الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤ الصفحة 18

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤

الْغِنَاءُ لِلتَّرْوِيحِ عَنِ النَّفْسِ:

أَمَّا إِذَا كَانَ الْغِنَاءُ بِقَصْدِ التَّرْوِيحِ عَنِ النَّفْسِ، وَكَانَ خَالِيًا عَنِ الْمَعَانِي السَّابِقَةِ فَقَدِ اُخْتُلِفَ فِيهِ، فَمَنَعَهُ جَمَاعَةٌ وَأَجَازَهُ آخَرُونَ.

١٧ - وَقَدْ ذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ إلَى تَحْرِيمِهِ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ أَهْل الْعِرَاقِ، مِنْهُمْ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَعَامِرُ الشَّعْبِيُّ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَالْحَنَفِيَّةُ، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ. (١)

وَاسْتَدَل هَؤُلاَءِ عَلَى التَّحْرِيمِ: - بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِل عَنْ سَبِيل اللَّهِ﴾ (٢) قَال ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ: لَهْوُ الْحَدِيثِ هُوَ: الْغِنَاءُ.

وَبِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُغَنِّيَاتِ، وَعَنْ شِرَائِهِنَّ، وَعَنْ كَسْبِهِنَّ، وَعَنْ أَكْل أَثْمَانِهِنَّ. (٣)

_________

(١) سنن البيهقي ١٠ / ٢٢٣، والمغني ٩ / ١٧٥، والمحلى ٩ / ٥٩ طبع المنيرية، وعمدة القاري ٦ / ٢٧١، ومصنف عبد الرزاق ١١ / ٤، ٦ طبع المكتب الإسلامي، وإحياء علوم الدين ٢ / ٢٦٩ طبع مطبعة الاستقامة، وفتح القدير ٦ / ٣٥، وبدائع الصنائع ٦ / ٢٩٧٢

(٢) سورة لقمان / ٦.

(٣) حديث: " أن النبي ﷺ نهى عن بيع المغنيات وعن شرائهن وعن كسبهن وعن. . . " أخرجه أحمد وابن ماجه واللفظ له والترمذي من حديث أبي أمامة ﵁ وقال: حديث أبي أمامة إنما نعرف مثل هذا من هذا الوجه، وقد تكلم بعض أهل العلم في علي بن يزيد وضعفه، وهو شامي. قال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال أبو زرعة: ليس بقوي، وقال الدارقطني: متروك (سنن ابن ماجه بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ٢ / ٧٣٣ ط عيسى الحلبي ١٣٧٣ هـ، وتحفة الأحوذي ٤ / ٥٠٢ - ٥٠٤ نشر المكتبة السلفية) .

وَبِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: كُل شَيْءٍ يَلْهُو بِهِ الرَّجُل فَهُوَ بَاطِلٌ، إلاَّ تَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَرَمْيَهُ بِقَوْسِهِ، وَمُلاَعَبَتَهُ امْرَأَتَهُ. (١)

١٨ - وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إلَى أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، فَإِنْ كَانَ سَمَاعُهُ مِنِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ فَهُوَ أَشَدُّ كَرَاهَةً، وَعَلَّل الْمَالِكِيَّةُ الْكَرَاهَةَ بِأَنَّ سَمَاعَهُ مُخِلٌّ بِالْمُرُوءَةِ، وَعَلَّلَهَا الشَّافِعِيَّةُ بِقَوْلِهِمْ: لِمَا فِيهِ مِنَ اللَّهْوِ. وَعَلَّلَهَا الإِْمَامُ أَحْمَدُ بِقَوْلِهِ: لاَ يُعْجِبُنِي الْغِنَاءُ لأَِنَّهُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ. (٢)

١٩ - وَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَطَاءٌ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الْخَلاَّل، وَصَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَالْغَزَالِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إلَى إبَاحَتِهِ. (٣)

