الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩
وَيُعْتَبَرُ غَالِبُ عَادَةِ النِّسَاءِ فَلَوْ سَامَحَتْ وَاحِدَةٌ لَمْ يَجِبْ مُوَافَقَتُهَا إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لِنَقْصٍ دَخَل فِي النَّسَبِ وَفَتْرَةِ الرَّغَبَاتِ وَلَوْ خُفِضْنَ لِلْعَشِيرَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ أَوْ عَكْسُهُ اعْتُبِرَ ذَلِكَ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مَهْرُ الْمِثْل بِمَنْ يُسَاوِي الزَّوْجَةَ مِنْ جَمِيعِ أَقَارِبِهَا مِنْ جِهَةِ أَبِيهَا وَأُمِّهَا كَأُخْتِهَا وَعَمَّتِهَا وَبِنْتِ أَخِيهَا وَبِنْتِ عَمِّهَا وَأُمِّهَا وَخَالَتِهَا وَغَيْرِهِنَّ الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ لَهَا مِثْل مَهْرِ نِسَائِهَا وَلأَِنَّ مُطْلَقَ الْقَرَابَةِ لَهُ أَثَرٌ فِي الْجُمْلَةِ (٢) .
وَيُعْتَبَرُ التَّسَاوِي فِي الْمَال وَالْجَمَال وَالْعَقْل وَالأَْدَبِ وَالسِّنِّ وَالْبَكَارَةِ أَوِ الثُّيُوبَةِ وَالْبَلَدِ وَصَرَاحَةِ نَسَبِهَا وَكُل مَا يَخْتَلِفُ لأَِجْلِهِ الْمَهْرُ؛ لأَِنَّ مَهْرَ الْمِثْل بَدَل مُتْلَفٍ فَاعْتُبِرَتِ الصِّفَاتُ الْمَقْصُودَةُ فِيهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نِسَائِهَا إِلاَّ دُونَهَا زِيدَتْ بِقَدْرِ فَضِيلَتِهَا الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى؛ لأَِنَّ زِيَادَةَ فَضِيلَتِهَا تَقْتَضِي زِيَادَةَ مَهْرِهَا فَتُقَدَّرُ الزِّيَادَةُ بِقَدْرِ الْفَضِيلَةِ؛ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي نِسَائِهَا إِلاَّ فَوْقَهَا نَقَصَتْ بِقَدْرِ نَقْصِهَا كَأَرْشِ الْعَيْبِ؛ وَلأَِنَّ لَهُ أَثَرًا فِي تَنْقِيصِ الْمَهْرِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَرَتَّبَ بِحَسَبِهِ.
_________
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٣٦٥ ط دار الكتب العلمية، ومغني المحتاج ٣ / ٢٣٣.
(٢) كشاف القناع ٥ / ١٥٩.
وَتُعْتَبَرُ عَادَةُ نِسَائِهَا فِي تَأْجِيل الْمَهْرِ أَوْ بَعْضِهِ وَفِي غَيْرِهِ مِنَ الْعَادَاتِ كَالتَّخْفِيفِ عَنْ عَشِيرَتِهِنَّ دُونَ غَيْرِهِمْ؛ وَكَذَا لَوْ كَانَ عَادَتُهُمُ التَّخْفِيفَ لِنَحْوِ شَرَفِ الزَّوْجِ أَوْ يَسَارِهِ؛ إِجْرَاءً لَهَا عَلَى عَادَتِهِنَّ.
فَإِنِ اخْتَلَفَتْ عَادَتُهُنَّ فِي الْحُلُول وَالتَّأْجِيل أَوِ اخْتَلَفَتِ الْمُهُورُ قِلَّةً وَكَثْرَةً أُخِذَ بِمَهْرٍ وَسَطٍ حَالٍّ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ؛ فَإِنْ تَعَدَّدَ فَمِنْ غَالِبِهِ كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَقَارِبُ مِنَ النِّسَاءِ اعْتُبِرَ شَبَهُهَا بِنِسَاءِ بَلَدِهَا؛ فَإِنْ عُدِمَتْ نِسَاءُ بَلَدِهَا فَالاِعْتِبَارُ بِأَقْرَبِ النِّسَاءِ شَبَهًا بِهَا مِنْ أَقْرَبِ بَلَدٍ إِلَيْهَا (١) .
