الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤
ابْنُ عَقِيلٍ، لأَِنَّ الْفِكْرَةَ تُسْتَحْضَرُ وَتَدْخُل تَحْتَ الاِخْتِيَارِ، وَمَدَحَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الَّذِينَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ، وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ التَّفَكُّرِ فِي ذَاتِ اللَّهِ، وَأَمَرَ بِالتَّفَكُّرِ فِي الآْلاَءِ. (١) وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهَا لَمْ يَتَعَلَّقْ ذَلِكَ بِهَا. (٢)
أَثَرُ الاِسْتِمْنَاءِ فِي الاِعْتِكَافِ:
١١ - يَبْطُل الاِعْتِكَافُ بِالاِسْتِمْنَاءِ بِالْيَدِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، إلاَّ أَنَّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ مَنْ ذَكَرَهُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَظْهَرَ الْبُطْلاَنَ. (٣)
وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ اُنْظُرْ (اعْتِكَاف) .
أَمَّا الاِسْتِمْنَاءُ بِالنَّظَرِ وَالتَّفْكِيرِ فَلاَ يَبْطُل بِهِ
_________
(١) حديث: " نهى النبي ﷺ عن التفكر في ذات الله. . . " أخرجه أبو الشيخ والطبراني وابن عدي والبيهقي من حديث ابن عمر. قال البيهقي: هذا إسناد فيه نظر. قال الحافظ العراقي: فيه الوزاع بن نافع متروك. قال السخاوي: أسانيدها ضعيفة، لكن اجتماعها يكتسب قوة. ورمز الألباني لحسنه (فيض القدير ٣ / ٢٦٣ ط المكتبة التجارية ١٣٥٦ هـ، والمقاصد الحسنة ص ١٥٩ نشر مكتبة الخانجي بمصر، وصحيح الجامع الصغير تحقيق الألباني ٣ / ٤٩) .
(٢) فتح القدير ٢ / ٧٠، والدسوقي على الدردير ١ / ٥٢٣، ٥٢٩، وشرح الروض ١ / ٤١٤، ومغني المحتاج ١ / ٤٣٠، والمغني والشرح الكبير ٣ / ٤٩.
(٣) الهندية ١ / ٢١٣، والمبسوط ٣ / ١٢٣، والحطاب ٢ / ٤٥٦، ٤٥٧، والجمل ٢ / ٣٦٣، وإعانة الطالبين ٢ / ٢٦٣، وشرح الروض ١ / ٣٣٤، ونهاية المحتاج ٣ / ٢١٤، ومغني المحتاج ١ / ٤٥٢، والكافي ١ / ٥٠٤.
الاِعْتِكَافُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَيَبْطُل بِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَكَذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ، إذْ يُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِهِمْ بُطْلاَنُ الاِعْتِكَافِ، لِفِقْدَانِ شَرْطِ الطَّهَارَةِ مِمَّا يُوجِبُ الْغُسْل. (١)
أَثَرُ الاِسْتِمْنَاءِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ:
١٢ - لاَ يَفْسُدُ الْحَجُّ بِالاِسْتِمْنَاءِ بِالْيَدِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لَكِنْ يَجِبُ فِيهِ دَمٌ، لأَِنَّهُ كَالْمُبَاشَرَةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ فِي التَّحْرِيمِ وَالتَّعْزِيرِ، فَكَانَ بِمَنْزِلَتِهَا فِي الْجَزَاءِ. (٢) وَيَفْسُدُ الْحَجُّ بِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَأَوْجَبُوا فِيهِ الْقَضَاءَ وَالْهَدْيَ وَلَوْ كَانَ نَاسِيًا، لأَِنَّهُ أَنْزَل بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ.
وَلِبَيَانِ نَوْعِ الدَّمِ وَوَقْتِهِ اُنْظُرْ (إحْرَامٌ) .
