ مِنْ أَنْبَطَ الْمَاءَ إِنْبَاطًا بِمَعْنَى اسْتَخْرَجَهُ.

وَكُل مَا أُظْهِرَ بَعْدَ خَفَاءٍ فَقَدْ أُنْبِطَ وَاسْتُنْبِطَ.

وَاسْتَنْبَطَ الْفَقِيهُ الْحُكْمَ: اسْتَخْرَجَهُ بِاجْتِهَادِهِ.

قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُول وَإِلَى أُولِي الأَْمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (٢) وَاسْتَنْبَطَهُ وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ عِلْمًا وَخَيْرًا وَمَالًا: اسْتَخْرَجَهُ. وَهُوَ مَجَازٌ. (٣)

وَيُسْتَخْلَصُ مِنْ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ وَالأُْصُولِيِّينَ تَعْرِيفُ الاِسْتِنْبَاطِ بِأَنَّهُ: اسْتِخْرَاجُ الْحُكْمِ أَوِ الْعِلَّةِ إِذَا لَمْ يَكُونَا مَنْصُوصَيْنِ وَلاَ مُجْمَعًا عَلَيْهِمَا بِنَوْعٍ مِنْ الاِجْتِهَادِ. فَيُسْتَخْرَجُ الْحُكْمُ بِالْقِيَاسِ، أَوْ الاِسْتِدْلاَل، أَوْ الاِسْتِحْسَانِ، أَوْ نَحْوِهَا، وَتُسْتَخْرَجُ الْعِلَّةُ بِالتَّقْسِيمِ وَالسَّبْرِ، أَوِ الْمُنَاسَبَةِ، أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا يُعْرَفُ بِمَسَالِكِ الْعِلَّةِ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الاِجْتِهَادُ:

٢ - هُوَ بَذْل الطَّاقَةِ مِنَ الْفَقِيهِ فِي تَحْصِيل حُكْمٍ

_________

(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٣٦، والمغني ٦ / ٢٥.

(٢) سورة النساء / ٨٣.

(٣) القاموس وتاج العروس مادة (نبط) والتعريفات للجرجاني ص ١٧.

شَرْعِيٍّ ظَنِّيٍّ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الاِسْتِنْبَاطِ (١) أَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ الاِسْتِنْبَاطِ، لأَِنَّ الاِجْتِهَادَ كَمَا يَكُونُ فِي اسْتِخْرَاجِ الْحُكْمِ أَوِ الْعِلَّةِ، يَكُونُ فِي دَلاَلاَتِ النُّصُوصِ وَالتَّرْجِيحِ عِنْدَ التَّعَارُضِ.

ب - التَّخْرِيجُ:

٣ - يَسْتَعْمِل هَذَا التَّعْبِيرَ كُلٌّ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالأُْصُولِيِّينَ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الاِسْتِنْبَاطِ، وَمَعْنَاهُ عِنْدَهُمُ: اسْتِخْرَاجُ الْحُكْمِ بِالتَّفْرِيعِ عَلَى نَصِّ الإِْمَامِ فِي صُورَةٍ مُشَابِهَةٍ، أَوْ عَلَى أُصُول إِمَامِ الْمَذْهَبِ كَالْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي يَأْخُذُ بِهَا، أَوِ الشَّرْعِ، أَوِ الْعَقْل، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ مِنَ الإِْمَامِ. وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ: التَّفْرِيعُ عَلَى قَاعِدَةِ عَدَمِ التَّكْلِيفِ بِمَا لاَ يُطَاقُ. هَذَا حَاصِل مَا ذَكَرَهُ ابْنُ بَدْرَانَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ. (٢)

وَقَال السَّقَّافُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ مَا حَاصِلُهُ: إِنَّ التَّخْرِيجَ أَنْ يَنْقُل فُقَهَاءُ الْمَذْهَبِ الْحُكْمَ مِنْ نَصِّ إِمَامِهِمْ فِي صُورَةٍ إِلَى صُورَةٍ مُشَابِهَةٍ. وَقَدْ يَكُونُ لِلإِْمَامِ نَصٌّ فِي الصُّورَةِ الْمَنْقُول إِلَيْهَا مُخَالِفٌ لِلْحُكْمِ الْمَنْقُول، فَيَكُونُ لَهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ قَوْلاَنِ، قَوْلٌ مَنْصُوصٌ وَقَوْلٌ مُخَرَّجٌ. (٣)

وَتَخْرِيجُ الْمَنَاطِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ مَعْنَاهُ: إِظْهَارُ مَا عُلِّقَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ (٤)، أَيْ إِظْهَارُ الْعِلَّةِ.