_________

(١) حديث " كل شيء يلهو به الرجل. . . " أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم من حديث عقبة بن عامر مرفوعا، ولفظ أبي داود: " ليس من اللهو [أي المباح] إلا ثلاث: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله. . . " قال الترمذي: هذا حديث حسن، والكلام الذي بين القوسين المعقوفين من كلام شراح الحديث، وفي الباب عن كعب بن مرة وعمرو بن عبسة وعبد الله بن عمرو. وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي (تحفة الأحوذي ٥ / ٣٦٥ - ٣٦٧ نشر المكتبة السلفية، ومختصر أبي داود للمنذري ٣ / ٣٧٠ نشر دار المعرفة، وجامع الأصول ٥ / ٤١، ٤٢ نشر مكتبة الحلواني ١٣٩٠ هـ، والمستدرك ٢ / ٩٥ نشر دار الكتاب العربي) .

(٢) حاشية الدسوقي ٤ / ١٦٦، والمغني ٩ / ١٧٥، وأسنى المطالب ٤ / ٣٤٤.

(٣) المغني ٩ / ١٧٥، ومصنف عبد الرزاق ١١ / ٥، وإحياء علوم الدين ٢ / ٢٦٩.

وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِالنَّصِّ وَالْقِيَاسِ.

أَمَّا النَّصُّ: فَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَل عَلَيَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثٍ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ وَحَوَّل وَجْهَهُ، وَدَخَل أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي وَقَال: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَقْبَل عَلَيْهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: دَعْهُمَا، فَلَمَّا غَفَل غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا (١) .

وَيَقُول عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: الْغِنَاءُ زَادُ الرَّاكِبِ (٢)

فَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَانَ يَسْتَمِعُ إلَى غِنَاءِ خَوَّاتٍ، فَلَمَّا كَانَ السَّحَرُ قَال لَهُ: ارْفَعْ لِسَانَكَ يَا خَوَّاتُ، فَقَدْ أَسَحَرَنَا (٣)

_________

(١) حديث: " دخل علي رسول الله ﷺ وعندي جاريتان تغنيان. . . " أخرجه البخاري واللفظ له ومسلم من حديث عائشة ﵂ (فتح الباري ٢ / ٤٤٠ ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ٢ / ٦٠٧ ط عيسى الحلبي) .

(٢) " الغناء زاد الراكب ". أخرجه البيهقي أثرا عن عمر بن الخطاب ﵁، (السنن الكبرى ٥ / ٦٨ ط مجلس دائرة المعارف العثمانية بالهند ١٣٥٢ هـ) .

(٣) " أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يستمع إلى غناء خوات. . . " أخرجه البيهقي أثرا عن خوات بن جبير بلفظ " خرجنا مع عمر بن الخطاب ﵁، قال: فسرنا في ركب فيهم أبو عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف ﵄، قال: فقال القوم: غننا يا خوات، فغناهم. قالوا: غننا من شعر ضرار، فقال عمر ﵁: دعوا أبا عبد الله يتغنى من بنيات فؤاده يعني من شعره. قال: فما زلت أغنيهم حتى إذا كان السحر، فقال عمر: ارفع لسانك يا خوات فقد أسحرنا ". وأورده ابن حجر معزوا لابن السراج في تأريخه دون تعقيب. (سنن البيهقي ٥ / ٦٩ ط مجلس دائرة المعارف العثمانية بالهند ١٣٥٢ هـ، والإصابة ١ / ٤٥٧) .

وَأَمَّا الْقِيَاسُ: فَإِنَّ الْغِنَاءَ الَّذِي لاَ يُصَاحِبُهُ مُحَرَّمٌ، فِيهِ سَمَاعُ صَوْتٍ طَيِّبٍ مَوْزُونٍ، وَسَمَاعُ الصَّوْتِ الطَّيِّبِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ طَيِّبٌ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْرُمَ، لأَِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى تَلَذُّذِ حَاسَّةِ السَّمْعِ بِإِدْرَاكِ مَا هُوَ مَخْصُوصٌ بِهِ، كَتَلَذُّذِ الْحَوَاسِّ الأُْخْرَى بِمَا خُلِقَتْ لَهُ.