وَالْعُمْرَةُ فِي ذَلِكَ كَالْحَجِّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ عُمُومِ كَلاَمِ الْبَاجِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلاَمِ بَهْرَامٌ وَغَيْرِهِ أَنَّ مَا يُوجِبُ الْفَسَادَ فِي الْحَجِّ فِي بَعْضِ الأَْحْوَال مِنْ وَطْءٍ وَإِنْزَالٍ يُوجِبُ الْهَدْيَ فِي الْعُمْرَةِ، لأَِنَّ أَمْرَهَا أَخَفُّ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا لَيْسَتْ فَرْضًا. (٣)
١٣ - أَمَّا الاِسْتِمْنَاءُ بِالنَّظَرِ وَالْفِكْرِ فَإِنَّهُ يَفْسُدُ الْحَجُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، بِاسْتِدْعَاءِ الْمَنِيِّ بِنَظَرٍ أَوْ فِكْرٍ مُسْتَدَامَيْنِ، فَإِنْ خَرَجَ بِمُجَرَّدِ الْفِكْرِ أَوِ النَّظَرِ لَمْ
_________
(١) البحر الرائق ٢ / ٣٢٨، والحطاب ٢ / ٤٥٦، ونهاية المحتاج ٢ / ٢٦٣، ٣ / ٢١٤، وكشاف المخدرات ص ١٦٦.
(٢) المهذب ١ / ٢١٦، وفتح القدير ٢ / ٢٣٩، والهندية ١ / ٢٤٤، والدسوقي ٢ / ٦٨، ومغني المحتاج ١ / ٥٢٢، ونهاية المحتاج ٣ / ٣٢٩، ٣٣٠، وشرح الروض ١ / ٥٦٣، والجمل ٢ / ٣٢١، ٥١٧، ومنتهى الإرادات ١ / ٢٦٢، والشرواني على التحفة ٤ / ١٧٤، والمغني مع الشرح + الكبير ٣ / ٣٤١.
(٣) الحطاب ٢ / ٤٢٣، ونهاية المحتاج ٣ / ٣٣٠.
يَفْسُدْ وَعَلَيْهِ هَدْيٌ وُجُوبًا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ عَمْدًا أَمْ جَهْلًا أَمْ نِسْيَانًا. وَلاَ يَفْسُدُ بِهِ الْحَجُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَلاَ فِدْيَةَ فِيهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ تَجِبُ الْفِدْيَةُ فِي النَّظَرِ، وَأَمَّا التَّفْكِيرُ فَانْفَرَدَ بِالْفِدْيَةِ فِيهِ مِنْهُمْ أَبُو حَفْصٍ الْبَرْمَكِيُّ (١) .
الاِسْتِمْنَاءُ عَنْ طَرِيقِ الزَّوْجَةِ:
١٤ - أَغْلَبُ الْفُقَهَاءِ عَلَى جَوَازِ الاِسْتِمْنَاءِ بِالزَّوْجَةِ مَا لَمْ يُوجَدْ مَانِعٌ، (٢) لأَِنَّهَا مَحَل اسْتِمْتَاعِهِ، كَمَا لَوْ أَنْزَل بِتَفْخِيذٍ أَوْ تَبْطِينٍ، وَلِبَيَانِ الْمَانِعِ اُنْظُرْ (حَيْضٌ، نِفَاسٌ، صَوْمٌ، اعْتِكَافٌ، حَجٌّ) .
وَقَال بِكَرَاهَتِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، نَقَل صَاحِبُ الدُّرِّ عَنِ الْجَوْهَرَةِ: وَلَوْ مَكَّنَ امْرَأَتَهُ مِنَ الْعَبَثِ بِذَكَرِهِ فَأَنْزَل كُرِهَ وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ عَابِدِينَ حَمَلَهَا عَلَى الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ. وَفِي نِهَايَةِ الزَّيْنِ: وَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي: لَوْ غَمَرَتِ الْمَرْأَةُ ذَكَرَ زَوْجِهَا بِيَدِهَا كُرِهَ وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ إِذَا أَمْنَى، لأَِنَّهُ يُشْبِهُ الْعَزْل، وَالْعَزْل مَكْرُوهٌ. (٣)
_________
(١) الدسوقي على الدردير ٢ / ٦٨، والهندية ١ / ٢٤٤، والمبسوط ٣ / ١٢٠، ١٢١، والرهوني ٢ / ٤٥٩، ونهاية المحتاج ٣ / ٢١٤، ومغني المحتاج ١ / ٤٥٢، والشرواني على التحفة ٤ / ١٧٤، والجمل ٢ / ٥١٧، والشرح الكبير مع المغني ٣ / ٣٤١، وكشاف القناع ٢ / ٢٨٧، ٣ / ٣٩٩.
