الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٨
يُفْرَضُ لَهَا فَقَضَى رَسُول اللَّهِ بِمَهْرِ نِسَائِهَا وَالْمِيرَاثِ. (١)
وَالرَّاجِحُ تَرْجِيحُ الْوُجُوبِ وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ. وَلاَ اعْتِبَارَ بِمَا قِيل فِي إِسْنَادِهِ وَقِيَاسًا عَلَى الدُّخُول فَإِنَّ الْمَوْتَ مُقَرَّرٌ كَالدُّخُول، وَلاَ وَجْهَ لِلْقَوْل الآْخَرِ مَعَ صِحَّةِ الْحَدِيثِ. (٢)
مَتَى تَسْتَحِقُّ الْمُفَوِّضَةُ مَهْرَ الْمِثْل؟
٧ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ لِلْمُفَوِّضَةِ قَبْل الدُّخُول مُطَالَبَةَ الزَّوْجِ بِأَنْ يَفْرِضَ لَهَا مَهْرًا لِتَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا، لأَِنَّ النِّكَاحَ لاَ يَخْلُو مِنَ الْمَهْرِ، فَلَهَا حَقُّ الْمُطَالَبَةِ بِبَيَانِ قَدْرِهِ. (٣)
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلاَ نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا، فَإِنِ اتَّفَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى فَرْضِهِ جَازَ مَا فَرَضَاهُ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا سَوَاءٌ كَانَا عَالِمَيْنِ بِقَدْرِ مَهْرِ الْمِثْل أَوْ غَيْرَ عَالِمَيْنِ بِهِ؛ لأَِنَّهُ إِذَا فَرَضَ لَهَا كَثِيرًا فَقَدْ بَذَل لَهَا مِنْ مَالِهِ فَوْقَ مَا يَلْزَمُهُ، وَإِنْ
_________
(١) حديث: أن رسول الله ﷺ " قضى لبروع بنت واشق بمهر نسائها. . ". أخرجه الترمذي (٣ / ٤٥٠) من حديث ابن مسعود، وقال حديث حسن صحيح.
(٢) القوانين الفقهية ص ٢٠٧، وروضة الطالبين ٧ / ٢٨١ - ٢٨٢، وانظر الحاوي الكبير ١٢ / ٩٨، تفسير القرطبي ٣ / ١٩٨.
(٣) حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٣٥، ومغني المحتاج ٣ / ٢٣٠، وروضة الطالبين ٧ / ٢٨٢، المغني لابن قدامة ٦ / ٧١٨.
رَضِيَتْ بِالْيَسِيرِ، فَقَدْ رَضِيَتْ بِدُونِ مَا يَجِبُ لَهَا فَلاَ تُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَال: " قَال رَسُول اللَّهِ لِرَجُلٍ أَتَرْضَى أَنْ أُزَوِّجَكَ فُلاَنَةَ؟ قَال: نَعَمْ، وَقَال لِلْمَرْأَةِ: أَتَرْضَيْنَ أَنْ أُزَوِّجَكِ فُلاَنًا؟ قَالَتْ: نَعَمْ فَزَوَّجَ أَحَدَهُمَا صَاحِبَهُ فَدَخَل بِهَا الرَّجُل وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا وَلَمْ يُعْطِهَا شَيْئًا، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ، وَكَانَ مَنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ لَهُ سَهْمٌ بِخَيْبَرَ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَال: إِنَّ رَسُول اللَّهِ زَوَّجَنِي فُلاَنَةَ وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ أُعْطِهَا شَيْئًا وَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَعْطَيْتُهَا مِنْ صَدَاقِهَا سَهْمِي بِخَيْبَرَ، فَأَخَذَتْ سَهْمًا فَبَاعَتْهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ. (١)