٢٠ - وَأَمَّا الْوَزْنُ فَإِنَّهُ لاَ يُحَرِّمُ الصَّوْتَ، أَلاَ تَرَى أَنَّ الصَّوْتَ الْمَوْزُونَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ حَنْجَرَةِ الْعَنْدَلِيبِ لاَ يَحْرُمُ سَمَاعُهُ، فَكَذَلِكَ صَوْتُ الإِْنْسَانِ، لأَِنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ حَنْجَرَةٍ وَحَنْجَرَةٍ.

وَإِذَا انْضَمَّ الْفَهْمُ إلَى الصَّوْتِ الطَّيِّبِ الْمَوْزُونِ، لَمْ يَزِدِ الإِْبَاحَةَ فِيهِ إلاَّ تَأْكِيدًا.

٢١ - أَمَّا تَحْرِيكُ الْغِنَاءِ الْقُلُوبَ، وَتَحْرِيكُهُ الْعَوَاطِفَ، فَإِنَّ هَذِهِ الْعَوَاطِفَ إنْ كَانَتْ عَوَاطِفَ نَبِيلَةً فَمِنَ الْمَطْلُوبِ تَحْرِيكُهَا، وَقَدْ وَقَعَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنِ اسْتَمَعَ إلَى الْغِنَاءِ فِي طَرِيقِهِ لِلْحَجِّ - كَمَا تَقَدَّمَ - وَكَانَ الصَّحَابَةُ يُنْشِدُونَ الرَّجَزِيَّاتِ لإِثَارَةِ الْجُنْدِ عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَعِيبُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَرَجَزِيَّاتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ وَغَيْرِهِ مَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ. (١)

الْغِنَاءُ لأَِمْرٍ مُبَاحٍ:

٢٢ - إِذَا كَانَ الْغِنَاءُ لأَِمْرٍ مُبَاحٍ، كَالْغِنَاءِ فِي الْعُرْسِ، وَالْعِيدِ، وَالْخِتَانِ، وَقُدُومِ الْغَائِبِ، تَأْكِيدًا لِلسُّرُورِ الْمُبَاحِ، وَعِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ تَأْكِيدًا لِلسُّرُورِ كَذَلِكَ، وَعِنْدَ سَيْرِ الْمُجَاهِدِينَ لِلْحَرْبِ إِذَا كَانَ لِلْحَمَاسِ فِي نُفُوسِهِمْ، أَوْ لِلْحُجَّاجِ لإِثَارَةِ الأَْشْوَاقِ فِي نُفُوسِهِمْ إلَى الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ، أَوْ لِلإِْبِل لِحَثِّهَا

_________

(١) إحياء علوم الدين ٢ / ٢٧٠ وما بعدها.

عَلَى السَّيْرِ - وَهُوَ الْحُدَاءُ - أَوْ لِلتَّنْشِيطِ عَلَى الْعَمَل كَغِنَاءِ الْعُمَّال عِنْدَ مُحَاوَلَةِ عَمَلٍ أَوْ حَمْل ثَقِيلٍ، أَوْ لِتَسْكِيتِ الطِّفْل وَتَنْوِيمِهِ كَغِنَاءِ الأُْمِّ لِطِفْلِهَا، فَإِنَّهُ مُبَاحٌ كُلُّهُ بِلاَ كَرَاهَةٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. (١)

وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا ذُكِرَ سَابِقًا مِنْ حَدِيثِ الْجَارِيَتَيْنِ الَّذِي رَوَتْهُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ ﵂ (٢) وَهَذَا نَصٌّ فِي إبَاحَةِ الْغِنَاءِ فِي الْعِيدِ.

وَبِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ قَال: خَرَجَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ جَاءَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ إنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ - إِنْ رَدَّكَ اللَّهُ سَالِمًا - أَنْ أَضْرِبَ بَيْنَ يَدَيْكَ بِالدُّفِّ وَأَتَغَنَّى، فَقَال لَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ: إنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي وَإِلاَّ فَلاَ. (٣)

وَهَذَا نَصٌّ فِي إبَاحَةِ الْغِنَاءِ عِنْدَ قُدُومِ الْغَائِبِ تَأْكِيدًا لِلسُّرُورِ، وَلَوْ كَانَ الْغِنَاءُ حَرَامًا لَمَا جَازَ نَذْرُهُ، وَلَمَا أَبَاحَ لَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فِعْلَهُ.

وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ: أَنَّهَا أَنْكَحَتْ ذَاتَ قَرَابَةٍ لَهَا

_________

(١) إحياء علوم الدين ٢ / ٢٧٦، ٢٧٧، وحاشية الجمل ٥ / ٣٨٠، و٣٨١، وأسنى المطالب ٤ / ٣٤٤، وقليوبي ٤ / ٢٢٠، والمغني ٩ / ١٧٦، وحاشية الدسوقي ٤ / ١٦٦، والتاج والإكليل لمختصر خليل بهامش مواهب الجليل ٤ / ٤ الطبعة الثانية سنة ١٣٩٩ هـ، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٢٢٢، وحاشية أبي السعود على ملا مسكين ٣ / ٣٨٩ طبع مطبعة المويلحي سنة ١٢٨٧ هـ.

(٢) حديث الجاريتين سبق تخريجه ف / ١٩.

(٣) حديث: " خرج رسول الله ﷺ في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء. . . " أخرجه الترمذي من حديث بريدة وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث بريدة، وفي الباب عن عمر وعائشة. قال المباركفوري: وأخرجه أحمد، وذكر الحافظ حديث بريدة هذا في الفتح وسكت عنه (تحفة الأحوذي ١٠ / ١٧٩ نشر المكتبة السلفية، وجامع الأصول ٨ / ٦١٧ نشر مكتبة الحلواني ١٣٩٢ هـ) .

مِنَ الأَْنْصَارِ، فَجَاءَ رَسُول اللَّهِ فَقَال: أَهْدَيْتُمُ الْفَتَاةَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَال: أَرْسَلْتُمْ مَعَهَا مَنْ يُغَنِّي؟ قَالَتْ: لاَ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إنَّ الأَْنْصَارَ قَوْمٌ فِيهِمْ غَزَلٌ، فَلَوْ بَعَثْتُمْ مَعَهَا مَنْ يَقُول: أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ، فَحَيَّانَا وَحَيَّاكُمْ. (١) وَهَذَا نَصٌّ فِي إبَاحَةِ الْغِنَاءِ فِي الْعُرْسِ.

وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ جَيِّدَ الْحُدَاءِ، وَكَانَ مَعَ الرِّجَال، وَكَانَ أَنْجَشَةُ مَعَ النِّسَاءِ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ لاِبْنِ رَوَاحَةَ: حَرِّكِ الْقَوْمَ، فَانْدَفَعَ يَرْتَجِزُ، فَتَبِعَهُ أَنْجَشَةُ، فَأَعْنَفَتِ الإِْبِل، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ لأَِنْجَشَةَ رُوَيْدَكَ، رِفْقًا بِالْقَوَارِيرِ. يَعْنِي النِّسَاءَ. (٢)

وَعَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَال: كُنَّا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ، وَنَحْنُ نَؤُمُّ

_________

(١) حديث عائشة ﵂ " أنكحت ذات قرابة لها. . . " أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عباس بهذا اللفظ، قال الحافظ البوصيري في الزوائد: إسناده مختلف فيه من أجل الأجلح وأبي الزبير يقولون: إنه - أي أبا الزبير - لم يسمع من ابن عباس. وأثبت أبو حاتم أنه رأى ابن وأصل الحديث رواه البخاري من حديث عائشة بلفظ " أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال نبي الله: يا عائشة ما كان معكم لهو، فإن الأنصار يعجبهم اللهو " (سنن ابن ماجه بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ١ / ٦١٢ ط عيسى الحلبي ١٣٧٢ هـ، وفتح الباري ٩ / ٢٢٥ ط السلفية) .

(٢) حديث: " أن عائشة ﵂ قالت: كنت مع رسول الله ﷺ في سفر وكان عبد الله بن رواحة جيد الحداء. . . ". أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك، ولفظ مسلم " كان رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، وغلام أسود يقال له: أنجشة يحدو فقال له رسول الله ﷺ: يا أنجشة! رويدك سوقا بالقوارير ". (فتح الباري ١٠ / ٥٣٨ ط السلفية، وصحيح مسلم بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ٤ / ١٨١١ ط عيسى الحلبي ١٣٧٥ هـ، وجامع الأصول ٥ / ١٧١، ١٧٢ نشر مكتبة الحلواني ١٣٩٠ هـ) .