(٢) ابن عابدين ٢ / ١٠٠، ٣ / ١٥٦، والخرشي ١ / ٢٠٨، والدسوقي ١ / ١٧٣، ونهاية المحتاج ٣ / ١٦٩، وكشاف القناع ٥ / ١٤٨، والإنصاف ٤ / ١٥٢.
(٣) ابن عابدين ٣ / ١٥٦، ونهاية الزين في إرشاد المبتدئين ص ٣٤٩.
عُقُوبَةُ الاِسْتِمْنَاءِ:
١٥ - الاِسْتِمْنَاءُ الْمُحَرَّمُ يُعَزَّرُ فَاعِلُهُ بِاتِّفَاقٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ . (١)
اسْتِمْهَال
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِمْهَال فِي اللُّغَةِ. طَلَبُ الْمُهْلَةِ. وَالْمُهْلَةُ التُّؤَدَةُ وَالتَّأْخِيرُ. (٢)
وَالْفُقَهَاءُ يَسْتَعْمِلُونَ " الاِسْتِمْهَال. بِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ بِهِ أَهْل اللُّغَةِ. (٣)
حُكْمُ الاِسْتِمْهَال:
٢ - الاِسْتِمْهَال قَدْ يَكُونُ مَشْرُوعًا، وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ مَشْرُوعٍ:
أ - الاِسْتِمْهَال الْمَشْرُوعُ، وَهُوَ عَلَى أَنْوَاعٍ:
النَّوْعُ الأَْوَّل: الاِسْتِمْهَال لإِثْبَاتِ حَقٍّ، كَاسْتِمْهَال الْمُدَّعِي الْقَاضِي لإِحْضَارِ الْبَيِّنَةِ، أَوْ
_________
(١) ابن عابدين ٣ / ١٥٦، والحطاب ٦ / ٣٢٠، والمجموع ٦ / ٣٢١، والمهذب ٢ / ٢٦٩، وكشاف القناع ٦ / ١٠٢، والآية من سورة المؤمنون ٥ - ٦.
(٢) لسان العرب مادة: (مهل) .
(٣) حاشية قليوبي ٤ / ١٧٢ طبع عيسى البابي الحلبي.
مُرَاجَعَةِ الْحِسَابِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَدْ فَصَّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى. (١)
النَّوْعُ الثَّانِي: الاِسْتِمْهَال الْوَارِدُ مَوْرِدَ الشَّرْطِ فِي الْعُقُودِ، كَاشْتِرَاطِ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ تَرْكَ مُهْلَةٍ لَهُ لِلتَّرَوِّي، كَمَا هُوَ الْحَال فِي خِيَارِ الشَّرْطِ، وَاشْتِرَاطُ الْمُشْتَرِي إمْهَال الْبَائِعِ لَهُ بِدَفْعِ الثَّمَنِ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ. وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: الاِسْتِمْهَال الَّذِي هُوَ مِنْ قَبِيل التَّبَرُّعِ، كَاسْتِمْهَال الْمَدِينِ الدَّائِنَ فِي وَفَاءِ الدَّيْنِ (٢) . وَاسْتِمْهَال الْمُسْتَعِيرِ الْمُعِيرَ فِي رَدِّ مَا اسْتَعَارَهُ مِنْهُ، وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي أَبْوَابِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.
