الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩ الصفحة 61

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩

الْمَكْفُول بِهِ لاَ يَسْقُطُ بِمَوْتِهِ، وَلاَ تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ بِذَلِكَ، فَيُطَالَبُ وَرَثَتُهُ بِإِحْضَارِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا أَوْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ أُخِذَ مِنَ التَّرِكَةِ قَدْرُ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَى الْمَكْفُول بِهِ (١) .

الْقَوْل الثَّانِي: لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ الْكَفَالَةَ تَبْطُل بِمَوْتِ الْكَفِيل، لأَِنَّ تَسْلِيمَ الْكَفِيل الْمَطْلُوبَ بَعْدَ مَوْتِ الْكَفِيل لاَ يَتَحَقَّقُ مِنْهُ، وَلاَ تَتَوَجَّهُ الْمُطَالَبَةُ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى وَرَثَتِهِ، لأَِنَّهُمْ لَمْ يَكْفُلُوا لَهُ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا يَخْلُفُونَهُ فِيمَا لَهُ لاَ فِيمَا عَلَيْهِ. ثُمَّ إِنَّهُ لاَ شَيْءَ لِلْمَكْفُول لَهُ فِي تَرِكَتِهِ، لأَِنَّ مَالَهُ لاَ يَصْلُحُ لإِيفَاءِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ (٢) .

٧٨ - أَمَّا إِذَا مَاتَ الْمَكْفُول بِهِ - فِي الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ - فَإِنَّ الْكَفَالَةَ تَسْقُطُ عَنِ الْكَفِيل، وَلاَ يُلْزَمُ بِشَيْءٍ، لأَِنَّ النَّفْسَ الْمَكْفُولَةَ قَدْ ذَهَبَتْ، فَعَجَزَ الْكَفِيل عَنْ إِحْضَارِهَا، وَلأَِنَّ الْحُضُورَ قَدْ سَقَطَ عَنِ الْمَكْفُول، فَبَرِئَ الْكَفِيل تَبَعًا لِذَلِكَ، لأَِنَّ مَا الْتَزَمَهُ مِنْ أَجْلِهِ سَقَطَ عَنِ الأَْصْل فَبَرِئَ الْفَرْعُ، كَالضَّامِنِ إِذَا قَضَى الْمَضْمُونُ عَنْهُ الدَّيْنَ أَوْ أُبْرِئَ مِنْهُ، وَبِذَلِكَ

_________

(١) الخرشي ٦ / ٢٨، وكشاف القناع ٣ / ٣٧٩، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٥٤، والبحر الرائق ٦ / ٢٣٠.

(٢) رد المحتار ٥ / ٢٩٢، وتكملة فتح القدير ٧ / ١٧٠، ونهاية المحتاج ٤ / ٤٣٩، والمبسوط ١٩ / ١٦٤.

قَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَشُرَيْحٌ وَالشَّعْبِيُّ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ (١) .

وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ اللَّيْثُ وَالْحَكَمُ فَقَالُوا: يَجِبُ عَلَى الْكَفِيل غُرْمُ مَا عَلَيْهِ، لأَِنَّ الْكَفِيل وَثِيقَةٌ بِحَقٍّ، فَإِذَا تَعَذَّرَتْ مِنْ جِهَةِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، اسْتُوْفِيَ مِنَ الْوَثِيقَةِ كَالرَّهْنِ، وَلأَِنَّهُ تَعَذَّرَ إِحْضَارُهُ، فَلَزِمَ كَفِيلَهُ مَا عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ غَابَ (٢) .

الْقِسْمُ الثَّالِثُ: الْعُقُودُ غَيْرُ اللاَّزِمَةِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ:

وَتَشْمَل هَذِهِ الْعُقُودُ الْهِبَةَ قَبْل الْقَبْضِ، وَالإِْعَارَةَ، وَالْقَرْضَ، وَالْوَكَالَةَ، وَالشَّرِكَةَ، وَالْمُضَارَبَةَ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

أ - الْهِبَةُ قَبْل الْقَبْضِ:

٧٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بُطْلاَنِ الْهِبَةِ بِمَوْتِ الْوَاهِبِ قَبْل لُزُومِ الْعَقْدِ بِالْقَبْضِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

_________

(١) المبسوط ١٩ / ١٨٤، وبداية المجتهد ٢ / ٢٩٥، والتاج والإكليل ٥ / ١١٥، وأسنى المطالب ٢ / ٢٤٤، ونهاية المحتاج ٤ / ٤٣٧، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٥٤، والمغني ٧ / ١٠٥.

