الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩ الصفحة 19

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٩

الْكِتَابِ كَالْيَهُودِيِّ يَتَنَصَّرُ أَوِ النَّصْرَانِيِّ يَتَهَوَّدُ لَمْ يُقَرَّ بِالْجِزْيَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِْسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَل مِنْهُ﴾ (١)؛ وَقَدْ أَحْدَثَ دِينًا بَاطِلًا بَعْدَ اعْتِرَافِهِ بِبُطْلاَنِهِ فَلاَ يُقَرُّ عَلَيْهِ.

قَال الْخَطِيبُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: مَحَل عَدَمِ قَبُول غَيْرِ الإِْسْلاَمِ فِيمَا بَعْدَ عَقْدِ الْجِزْيَةِ كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيُّ؛ أَمَّا لَوْ تَهَوَّدَ نَصْرَانِيٌّ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ جَاءَنَا وَقَبِل الْجِزْيَةَ فَإِنَّهُ يُقَرُّ لِمَصْلَحَةِ قَبُولِهَا.

وَمُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ لِلْحَنَابِلَةِ - نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ وَاخْتِيَارُ الْخَلاَّل - أَنَّهُ يُقَرُّ عَلَى الدِّينِ الَّذِي انْتَقَل إِلَيْهِ لأَِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ دِينِ أَهْل الْكِتَابِ؛ وَلِتَسَاوِيهِمَا فِي التَّقْرِيرِ بِالْجِزْيَةِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا خِلاَفُ الْحَقِّ.

وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يُقْبَل مِنْهُ الإِْسْلاَمُ أَوْ دِينُهُ الأَْوَّل لأَِنَّهُ كَانَ مَقَرًّا عَلَيْهِ.

وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ إِذَا انْتَقَل الْكِتَابِيُّ إِلَى غَيْرِ دِينِ أَهْل الْكِتَابِ كَمَا لَوْ تَوَثَّنَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ لَمْ يُقَرَّ بِالْجِزْيَةِ قَطْعًا.

وَفِيمَا يُقْبَل مِنْهُ قَوْلاَنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَظَهْرُهُمَا الإِْسْلاَمُ. وَالثَّانِي: هُوَ أَوْ دِينُهُ الأَْوَّل.

_________

(١) سورة آل عمران / ٨٥.

وَانْفَرَدَ الْمَحَلِّيُّ - فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ - بِإِضَافَةِ قَوْلٍ ثَالِثٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّهُ يُقَرُّ عَلَى مُسَاوِيهِ.

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَهَوَّدَ وَثَنِيٌّ أَوْ تَنَصَّرَ لَمْ يُقَرَّ بِالْجِزْيَةِ وَيَتَعَيَّنُ الإِْسْلاَمُ فِي حَقِّهِ لاِنْتِقَالِهِ عَمَّا لاَ يُقَرُّ عَلَيْهِ إِلَى بَاطِلٍ وَالْبَاطِل لاَ يُفِيدُ الإِْقْرَارَ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا انْتَقَل مَجُوسِيٌّ إِلَى دِينٍ لاَ يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ لَمْ يُقَرَّ كَأَهْل ذَلِكَ الدِّينِ.

وَإِنِ انْتَقَل إِلَى دِينِ أَهْل الْكِتَابِ؛ خُرِّجَ فِيهِ الرِّوَايَتَانِ:

إِحْدَاهُمَا: لاَ يُقَرُّ.

وَالثَّانِيَةُ: يُقَرُّ عَلَيْهِ (١) .

نِكَاحُ الْمُنْتَقِل

اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ نِكَاحِ الْيَهُودِيَّةِ إِذَا تَنَصَّرَتْ وَالنَّصْرَانِيَّةِ إِذَا تَهَوَّدَتْ وَالْمَجُوسِيَّةِ إِذَا تَهَوَّدَتْ أَوْ تَنَصَّرَتْ

وَتَوْضِيحُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

أ - نِكَاحُ الْمُسْلِمِ لِلْمُنْتَقِلَةِ

٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ نِكَاحِ الْمُسْلِمِ لِلْمُنْتَقِلَةِ:

_________

(١) المغني ٦ / ٥٩٣، وكشاف القناع ٥ / ١٢٢، ومغني المحتاج ٣ / ١٨٩، ١٩٠، والمحلي القليوبي ٣ / ١٥٣، ونهاية المحتاج ٦ / ٢٨٨.

فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ نِكَاحُ الْمُنْتَقِلَةِ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ أَوِ النَّصْرَانِيَّةِ دُونَ الْمَجُوسِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ؛ وَلأَِنَّ الْمُنْتَقِلَةَ تُقَرُّ عَلَى مَا انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ (١)؛ وَلِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٢) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ نِكَاحُ الْمُنْتَقِلَةِ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ أَوِ الْعَكْسُ وَإِنْ كَانَتْ مَنْكُوحَةَ مُسْلِمٍ فَإِنَّ تَهَوُّدَهَا أَوْ تَنَصُّرَهَا كَرِدَّةِ مُسْلِمَةٍ تَحْتَهُ فَتُنَجَزُ الْفُرْقَةُ فِي الْحَال وَلاَ مَهْرَ لَهَا لأَِنَّ الْفَسْخَ مِنْ قِبَلِهَا وَذَلِكَ إِذَا كَانَ قَبْل الدُّخُول؛ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُول وَقَفَ نِكَاحُهَا عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَإِنْ أَسْلَمَتْ قَبْل انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَوْ عَادَتْ إِلَى دِينِهَا الأَْوَّل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي قَوْلٍ دَامَ النِّكَاحُ؛ وَإِلاَّ بَانَ حُصُول الْفُرْقَةِ مِنْ وَقْتِ الاِنْتِقَال؛ وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ؛ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى يَنْفَسِخُ فِي الْحَال (٣) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٨٨ - ٣٨٩، وحاشية العدوي على الرسالة ٢ / ٥٦، ومواهب الجليل ٣ / ١٦٦، ومغني المحتاج ٣ / ١٩٠، وروضة الطالبين ٧ / ١٤٠.

(٢) سورة المائدة / ٥.

(٣) روضة الطالبين ٧ / ١٤٠، ومغني المحتاج ٣ / ١٩٠، وكشاف القناع ٥ / ١٢٢، والمغني لابن قدامة ٦ / ٥٩٤.

ب - انْتِقَال أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الذِّمِّيَّيْنِ إِلَى غَيْرِ دِينِ الإِْسْلاَمِ

٥ - إِذَا انْتَقَل أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الذِّمِّيَّيْنِ إِلَى دِينِ كُفْرٍ آخَرَ فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا.

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: النَّصْرَانِيَّةُ إِذَا تَهَوَّدَتْ أَوْ عَكْسُهُ لاَ يُلْتَفَتُ إِلَيْهِمْ لأَِنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ وَكَذَا لَوْ تَمَجَّسَتْ زَوْجَةُ النَّصْرَانِيِّ فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا كَمَا لَوْ كَانَتْ مَجُوسِيَّةً فِي الاِبْتِدَاءِ؛ وَالْمُرَادُ بِالْمَجُوسِيِّ مَنْ لَيْسَ لَهُ كِتَابٌ سَمَاوِيٌّ فَيَشْمَل الْوَثَنِيَّ وَالدَّهْرِيَّ (١) .

وَهَذَا مَا تَقْتَضِيهِ عِبَارَاتُ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ حَيْثُ يُصَرِّحُونَ بِفَسَادِ أَنْكِحَةِ الْكُفَّارِ (٢) .

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْمُنْتَقِلَةَ إِنْ كَانَتْ مَنْكُوحَةَ كَافِرٍ لاَ يَرَى حِل الْمُنْتَقِلَةِ فَهِيَ كَالْمُرْتَدَّةِ فَتُتَنَجَّزُ الْفُرْقَةُ قَبْل الْوَطْءِ وَكَذَا بَعْدَهُ إِنْ لَمْ تَعُدْ إِلَى دِينِهَا قَبْل انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.

أَمَّا إِنْ كَانَ الزَّوْجُ الْكَافِرُ يَرَى نِكَاحَهَا فَتُقَرُّ (٣) .

وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ إِذَا انْتَقَل أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الذِّمِّيَّيْنِ إِلَى دِينٍ لاَ يُقَرُّ عَلَيْهِ كَالْيَهُودِيِّ يَتَنَصَّرُ أَوِ النَّصْرَانِيِّ يَتَهَوَّدُ؛ أَوْ تَمَجَّسَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٨٨ - ٣٨٩.

(٢) الذخيرة ٤ / ٣٢٥، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٦٧.

(٣) تحفة المحتاج وحواشيها ٧ / ٣٢٧.