ب - الاِسْتِمْهَال غَيْرُ الْمَشْرُوعِ:
وَمِنْهُ الاِسْتِمْهَال فِي الْحُقُوقِ الَّتِي اشْتَرَطَ فِيهَا الشَّارِعُ الْفَوْرِيَّةَ، أَوِ الْمَجْلِسَ، كَاسْتِمْهَال أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ الآْخَرَ فِي تَسْلِيمِ الْبَدَل فِي بَيْعِ الصَّرْفِ (٣)، وَاسْتِمْهَال الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ فِي تَسْلِيمِهِ رَأْسَ مَال السَّلَمِ (٤)، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي بَيْعِ السَّلَمِ.
٣ - وَمِنْ الاِسْتِمْهَال مَا يُسْقِطُ الْحَقَّ، كَاسْتِمْهَال الشَّفِيعِ الْمُشْتَرِي لِطَلَبِ الشُّفْعَةِ (٥)، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي بَابِ الشُّفْعَةِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ، وَكَاسْتِمْهَال الزَّوْجَةِ الصَّغِيرَةِ - إِذَا بَلَغَتْ - فِي الإِْفْصَاحِ عَنْ
_________
(١) أسنى المطالب ٤ / ٤٠٦ طبع المكتبة الإسلامية، وحاشية قليوبي ٤ / ٣٣٧ طبع عيسى البابي الحلبي، والاختيار لتعليل المختار ٢ / ١١٢ طبع دار المعرفة.
(٢) انظر تفسير القرطبي في تفسير قوله تعالى: (فإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) . سورة البقرة / ٢٨٠.
(٣) المغني ٤ / ٥١.
(٤) المغني ٤ / ٢٩٥.
(٥) ابن عابدين ٢ / ٣١٠.
اخْتِيَارِهَا زَوْجَهَا أَوْ فِرَاقِهِ (١)، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي خِيَارِ الْبُلُوغِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
مُدَّةُ الْمُهْلَةِ الَّتِي تُعْطَى فِي الاِسْتِمْهَال:
٤ - مُدَّةُ الْمُهْلَةِ إمَّا مُحَدَّدَةٌ مِنْ قِبَل الشَّرْعِ فَتُلْتَزَمُ، كَإِمْهَال الْعِنِّينِ سَنَةً، كَمَا رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ. وَابْنِ مَسْعُودٍ. وَإِمَّا مَتْرُوكَةٌ لِلْقَضَاءِ، كَمُهْلَةِ الْمُدَّعِي لإِحْضَارِ الْبَيِّنَةِ، وَإِمْهَال الزَّوْجَةِ لِتَسْلِيمِ نَفْسِهَا لِزَوْجِهَا بَعْدَ قَبْضِهَا الْمَهْرَ بِقَدْرِ مَا تُنَظِّفُ نَفْسَهَا وَتَتَهَيَّأُ لَهُ. وَإِمَّا اتِّفَاقِيَّةٌ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، كَإِمْهَال الدَّائِنِ لِلْمَدِينِ فِي وَفَاءِ الدَّيْنِ، اُنْظُرْ مُصْطَلَحَ (أَجَل) .
حُكْمُ إجَابَةِ الْمُسْتَمْهِل:
٥ - أ - يَجِبُ الإِْمْهَال فِي حَالاَتِ الاِسْتِمْهَال لإِثْبَاتِ حَقٍّ، وَالاِسْتِمْهَال الَّذِي هُوَ مِنْ قَبِيل الْمُطَالَبَةِ بِحَقٍّ، وَالاِسْتِمْهَال الْوَارِدِ مَوْرِدَ الشَّرْطِ فِي الْعُقُودِ.
ب - يُنْدَبُ الإِْمْهَال عِنْدَمَا يَكُونُ الإِْمْهَال مِنْ قَبِيل التَّبَرُّعِ (٢) .
ج - يَحْرُمُ الإِْمْهَال فِي الْحُقُوقِ الَّتِي اشْتَرَطَ فِيهَا الشَّارِعُ الْفَوْرِيَّةَ أَوِ الْمَجْلِسَ، لأَِنَّ الإِْمْهَال فِيهَا يُؤَدِّي إلَى إبْطَالِهَا. كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي الأَْبْوَابِ الَّتِي أَشَرْنَا إلَيْهَا عِنْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الْحَالاَتِ.
