الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩ الصفحة 70

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩

نَفَقَةُ الْمَوْلُودِ

١٢ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الأَْوْلاَدِ الصِّغَارِ - ذُكْرَانًا أَوْ إِنَاثًا - عَلَى الأَْبِ إِذَا كَانُوا فُقَرَاءَ وَكَانَ لَهُ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ (١) .

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (نَفَقَةٌ) .

تَبَعِيَّةُ الْوَلَدِ لأَِبَوَيْهِ فِي الدِّينِ

١٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَسْلَمَ الأَْبُ وَلَهُ أَوْلاَدٌ صِغَارٌ، فَإِنَّ هَؤُلاَءِ يُحْكَمُ بِإِسْلاَمِهِمْ تَبَعًا لأَِبِيهِمْ.

وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِإِسْلاَمِ أَحَدِ الأَْبَوَيْنِ، فَيُحْكَمُ بِإِسْلاَمِ الصِّغَارِ بِالتَّبَعِيَّةِ، وَقَال مَالِكٌ: لاَ عِبْرَةَ بِإِسْلاَمِ الأُْمِّ أَوِ الْجَدِّ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ إِسْلاَمَ الْجَدِّ وَإِنْ عَلاَ يَسْتَتْبِعُ الْحُكْمَ بِإِسْلاَمِ الأَْحْفَادِ الصِّغَارِ وَمَنْ فِي حُكْمِهِمْ، وَلَوْ كَانَ الأَْبُ حَيًّا كَافِرًا.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (إِسْلاَمٌ ف ٢٥، ٢٦) .

بَوْل الْمَوْلُودِ

١٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الصَّغِيرَ وَالصَّغِيرَةَ

_________

(١) الهداية ١ / ٤٢ ط مصطفى الحلبي، وحاشية الدسوقي ٢ / ٥٢٤ وما بعدها، وحاشيتا القليوبي وعميرة ٤ / ٨٤ وما بعدها، والمغني لابن قدامة ٧ / ٥٨٢ وما بعدها.

إِذَا أَكَلاَ الطَّعَامَ وَبَلَغَا عَامَيْنِ فَإِنَّ بَوْلَهُمَا نَجِسٌ كَنَجَاسَةِ بَوْل الْكَبِيرِ.

أَمَّا بَوْل الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ إِذَا لَمْ يَأْكُلاَ الطَّعَامَ وَكَانَا فِي فَتْرَةِ الرَّضَاعَةِ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ كَغَيْرِهِ مِنَ النَّجَاسَاتِ فِي وُجُوبِ التَّطَهُّرِ مِنْهُ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ بَوْل الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ، فَبَوْل الصَّغِيرِ يُنْضَحُ بِالْمَاءِ وَبَوْل الصَّغِيرَةِ يَجِبُ غَسْلُهُ.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (صِغَرٌ ف ٢٦) .

حُكْمُ رِيقِ وَلُعَابِ الْمَوْلُودِ

١٥ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى طَهَارَةِ رِيقِ الإِْنْسَانِ مُطْلَقًا (١) .

قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: رِيقُ الْمَوْلُودِ وَلُعَابُهُ مِنَ الْمَسَائِل الَّتِي تَعُمُّ بِهَا الْبَلْوَى، وَقَدْ عَلِمَ الشَّارِعُ أَنَّ الطِّفْل يَقِيءُ كَثِيرًا، وَلاَ يُمْكِنُ غَسْل فَمِهِ، وَلاَ يَزَال رِيقُهُ يَسِيل عَلَى مَنْ يُرَبِّيهِ، وَلَمْ يَأْمُرِ الشَّارِعُ بِغَسْل الثِّيَابِ مِنْ ذَلِكَ، وَلاَ مَنَعَ مِنَ الصَّلاَةِ فِيهَا، وَلاَ أَمَرَ بِالتَّحَرُّزِ مِنْ رِيقِ الطِّفْل، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ: هَذَا مِنْ

_________

(١) الفتاوى الهندية ١ / ٤٦، والزرقاني ١ / ٢٤، وتحفة المحتاج ١ / ٢٩٤، وكشاف القناع ١ / ١٩٤.