(٢) مواهب الجليل ٥ / ١١٥، وبداية المجتهد ٢ / ٢٩٥، والمغني ٧ / ١٠٥.

أَحَدُهُمَا: لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّ الْهِبَةَ تَبْطُل بِمَوْتِ الْوَاهِبِ قَبْل الْقَبْضِ.

وَعَلَّل ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ بِانْتِقَال الْمُلْكِ لِوَارِثِ الْوَاهِبِ قَبْل تَمَامِهَا.

وَعَلَّلَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الْهِبَةَ نَوْعٌ مِنِ الْتِزَامِ الْمَعْرُوفِ غَيْرِ الْمُعَلَّقِ عَلَى شَيْءٍ، وَلاَ يُقْضَى بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْمُلْتَزِمِ إِذَا أَفْلَسَ أَوْ مَاتَ قَبْل الْحِيَازَةِ.

وَعَلَّلَهُ مُوَافِقُوهُمْ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي غَيْرِ الْمُعْتَمَدِ بِأَنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ، فَبَطَل بِمَوْتِ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ، كَالْوَكَالَةِ وَالشَّرِكَةِ (١) .

وَالثَّانِي: لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ وَهُوَ أَنَّ الْوَاهِبَ إِذَا مَاتَ قَبْل قَبْضِ هِبَتِهِ لَمْ يَنْفَسِخْ عَقْدُ الْهِبَةِ، لأَِنَّهُ يَئُول إِلَى اللُّزُومِ، فَلَمْ يَبْطُل بِالْمَوْتِ، كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، وَيَقُومُ وَارِثُ الْوَاهِبِ مَقَامَ مُوَرِّثِهِ فِي الإِْقْبَاضِ وَالإِْذْنِ فِيهِ، وَلَهُ الْخِيَارُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ شَاءَ أَقْبَضَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُقْبِضْ (٢) .

_________

(١) رد المحتار ٥ / ٧٠٠، والعقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية ٢ / ٨٨، وتحرير الكلام في مسائل الالتزام (بهامش فتاوى عليش) ١ / ٢١٨، والمغني ٨ / ٢٤٣، والمهذب ١ / ٤٥٤، ومغني المحتاج ٢ / ٤٠١.

(٢) مغني المحتاج ٢ / ٤٠١، وأسنى المطالب ٢ / ٢٨٢، والمهذب ١ / ٤٥٤، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٥٢٠، والمغني ٨ / ٢٤٣.

ب - الإِْعَارَةُ:

٨٠ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى انْفِسَاخِ عَقْدِ الْعَارِيَةِ بِمَوْتِ الْمُعِيرِ، وَانْتِهَاءِ تَبَرُّعِهِ بِمَنَافِعِهَا لِلْمُسْتَعِيرِ، وَوُجُوبِ مُبَادَرَةِ الْمُسْتَعِيرِ إِلَى رَدِّ الْعَارِيَةِ لِوَرَثَتِهِ.

وَعَلَّل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، فَتَبْطُل بِمَوْتِ أَيٍّ مِنْهُمَا، كَالْوَكَالَةِ وَالشَّرِكَةِ.

وَوَجْهُ الْبُطْلاَنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْعَيْنَ انْتَقَلَتْ إِلَى وَارِثِ الْمُعِيرِ بِمَوْتِهِ، وَالْمَنْفَعَةُ بَعْدَ هَذَا تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِهِ، وَإِنَّمَا جَعَل الْمُعِيرُ لِلْمُسْتَعِيرِ مِلْكَ نَفْسِهِ لاَ مِلْكَ غَيْرِهِ (١) .

وَفَصَّل الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَسْأَلَةِ فَقَالُوا: إِنَّ الإِْعَارَةَ مَعْرُوفٌ، وَالْوَفَاءُ بِهَا لاَزِمٌ، لأَِنَّ مَنْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ مَعْرُوفًا لَزِمَهُ، وَيُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ مَا لَمْ يَمُتْ أَوْ يُفْلِسْ قَبْل الْحِيَازَةِ.

وَعَلَى ذَلِكَ: فَإِذَا كَانَتِ الْعَارِيَةُ مُقَيَّدَةً بِعَمَلٍ، كَطَحْنِ إِرْدَبٍّ مِنَ الْقَمْحِ أَوْ حَمْلِهِ عَلَى

_________

(١) المبسوط ١١ / ١٤٣، وأسنى المطالب ٢ / ٣٣٢، ونهاية المحتاج ٥ / ١٣٠ - ١٣١، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٣٩٨، وكشاف القناع ٤ / ٧٣.