د - يَبْطُل الْحَقُّ فِي مِثْل الْحَالاَتِ الَّتِي أَشَرْنَا إلَيْهَا فِي (ف ٣) .
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ٣٠٩.
(٢) الاختيار ٣ / ١١٥، والمغني ٦ / ٦٦٨، ٦٦٩.
اسْتِنَابَة
اُنْظُرْ: إنَابَةٌ
اسْتِنَاد
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِنَادُ لُغَةً: مَصْدَرُ اسْتَنَدَ. وَأَصْلُهُ سَنَدَ. يُقَال: سَنَدْتُ إلَى الشَّيْءِ، وَأَسْنَدْتُ إلَيْهِ وَاسْتَنَدْتُ إلَيْهِ: إِذَا مِلْتَ إلَيْهِ وَاعْتَمَدْتَ عَلَيْهِ. وَالْمَسْنَدُ: مَا اسْتَنَدْتَ إلَيْهِ مِنَ الْمَتَاعِ، وَاسْتَنَدَ إلَى فُلاَنٍ: لَجَأَ إلَيْهِ فِي طَلَبِ الْعَوْنِ. (١) وَلِلاِسْتِنَادِ فِي الاِصْطِلاَحِ مَعَانٍ ثَلاَثَةٌ:
الأَْوَّل: الاِسْتِنَادُ الْحِسِّيُّ، وَهُوَ أَنْ يَمِيل الإِْنْسَانُ عَلَى الشَّيْءِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِ، وَالاِسْتِنَادُ بِهَذَا الْمَعْنَى طِبْقَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الثَّانِي: الاِسْتِنَادُ إلَى الشَّيْءِ بِمَعْنَى الاِحْتِجَاجِ بِهِ.
الثَّالِثُ: الاِسْتِنَادُ بِمَعْنَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِأَثَرٍ رَجْعِيٍّ، وَهُوَ بِالْمَعْنَى الثَّانِي وَالثَّالِثِ يُعْتَبَرُ اسْتِنَادًا مَعْنَوِيًّا.
الْمَبْحَثُ الأَْوَّل
الاِسْتِنَادُ الْحِسِّيُّ:
٢ - الاِسْتِنَادُ إلَى الشَّيْءِ بِهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمَيْل عَلَى
_________
(١) اللسان، والمرجع في اللغة مادة (سند) .
الشَّيْءِ مَعَ الاِعْتِمَادِ عَلَيْهِ. وَمِمَّا لَهُ صِلَةٌ بِالاِسْتِنَادِ: الاِتِّكَاءُ. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْبَقَاءِ أَنَّ الاِسْتِنَادَ عَلَى الشَّيْءِ الاِتِّكَاءُ عَلَيْهِ بِالظَّهْرِ خَاصَّةً، قَال: الاِتِّكَاءُ أَعَمُّ مِنْ الاِسْتِنَادِ، وَهُوَ - يَعْنِي الاِتِّكَاءَ - الاِعْتِمَادُ عَلَى الشَّيْءِ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ، وَبِأَيِّ جَانِبٍ كَانَ.
وَالاِسْتِنَادُ: اتِّكَاءٌ بِالظَّهْرِ لاَ غَيْرُ. (١) وَلَمْ نَطَّلِعْ عَلَى هَذَا التَّقْيِيدِ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ.