شُرُوطُ الْمُخْبِرِ بِمَهْرِ الْمِثْل
٨ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُخْبِرُ بِمَهْرِ الْمِثْل رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ وَيُشْتَرَطُ لَفْظَةُ الشَّهَادَةِ؛ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ عَلَى ذَلِكَ شُهُودٌ فَالْقَوْل قَوْل الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ (٢) .
مَا يَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ مَهْرًا
٩ - الأَْصْل عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) أَنَّ كُل مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا أَوْ مُثَمَّنًا أَوْ أُجْرَةً جَازَ جَعْلُهُ صَدَاقًا.
_________
(١) شرح منتهى الإرادات ٣ / ٨٢، وانظر كشاف القناع ٥ / ١٥٩ - ١٦٠.
(٢) فتح القدير ٢ / ٤٧١ ط بولاق.
قَال الدَّرْدِيرُ: يُشْتَرَطُ فِي الْمَهْرِ شُرُوطُ الثَّمَنِ مِنْ كَوْنِهِ مُتَمَوَّلًا طَاهِرًا مُنْتَفَعًا بِهِ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ مَعْلُومًا (١) .
وَقَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: كُل مَا صَحَّ كَوْنُهُ عِوَضًا مُعَوِّضًا عَيْنًا أَوْ دَيْنًا أَوْ مَنْفَعَةً كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا - مَا لَمْ يَنْتَهِ فِي الْقِلَّةِ إِلَى حَدٍّ لاَ يُتَمَوَّل - صَحَّ كَوْنُهُ صَدَاقًا؛ وَمَا لاَ فَلاَ (٢) .
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: كُل مَا جَازَ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ أَوْ أُجْرَةً فِي الإِْجَارَةِ مِنَ الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ وَالْحَال وَالْمُؤَجَّل وَالْقَلِيل وَالْكَثِيرِ؛ وَمَنَافِعِ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَغَيْرِهِمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا (٣) .
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْمَهْرَ مَا يَكُونُ مَالًا مُتَقَوِّمًا عِنْدَ النَّاسِ فَإِذَا سَمَّيَا مَا هُوَ مَالٌ يَصِحُّ التَّسْمِيَةُ وَمَا لاَ فَلاَ.
وَقَالُوا: التَّسْمِيَةُ لاَ تَصِحُّ مَعَ الْجَهَالَةِ الْفَاحِشَةِ وَتَصِحُّ مَعَ الْجَهَالَةِ الْمُسْتَدْرَكَةِ (٤) .
وَقَدْ نَشَأَ عَنِ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي مَدْلُول الْمَال - كَمَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (مَالٌ ف ٢) - اخْتِلاَفُهُمْ فِي بَعْضِ مَا تَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ مَهْرًا نَذْكُرُهَا فِيمَا يَأْتِي:
_________
(١) الشرح الصغير ٢ / ٤٢٨.
(٢) مغني المحتاج ٢ / ٢٢٠.
(٣) المغني لابن قدامة ٦ / ٦٨٢.
(٤) تحفة الفقهاء ٢ / ١٣٦، ١٣٨.
جَعْل الْمَنْفَعَةِ مَهْرًا
١٠ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ صَدَاقًا جَرْيًا عَلَى أَصْلِهِمْ مِنْ أَنَّ كُل مَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ يَصِحُّ تَسْمِيَتُهُ صَدَاقًا؛ فَيَصِحُّ أَنْ يَجْعَل مَنَافِعَ دَارِهِ أَوْ دَابَّتِهِ أَوْ عَبْدِهِ سَنَةً صَدَاقًا لِزَوْجَتِهِ؛ أَوْ يَجْعَل صَدَاقَهَا خِدْمَتَهُ لَهَا فِي زَرْعٍ أَوْ بِنَاءِ دَارٍ أَوْ خِيَاطَةِ ثَوْبٍ؛ أَوْ فِي سَفَرِ الْحَجِّ مَثَلًا.