مَكَّةَ، اعْتَزَل عَبْدُ الرَّحْمَنِ الطَّرِيقَ، ثُمَّ قَال لِرَبَاحِ بْنِ الْمُغْتَرِفِ: غَنِّنَا يَا أَبَا حَسَّانَ، وَكَانَ يُحْسِنُ النَّصْبَ - وَالنَّصْبُ ضَرْبٌ مِنَ الْغِنَاءِ - فَبَيْنَا رَبَاحٌ يُغَنِّيهِ أَدْرَكَهُمْ عُمَرُ فِي خِلاَفَتِهِ فَقَال: مَا هَذَا؟ فَقَال عَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَا بَأْسٌ بِهَذَا؟ نَلْهُو وَنُقَصِّرُ عَنَّا السَّفَرَ، فَقَال عُمَرُ: فَإِنْ كُنْتَ آخِذًا فَعَلَيْكَ بِشِعْرِ ضِرَارِ بْنِ الْخَطَّابِ بْنِ مِرْدَاسٍ فَارِسِ قُرَيْشٍ (١) .

وَكَانَ عُمَرُ يَقُول. الْغِنَاءُ مِنْ زَادِ الرَّاكِبِ (٢)، وَهَذَا يَدُل عَلَى إبَاحَةِ الْغِنَاءِ لِتَرْوِيحِ النَّفْسِ.

وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَانَ يَأْمُرُ بِالْحُدَاءِ (٣) .

د - الاِسْتِمَاعُ إلَى الْهَجْوِ وَالنَّسِيبِ:

٢٣ - يُشْتَرَطُ فِي الْكَلاَمِ - سَوَاءٌ أَكَانَ مَوْزُونًا (كَالشِّعْرِ) أَمْ غَيْرَ مَوْزُونٍ، مُلَحَّنًا (كَالْغِنَاءِ) أَمْ غَيْرَ مُلَحَّنٍ - حَتَّى يَحِل اسْتِمَاعُهُ أَلاَّ يَكُونَ فَاحِشًا، وَلَيْسَ فِيهِ هَجْوٌ، وَلاَ كَذِبٌ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلاَ عَلَى الصَّحَابَةِ، وَلاَ وَصْفُ امْرَأَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَإِنِ اُسْتُمِعَ إلَى شَيْءٍ مِنَ الْكَلاَمِ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ، فَالْمُسْتَمِعُ شَرِيكُ الْقَائِل فِي الإِْثْمِ. (٤)

_________

(١) الأثر عن السائب بن يزيد أخرجه البيهقي، وأورده ابن حجر في الإصابة دون تعقيب (سنن البيهقي ١٠ / ٢٢٤ ط مجلس دائرة المعارف العثمانية بالهند ١٣٥٥ هـ، والإصابة في تمييز الصحابة ١ / ٥٠٢) .

(٢) سنن البيهقي ٥ / ٦٨، والمغني ٩ / ١٧٥.

(٣) مصنف ابن أبي شيبة ١ / ١٧٧ مخطوط استانبول.

(٤) إحياء علوم الدين ٢ / ٢٨٢، وانظر الفتاوى الهندية ٥ / ٣٥٢. والنسيب هو في الشعر: الرقيق منه المتغزل به في النساء، يقال: نسب الشاعر بالمرأة: عرض بهواها وحبها. (المصباح المنير، والمعجم الوسيط مادة: نسب) .