الدَّابَّةِ الْمُسْتَعَارَةِ إِلَى جِهَةٍ مَا كَانَ حُكْمُهَا اللُّزُومَ فِي حَقِّ الْمُعِيرِ حَتَّى يَنْتَهِيَ الْعَمَل الَّذِي اسْتُعِيرَتْ لأَِجْلِهِ، وَكَذَا إِذَا كَانَتْ مُقَيَّدَةً بِزَمَنٍ، كَيَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ مِثْلًا، فَإِنَّهَا تَلْزَمُ فِي حَقِّهِ حَتَّى يَنْقَضِيَ الأَْجَل الْمَضْرُوبُ لِلاِنْتِفَاعِ بِهَا.

أَمَّا إِذَا كَانَتْ مُطْلَقَةً - غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِعَمَلٍ أَوْ زَمَنٍ - فَإِنَّ الْعَقْدَ لاَ يَكُونُ لاَزِمًا فِي حَقِّ الْمُعِيرِ، وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا مَتَى شَاءَ.

وَحَيْثُ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ، فَإِذَا مَاتَ الْمُعِيرُ بَعْدَ قَبْضِ الْمُسْتَعِيرِ لِلْعَارِيَةِ، وَبَقِيَ فِي مُدَّتِهَا، أَوْ مِنَ الْغَرَضِ الْمُسْتَعَارَةِ لأَِجْلِهِ شَيْءٌ، فَلاَ تَبْطُل الإِْعَارَةُ بِمَوْتِهِ، وَلاَ يَنْتَهِي الْتِزَامُهُ، وَتَبْقَى الْعَيْنُ الْمُعَارَةُ بِيَدِ الْمُسْتَعِيرِ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِهَا إِلَى نِهَايَةِ الْعَمَل أَوِ الْمُدَّةِ، أَمَّا إِذَا مَاتَ الْمُعِيرُ قَبْل أَنْ يَقْبِضَ الْمُسْتَعِيرُ الْعَارِيَةَ فَإِنَّ الإِْعَارَةَ تَبْطُل بِمَوْتِهِ لِعَدَمِ تَمَامِهَا بِالْحِيَازَةِ قَبْلَهُ (١) .

ج - الْوَكَالَةُ:

٨١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْوَكَالَةَ

_________

(١) الخرشي ٦ / ١٢٦، والمدونة ١٥ / ١٦٧، وحاشية الدسوقي ٣ / ٣٩٤، وبداية المجتهد ٢ / ٣١٣، وتحرير الكلام في مسائل الالتزام للحطاب ١ / ٢١٨ - ٢١٩.

تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْمُوَكِّل أَوِ الْوَكِيل، وَتَبْطُل سَائِرُ الاِلْتِزَامَاتِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهَا مِنَ الْجَانِبَيْنِ.

أَمَّا الْمُوَكِّل: فَلأَِنَّ التَّوْكِيل إِنَّمَا قَامَ بِإِذْنِهِ، وَهُوَ أَهْلٌ لِذَلِكَ، فَلَمَّا بَطَلَتْ أَهْلِيَّتُهُ بِالْمَوْتِ بَطَل إِذْنُهُ، وَانْتَقَل الْحَقُّ لِغَيْرِهِ مِنَ الْوَرَثَةِ.

وَأَمَّا الْوَكِيل: فَلأَِنَّ أَهْلِيَّتَهُ لِلتَّصَرُّفِ قَدْ زَالَتْ بِمَوْتِهِ، وَلَيْسَ الْوَكَالَةُ حَقًّا لَهُ فَتُورَثُ عَنْهُ (١) .

وَقَال الْبُهُوتِيُّ: لأَِنَّ الْوَكَالَةَ تَعْتَمِدُ الْحَيَاةَ وَالْعَقْل، فَإِذَا انْتَفَى ذَلِكَ انْتَفَتْ صِحَّتُهَا، لاِنْتِفَاءِ مَا تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ (٢) .

وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ مَوْتَ الْمُوَكِّل فِي حَالَةِ الْوَكَالَةِ بِبَيْعِ الرَّهْنِ إِذَا وَكَّل الرَّاهِنُ الْعَدْل أَوِ الْمُرْتَهِنَ بِبَيْعِ الرَّهْنِ عِنْدَ حُلُول الأَْجَل، فَحِينَئِذٍ لاَ تَبْطُل الْوَكَالَةُ وَلاَ يَنْعَزِل

_________

(١) بدائع الصنائع ٦ / ٣٧ - ٣٩، والمبسوط ١١ / ١٨١، ٢١٣، ١٩ / ٧٣، ونهاية المحتاج ٥ / ٥٥، والقليوبي وعميرة ٢ / ٣٤٨، والمهذب ١ / ٣٦٤، وميارة على التحفة ١ / ١٣٦، والخرشي ٦ / ٨٦، وبداية المجتهد ٢ / ٣٠٣، وكشاف القناع ٣ / ٤٦٨، وانظر: م (١٥٢٩) من المجلة العدلية، والمغني ٧ / ٢٣٤.

(٢) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٣٠٥.

الْوَكِيل بِمَوْتِ الْمُوَكِّل (١) .

وَاسْتَثْنَى الْحَنَابِلَةُ مَوْتَ الْمُوَكِّل إِذَا وَكَّل مَنْ يَتَصَرَّفُ لِغَيْرِهِ، كَوَصِيِّ الْيَتِيمِ وَنَاظِرِ الْوَقْفِ، فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لاَ تَبْطُل الْوَكَالَةُ بِمَوْتِهِ (٢) .

د - الشَّرِكَةُ:

٨٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى انْفِسَاخِ شَرِكَةِ الْعَقْدِ (بِأَنْوَاعِهَا) وَبُطْلاَنِ الاِلْتِزَامَاتِ النَّاشِئَةِ عَنْهَا بِمَوْتِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ

قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لأَِنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ، فَبَطَلَتْ بِذَلِكَ كَالْوَكَالَةِ.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: وَإِنَّمَا بَطَلَتِ الشَّرِكَةُ بِالْمَوْتِ لأَِنَّهَا تَتَضَمَّنُ الْوَكَالَةَ، أَيْ مَشْرُوطٌ ابْتِدَاؤُهَا بِهَا ضَرُورَةً، فَإِنَّهُ لاَ يَتَحَقَّقُ ابْتِدَاؤُهَا إِلاَّ بِوِلاَيَةِ التَّصَرُّفِ لِكُل مِنْهُمَا فِي مَال الآْخَرِ، وَلاَ تَبْقَى الْوِلاَيَةُ إِلاَّ بِبَقَاءِ الْوَكَالَةِ (٣) .

_________

(١) رد المحتار ٥ / ٥٣٩، والهداية مع العناية وتكملة فتح القدير ٨ / ١٤١، ودرر الحكام ٣ / ٦٦٤، وانظر: م (٩٧١) من مرشد الحيران وم (١٥٢٧) من المجلة العدلية.

(٢) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٣٠٥، وانظر: م (١٢١١) من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد.

(٣) فتح القدير ٦ / ١٩٤، ورد المحتار ٤ / ٣٢٧، وفتح العزيز ١٠ / ٤٢٤، وأسنى المطالب ٢ / ٢٥٧، ونهاية المحتاج ٥ / ١٠، وبداية المجتهد ٢ / ٢٥٦، والمدونة ١٢ / ٨٤، والمغني ٧ / ١٣١، وكشاف القناع ٣ / ٥٠٦ - ٥٠٧، وقد جاء في م (١٨٣٢) من مجلة الأحكام الشرعية الحنبلية: تبطل الشركة بموت أحد الشريكين وجنونه المطبق وبالحجر عليه لسفه، وبكل ما يبطل الوكالة.

هـ - الْمُضَارَبَةُ:

٨٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي انْفِسَاخِ عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ وَبُطْلاَنِ الاِلْتِزَامَاتِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ بِمَوْتِ الْمُضَارِبِ أَوْ رَبِّ الْمَال إِذَا كَانَ مَال الْمُضَارَبَةِ نَاضًّا (أَيْ مِنْ جِنْسِ رَأْسِ مَالِهَا)، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمُضَارَبَةَ تَتَضَمَّنُ الْوَكَالَةَ، وَالْوَكَالَةُ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِ عَاقِدَيْهَا وَلاَ تُوَرَّثُ، فَتَتْبَعُهَا الْمُضَارَبَةُ (١) .

أَمَّا إِذَا كَانَ الْمَال عُرُوضًا تِجَارِيَّةً، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بُطْلاَنِ عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا، وَذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ بُطْلاَنُ الْمُضَارَبَةِ

_________

(١) بدائع الصنائع ٦ / ١١٢، والعقود الدرية لابن عابدين ٢ / ٦٧ - ٦٨، ورد المحتار ٥ / ٦٥٤ - ٦٥٥، والفتاوى الهندية ٤ / ٣٢٩، ونهاية المحتاج ٥ / ٢٣٧، والخرشي ٦ / ٢١٣، والمدونة ١٢ / ١٣٠، والمغني ٧ / ١٧٢.

