الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩
وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ خِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (جَنِينٌ ف ٢٢) .
قِ - إِدْخَال الْمَيِّتِ الْمَسْجِدَ وَالصَّلاَةُ عَلَيْهِ فِيهِ:
٢٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ الصَّلاَةِ عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ أَوْ مَسْجِدِ الْمَحَلَّةِ وَإِدْخَالُهُ فِيهِ تَحْرِيمًا وَقِيل تَنْزِيهًا وَرَجَّحَهُ الْكَمَال وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى الْكَرَاهَةِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ، وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (جَنَائِزُ ف ٣٨) .
ر - الصَّلاَةُ عَلَى الْقَبْرِ إِذَا دُفِنَ الْمَيِّتُ قَبْل الصَّلاَةِ عَلَيْهِ
٢٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الصَّلاَةِ عَلَى الْقَبْرِ إِذَا دُفِنَ الْمَيِّتُ فِيهِ قَبْل الصَّلاَةِ عَلَيْهِ.
وَانْظُرْ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (جَنَائِزُ ف ٣٧) .
ش - طَهَارَةُ جَسَدِ الْمَيِّتِ
٢٤ - ذَهَبَ عَامَّةُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْمَيِّتَ يَتَنَجَّسُ بِالْمَوْتِ لِمَا فِيهِ مِنَ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ كَمَا يَتَنَجَّسُ سَائِرُ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي لَهَا دَمٌ سَائِلٌ بِالْمَوْتِ وَهَذَا هُوَ الأَْظْهَرُ فِي الْمَذْهَبِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ هَل نَجَاسَتُهُ نَجَاسَةُ خَبَثٍ أَوْ حَدَثٍ؟ فَقِيل: إِنَّهَا نَجَاسَةُ خَبَثٍ وَهُوَ
الأَْظْهَرُ، فَلَوْ وَقَعَ فِي بِئْرٍ قَبْل غَسْلِهِ نَجَّسَهَا وَكَذَلِكَ لَوْ حَمَل مَيِّتًا قَبْل غَسْلِهِ وَصَلَّى بِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ، وَلِذَلِكَ إِنَّمَا يَطْهُرُ الْمَيِّتُ بِالْغُسْل كَرَامَةً لِلْمُسْلِمِ.
أَمَّا الْكَافِرُ فَهُوَ نَجِسٌ وَلَوْ بَعْدَ غَسْلِهِ فَلَوْ وَقَعَ كَافِرٌ فِي بِئْرٍ بَعْدَ غُسْلِهِ فَإِنَّهُ يُنَجِّسُ الْبِئْرَ.
وَقِيل: هِيَ نَجَاسَةُ حَدَثٍ قَال فِي الْفَتْحِ:
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ لاَ يَنْجُسُ حَيًّا وَلاَ مَيِّتًا (١)، فَإِنْ صَحَّ وَجَبَ تَرْجِيحُ أَنَّهُ لِلْحَدَثِ، وَلِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ لاَ تُنَجِّسُوا مَوْتَاكُمْ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ لاَ يَنْجُسُ حَيًّا وَلاَ مَيِّتًا (٢) .
_________
(١) حديث: " سبحان الله، إن المؤمن لا ينجس حيًا ولا ميتًا ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٣٩٠)، ومسلم (١ / ٢٨٢) واللفظ لمسلم، وليس فيهما قوله: (حيًا أو ميتًا) . وورد موقوفًا بتمامه من حديث ابن عباس أخرجه سعيد بن منصور كما في فتح الباري (٣ / ١٢٧)، وورد مرفوعًا من حديث ابن عباس بهذا السياق عند الدارقطني (٢ / ٧٠)، وصحح ابن حجر كونه موقوفًا على ابن عباس في تغليق التعليق (٢ / ٤٦١ ط المكتب الإسلامي) .
(٢) حديث: " لا تنجسوا موتاكم، فإن المسلم لا ينجس حيًا ولا ميتًا ". أخرجه الحاكم في المستدرك (١ / ٣٨٥ ط دائرة المعارف)، والدارقطني (٢ / ٧٠ ط الفنية المتحدة)، ورجح ابن حجر في التغليق (٢ / ٤٦١) وقفه على ابن عباس.
وَذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ الثَّلْجِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الآْدَمِيَّ لاَ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ بِتَشَرُّبِ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ فِي أَجْزَائِهِ، كَرَامَةً لَهُ؛ لأَِنَّهُ لَوْ تَنَجَّسَ لَمَا حُكِمَ بِطَهَارَتِهِ بِالْغُسْل كَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي حُكِمَ بِنَجَاسَتِهَا بِالْمَوْتِ، وَالآْدَمِيُّ يَطْهُرُ بِالْغُسْل حَتَّى رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْمَيِّتَ لَوْ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ قَبْل الْغُسْل يُوجِبُ تَنْجِيسَ الْبِئْرِ، وَلَوْ وَقَعَ بَعْدَ الْغُسْل لاَ يُوجِبُ تَنَجُّسَهُ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَتَنَجَّسْ بِالْمَوْتِ وَلَكِنْ وَجَبَ غُسْلُهُ لِلْحَدَثِ، لأَِنَّ الْمَوْتَ لاَ يَخْلُو عَنْ سَابِقَةِ حَدَثٍ لِوُجُودِ اسْتِرْخَاءِ الْمَفَاصِل وَزَوَال الْعَقْل، وَالْبَدَنُ فِي حَقِّ التَّطْهِيرِ لاَ يَتَجَزَّأُ فَوَجَبَ غَسْلُهُ كُلُّهُ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ وَالْبَلْخِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ مَيْتَةَ الآْدَمِيِّ وَلَوْ كَافِرًا طَاهِرَةٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (٢)، وَقَضِيَّةُ تَكْرِيمِهِمْ أَنْ لاَ يُحْكَمَ بِنَجَاسَتِهِمْ بِالْمَوْتِ، وَلِخَبَرِ لاَ تُنَجِّسُوا مَوْتَاكُمْ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لاَ يَنْجُسُ حَيًّا وَلاَ مَيِّتًا قَال عِيَاضُ: وَلأَِنَّ غَسْلَهُ وَإِكْرَامَهُ يَأْبَى تَنْجِيسُهُ، إِذْ لاَ مَعْنَى لِغَسْل الْمَيْتَةِ الَّتِي هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْعُذْرَةِ (٣) .
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٥٧٣، وبدائع الصنائع ١ / ٢٩٩.
(٢) سورة الإسراء / ٧٠.
(٣) الخرشي ١ / ٨٨، ومغني المحتاج ١ / ٧٨، والمغني مع الشرح ١ / ٤٠.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (١) فَالْمُرَادُ نَجَاسَةُ الاِعْتِقَادِ أَوْ أَنَّا نَجْتَنِبُهُمْ كَالنَّجَاسَةِ لاَ نَجَاسَةَ الأَْبَدَانِ، وَلِهَذَا رَبَطَ النَّبِيُّ ﷺ الأَْسِيرَ فِي الْمَسْجِدِ (٢)، وَقَدْ أَحَل اللَّهُ طَعَامَ أَهْل الْكِتَابِ.
وَقَدْ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْخِلاَفَ فِي غَيْرِ أَجْسَادِ الأَْنْبِيَاءِ لأَِنَّ أَجْسَادَ الأَْنْبِيَاءِ مُتَّفَقٌ عَلَى طَهَارَتِهَا، وَأَلْحَقَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ بِهِمُ الشُّهَدَاءَ.
وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ فِي طَهَارَةِ مَيْتَةِ الآْدَمِيِّ وَنَجَاسَتِهَا فِي الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ.
فَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى نَجَاسَةِ مَيْتَةِ الآْدَمِيِّ.
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَيَحْتَمِل أَنْ يَنْجُسَ الْكَافِرُ بِمَوْتِهِ لأَِنَّ الْخَبَرَ: الْمُؤْمِنُ لاَ يَنْجُسُ إِنَّمَا وَرَدَ فِي الْمُسْلِمِ وَلاَ يَصِحُّ قِيَاسُ الْكَافِرِ عَلَيْهِ لأَِنَّهُ لاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُ حُرْمَةٌ كَحُرْمَةِ الْمُسْلِمِ (٣) .
_________
(١) سورة التوبة / ٢٨.
(٢) حديث: " ربط النبي ﷺ الأسير في المسجد ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٥٥٥ ط السلفية) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) الخرشي ١ / ٨٩، ونهاية المحتاج ١ / ٢٢١ - ٢٢٢، والمغني مع الشرح الكبير ١ / ٤٠ - ٤١.
حُكْمُ مَا أُبِينَ مِنَ الآْدَمِيِّ
٢٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مَا أُبِينَ مِنَ الآْدَمِيِّ يَأْخُذُ حُكْمَهُ فِي الْقَوْل بِطَهَارَتِهِ أَوْ بِنَجَاسَتِهِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ إِلَى أَنَّ شَعْرَ الآْدَمِيِّ غَيْرَ الْمَنْتُوفِ طَاهِرٌ بِخِلاَفِ الْمَنْتُوفِ فَإِنَّهُ نَجِسٌ لِمَا يَحْمِل مِنْ دُسُومَةٍ.