قَال ابْنُ الحَاجِبِ: فِي كَوْنِ الصَّدَاقِ مَنَافِعَ كَخِدْمَتِهِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً أَوْ تَعْلِيمِهِ قُرْآنًا مَنَعَهُ مَالِكٌ وَكَرِهَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَجَازَهُ أَصْبَغُ؛ وَإِنْ وَقَعَ مَضَى عَلَى الْمَشْهُورِ (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ تَزَوَّجَ الْحُرُّ امْرَأَةً عَلَى مَنَافِعِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا: يَصِحُّ وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لاَ يَصِحُّ.
وَذَكَرَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: أَنَّ مَحَل الْخِلاَفِ يَخْتَصُّ بِالْخِدْمَةِ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمِهْنَةِ وَالْمُنَافَاةِ (٢) .
ثُمَّ الَّذِينَ اتَّفَقُوا فِي الْجُمْلَةِ عَلَى جَوَازِ جَعْل
_________
(١) الشرح الصغير وحاشية الصاوي عليه ٢ / ٤٤٨، وحاشية الدسوقي ٢ / ٣٠٩، ومغني المحتاج ٣ / ٢٢٠، وتخريج الفروع على الأصول ٢٢٧، والمغني لابن قدامة ٦ / ٦٨٢.
(٢) الإنصاف ٨ / ٢٢٩ - ٢٣٠.
الْمَنَافِعِ مَهْرًا اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي عِدَّةِ مَسَائِل مِنْهَا:
أ - جَعْل تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ مَهْرًا لِلْمَرْأَةِ
١١ - أَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ؛ وَأَصْبَغُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ جَعْل تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ مَهْرًا (١) .
وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ لِجَوَازِ جَعْل تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ مَهْرًا شَرْطَيْنِ:
الشَّرْطُ الأَْوَّل: الْعِلْمُ بِالْمَشْرُوطِ تَعْلِيمُهُ بِأَحَدِ طَرِيقَيْنِ:
الطَّرِيقُ الأَْوَّل: بَيَانُ الْقَدْرِ الَّذِي يُعَلِّمُهُ بِأَنْ يَقُول كُل الْقُرْآنِ أَوِ السُّبُعُ الأَْوَّل أَوِ الأَْخِيرُ.
الطَّرِيقُ الثَّانِي: التَّقْدِيرُ بِالزَّمَانِ بِأَنْ يُصْدِقَهَا تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ شَهْرًا وَيُعَلِّمَهَا فِيهِ مَا شَاءَتْ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَعْقُودُ عَلَى تَعْلِيمِهِ قَدْرًا فِي تَعْلِيمِهِ كُلْفَةٌ (٢) .
وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي الْقَوْل الثَّانِي وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ جَعْل تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ مَهْرًا؛ لأَِنَّ الْفُرُوجَ لاَ تُسْتَبَاحُ إِلاَّ بِالأَْمْوَال؛ وَلأَِنَّ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ
_________
(١) روضة الطالبين ٧ / ٣٠٤، ٣٠٥، وعقد الجواهر الثمينة ٢ / ١٠١، والمغني ٦ / ٦٨٣ - ٦٨٤.
(٢) المراجع السابقة.
لاَ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ إِلاَّ قُرْبَةً لِفَاعِلِهِ فَلَمْ يَصِحَّ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا كَالصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ (١) .
وَكَرِهَ ابْنُ الْقَاسِمِ ذَلِكَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ؛ فَإِنْ وَقَعَ مَضَى فِي قَوْل أَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ (٢) .