بِمَوْتِ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ، فَتُبَاعُ السِّلَعُ وَالْعُرُوضُ حَتَّى يَنِضَّ رَأْسُ الْمَال جَمِيعُهُ، وَيُوَزَّعَ بَيْنَ وَرَثَةِ الْمُتَوَفَّى وَالطَّرَفِ الْبَاقِي (١) .

وَالثَّانِي: لِلْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُضَارَبَةَ لاَ تَبْطُل بِوَفَاةِ رَبِّ الْمَال أَوِ الْمُضَارِبِ.

أَمَّا رَبُّ الْمَال إِذَا مَاتَ فَيَخْلُفُهُ وَرَثَتُهُ فِي الْمَال، وَيَبْقَى الْعَامِل عَلَى قِرَاضِهِ إِذَا أَرَادَ الْوَرَثَةُ بَقَاءَهُ، وَإِنْ أَرَادُوا فَسْخَ الْعَقْدِ وَأَخْذَ مَالِهِمْ كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ بَعْدَ نَضُوضِهِ.

وَأَمَّا الْمُضَارِبُ إِذَا مَاتَ فَيَخْلُفُهُ وَرَثَتُهُ فِي حَقِّ عَمَلِهِ فِي الْمُضَارَبَةِ، وَلَيْسَ لِرَبِّ الْمَال أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنْهُمْ إِذَا أَرَادُوا الْعَمَل فِيهِ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ يَعْمَلُوا فِيهِ بِمِقْدَارِ مَا كَانَ لِمُوَرِّثِهِمْ (٢) .

_________

(١) الهداية مع العناية وتكملة فتح القدير ٨ / ٤٧٠، والبدائع ٦ / ١١٢، ورد المحتار ٥ / ٦٥٤ - ٦٥٥، وأسنى المطالب ٢ / ٣٩٠، ونهاية المحتاج ٥ / ٢٣٧، والمغني ٧ / ١٧٢، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٣٣٦، وانظر: م (١٨٦٥) و(١٨٦٦) من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد.

(٢) المنتقى للباجي ٥ / ١٧٤ - ١٧٥، والمدونة ١٢ / ١٣٠، والخرشي ٦ / ٢١٣، والبهجة شرح التحفة ٢ / ٢٢١، وحاشية الدسوقي ٣ / ٤٧٩.

و- الْجَعَالَةُ:

٨٤ - فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي تَأْثِيرِ الْمَوْتِ عَلَى الاِلْتِزَامِ عَلَى الْجَعَالَةِ بَيْنَ مَوْتِ الْجَاعِل وَمَوْتِ الْمَجْعُول لَهُ، وَذَلِكَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

مَوْتُ الْجَاعِل:

٨٥ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ إِلَى انْفِسَاخِ الْجَعَالَةِ بِمَوْتِ الْجَاعِل وَبُطْلاَنِ الْتِزَامِهِ فِيهَا قَبْل شُرُوعِ الْعَامِل (الْمَجْعُول لَهُ فِي الْعَمَل) .

وَقَال ابن حبيب وابن القاسم فِي ظَاهِرِ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْهُ: لاَ يَبْطُل الْجُعْل بِمَوْتِ الْجَاعِل، وَيَلْزَمُ ذَلِكَ وَرَثَتَهُ، وَلاَ يَكُونُ لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوا الْمَجْعُول لَهُ مِنَ الْعَمَل.

أَمَّا إِذَا مَاتَ الْجَاعِل بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنَ الْعَمَل فَلاَ أَثَرَ لِوَفَاتِهِ عَلَى الْتِزَامِهِ، لأَِنَّهُ قَدْ تَمَّ وَاسْتَقَرَّ، وَوَجَبَ لِلْعَامِل الْجُعْل فِي تَرِكَتِهِ (١) .

وَلَوْ مَاتَ الْجَاعِل بَعْدَ أَنْ شَرَعَ الْعَامِل فِي الْعَمَل، وَلَكِنْ قَبْل إِتْمَامِهِ

_________

(١) المقدمات الممهدات ٢ / ١٧٩ - ١٨٠، وتحرير الكلام في مسائل الالتزام ١ / ٢٨٩، ونهاية المحتاج ٥ / ٤٧٤.