الْكِتَابِيَّيْنِ فَكَالرَّدَّةِ فَيَنْفَسِخُ النِّكَاحُ قَبْل الدُّخُول وَيَتَوَقَّفُ بَعْدَهُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ؛ لأَِنَّهُ انْتِقَالٌ إِلَى دِينٍ بَاطِلٍ قَدْ أَقَرَّ بِبُطْلاَنِهِ فَلَمْ يُقَرَّ عَلَيْهِ كَالْمُرْتَدِّ (١) .

ج - انْتِقَال أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الذِّمِّيَّيْنِ إِلَى الإِْسْلاَمِ

٦ - لِلْفُقَهَاءِ فِي الآْثَارِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى انْتِقَال أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْكَافِرَيْنِ إِلَى الإِْسْلاَمِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (إِسْلاَمٌ ف ٥) .

ذَبِيحَةُ الْمُنْتَقِل

٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنِ انْتَقِل مِنَ الْكِتَابِيِّينَ إِلَى غَيْرِ دِينِ أَهْل الْكِتَابِ لاَ تُؤْكَل ذَبِيحَتُهُ.

انْظُرْ: (ذَبَائِحُ ف ٢٧) .

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَبِيحَةِ الْكِتَابِيِّ إِذَا انْتَقَل مِنْ دِينِهِ إِلَى دِينِ أَهْل كِتَابٍ آخَرِينَ كَيَهُودِيٍّ تَنَصَّرَ أَوِ الْعَكْسِ.

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى حِل ذَبِيحَتِهِ؛ وَعَلَّل الْحَنَفِيَّةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ يُقَرُّ عَلَى مَا انْتَقَل إِلَيْهِ فَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ عِنْدَ الذَّبْحِ حَتَّى لَوْ تَمَجَّسَ يَهُودِيٌّ لاَ تَحِل ذَبِيحَتُهُ.

_________

(١) كشاف القناع ٥ / ١٢٢.

وَعَلَّل الشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ يُقَرُّ لِتَسَاوِيهِمَا فِي التَّقْرِيرِ بِالْجِزْيَةِ.

وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ تَحِل ذَبِيحَتُهُ. لأَِنَّهُ لاَ يُقَرُّ عَلَى مَا انْتَقَل إِلَيْهِ.

وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ لِحِل ذَبِيحَةِ الْكِتَابِيِّ أَصَالَةً أَوِ انْتِقَالًا شُرُوطًا ثَلاَثَةً وَهِيَ:

أ - أَنْ يَكُونَ الْمَذْبُوحُ مَمْلُوكًا لِلْكِتَابِيِّ.

ب - أَنْ يَكُونَ الْمَذْبُوحُ مِمَّا يَحِل لَهُ بِشَرْعِنَا لاَ إِنْ ذَبَحَ الْيَهُودِيُّ ذَا الظُّفُرِ فَلاَ يَحِل أَكْلُهُ.

ج - أَنْ لاَ يَذْبَحَهُ عَلَى صَنَمٍ (١) .

وَقَال صَاحِبُ الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِنِ انْتَقَل كِتَابِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ إِلَى دِينٍ يُقَرُّ أَهْلُهُ بِكِتَابٍ وَجِزْيَةٍ وَأُقِرَّ عَلَيْهِ حَلَّتْ ذَكَاتُهُ وَإِلاَّ فَلاَ (٢) .

وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَإِنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ لِحِل الذَّبْحِ أَنْ يَكُونَ الذَّابِحُ مِمَّنْ يَحِل نِكَاحُنَا لأَِهْل مِلَّتِهِ؛ فَلاَ تَحِل عِنْدَهُمْ ذَبِيحَةُ الْكِتَابِيِّ إِذَا انْتَقَل مِنْ دِينٍ إِلَى دِينِ أَهْل كِتَابٍ آخَرِينَ (٣)؛ وَسَبَقَ أَنْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ نِكَاحُ الْمُسْلِمِ لِلْمُنْتَقِلَةِ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ أَوِ الْعَكْسُ.

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ١٩٠، وحاشية الدسوقي ٢ / ١٠٠ - ١٠١، وروضة الطالبين ٧ / ١٤٠.

(٢) الإنصاف ١٠ / ٣٨٨.

(٣) تحفة المحتاج ٩ / ٣١٤، وشرح المحلي ٤ / ٢٤٠، ومغني المحتاج ٤ / ٢٦٦.