ج - الْبَحْثُ:

٤ - قَال ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ: الْبَحْثُ مَا يُفْهَمُ فَهْمًا

_________

(١) مسلم الثبوت ٢ / ٣٦٢.

(٢) المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل ص ٥٣، ١٩٠.

(٣) الفوائد المكية للشيخ علوي السقاف، ضمن " مجموعة رسائل كتب مفيدة ص ٤٢، ٤٣ ط مصطفى الحلبي.

(٤) شرح المحلي على جمع الجوامع ٢ / ٢٧٣.

وَاضِحًا مِنَ الْكَلاَمِ الْعَامِّ لِلأَْصْحَابِ، الْمَنْقُول عَنْ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ بِنَقْلٍ عَامٍّ.

وَقَال السَّقَّافُ: الْبَحْثُ هُوَ الَّذِي اسْتَنْبَطَهُ الْبَاحِثُ مِنْ نُصُوصِ الإِْمَامِ وَقَوَاعِدِهِ الْكُلِّيَّةِ.

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

يُرْجَعُ لِمَعْرِفَةِ مَسَائِل الاِسْتِنْبَاطِ إِلَى (الاِجْتِهَادِ) (وَالْقِيَاسِ - مَسَالِكِ الْعِلَّةِ) وَالْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

اسْتِنْتَار

اُنْظُرْ: اسْتِبْرَاء

اسْتِنْثَار

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِسْتِنْثَارُ: هُوَ نَثْرُ مَا فِي الأَْنْفِ مِنْ مُخَاطٍ وَغَيْرِهِ بِالنَّفَسِ، وَاسْتَنْثَرَ الإِْنْسَانُ: اسْتَنْشَقَ الْمَاءَ، ثُمَّ اسْتَخْرَجَ ذَلِكَ بِنَفَسِ الأَْنْفِ. (١) وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. (٢)

_________

(١) لسان العرب، والمصباح مادة (نثر) .

(٢) المغني ١ / ١٢٠ ط الرياض، والمجموع ١ / ٣٥٣ ط المنيرية.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٢ - الاِسْتِنْثَارُ سُنَّةٌ فِي الطَّهَارَةِ، لِمَا وَرَدَ فِي صِفَةِ وُضُوءِ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ. (١)

وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ فِي كَيْفِيَّتِهِ. (٢)

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٣ - تُنْظَرُ أَحْكَامُ الاِسْتِنْثَارِ وَكَيْفِيَّتُهُ تَحْتَ مُصْطَلَحِ (وُضُوء) (وَغُسْل) .

اسْتِنْجَاء

التَّعْرِيفُ:

١ - مِنْ مَعَانِي الاِسْتِنْجَاءِ: الْخَلاَصُ مِنَ الشَّيْءِ، يُقَال: اسْتَنْجَى حَاجَتَهُ مِنْهُ، أَيْ خَلَّصَهَا. وَالنَّجْوَةُ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الأَْرْضِ فَلَمْ يُعْلِهَا السَّيْل، فَظَنَنْتَهَا نَجَاءَكَ.

_________

(&# x٦٦١ ;) حديث " أنه ﷺ تمضمض. . . " أخرجه الأئمة الستة من حديث مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه، قال شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد عن وضوء رسول الله ﷺ، فدعا بتور من ماء، فتوضأ لهم وضوء رسول الله صلى الله عليه وسل فأكفأ على يده من التور، فغسل يديه ثلاثا، ثم أدخل يديه في التور، فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثا بثلاث غرفات. . . (نصب الراية ١ / ١٠ ط مطبعة دار أكامدن ١٣٥٧ هـ) .

(٢) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٣٩ ط العثمانية، والمجموع ١ / ٣٥٧، والشرح الصغير ١ / ٤٧ ط مصطفى الحلبي، والمغني ١ / ١٢٠، ١٢١.