أَوَّلًا: أَحْكَامُ الاِسْتِنَادِ فِي الصَّلاَةِ:
أ - الاِسْتِنَادُ فِي الصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ:
٣ - الاِسْتِنَادُ إلَى عِمَادٍ - كَحَائِطٍ أَوْ سَارِيَةٍ - فِي صَلاَةِ الْفَرِيضَةِ لِلْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ مُسْتَقِلًّا دُونَ اعْتِمَادٍ. لِلْفُقَهَاءِ فِيهِ اتِّجَاهَاتٌ ثَلاَثَةٌ:
الاِتِّجَاهُ الأَْوَّل: يَرَى الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ مَنْعَهُ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ. قَالُوا: مَنِ اعْتَمَدَ عَلَى عَصًا أَوْ حَائِطٍ وَنَحْوِهِ بِحَيْثُ يَسْقُطُ لَوْ زَال الْعِمَادُ، لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ، قَالُوا: لأَِنَّ الْفَرِيضَةَ مِنْ أَرْكَانِهَا الْقِيَامُ، وَمَنِ اسْتَنَدَ عَلَى الشَّيْءِ بِحَيْثُ لَوْ زَال مِنْ تَحْتِهِ سَقَطَ، لاَ يُعْتَبَرُ قَائِمًا.
أَمَّا إنْ كَانَ لاَ يَسْقُطُ لَوْ زَال مَا اسْتَنَدَ إلَيْهِ، فَهُوَ عِنْدَهُمْ مَكْرُوهٌ، صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ. قَال الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: يُكْرَهُ اتِّفَاقًا - أَيْ بَيْنَ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ - لِمَا فِيهِ مِنْ إسَاءَةِ الأَْدَبِ وَإِظْهَارِ التَّجَبُّرِ. وَعَلَّل ابْنُ أَبِي تَغْلِبَ - مِنَ الْحَنَابِلَةِ - لِلْكَرَاهَةِ بِكَوْنِ الاِسْتِنَادِ يُزِيل مَشَقَّةَ الْقِيَامِ.
وَالاِتِّجَاهُ الثَّانِي: قَوْل الشَّافِعِيَّةِ الْمُقَدَّمُ لَدَيْهِمْ أَنَّ صَلاَةَ الْمُسْتَنِدِ تَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ، قَالُوا: لأَِنَّهُ يُسَمَّى قَائِمًا وَلَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ أُزِيل مَا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ لَسَقَطَ.
_________
(١) الكليات ١ / ٣٨ ط دمشق.
وَالاِتِّجَاهُ الثَّالِثُ: أَنَّ اسْتِنَادَ الْقَائِمِ فِي صَلاَةِ الْفَرْضِ جَائِزٌ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي ذَرٍّ ﵄ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ.
ثُمَّ إنَّ الصَّلاَةَ الْمَفْرُوضَةَ - الَّتِي هَذَا حُكْمُ الاِسْتِنَادِ فِيهَا - تَشْمَل الْفَرْضَ الْعَيْنِيَّ وَالْكِفَائِيَّ، كَصَلاَةِ الْجِنَازَةِ، وَصَلاَةِ الْعِيدِ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَهَا.
وَتَشْمَل الْوَاجِبَ بِالنَّذْرِ عَلَى مَنْ نَذَرَ الْقِيَامَ فِيهِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الدُّسُوقِيُّ، وَأَلْحَقَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ سُنَّةَ الْفَجْرِ عَلَى قَوْلٍ لِتَأَكُّدِهَا. (١)
ب - الاِسْتِنَادُ فِي الْفَرْضِ فِي حَال الضَّرُورَةِ:
٤ - يَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا وُجِدَتْ الضَّرُورَةُ، بِحَيْثُ لاَ يَسْتَطِيعُ الْمُصَلِّي أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا إِلاَّ بِالاِسْتِنَادِ، أَنَّ الاِسْتِنَادَ جَائِزٌ لَهُ. (٢) وَلَكِنْ هَل يَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضُ الْقِيَامِ فَيَجُوزُ لَهُ الصَّلاَةُ جَالِسًا مَعَ التَّمَكُّنِ مِنَ الْقِيَامِ بِالاِسْتِنَادِ؟ لِلْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اتِّجَاهَانِ:
الأَْوَّل: أَنَّ الْقِيَامَ وَاجِبٌ حِينَئِذٍ وَلاَ تَصِحُّ صَلاَتُهُ جَالِسًا. وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ، وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ، وَقَوْلٌ مَرْجُوحٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ.
قَال شَارِحُ الْمُنْيَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: لَوْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا أَوْ خَادِمٍ. قَال الْحَلْوَانِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ مُتَّكِئًا.