ب - نِكَاحُ الْمَرْأَةِ عَلَى إِحْجَاجِهَا
١٢ - صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِعَدَمِ صِحَّةِ تَسْمِيَةِ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ عَلَى إِحْجَاجِهَا مَهْرًا لأَِنَّ الْحُمْلاَنَ مَجْهُولٌ لاَ يُوقَفُ لَهُ عَلَى حَدٍّ فَلَمْ يَصِحَّ؛ كَمَا لَوْ أَصْدَقَهَا شَيْئًا؛ فَعَلَى هَذَا لَهَا مَهْرُ الْمِثْل (٣) .
وَاخْتَلَفَتْ أَقْوَال الْمَالِكِيَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ:
فَقَدْ رَوَى يَحْيَى عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي نِكَاحِهَا عَلَى إِحْجَاجِهَا أَنَّهُ يُفْسَخُ قَبْل الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ وَيَجِبُ صَدَاقُ الْمِثْل إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْحَجَّةِ غَيْرُهَا فَيَجُوزُ.
وَقَال ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَيْسَ يُعْجِبُنِي وَلاَ رَأَيْتُ أَصْبَغَ وَغَيْرَهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ يُعْجِبُهُمْ وَرَأَيْتُهُمْ يَرَوْنَهُ جَائِزًا؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى حَجَّةٍ مِثْلِهَا فِي النَّفَقَةِ وَالْكِرَاءِ وَالْمَصْلَحَةِ؛ وَقَال: أَمْنَعُهُ مِنَ الدُّخُول حَتَّى يُحِجَّهَا أَوْ يُعْطِيَهَا مِقْدَارَ مَا يُشْبِهُ مِثْلَهَا مِنَ النَّفَقَةِ وَالْمَصْلَحَةِ وَالتَّدَاوِي فِي بُعْدِ سَفَرِهَا أَوْ قُرْبِهِ
_________
(١) عقد الجواهر الثمينة ٢ / ١٠٠، والمغني ٦ / ٦٨٣ - ٦٨٤.
(٢) عقد الجواهر الثمينة ٢ / ١٠٠.
(٣) المغني ٦ / ٦٨٣.
فَتَكُونُ قَدْ قَبَضَتْ صَدَاقَهَا فَإِنْ شَاءَتْ حَجَّتْ بِهِ وَإِنْ شَاءَتْ تَرَكَتْهُ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ لَيْسَتْ أَمْوَالًا مُتَقَوِّمَةً فِي حَدِّ ذَاتِهَا؛ إِلاَّ أَنَّهُمْ أَجَازُوا جَعْل الْمَنَافِعِ مَهْرًا فِي صُوَرٍ مُعَيَّنَةٍ نَذْكُرُهَا فِيمَا يَلِي:
أ - مَنَافِعُ الأَْعْيَانِ
١٣ - مَنَافِعُ الأَْعْيَانِ تَصِحُّ تَسْمِيَتُهَا مَهْرًا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ.
قَال الْكَاسَانِيُّ: لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى مَنَافِعِ سَائِرِ الأَْعْيَانِ مِنْ سُكْنَى دَارِهِ وَخِدْمَةِ عَبِيدِهِ وَرُكُوبِ دَابَّتِهِ وَالْحَمْل عَلَيْهَا وَزِرَاعَةِ أَرْضِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مَنَافِعِ الأَْعْيَانِ مُدَّةً مَعْلُومَةً صَحَّتِ التَّسْمِيَةُ لأَِنَّ هَذِهِ الْمَنَافِعَ أَمْوَالٌ؛ وَالْتَحَقَتْ بِالأَْمْوَال شَرْعًا فِي سَائِرِ الْعُقُودِ لِمَكَانِ الْحَاجَةِ؛ وَالْحَاجَةُ فِي النِّكَاحِ مُتَحَقِّقَةٌ وَإِمْكَانُ الدَّفْعِ بِالتَّسْلِيمِ ثَابِتٌ بِتَسْلِيمِ مَحَالِّهَا (٢) .