وَأَنْجَيْتُ الشَّجَرَةَ وَاسْتَنْجَيْتُهَا: قَطَعْتُهَا مِنْ أَصْلِهَا. (١)

وَمَأْخَذُ الاِسْتِنْجَاءِ فِي الطَّهَارَةِ، قَال شِمْرٌ: أَرَاهُ مِنْ الاِسْتِنْجَاءِ بِمَعْنَى الْقَطْعِ، لِقَطْعِهِ الْعَذِرَةَ بِالْمَاءِ، وَقَال ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَأْخُوذٌ مِنَ النَّجْوَةِ وَهِيَ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الأَْرْضِ، لأَِنَّهُ إِذَا أَرَادَ قَضَاءَ الْحَاجَةِ اسْتَتَرَ بِهَا. (٢)

وَقَدِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ فِي تَعْرِيفِ الاِسْتِنْجَاءِ اصْطِلاَحًا، وَكُلُّهَا تَلْتَقِي عَلَى أَنَّ الاِسْتِنْجَاءَ إزَالَةُ مَا يَخْرُجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ، سَوَاءٌ بِالْغَسْل أَوِ الْمَسْحِ بِالْحِجَارَةِ وَنَحْوِهَا عَنْ مَوْضِعِ الْخُرُوجِ وَمَا قَرُبَ مِنْهُ.

وَلَيْسَ غَسْل النَّجَاسَةِ عَنِ الْبَدَنِ أَوْ عَنِ الثَّوْبِ اسْتِنْجَاءً. (٣)

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الاِسْتِطَابَةُ:

٢ - الاِسْتِطَابَةُ هِيَ بِمَعْنَى الاِسْتِنْجَاءِ، تَشْمَل اسْتِعْمَال الْمَاءِ وَالْحِجَارَةِ. وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِاسْتِعْمَال الْمَاءِ، فَتَكُونُ حِينَئِذٍ أَخَصَّ مِنْ الاِسْتِنْجَاءِ. وَأَصْلُهَا مِنَ الطِّيبِ، لأَِنَّهَا تُطَيِّبُ الْمَحَل بِإِزَالَةِ مَا فِيهِ مِنَ الأَْذَى، وَلِذَا يُقَال فِيهَا أَيْضًا الإِْطَابَةُ (٤) .

ب - الاِسْتِجْمَارُ:

٣ - الْجِمَارُ: الْحِجَارَةُ، جَمْعُ جَمْرَةٍ وَهِيَ الْحَصَاةُ.

_________

(١) لسان العرب.

(٢) لسان العرب، والمغني ١ / ١١١ ط مكتبة القاهرة.

(٣) حاشية القليوبي ١ / ٤٢.

(٤) المغني ١ / ١١١، والمجموع ٢ / ٧٣.

وَمَعْنَى الاِسْتِجْمَارِ: اسْتِعْمَال الْحِجَارَةِ وَنَحْوِهَا فِي إزَالَةِ مَا عَلَى السَّبِيلَيْنِ مِنَ النَّجَاسَةِ (١) .

ج - الاِسْتِبْرَاءُ:

٤ - الاِسْتِبْرَاءُ لُغَةً: طَلَبُ الْبَرَاءَةِ، وَفِي الاِصْطِلاَحِ: طَلَبُ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْخَارِجِ بِمَا تَعَارَفَهُ الإِْنْسَانُ مِنْ مَشْيٍ أَوْ تَنَحْنُحٍ أَوْ غَيْرِهِمَا إِلَى أَنْ تَنْقَطِعَ الْمَادَّةُ، فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ مَاهِيَّةِ الاِسْتِنْجَاءِ، لأَِنَّهُ مُقَدِّمَةٌ لَهُ (٢) .

د - الاِسْتِنْقَاءُ:

٥ - الاِسْتِنْقَاءُ: طَلَبُ النَّقَاوَةِ، وَهُوَ أَنْ يَدْلُكَ الْمَقْعَدَةَ بِالأَْحْجَارِ، أَوْ بِالأَْصَابِعِ حَالَةَ الاِسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ حَتَّى يُنَقِّيَهَا، فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الاِسْتِنْجَاءِ، وَمِثْلُهُ الإِْنْقَاءُ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: هُوَ أَنْ تَذْهَبَ لُزُوجَةُ النَّجَاسَةِ وَآثَارُهَا. (٣)

حُكْمُ الاِسْتِنْجَاءِ:

٦ - فِي حُكْمِ الاِسْتِنْجَاءِ - مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ - رَأْيَانِ لِلْفُقَهَاءِ: الأَْوَّل: أَنَّهُ وَاجِبٌ إِذَا وُجِدَ سَبَبُهُ، وَهُوَ الْخَارِجُ، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.

وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ، يَسْتَطِيبُ بِهِنَّ، فَإِنَّهَا تُجْزِي عَنْهُ (٤) وَقَوْلِهِ: لاَ يَسْتَنْجِي

_________

(١) رد المحتار ١ / ٢٣٠، وحاشية الدسوقي ١ / ١١٠.

(٢) ابن عابدين ١ / ٢٢٩.

(٣) المغني ١ / ١١٩.

(٤) حديث " إذا ذهب أحدكم إلى الغائط. . . " رواه أبو داود والنسائي عن عائشة (سنن أبي داود ١ / ٤١ بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ط مطبعة السعادة بمصر ١٣٦٩ هـ، وسنن النسائي ١ / ٣٨ بشرح السيوطي ط البابي الحلبي الأولى ١٣٨٣ هـ) .

أَحَدُكُمْ بِدُونِ ثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) وَفِي لَفْظٍ لَهُ: لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِدُونِ ثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ، (٢) قَالُوا: وَالْحَدِيثُ الأَْوَّل أَمْرٌ، وَالأَْمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ. وَقَال: فَإِنَّهَا تُجْزِي عَنْهُ وَالإِْجْزَاءُ إِنَّمَا يُسْتَعْمَل فِي الْوَاجِبِ، وَنَهَى عَنْ الاِقْتِصَارِ عَلَى أَقَل مِنْ ثَلاَثَةٍ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، وَإِذَا حَرَّمَ تَرْكَ بَعْضِ النَّجَاسَةِ فَجَمِيعُهَا أَوْلَى (٣) .

٧ - الرَّأْيُ الثَّانِي: أَنَّهُ مَسْنُونٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ. فَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي: الاِسْتِنْجَاءُ مُطْلَقًا سُنَّةٌ لاَ عَلَى سَبِيل التَّعْيِينِ مِنْ كَوْنِهِ بِالْحَجَرِ أَوْ بِالْمَاءِ، وَهُوَ قَوْل الْمُزَنِيِّ (٤) مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَنَقَل صَاحِبُ الْمُغْنِي مِنْ قَوْل ابْنِ سِيرِينَ فِيمَنْ صَلَّى بِقَوْمٍ وَلَمْ يَسْتَنْجِ، قَال: لاَ أَعْلَمُ بِهِ بَأْسًا.

قَال الْمُوَفَّقُ: يُحْتَمَل أَنَّهُ لَمْ يَرَ وُجُوبَ الاِسْتِنْجَاءِ.

وَاحْتَجَّ الْحَنَفِيَّةُ بِمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَل فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لاَ فَلاَ حَرَجَ (٥) قَال فِي مَجْمَعِ الأَْنْهُرِ:

_________

(١) حديث " لا يستنجي أحدكم بدون. . . " رواه مسلم عن سلمان الفارسي (صحيح مسلم ١ / ٢٢٤ بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ط البابي الحلبي) .

(٢) حديث " لقد نهانا أن نستنجي بدون. . . " رواه مسلم من حديث سلمان الفارسي - مطولا - وفيه: " أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار " (صحيح مسلم ١ / ٢٢٣ بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ط البابي الحلبي الأولى ١٣٧٤ هـ - ١٩٥٥ م) .

(٣) المغني ١ / ١١٢، وحاشية الدسوقي ١ / ١١١، ونهاية المحتاج وحواشيه ١ / ١٢٨، ١٢٩.

(٤) حاشية القليوبي ١ / ٤٢، والذخيرة ١ / ٣٥.

(٥) حديث " من استنجى فليوتر، من فعل فقد أحسن. . . " أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان والبيهقي من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا. قال الشوكاني: ومداره على أبي سعيد الحبراني الحمصي وفيه اختلاف: قيل إنه صحابي، قال الحافظ: ولا يصح، والراوي عنه حصين الحبراني وهو مجهول. وقال أبو زرعة: شيخ. وذكره ابن حبان في الثقات، وذكر الدارقطني (نيل الأوطار ١ / ١١٦، ١١٧ ط دار الجيل، والمستدرك ١ / ١٥٨ نشر دار الكتاب العربي) .

لأَِنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا انْتَفَى الْحَرَجُ عَنْ تَارِكِهِ. (١)

وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّهُ نَجَاسَةٌ قَلِيلَةٌ، وَالنَّجَاسَةُ الْقَلِيلَةُ عَفْوٌ. (٢)

وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ لِلْحَنَفِيَّةِ: الاِسْتِنْجَاءُ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ. أَرْبَعَةٌ فَرِيضَةٌ: مِنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْجَنَابَةِ، وَإِذَا تَجَاوَزَتِ النَّجَاسَةُ مَخْرَجَهَا. وَوَاحِدٌ سُنَّةٌ، وَهُوَ مَا إِذَا كَانَتِ النَّجَاسَةُ قَدْرَ الْمَخْرَجِ.

وَقَدْ رَفَضَ ابْنُ نُجَيْمٍ هَذَا التَّقْسِيمَ، وَقَرَّرَ أَنَّ الثَّلاَثَةَ هِيَ مِنْ بَابِ إِزَالَةِ الْحَدَثِ، وَالرَّابِعُ مِنْ بَابِ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْعَيْنِيَّةِ عَنِ الْبَدَنِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الاِسْتِنْجَاءِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ الْقِسْمُ الْمَسْنُونُ.

وَأَقَرَّ ابْنُ عَابِدِينَ التَّقْرِيرَ. (٣)

وَقَال الْقَرَافِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ مَنْ تَرَكَ الاِسْتِنْجَاءَ وَصَلَّى بِالنَّجَاسَةِ أَعَادَ، قَال: وَلِمَالِكٍ ﵀ فِي الْعُتْبِيَّةِ: لاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ: مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَل فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لاَ فَلاَ حَرَجَ وَقَال: الْوِتْرُ يَتَنَاوَل الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ، فَإِذَا

_________

(١) مجمع الأنهر ١ / ٦٥ ط عثمانية.

(٢) البحر الرائق ١ / ٢٥٣، وفتح القدير ١ / ٤٨.

(٣) البحر الرائق وحاشية ابن عابدين عليه ١ / ٢٥٢.

نَفَاهَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ، وَلأَِنَّهُ مَحَلٌّ تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فَيُعْفَى عَنْهُ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ عِنْدَ مَالِكٍ قَوْلًا بِعَدَمِ الْوُجُوبِ. (١)

ثُمَّ هُوَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِمُوَاظَبَتِهِ ﷺ.

وَبَنَى ابْنُ عَابِدِينَ عَلَى ذَلِكَ كَرَاهَةَ تَرْكِهِ، وَنَقَلَهُ أَيْضًا عَنِ الْبَدَائِعِ. وَنَقَل عَنِ الْخُلاَصَةِ وَالْحِلْيَةِ نَفْيَ الْكَرَاهَةِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لاَ سُنَّةٌ، بِخِلاَفِ النَّجَاسَةِ الْمَعْفُوِّ عَنْهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْحَدَثِ فَتَرْكُهَا يُكْرَهُ. (٢)

وَقْتُ وُجُوبِ الاِسْتِنْجَاءِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِهِ:

٨ - إِنَّ وُجُوبَ الاِسْتِنْجَاءِ إِنَّمَا هُوَ لِصِحَّةِ الصَّلاَةِ. وَلِذَا قَال الشَّبْرَامَلُّسِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ يَجِبُ الاِسْتِنْجَاءُ عَلَى الْفَوْرِ، بَل عِنْدَ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلاَةِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، بِأَنْ دَخَل وَقْتُ الصَّلاَةِ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ فِعْلَهَا فِي أَوَّلِهِ. فَإِذَا دَخَل وَقْتُ الصَّلاَةِ وَجَبَ وُجُوبًا مُوَسَّعًا بِسَعَةِ الْوَقْتِ، وَمُضَيَّقًا بِضِيقِهِ.