النَّجَاسَةِ الَّتِي يُعْفَى عَنْهَا لِلْمَشَقَّةِ وَالْحَاجَةِ كَطِينِ الشَّوَارِعِ، وَالنَّجَاسَةِ بَعْدَ الاِسْتِجْمَارِ، وَنَجَاسَةِ أَسْفَل الْخُفِّ وَالْحِذَاءِ بَعْدَ دَلْكِهِمَا بِالأَْرْضِ. . . بَل رِيقُ الطِّفْل يَطْهُرُ فَمُهُ لِلْحَاجَةِ، كَمَا كَانَ رِيقُ الْهِرَّةِ مُطَهِّرًا لِفَمِهَا (١)، وَيُسْتَدَل لِذَلِكَ بِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصْغِي الإِْنَاءَ إِلَى الْهِرِّ حَتَّى يَشْرَبَ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ بِفَضْلِهِ (٢) .

وَتَفْصِيل ذَلِك فِي مُصْطَلَحِ (نَجَاسَة) .

الأَْحْكَامُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِمَوْتِ مَنِ اسْتَهَل

١٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْمَوْلُودَ إِذَا خَرَجَ حَيًّا وَاسْتَهَل، بِأَنْ صَرَخَ وَظَهَرَ صَوْتُهُ، أَوْ وُجِدَ مِنْهُ مَا يَدُل عَلَى حَيَاتِهِ بَعْدَ خُرُوجِ أَكْثَرِهِ، فَإِنَّهُ يُسَمَّى، وَيُغَسَّل، وَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْفَنُ، وَيَرِثُ، وَيُورَثُ (٣) . لِمَا رَوَى

_________

(١) تحفة المودود بأحكام المولود ص ١٥٤.

(٢) حديث أبي قتادة: " أن النبي ﷺ كان يصغي الإناء إلى الهر. . . ". أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١ / ٢٤٦) .

(٣) البحر الرائق ٢ / ٢٠٢، وفتح القدير ٢ / ٤٦٥، والدر المختار ١ / ٨٢٨ - ٨٣٠، والشرح الصغير ١ / ٢٧٤، وبداية المجتهد ١ / ٣٠٩، ومغني المحتاج ١ / ٣٤٩، والمهذب ١ / ١٣٤، والمغني لابن قدامة ٣ / ٢٨٩، وكشاف القناع ٢ / ١١٦.

جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا اسْتَهَل الصَّبِيُّ وَرِثَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ (١)، وَلأَِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الدُّنْيَا فِي الإِْسْلاَمِ وَالْمِيرَاثِ وَالدِّيَةِ، فَغُسِل وَصُلِّيَ عَلَيْهِ كَغَيْرِهِ (٢) .

_________

(١) حديث: " إذا استهل الصبي ورث. . . ". أخرجه الحاكم (٤ / ٣٤٩) وصححه ووافقه الذهبي.

(٢) المهذب ١ / ١٣٤.

مِيَاهٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْمِيَاهُ فِي اللُّغَةِ: جَمْعُ مَاءٍ، وَالْمَاءُ مَعْرُوفٌ، وَالْهَمْزَةُ فِيهِ مُبْدَلَةٌ مِنَ الْهَاءِ وَأَصْلُهُ مَوَهَ بِالتَّحْرِيكِ تَحَوَّلَتِ الْوَاوُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا فَقُلِبَتْ أَلِفًا ثُمَّ أُبْدِلَتِ الْهَاءُ هَمْزَةً.

وَيُجْمَعُ عَلَى أَمْوَاهٍ جَمْعَ قِلَّةٍ، وَعَلَى مِيَاهٍ جَمْعَ كَثْرَةٍ (١) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الْمَاءُ جِسْمٌ لَطِيفٌ سَيَّالٌ بِهِ حَيَاةُ كُل نَامٍ (٢) .

_________

(١) لسان العرب، ومختار الصحاح، والقاموس المحيط، وأساس البلاغة ٤ / ٢٩٩ - ٣٠٠ ط دار الكتب العلمية - بيروت.

(٢) حاشية الطحطاوي على الدر المختار ١ / ٢٠٢ طبعة دار المعرفة - بيروت، وحاشية الرملي الكبير بهامش أسنى المطالب شرح روض الطالب ١ / ٥ ط دار إحياء الكتب العربية بمصر، وحاشية القليوبي ١ / ١٨ ط عيسى الحلبي بمصر، والشرح الصغير على أقرب المسالك ١ / ٤٥ ط عيسى الحلبي ١ / ٣٠ ط دار المعارف بمصر.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الطَّهَارَةُ

٢ - الطَّهَارَةُ فِي اللُّغَةِ: النَّظَافَةُ.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: عِبَارَةٌ عَنْ غَسْل أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ بِصِفَّةٍ مَخْصُوصَةٍ (١) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمِيَاهِ وَالطَّهَارَةِ أَنَّ الْمِيَاهَ تَكُونُ وَسِيلَةً لِلطَّهَارَةِ.