الثَّانِي: وَهُوَ الْمُقَدَّمُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ،
_________
(١) شرح منية المصلي ص ٢٧١ ط دارالسعادة ١٣٢٥ هـ، وابن عابدين ١ / ٢٩٩ ط بولاق، وحاشية الدسوقي ١ / ٢٥٥ - ٢٥٨ ط عيسى الحلبي، ونهاية المحتاج ١ / ٤٤٥، ٤٤٦ ط مصطفى الحلبي، ونيل المآرب ١ / ٣٩، ٤٠ ط بولاق.
(٢) المجموع ٣ / ٢٥٩ ط المنيرية.
وَمُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَمُقْتَضَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ - كَمَا تَقَدَّمَ - أَنَّ فَرْضَ الْقِيَامِ سَاقِطٌ عَنْهُ حِينَئِذٍ، وَتَجُوزُ صَلاَتُهُ جَالِسًا. قَال الْحَطَّابُ نَقْلًا عَنِ ابْنِ رُشْدٍ: لأَِنَّهُ لَمَّا سَقَطَ عَنْهُ الْقِيَامُ، وَجَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا، صَارَ قِيَامُهُ نَافِلَةً، فَجَازَ أَنْ يَعْتَمِدَ فِيهِ كَمَا يَعْتَمِدُ فِي النَّافِلَةِ، وَالْقِيَامُ مَعَ الاِعْتِمَادِ أَفْضَل.
وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ لِجَوَازِ الصَّلاَةِ مَعَ الاِعْتِمَادِ أَنْ يَكُونَ اسْتِنَادُهُ لِغَيْرِ حَائِضٍ أَوْ جُنُبٍ، فَإِنْ صَلَّى مُسْتَنِدًا إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ، أَيِ الْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ لاَ الاِخْتِيَارِيِّ. (١)
ج - الاِسْتِنَادُ فِي الصَّلاَةِ أَثْنَاءَ الْجُلُوسِ:
٥ - الْحُكْمُ فِي الاِسْتِنَادِ فِي الْجُلُوسِ كَالْحُكْمِ فِي الاِسْتِنَادِ فِي الْقِيَامِ تَمَامًا، عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ: فَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقُعُودِ مُسْتَوِيًا، وَقَدَرَ مُتَّكِئًا، يَجِبُ أَنْ يُصَلِّيَ مُتَّكِئًا أَوْ مُسْتَنِدًا (٢)
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ قَال الدَّرْدِيرُ مَا مَعْنَاهُ: الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْقِيَامَ مُسْتَنِدًا أَوْلَى مِنَ الْجُلُوسِ مُسْتَقِلًّا. (٣) أَمَّا الْجُلُوسُ مُسْتَقِلًّا فَوَاجِبٌ لاَ يَعْدِل عَنْهُ إلَى الْجُلُوسِ مُسْتَنِدًا إلاَّ عِنْدَ الْعَجْزِ. وَكَذَا لاَ يُصَارُ إلَى الْجُلُوسِ مُسْتَنِدًا مِمَّنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ بِالاِسْتِنَادِ. وَمِثْل ذَلِكَ الْجُلُوسِ مُسْتَنِدًا، فَهُوَ مُقَدَّمٌ وُجُوبًا عَلَى الصَّلاَةِ مُضْطَجِعًا، وَلَمْ نَجِدْ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ ذِكْرًا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
د - الاِسْتِنَادُ فِي النَّفْل:
٦ - قَال النَّوَوِيُّ: الاِتِّكَاءُ فِي صَلاَةِ النَّفْل جَائِزٌ
_________
(١) الشرح الكبير بهامش الدسوقي ٢ / ٢٥٧، والمواق بهامش مواهب الجليل ٢ / ٣، وشرح منية المصلي ص ٢٦٢، وكشاف القناع ١ / ٤٩٨.
(٢) الفتاوى الهندية ١ / ٣٤ نقلا عن الذخيرة.
(٣) الشرح الكبير بهامش الدسوقي ٢ / ٢٥٧.