ثُمَّ قَال: نَعَمْ، إِنْ قَضَى حَاجَتَهُ فِي الْوَقْتِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لاَ يَجِدُ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، وَجَبَ اسْتِعْمَال الْحَجَرِ فَوْرًا. (٣)

عَلاَقَةُ الاِسْتِنْجَاءِ بِالْوُضُوءِ، وَالتَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا:

٩ - الاِسْتِنْجَاءُ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ قَبْلَهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالرِّوَايَةُ الْمُعْتَمَدَةُ لِلْحَنَابِلَةِ، فَلَوْ أَخَّرَهُ عَنْهُ جَازَ وَفَاتَتْهُ السُّنِّيَّةُ، لأَِنَّهُ إِزَالَةُ نَجَاسَةٍ، فَلَمْ تُشْتَرَطْ لِصِحَّةِ الطَّهَارَةِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ عَلَى غَيْرِ الْفَرْجِ.

_________

(١) الذخيرة ١ / ٢٠٥.

(٢) رد المحتار ١ / ٢٢٤، والبحر الرائق ١ / ٢٥٣.

(٣) حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج ١ / ١٢٨ - ١٢٩.

وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ يُعَدُّ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ، وَإِنِ اسْتَحَبُّوا تَقْدِيمَهُ عَلَيْهِ.

أَمَّا الرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: فَالاِسْتِنْجَاءُ قَبْل الْوُضُوءِ - إِذَا وُجِدَ سَبَبُهُ - شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلاَةِ. فَلَوْ تَوَضَّأَ قَبْل الاِسْتِنْجَاءِ لَمْ يَصِحَّ، وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ اقْتَصَرَ صَاحِبُ كَشَّافِ الْقِنَاعِ.

قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَهَذَا فِي حَقِّ السَّلِيمِ، أَمَّا فِي حَقِّ صَاحِبِ الضَّرُورَةِ - يَعْنُونَ صَاحِبَ السَّلَسِ وَنَحْوِهِ - فَيَجِبُ تَقْدِيمُ الاِسْتِنْجَاءِ عَلَى الْوُضُوءِ.

وَعَلَى هَذَا، فَإِذَا تَوَضَّأَ السَّلِيمُ قَبْل الاِسْتِنْجَاءِ، يَسْتَجْمِرُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالأَْحْجَارِ، أَوْ يَغْسِلُهُ بِحَائِلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ، وَلاَ يَمَسُّ الْفَرْجَ. (١) وَقَوَاعِدُ الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى لاَ تَأْبَى ذَلِكَ التَّفْصِيل.

عَلاَقَةُ الاِسْتِنْجَاءِ بِالتَّيَمُّمِ، وَالتَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا:

١٠ - لِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ اتِّجَاهَانِ:

الاِتِّجَاهُ الأَْوَّل: أَنَّهُ يَجِبُ تَقْدِيمُ الاِسْتِجْمَارِ عَلَى التَّيَمُّمِ، وَهَذَا رَأْيُ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ أَحَدُ احْتِمَالَيْنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.

وَعَلَّل الْقَرَافِيُّ ذَلِكَ بِأَنَّ التَّيَمُّمَ لاَ بُدَّ أَنْ يَتَّصِل بِالصَّلاَةِ، فَإِذَا تَيَمَّمَ ثُمَّ اسْتَنْجَى فَقَدْ فَرَّقَهُ بِإِزَالَةِ النَّجْوِ.

وَعَلَّل الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى ذَلِكَ بِأَنَّ التَّيَمُّمَ لاَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ، وَإِنَّمَا تُسْتَبَاحُ بِهِ الصَّلاَةُ، وَمَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ يُمْكِنُهُ إِزَالَتُهَا لاَ تُبَاحُ لَهُ الصَّلاَةُ، فَلَمْ تَصِحَّ نِيَّةُ الاِسْتِبَاحَةِ، كَمَا لَوْ تَيَمَّمَ قَبْل الْوَقْتِ.

وَالاِتِّجَاهُ الثَّانِي: أَنَّ التَّرْتِيبَ هُنَا لاَ يَجِبُ، وَهُوَ

_________

(١) تحفة الفقهاء ١ / ١٣، ونهاية المحتاج ١ / ١١٥، ١٢٩، والخرشي ١ / ١٤١، والمغني ١ / ٨٢، وكشاف القناع ١ / ٦٠.