أَقْسَامُ الْمِيَاهِ

يُمْكِنُ تَقْسِيمُ الْمِيَاهِ بِاعْتِبَارِ وَصْفِهَا إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:

مُطْلَقٍ، وَمُسْتَعْمَلٍ، وَمُسَخَّنٍ، وَمُخْتَلَطٍ.

الْمَاءُ الْمُطْلَقُ:

٣ - الْمَاءُ الْمُطْلَقُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ هُوَ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ بِلاَ قَيْدٍ (٢) .

وَقِيل: الْمَاءُ الْمُطْلَقُ هُوَ الْبَاقِي عَلَى وَصْفِ خِلْقَتِهِ (٣) .

وَقَدْ أَجَمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ طَاهِرٌ فِي ذَاتِهِ مُطَهِّرٌ لِغَيْرِهِ (٤) .

_________

(١) مختار الصحاح، والتعريفات للجرجاني.

(٢) الشرح الكبير بهامش حاشية الدسوقي ١ / ٣٤ ط دار الفكر - بيروت، ومغني المحتاج ١ / ١٧.

(٣) كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار ١ / ١٧، ١٨ ط الشؤون الدينية بقطر.

(٤) فتح القدير ١ / ٦٨، ٦٩، ومواهب الجليل ١ / ٤٣ ط دار الفكر، وكفاية الأخيار ١ / ١٧، والروض المربع ١ / ١١ ط دار الكتب العربية، والمغني ١ / ٧، والمجموع ١ / ٨٤.

وَعَبَّرَ الْفُقَهَاءُ عَنْ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمَاءِ بِالطَّهُورِ، إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِالطَّهُورِ.

فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ الطَّاهِرُ الْمُطَهِّرُ.

وَاسْتَدَلُّوا بِمَا يَلِي:

أَوْلًا: أَنَّ لَفْظَةَ طَهُورٍ جَاءَتْ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ لِلْمُطَهِّرِ، وَمِنْ هَذَا:

أ - قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (١) . فَقَوْلُهُ: (طَهُورًا) يُرَادُ بِهِ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ، يُفَسِّرُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيُنَزِّل عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (٢)، فَهَذِهِ الآْيَةُ مُفَسِّرَةٌ لِلْمُرَادِ بِالأُْولَى (٣) .

ب - وَمَا وَرَدَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَْرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَل، وَأُحِلَّتْ لِي الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحَل لأَِحَدِ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ

_________

(١) سورة الفرقان / ٤٨.

(٢) سورة الأنفال / ١١.

(٣) المجموع ١ / ٨٥.

إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً (١) .

فَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ظَاهِرَةٌ، إِذْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالطَّهُورِ الطَّاهِرُ فَقَطْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِزْيَةٌ، لأَِنَّهُ طَاهِرٌ فِي حَقِّ كُل أَحَدٍ، وَالْحَدِيثُ إِنَّمَا سِيقَ لإِثْبَاتِ الْخُصُوصِيَّةِ، فَقَدِ اخْتَصَّ الرَّسُول ﷺ وَأُمَّتُهُ بِالتَّطَهُّرِ بِالتُّرَابِ (٢) .

ج - وَمَا رَوَاهُ أَنَسٌ مَرْفُوعًا: جُعِلَتْ لِي كُل أَرْضٍ طَيِّبَةً مَسْجِدًا وَطَهُورًا (٣) .

فَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنَّ كُل أَرْضٍ طَيِّبَةٍ جُعِلَتْ لَهُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَالطَّيِّبَةُ الطَّاهِرَةُ، فَلَوْ كَانَ مَعْنَى طَهُورًا: طَاهِرًا لَلَزِمَ تَحْصِيل الْحَاصِل، وَتَحْصِيل الْحَاصِل بِالنِّسْبَةِ لَهُ مُحَالٌ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْمُطَهِّرُ لِغَيْرِهِ (٤) .

د - وَمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سُئِل عَنِ

_________

(١) حديث جابر: " أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٤٣٦) ومسلم (١ / ٣٧٠ - ٣٧١) واللفظ للبخاري.

(٢) الذخيرة ١ / ١٥٩، والمجموع ١ / ٨٥، والمغني ١ / ٧.

(٣) حديث أنس: " جعلت لي كل أرض طيبة مسجدًا وطهورًا ". أخرجه ابن الجارود في المنتقى (ص ٥١)، وصحح إسناده ابن حجر في فتح الباري (١ / ٤٣٨) .