أَمَّا هِجَاءُ الْكُفَّارِ وَأَهْل الْبِدَعِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَقَدْ كَانَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ شَاعِرُ رَسُول اللَّهِ يُهَاجِي الْكُفَّارَ بِعِلْمِ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَوْ أَمْرِهِ، وَقَدْ قَال لَهُ ﵊: اُهْجُهُمْ أَوْ هَاجِهِمْ وَجِبْرِيل مَعَكَ (١)

وَأَمَّا النَّسِيبُ فَإِنَّهُ لاَ شَيْءَ فِيهِ، وَقَدْ كَانَ يُقَال أَمَامَ رَسُول اللَّهِ وَهُوَ يَسْتَمِعُ إلَيْهِ فَقَدِ اسْتَمَعَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ إلَى قَصِيدَةِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:

بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُول

مَعَ مَا فِيهَا مِنَ النَّسِيبِ. (٢)

النَّوْعُ الثَّانِي:

اسْتِمَاعُ صَوْتِ الْحَيَوَانِ:

٢٤ - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ اسْتِمَاعِ أَصْوَاتِ الْحَيَوَانَاتِ، سَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الأَْصْوَاتُ قَبِيحَةً كَصَوْتِ الْحِمَارِ وَالطَّاوُوسِ وَنَحْوِهِمَا، أَوْ عَذْبَةً مَوْزُونَةً كَأَصْوَاتِ الْعَنَادِل وَالْقَمَارِيِّ وَنَحْوِهَا، قَال الْغَزَالِيُّ:

_________

(١) حديث: " اهجهم وجبريل معك ". أخرجه البخاري ومسلم مرفوعا من حديث البراء بن عازب (اللؤلؤ والمرجان ص ٢٧٣ نشر وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت، وجامع الأصول ٥ / ٧٤ نشر مكتبة الحلواني ١٣٩٠ هـ) .

(٢) حديث: " استمع صلوات الله وسلامه عليه إلى قصيدة كعب بن زهير " قال ابن هشام: أورد محمد بن إسحاق هذه القصيدة ولم يذكر لها إسنادا وقد رواها الحافظ البيهقي في دلائل النبوة بإسناد متصل. وقال أبو عمر في الاستيعاب: إن كعب بن زهير قدم على رسول الله صلى الله عل (البداية والنهاية ٣ / ٣٦٩ - ٣٧٢ ط مطبعة السعادة ١٣٥١ هـ، والاستيعاب ٣ / ١٣١٣ - ١٣١٤ نشر مكتبة نهضة مصر، والإصابة في تمييز الصحابة ٣ / ٢٩٥ ط مكتبة المثنى ببغداد) .

فَسَمَاعُ هَذِهِ الأَْصْوَاتِ يَسْتَحِيل أَنْ يَحْرُمَ لِكَوْنِهَا طَيِّبَةً أَوْ مَوْزُونَةً، فَلاَ ذَاهِبَ إلَى تَحْرِيمِ صَوْتِ الْعَنْدَلِيبِ وَسَائِرِ الطُّيُورِ. (١)

النَّوْعُ الثَّالِثُ:

اسْتِمَاعُ أَصْوَاتِ الْجَمَادَاتِ:

٢٥ - إِذَا انْبَعَثَتْ أَصْوَاتُ الْجَمَادَاتِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهَا أَوْ بِفِعْل الرِّيحِ فَلاَ قَائِل بِتَحْرِيمِ اسْتِمَاعِ هَذِهِ الأَْصْوَاتِ.

أَمَّا إِذَا انْبَعَثَتْ بِفِعْل الإِْنْسَانِ، فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مَوْزُونَةٍ وَلاَ مُطْرِبَةٍ، كَصَوْتِ طَرْقِ الْحَدَّادِ عَلَى الْحَدِيدِ، وَصَوْتِ مِنْشَارِ النَّجَّارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلاَ قَائِل بِتَحْرِيمِ اسْتِمَاعِ صَوْتٍ مِنْ هَذِهِ الأَْصْوَاتِ.