عُقُوبَةُ الْمُنْتَقِل

٨ - عَلَى ضَوْءِ مَا أَوْضَحْنَاهُ مِنَ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي الدِّينِ الَّذِي يُقَرُّ عَلَيْهِ الْمُنْتَقِل فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي إِيقَاعِ الْعُقُوبَةِ عَلَيْهِ إِلَى رَأْيَيْنِ:

الرَّأْيُ الأَْوَّل: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الْقَوْل الْمُقَابِل لِلأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّ الْمُنْتَقِل تُقْبَل مِنْهُ الْجِزْيَةُ وَيَظَل ذِمِّيًّا وَلاَ عُقُوبَةَ عَلَيْهِ لأَِنَّ أَهْل الْكُفْرِ كُلُّهُمْ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ (١) .

الرَّأْيُ الثَّانِي: يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا إِذَا انْتَقَل إِلَى دِينٍ يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ؛ أَوِ انْتَقَل إِلَى دِينٍ لاَ يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ وَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ؛ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي رِوَايَةٍ حَكَاهَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ؛ فَإِنِ انْتَقَل إِلَى دِينٍ يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ تُقْبَل مِنْهُ الْجِزْيَةُ.

أَمَّا إِذَا انْتَقَل إِلَى دِينٍ لاَ يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ كَمَا لَوِ انْتَقَل مِنَ الْيَهُودِيَّةِ أَوِ النَّصْرَانِيَّةِ إِلَى الْمَجُوسِيَّةِ أَوِ الْوَثَنِيَّةِ أَوِ انْتَقَل مِنَ

_________

(١) تبيين الحقائق ٣ / ٢٧٧، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٢٨٥، ومواهب الجليل ٣ / ٣٨٠ - ٣٨١، والدسوقي ٤ / ٣٠٨، ومغني المحتاج ٣ / ١٨٩ - ١٩٠، والمغني ٦ / ٥٩٣ - ٥٩٤.

الْيَهُودِيَّةِ إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ أَوْ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ فَهُوَ كَمُسْلِمٍ ارْتَدَّ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الإِْسْلاَمُ فَقَطْ؛ أَوْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الإِْسْلاَمُ أَوِ الرُّجُوعُ إِلَى دِينِهِ الأَْوَّل عِنْدَ بَعْضِهِمْ؛ أَوْ إِلَى دِينٍ مُسَاوٍ لِدِينِهِ الأَْوَّل عِنْدَ الْبَعْضِ الآْخَرِ؛ فَإِنْ أَبَى فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عَلَى أَنَّهُ يُقْتَل فِي الْحَال كَالْمُرْتَدِّ الْمُسْلِمِ؛ وَالثَّانِي وَهُوَ الأَْصَحُّ أَنَّهُ يَلْحَقُ بِمَأْمَنِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَأْمَنٌ كَمَنْ نَبَذَ الْعَهْدَ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ هُوَ حَرْبِيٌّ إِنْ ظَفِرْنَا بِهِ قَتَلْنَاهُ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَمَانٌ قَتَلْنَاهُ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى تَرْكِ مَا انْتَقَل إِلَيْهِ؛ وَفِي صِفَةِ إِجْبَارِهِ عِنْدَهُمْ رِوَايَتَانِ:

إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يُقْتَل إِنْ لَمْ يَرْجِعْ رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ: مَنْ بَدَّل دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ (١)؛ وَلأَِنَّهُ ذِمِّيٌّ نَقَضَ الْعَهْدَ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَقَضَهُ بِتَرْكِ الْتِزَامِ الذِّمَّةِ وَهَل يُسْتَتَابُ؟ يَحْتَمِل وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: يُسْتَتَابُ؛ لأَِنَّهُ يُسْتَرْجَعُ عَنْ دِينٍ بَاطِلٍ انْتَقَل إِلَيْهِ فَيُسْتَتَابُ كَالْمُرْتَدِّ.

_________

(١) حديث: " من بدل دينه فاقتلوه ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ٢٦٧ ط السلفية) من حديث ابن عباس.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لاَ يُسْتَتَابُ؛ لأَِنَّهُ كَافِرٌ أَصْلِيٌّ أُبِيحَ قَتْلُهُ فَأَشْبَهَ الْحَرْبِيَّ؛ فَعَلَى هَذَا إِنْ بَادَرَ وَأَسْلَمَ أَوْ رَجَعَ إِلَى مَا يُقَرُّ عَلَيْهِ عَصَمَ دَمَهُ وَإِلاَّ قُتِل.

وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: عَنْ أَحْمَدَ قَال: إِذَا دَخَل الْيَهُودِيُّ فِي النَّصْرَانِيَّةِ رَدَدْتُهُ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ وَلَمْ أَدَعْهُ فِيمَا انْتَقَل إِلَيْهِ فَقِيل لَهُ: أَتَقْتُلُهُ؟ قَال: لاَ وَلَكِنْ يُضْرَبُ وَيُحْبَسُ؛ قَال: وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا فَدَخَل فِي الْمَجُوسِيَّةِ كَانَ أَغْلَظَ؛ لأَِنَّهُ لاَ تُؤْكَل ذَبِيحَتُهُ؛ وَلاَ تُنْكَحُ لَهُ امْرَأَةٌ وَلاَ يُتْرَكُ حَتَّى يُرَدَّ إِلَيْهَا فَقِيل لَهُ: تَقْتُلُهُ إِذَا لَمْ يَرْجِعْ؟ قَال: إِنَّهُ لأَهْل ذَلِكَ؛ قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الْكِتَابِيَّ الْمُنْتَقِل إِلَى دِينٍ آخَرَ مِنْ دِينِ أَهْل الْكِتَابِ لاَ يُقْتَل بَل يُكْرَهُ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ (١) .

إِرْثُ الْمُنْتَقِل

٩ - إِنَّ الْفُقَهَاءَ الَّذِينَ يُجِيزُونَ لِلذِّمِّيِّ أَنْ يَنْتَقِل مِنْ دِينِهِ إِلَى دِينِ كُفْرٍ آخَرَ؛ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي إِرْثِ الْمُنْتَقِل فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٨٨، ٣٩٦، وعقد الجواهر الثمينة ٢ / ٥٣ - ٥٤، ومغني المحتاج ٣ / ١٨٩ - ١٩٠، وتحفة المحتاج مع حواشيه ٧ / ٣٢٦ - ٣٢٧، وروضة الطالبين ٧ / ١٤٠ - ١٤١، والمغني لابن قدامة ٦ / ٥٩٣ - ٥٩٤.

وَاحِدَةٌ؛ وَحِينَئِذٍ فَيَرِثُ بَعْضُهُمُ الْبَعْضَ مُطْلَقًا.

وَيَرَى الْبَعْضُ أَنَّ الْكُفْرَ ثَلاَثَ مِلَلٍ: الْيَهُودِيَّةُ؛ وَالنَّصْرَانِيَّةُ؛ وَدِينُ سَائِرِهِمْ؛ وَهُوَ رَأْيُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ وَحِينَئِذٍ يَرَوْنَ أَنَّ أَهْل كُل مِلَّةٍ يَتَوَارَثُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ.

وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ الَّذِينَ لاَ يَرَوْنَ جَوَازَ الاِنْتِقَال مِنْ دِينِ كُفْرٍ إِلَى آخَرَ وَلاَ يُقْبَل مِنَ الْمُنْتَقِل إِلاَّ الإِْسْلاَمُ؛ وَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ فَإِنَّهُمْ لاَ يُجِيزُونَ أَنْ يَرِثَ الْمُنْتَقِل أَحَدًا أَوْ يَرِثُهُ آخَرُ (١) .

وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُنْتَقِل مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ آخَرَ كَيَهُودِيٍّ تَنَصَّرَ أَوْ نَصْرَانِيٍّ تَهَوَّدَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ لاَ يَرِثُ أَحَدًا وَلاَ يَرِثُهُ أَحَدٌ بِمَعْنَى لاَ يَرِثُهُ أَهْل الدِّينِ الَّذِي انْتَقَل عَنْهُ وَلاَ يَرِثُهُمْ؛ وَلاَ يَرِثُهُ أَهْل الدِّينِ الَّذِي انْتَقَل إِلَيْهِ وَلاَ يَرِثُهُمْ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُقَرُّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَالْمُسْلِمِ إِذَا ارْتَدَّ؛ وَمَال الْمُنْتَقِل يَكُونُ فَيْئًا لِبَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ إِذَا مَاتَ كَمَا هُوَ شَأْنُ مَال الْمُرْتَدِّ إِذَا مَاتَ (٢) .

_________

(١) الفتاوى الهندية ٦ / ٢٧٧، وشرح الزرقاني ٨ / ٢٢٨، والتهذيب في علم الفرائض ٢٣٨ - ٢٣٩، ومغني المحتاج ٣ / ٢٥.

(٢) مغني المحتاج ٣ / ٢٥، والقليوبي وعميرة ٣ / ١٤٨، وتحفة المحتاج مع حاشية الشرواني ٦ / ٤١٦، وحاشية الشرواني والعبادي ٧ / ٣٢٦، ٣٢٧.