(٤) فتح الباري ١ / ٤٣٨ ط السلفية.

التَّوَضُّؤِ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَقَال: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِل مَيْتَتُهُ (١) .

فَقَدْ أَجَابَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ هَذَا عَنْ سُؤَالِهِمْ عَنْ حُكْمِ التَّطَهُّرِ بِمَاءِ الْبَحْرِ، فَلَوْلاَ أَنَّهُمْ يَفْهَمُونَ مِنَ الطَّهُورِ أَنَّهُ الْمُطَهِّرُ، لَمْ يَحْصُل لَهُمُ الْجَوَابُ (٢) .

ثَانِيًا: أَنَّ الْعَرَبَ فَرَّقَتْ بَيْنَ اسْمِ الْفَاعِل وَصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ فَقَالَتْ: قَاعِدٌ لِمَنْ وُجِدَ مِنْهُ الْقُعُودُ، وَقُعُودٌ: لِمَنْ يَتَكَرَّرُ مِنْهُ ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الطَّهُورِ وَالطَّاهِرِ مِنْ حَيْثُ التَّعَدِّي وَاللُّزُومِ، فَالطَّهُورُ مِنَ الأَْسْمَاءِ الْمُتَعَدِّيَةِ وَهُوَ الَّذِي يُطَهِّرُ غَيْرَهُ، وَالطَّاهِرُ مِنَ الأَْسْمَاءِ اللاَّزِمَةِ (٣) .

وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الطَّهُورَ هُوَ الطَّاهِرُ وَهُوَ مَا حُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْريِّ وَسُفْيَانَ وَأَبِي بَكْرِ الأَْصَمِّ وَابْنِ دَاوُدَ (٤) .

وَاحْتَجُّوا بِمَا يَلِي:

أَوَّلًا: قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ (٥) .

_________

(١) حديث: " هو الطهور ماؤه، الحل ميتته ". أخرجه الترمذي (١ / ١٠١) من حديث أبي هريرة، وقال: حديث حسن صحيح.

(٢) المجموع ١ / ٨٥، والمغني ١ / ٧.

(٣) المغني ١ / ٧.

(٤) البحر الرائق ١ / ٧٠، والمجموع ١ / ٨٤

(٥) سورة الإنسان / ٢١.

وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَهْل الْجَنَّةِ لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى التَّطْهِيرِ مِنْ حَدَثٍ وَلاَ نَجَسٍ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّهُورِ هُوَ الطَّاهِرُ (١) .

ثَانِيًا: قَوْل جَرِيرٍ فِي وَصْفِ النِّسَاءِ:

عِذَابُ الثَّنَايَا رِيقُهُنَّ طَهُورٌ

وَالرِّيقُ لاَ يُتَطَهَّرُ بِهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الطَّاهِرَ (٢) .

ثَالِثًا: وَالطَّهُورُ يُفِيدُ التَّطْهِيرَ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لِلْمُبَالَغَةِ، فَإِنَّ فِي الشَّكُورِ وَالْغَفُورِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ مَا لَيْسَ فِي الْغَافِرِ وَالشَّاكِرِ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي الطَّهُورِ مَعْنًى زَائِدٌ لَيْسَ فِي الطَّاهِرِ، وَلاَ تَكُونُ تِلْكَ الْمُبَالَغَةُ فِي طَهَارَةِ الْمَاءِ إِلاَّ بِاعْتِبَارِ التَّطْهِيرِ لأَِنَّ فِي نَفْسِ الطَّهَارَةِ كِلْتَا الصِّفَّتَيْنِ سَوَاءٌ، فَتَكُونُ صِفَّةُ التَّطْهِيرِ لَهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ، لاَ أَنَّ الطَّهُورَ بِمَعْنَى الْمُطَهَّر (٣) .

أَنْوَاعُ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ

٤ - أَنْوَاعُ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ كَمَا ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ هِيَ:

الأَْوَّل: مَاءُ السَّمَاءِ أَيِ النَّازِل مِنْهَا، يَعْنِي

_________

(١) البحر الرائق ١ / ٧٠، والذخيرة ١ / ١٦٠، والمجموع ١ / ٨٤.

(٢) البحر الرائق ١ / ٧٠، والمجموع ١ / ٨٤ - ٨٥.

(٣) البحر الرائق ١ / ٧٠، والكشاف للزمخشري ٣ / ٩٥ ط دار المعرفة - بيروت.