وَإِمَّا أَنْ يَنْبَعِثَ الصَّوْتُ مِنَ الآْلاَتِ بِفِعْل الإِْنْسَانِ مَوْزُونًا مُطْرِبًا، وَهُوَ مَا يُسَمَّى بِالْمُوسِيقَى. فَتَفْصِيل الْقَوْل فِيهِ كَمَا يَلِي:

أَوَّلًا - اسْتِمَاعُ الْمُوسِيقَى:

٢٦ - إنَّ مَا حَل تَعَاطِيهِ (أَيْ فِعْلُهُ) مِنَ الْمُوسِيقَى وَالْغِنَاءِ حَل الاِسْتِمَاعُ إلَيْهِ، وَمَا حَرُمَ تَعَاطِيهِ مِنْهُمَا حَرُمَ الاِسْتِمَاعُ إلَيْهِ، لأَِنَّ تَحْرِيمَ الْمُوسِيقَى أَوِ الْغِنَاءِ لَيْسَ لِذَاتِهِ، وَلَكِنْ لأَِنَّهُ أَدَاةٌ لِلإِْسْمَاعِ، وَيَدُل عَلَى هَذَا قَوْل الْغَزَالِيِّ فِي مَعْرِضِ حَدِيثِهِ عَنْ شِعْرِ الْخَنَا، وَالْهَجْوِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ: فَسَمَاعُ ذَلِكَ حَرَامٌ بِأَلْحَانٍ وَبِغَيْرِ أَلْحَانٍ، وَالْمُسْتَمِعُ شَرِيكٌ لِلْقَائِل. (٢) وَقَوْل ابْنِ عَابِدِينَ: وَكُرِهَ كُل لَهْوٍ وَاسْتِمَاعُهُ. (٣)

_________

(١) إحياء علوم الدين للغزالي ٢ / ٢٧١ طبع مطبعة الاستقامة بالقاهرة.

(٢) إحياء علوم الدين ٢ / ٢٨٢ طبع مطبعة الاستقامة بمصر.

(٣) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٥٣ طبعة بولاق الأولى.

أ: الاِسْتِمَاعُ لِضَرْبِ الدُّفِّ وَنَحْوِهِ مِنَ الآْلاَتِ الْقَرْعِيَّةِ:

٢٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى حِل الضَّرْبِ بِالدُّفِّ وَالاِسْتِمَاعِ إلَيْهِ، عَلَى تَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ، هَل هَذِهِ الإِْبَاحَةُ هِيَ فِي الْعُرْسِ وَغَيْرِهِ، أَمْ هِيَ فِي الْعُرْسِ دُونَ غَيْرِهِ؟ وَهَل يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الدُّفُّ خَالِيًا مِنَ الْجَلاَجِل أَمْ لاَ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ؟ وَسَتَجِدُ ذَلِكَ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (مَعَازِفُ) (وَسَمَاعٌ) .

وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ حَاطِبٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: فَصْل مَا بَيْنَ الْحَلاَل وَالْحَرَامِ الدُّفُّ وَالصَّوْتُ فِي النِّكَاحِ. (١)

وَبِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ، وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالْغِرْبَال (٢) . وَمَا رَوَتِ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: دَخَل عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ بُنِيَ عَلَيَّ، فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي، وَجُوَيْرِيَاتٌ يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ يَنْدُبْنَ مَنْ قُتِل مِنْ آبَائِي

_________

(١) حديث: " فصل ما بين الحلال. . . " أخرجه الترمذي وأحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم مرفوعا واللفظ لابن ماجه، قال الترمذي: حديث محمد بن حاطب حديث حسن. قال الحاكم: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه، وأقره الذهبي (تحفة الأحوذي ٤ / ٢٠٨ - ٢١٠ نشر المكتبة السلفية، وسنن ابن ماجه بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ١ / ٦١١ ط عيسى الحلبي ١٣٧٢ هـ، وجامع الأصول ١١ / ٤٤٠ نشر مكتبة الحلواني ١٣٩٢ هـ، والمستدرك ٢ / ١٨٤ نشر دار الكتاب العربي) .

(٢) حديث: " أعلنوا هذا النكاح. . . ". أخرجه ابن ماجه من حديث عائشة ﵂ مرفوعا. قال الحافظ البوصيري في الزوائد: في إسناده خالد بن إلياس أبو الهيثم العدوي، اتفقوا على ضعفه، بل نسبه ابن حبان والحاكم وأبو سعيد النقاش إلى الوضع (سنن ابن ماجه بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ١ / ٦١١ ط عيسى الحلبي ١٣٧٢ هـ) .