ب - مَنَافِعُ الْحُرِّ
ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ عِدَّةَ صُوَرٍ لِجَعْل مَنْفَعَةِ الْحُرِّ صَدَاقًا لِزَوْجَتِهِ مِنْهَا:
جَعْل الْحُرِّ مَهْرَ زَوْجَتِهِ خِدْمَتَهَا
١٤ - لَوْ تَزَوَّجَ حُرٌّ امْرَأَةً عَلَى أَنْ يَخْدُمَهَا سَنَةً
_________
(١) عقد الجواهر الثمينة ٢ / ١٠١.
(٢) بدائع الصنائع ٢ / ٢٧٩.
فَالتَّسْمِيَةُ فَاسِدَةٌ وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ التَّسْمِيَةُ صَحِيحَةٌ وَلَهَا قِيمَةُ خِدْمَةِ سَنَةٍ (١) .
وَقَال الْكَاسَانِيُّ فِي مَعْرِضِ الاِسْتِدْلاَل لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: أَنَّ الْمَنَافِعَ لَيْسَتْ بِأَمْوَالٍ مُتَقَوِّمَةٍ عَلَى أَصْل أَصْحَابِنَا وَلِهَذَا لَمْ تَكُنْ مَضْمُونَةً بِالْغَصْبِ وَالإِْتْلاَفِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لَهَا حُكْمُ التَّقَوُّمِ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ شَرْعًا ضَرُورَةً دَفْعًا لِلْحَاجَةِ بِهَا وَلاَ يُمْكِنُ دَفْعُ الْحَاجَةِ بِهَا هَاهُنَا لأَِنَّ الْحَاجَةَ لاَ تَنْدَفِعُ إِلاَّ بِالتَّسْلِيمِ؛ وَأَنَّهُ مَمْنُوعٌ عَنْهُ شَرْعًا؛ لأَِنَّ اسْتِخْدَامَ الْحُرَّةِ زَوْجَهَا الْحُرَّ حَرَامٌ؛ لِكَوْنِهِ اسْتِهَانَةً وَإِذْلاَلًا وَهَذَا لاَ يَجُوزُ؛ وَلِهَذَا لاَ يَجُوزُ لاِبْنٍ أَنْ يَسْتَأْجِرَ أَبَاهُ لِلْخِدْمَةِ؛ فَلاَ تُسَلَّمُ خِدْمَتُهُ لَهَا شَرْعًا؛ فَلاَ يُمْكِنُ دَفْعُ الْحَاجَةِ بِهَا؛ فَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا التَّقَوُّمُ؛ فَبَقِيَتْ عَلَى الأَْصْل فَصَارَ كَمَا لَوْ سَمَّى مَا لاَ قِيمَةَ لَهُ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَهُنَاكَ لاَ تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْل كَذَا هَاهُنَا (٢) .
_________
(١) الفتاوى الهندية ١ / ٣٠٢، وبدائع الصنائع ٢ / ٢٧٨، وتحفة الفقهاء ٢ / ١٣٧.
(٢) بدائع الصنائع ٢ / ٢٧٨.
وَدَلَّل عَلاَءُ الدِّينِ السَّمَرْقَنْدِيُّ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ مِنْ صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ وَوُجُوبِ قِيمَةِ الْخِدْمَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَقَال: إِنَّ التَّسْمِيَةَ قَدْ صَحَّتْ لَكِنْ تَعَذَّرَ التَّسْلِيمُ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهَا اسْتِخْدَامُهُ بَل عَلَيْهَا خِدْمَةُ الزَّوْجِ فَيَجِبُ قِيمَةُ الْخِدْمَةِ؛ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ عَلَى عَبْدٍ فَاسْتُحِقَّ؛ تَجِبُ قِيمَتُهُ لاَ مَهْرُ الْمِثْل كَهَذَا هَذَا (١) .