وَكَذَلِكَ عَظْمُ الْمَيِّتِ وَعَصَبُهُ فَإِنَّهُمَا طَاهِرَانِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَكَذَلِكَ سِنُّ الْمَيِّتِ عَلَى الظَّاهِرِ مِنَ الْمَذْهَبِ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ لأَِنَّهُ لاَ دَمَ فِيهَا وَالْمُنَجَّسُ هُوَ الدَّمُ.
وَكَذَلِكَ ظُفُرُ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ إِذَا كَانَ خَالِيًا عَنِ الدُّسُومَةِ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ إِلَى طَهَارَةِ مَا أُبِينَ مِنَ الآْدَمِيِّ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ فِي حَال حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ بِنَاءً عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ طَهَارَةِ مَيْتَتِهِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْل الآْخَرِ فِي الْمَذْهَبِ فَمَا أُبِينَ مِنْهُ نَجِسٌ مُطْلَقًا (٢) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى إِلْحَاقِ مَا انْفَصَل مِنَ الآْدَمِيِّ بِمَيْتَتِهِ فِي الطَّهَارَةِ (٣) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: حُكْمُ أَجْزَاءِ الآْدَمِيِّ وَأَبْعَاضِهِ
_________
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ١ / ١٣٨.
(٢) حاشية الدسوقي ١ / ٥٤.
(٣) مغني المحتاج ١ / ٨٠.
حُكْمُ جُمْلَتِهِ سَوَاءٌ انْفَصَلَتْ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ، لأَِنَّهَا أَجَزَاءٌ مِنْ جُمْلَتِهِ فَكَانَ حُكْمُهَا كَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الطَّاهِرَةِ وَالنَّجِسَةِ وَلأَِنَّهَا يُصَلَّى عَلَيْهَا فَكَانَتْ طَاهِرَةً كَجُمْلَتِهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهَا نَجِسَةٌ رِوَايَةً وَاحِدَةً لأَِنَّهَا لاَ حُرْمَةَ لَهَا (١) .
ت - غَسْل مَا أُبِينَ مِنَ الآْدَمِيِّ وَالصَّلاَةُ عَلَيْهِ:
٢٦ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ بَعْضُ الْمَيِّتِ غُسِّل وَصُلِّيَ عَلَيْهِ لأَِنَّ عُمَرَ ﵁ صَلَّى عَلَى عِظَامٍ بِالشَّامِ، وَصَلَّى أَبُو عُبَيْدَةَ ﵁ عَلَى رُءُوسٍ، وَصَلَّتِ الصَّحَابَةُ ﵃ عَلَى يَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ أَلْقَاهَا طَائِرٌ بِمَكَّةَ مِنْ وَقْعَةِ الْجَمَل (٢) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا وُجِدَ رَأْسُ آدَمِيٍّ أَوْ أَحَدُ شِقَّيْهِ لاَ يُغَسَّل وَلاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ بَل يُدْفَنُ إِلاَّ أَنْ يُوجَدَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِهِ وَلَوْ بِلاَ رَأْسٍ فَإِنَّهُ يُغَسَّل وَيُصَلَّى عَلَيْهِ (٣) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يُغَسَّل دُونَ ثُلُثَيِ الْجَسَدِ، وَالْمُرَادُ بِالْجَسَدِ مَا عَدَا الرَّأْسِ، فَإِذَا وُجِدَ نِصْفُ الْجَسَدِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهُ وَدُونَ الثُّلُثَيْنِ مَعَ الرَّأْسِ لَمْ يُغْسَّل عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَلاَ يُصَلَّى
_________
(١) المغني مع الشرح الكبير ١ / ٤١.
(٢) المهذب ١ / ١٤١، والمغني مع شرح الكبير ١ / ٤١.
(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ٥٧٦.
عَلَيْهِ أَيْ يُكْرَهُ، لأَِنَّ شَرْطَ الْغُسْل وُجُودُ الْمَيِّتِ، فَإِنْ وُجِدَ بَعْضُهُ فَالْحُكْمُ لِلْغَالِبِ وَلاَ حُكْمَ لِلْيَسِيرِ وَهُوَ مَا دُونَ الثُّلُثَيْنِ.