وَإِنْ تَزَوَّجَ عَبْدٌ امْرَأَةً بِإِذْنِ مَوْلاَهُ عَلَى خِدْمَتِهِ سَنَةً جَازَ وَلَهَا الْخِدْمَةُ (٢)؛ لأَِنَّ خِدْمَةَ الْعَبْدِ خَالِصُ مِلْكِ الْمَوْلَى فَصَحَّتِ التَّسْمِيَةُ (٣) .
وَجَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا فَلَهَا خِدْمَتُهُ بِالإِْجْمَاعِ (٤) .
، جَعْل الْحُرِّ مَهْرَ زَوْجَتِهِ عَمَلًا لاَ مَهَانَةَ فِيهِ
١٥ - قَال الْكَاسَانِيُّ: لَوْ كَانَ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى فِعْلًا لاَ اسْتِهَانَةَ فِيهِ وَلاَ مَذَلَّةَ عَلَى الرَّجُل كَرَعْيِ دَوَابِّهَا وَزِرَاعَةِ أَرْضِهَا وَالأَْعْمَال الَّتِي خَارِجَ الْبَيْتِ تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْقِيَامِ بِأَمْرِ الزَّوْجَةِ لاَ مِنْ بَابِ الْخِدْمَةِ (٥) .
_________
(١) تحفة الفقهاء ٢ / ١٣٧.
(٢) الهداية وشروحها ٢ / ٤٥٠.
(٣) بدائع الصنائع ٢ / ٢٧٩.
(٤) الفتاوى الهندية ١ / ٣٠٢.
(٥) بدائع الصنائع ٢ / ٢٧٨ - ٢٧٩.
وَمِنْ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ مَنْ جَعَل فِي رَعْيِ غَنَمِهَا رِوَايَتَيْنِ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ قَال يَصِحُّ فِي رَعْيِ الْغَنَمِ بِالإِْجْمَاعِ (١) .
وَجَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يَرْعَى غَنَمَهَا أَوْ يَزْرَعَ أَرْضَهَا؛ فِي رِوَايَةٍ لاَ يَجُوزُ وَفِي رِوَايَةٍ جَازَ؛ وَالأَْوَّل رِوَايَةُ الأَْصْل وَالْجَامِعِ - وَهُوَ الأَْصَحُّ كَمَا فِي النَّهْرِ الْفَائِقِ - وَالصَّوَابُ أَنْ يُسَلِّمَ لَهَا إِجْمَاعًا؛ اسْتِدْلاَلًا بِقِصَّةِ مُوسَى وَشُعَيْبٍ ﵉؛ وَشَرِيعَةُ مَنْ قَبْلَنَا تَلْزَمُنَا إِذَا قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ رَسُولُهُ بِلاَ إِنْكَارٍ (٢) .
جَعْل الْحُرِّ مَهْرَ زَوْجَتِهِ تَعْلِيمَهَا الْقُرْآنَ
١٦ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا تَزَوَّجَ حُرٌّ امْرَأَةً عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ أَوْ عَلَى تَعْلِيمِ الْحَلاَل وَالْحَرَامِ مِنَ الأَْحْكَامِ أَوْ عَلَى الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مِنَ الطَّاعَاتِ لاَ تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ؛ لأَِنَّ الْمُسَمَّى لَيْسَ بِمَالٍ فَلاَ يَصِيرُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مَهْرًا (٣) .
قَال فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَنْ يُعَلِّمَهَا الْقُرْآنَ كَانَ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا (٤) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٢ / ٢٧٨.
(٢) الفتاوى الهندية ١ / ٣ - ٢، وانظر الهداية وشروحها ٢ / ٤٥١.
(٣) بدائع الصنائع ٢ / ٢٧٧، وفتح القدير ٢ / ٤٥٠ - ٤٥١.
(٤) الفتاوى الهندية ١ / ٣٠٢.