وَالْعِلَّةُ فِي تَرْكِ الصَّلاَةِ عَلَى مَا دُونَ الْجُل خَوْفُ الْوُقُوعِ فِي الْمَكْرُوهِ وَهُوَ الصَّلاَةُ عَلَى غَائِبٍ، قَال فِي التَّوْضِيحِ لأَِنَّا لاَ نُخَاطَبُ بِالصَّلاَةِ عَلَى الْمَيِّتِ إِلاَّ بِشَرْطِ الْحُضُورِ، وَحُضُورُ جُلِّهِ كَحُضُورِ كُلِّهِ، وَحُضُورُ الأَْقَل بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ (١) . (ر: تَغْسِيل الْمَيِّتِ ف ٢٦) .
ث - تَنَازُعُ الْمَيِّتِ وَالْحَيِّ الْمَاءَ:
٢٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ مَيِّتٌ وَجُنُبٌ وَحَائِضٌ وَمُحْدِثٌ وَكَانَ الْمَاءُ مِلْكًا لأَِحَدِهِمْ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ لأَِنَّهُ أَحَقُّ بِمِلْكِهِ، وَلِلْفُقَهَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ تَفْصِيلٌ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمَاءُ مِلْكًا لأَِحَدِهِمْ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ لأَِنَّهُ أَحَقُّ بِمِلْكِهِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ الْمَاءُ مُبَاحًا فَإِنَّ الْجُنُبَ أَوْلَى بِالْمَاءِ مِنَ الْحَائِضِ وَالْمُحْدِثِ وَيُيَمَّمُ الْمَيِّتُ لِيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَكَذَا الْمَرْأَةُ وَالْمُحْدِثُ وَيَقْتَدِيَانِ بِهِ، لأَِنَّ الْجَنَابَةَ أَغْلَظُ مِنَ الْحَدَثِ، وَالْمَرْأَةُ لاَ تَصْلُحُ إِمَامًا.
_________
(١) حاشية الدسوقي ١ / ٤٢٦.
وَقِيل فِي السِّرَاجِ: أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْلَى لأَِنَّ غُسْلَهُ يُرَادُ لِلتَّنْظِيفِ وَهُوَ لاَ يَحْصُل بِالتُّرَابِ.
وَعَنِ الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّ الأَْوَّل أَصَحُّ، وَفِي السِّرَاجِ أَيْضًا: لَوْ كَانَ الْمَاءُ يَكْفِي الْمُحْدِثَ فَقَطْ كَانَ أَوْلَى بِهِ لأَِنَّهُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ.
أَمَّا إِذَا كَانَ الْمَاءُ مُشْتَرَكًا فَيَنْبَغِي لِكُلٍّ مِنْهُمْ أَنْ يَصْرِفَ نَصِيبَهُ لِلْمَيْتِ حَيْثُ كَانَ كُل وَاحِدٍ لاَ يَكْفِيهِ نَصِيبُهُ، وَلاَ يُمَكَّنُ الْجُنُبُ وَلاَ غَيْرُهُ أَنْ يَسْتَقِل بِالْكُل لأَِنَّهُ مَشْغُولٌ بِحِصَّةِ الْمَيِّتِ، وَكَوْنُ الْجَنَابَةِ أَغْلَظُ لاَ يُبِيحُ اسْتِعْمَال حِصَّةِ الْمَيِّتِ فَلَمْ يَكُنِ الْجُنُبُ أَوْلَى، بِخِلاَفِ مَا لَوْ كَانَ الْمَاءُ مُبَاحًا فَإِنَّهُ حَيْثُ أَمْكَنَ بِهِ رَفْعَ الْجَنَابَةِ كَانَ أَوْلَى (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا مَاتَ صَاحِبُ الْمَاءِ وَمَعَهُ شَخْصٌ حَيٌّ مُحْدِثٌ جُنُبٌ أَوْ غَيْرُهُ فَإِنَّ الْمَيِّتَ يُقَدَّمُ عَلَى الْمُحْدِثِ الْحَيِّ لِحَقِيِّةِ الْمِلْكِ إِلاَّ أَنْ يُخَافَ عَلَى الْحَيِّ الْعَطَشُ فَإِنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ أَحَقُّ مِنْ صَاحِبِهِ وَيُيَمَّمُ الْمَيِّتُ حِفْظًا لِلنَّفُوسِ وَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ لِلْوَرَثَةِ.
أَمَّا لَوْ كَانَ الْمَاءُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْمَيِّتِ وَالْحَيِّ يُقَدَّمُ الْحَيُّ وَلَوْ لَمْ يَخَفْ عَطَشًا لِتَرْجِيحِ جَانِبِهِ بِالشَّرِكَةِ وَيَضْمَنُ قِيمَةَ نَصِيبِ الْمَيِّتِ (٢) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ١٦٩.
(٢) الخرشي ١ / ١٩٩ - ٢٠٠.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ اجْتَمَعَ مَيِّتٌ وَجُنُبٌ وَحَائِضٌ انْقَطَعَ دَمُهَا وَهُنَاكَ مَا يَكْفِي أَحَدَهُمَا فَإِنْ كَانَ لأَِحَدِهِمَا كَانَ صَاحِبُ الْمَاءِ أَحَقَّ بِهِ لأَِنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ لِنَفْسِهِ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ بَذْلُهُ لِغَيْرِهِ، فَإِنْ بَذَلَهُ لِلآْخَرِ وَتَيَمَّمَ لَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ.
وَإِذَا كَانَ الْمَاءُ مُبَاحًا لَهُمَا كَانَا فِيهِ سَوَاءً.
وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مُبَاحًا أَوْ لِغَيْرِهِمَا وَأَرَادَ أَنْ يَجُودَ بِهِ عَلَى أَحَدِهِمَا فَالْمَيِّتُ أَوْلَى لأَِنَّهُ خَاتِمَةُ طَهَارَتِهِ، وَالْجُنُبُ وَالْحَائِضُ يَرْجِعَانِ إِلَى الْمَاءِ وَيَغْتَسِلاَنِ.
وَإِذَا اجْتَمَعَ مَيِّتٌ وَحَيٌّ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ وَالْمَاءُ يَكْفِي أَحَدَهُمَا فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ صَاحِبَ النَّجَاسَةِ أَوْلَى لأَِنَّهُ لَيْسَ لِطَهَارَتِهِ بَدَلٌ وَلِطَهَارَةِ الْمَيِّتِ بَدَلٌ وَهُوَ التَّيَمُّمُ فَكَانَ صَاحِبُ النَّجَاسَةِ أَحَقَّ بِالْمَاءِ، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْلَى لأَِنَّهُ خَاتِمَةُ طَهَارَتِهِ (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا اجْتَمَعَ جُنُبٌ وَمَيِّتٌ وَمَنْ عَلَيْهَا غُسْل حَيْضٍ وَمَعَهُمْ مَاءٌ لاَ يَكْفِي إِلاَّ أَحَدَهُمْ، فَإِنْ كَانَ مِلْكًا لأَِحَدِهِمْ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ لأَِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِنَفْسِهِ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ بَذْلُهُ لِغَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ مَالِكَهُ الْمَيِّتُ أَوْ أَحَدُ الْحَيَّيْنِ.
_________
(١) المهذب ١ / ٤٢، والمجموع ٢ / ٢٧٣.
وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ لِغَيْرِهِ وَأَرَادَ أَنْ يَجُودَ بِهِ عَلَى أَحَدِهِمْ فَعَنْ أَحْمَدَ ﵀ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: الْمَيِّتُ أَحَقُّ بِهِ لأَِنَّ غُسْلَهُ خَاتِمَةُ طَهَارَتِهِ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ طَهَارَتُهُ كَامِلَةً، وَالْحَيُّ يَرْجِعُ إِلَى الْمَاءِ فَيَغْتَسِل، وَلأَِنَّ الْقَصْدَ بِغُسْل الْمَيِّتِ تَنْظِيفُهُ وَلاَ يَحْصُل بِالتَّيَمُّمِ، وَالْحَيُّ يَقْصِدُ بِغُسْلِهِ إِبَاحَةَ الصَّلاَةِ وَيَحْصُل ذَلِكَ بِالتُّرَابِ.
وَالثَّانِيَةُ: الْحَيُّ أَوْلَى لأَِنَّهُ مُتَعَبِّدٌ بِالْغُسْل مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ، وَالْمَيِّتُ قَدْ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْهُ بِالْمَوْتِ. وَاخْتَارَ هَذَا الْخَلاَّل.
وَإِنْ وَجَدُوا الْمَاءَ فِي مَكَانٍ فَهُوَ لِلأَْحْيَاءِ، لأَِنَّ الْمَيِّتَ لاَ يَجِدُ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ فَفَضَلَتْ مِنْهُ فَضْلَةٌ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ حَاضِرٌ فَلِلْحَيِّ أَخْذُهُ بِقِيمَتِهِ لأَِنَّ فِي تَرْكِهِ إِتْلاَفَهُ.
وَقَال بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ لأَِنَّ
مَالِكَهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ إِلاَّ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهِ لِلْعَطَشِ فَيَأْخُذَهُ بِشَرْطِ الضَّمَانِ (١) .
_________
(١) المغني مع الشرح الكبير ١ / ٢٧٧ - ٢٧٨.