فَأَمَّا إِنْ تَشَاحَّا فِيهِ فَفَرَضَ لَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ فَلَيْسَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِسِوَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَرْضَ بِهِ لَمْ يَسْتَقِرَّ لَهَا حَتَّى تَرْضَاهُ، فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْل الدُّخُول فَلَيْسَ لَهَا إِلاَّ الْمُتْعَةُ، لأَِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا بِفَرْضِهِ مَا لَمْ تَرْضَ بِهِ كَحَالَةِ الاِبْتِدَاءِ، وَإِنْ فَرَضَ لَهَا أَقَل مِنْ مَهْرِ الْمِثْل فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِتَمَامِهِ وَلاَ يَثْبُتُ لَهَا مَا لَمْ تَرْضَ بِهِ، وَإِنْ تَشَاحَّا رُفِعَا إِلَى الْقَاضِي، وَفُرِضَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْل كَمَا سَبَقَ. (٢)
_________
(١) حديث عقبة بن عامر: " قال رسول الله ﷺ: أترضى أن أزوجك فلانة. . ". أخرجه أبو داود (٢ / ٥٩٠ - ٥٩١)، والحاكم (٢ / ١٨٢) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٢) المغني لابن قدامة ٦ / ٧١٨، وروضة الطالبين ٧ / ٢٨٣.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: إِنَّ لِلْمُفَوِّضَةِ طَلَبَ تَقْدِيرِ قَدْرِ الْمَهْرِ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ قَبْل الْبِنَاءِ وَيُكْرَهُ لَهَا تَمْكِينُهُ مِنْ نَفْسِهَا قَبْل الْبِنَاءِ إِلاَّ أَنَّهُ يَلْزَمُهَا الرِّضَا بِمَا فَرَضَ لَهَا الزَّوْجُ إِنْ فَرَضَ لَهَا مَهْرَ الْمِثْل أَوْ أَكْثَرَ، أَمَّا إِنْ فَرَضَ لَهَا بِأَقَل مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا فَلاَ يَلْزَمُهَا الرِّضَا بِهِ، فَإِنْ رَضِيَتْ بِهِ جَازَ إِذَا كَانَتْ رَشِيدَةً رَشَّدَهَا مُجْبِرُهَا بَعْدَ بُلُوغِهَا وَتَجْرِبَتِهَا بِحُسْنِ تَصَرُّفِهَا فِي الْمَال بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ عَلَى رَفْعِ حَجْرِهِ عَنْهَا وَإِطْلاَقِ التَّصَرُّفِ لَهَا وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الدُّخُول، كَمَا يَجُوزُ لِلأَْبِ أَنْ يَرْضَى بِأَقَل مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الرَّشِيدَةِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الدُّخُول أَيْضًا، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لِوَصِيِّ الأَْبِ أَنْ يَرْضَى بِأَقَل مِنْ مَهْرِ مِثْل مَحْجُورَتِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْل الدُّخُول، وَبِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ هَذَا صَلاَحًا لَهَا كَأَنْ كَانَ رَاجِيًا حُسْنَ عِشْرَةِ زَوْجِهَا لَهَا، وَلاَ يَجُوزُ لِوَلِيِّ الْبِكْرِ الْمُهْمَلَةِ الَّتِي مَاتَ أَبُوهَا وَلَمْ يُوصِ عَلَيْهَا وَلَمْ يُقَدِّمِ الْقَاضِي عَلَيْهَا مُقَدَّمًا يُتَصَرَّفُ لَهَا الرِّضَا بِأَقَل مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا.
وَقَالُوا إِذَا لَمْ يَرْضَ الزَّوْجُ بِمَا فَرَضَ لَهَا فَلَهُ تَطْلِيقُهَا وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ ذَلِكَ. (١)
_________
(١) جواهر الإكليل ١ / ٣١٤ - ٣١٥، والقوانين الفقهية ص ٢٠٧.
وَلِلْمُفَوِّضَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ حَبْسُ نَفْسِهَا عَنِ الزَّوْجِ لِيَفْرِضَ لَهَا مَهْرًا وَلَهَا كَذَلِكَ حَبْسُ نَفْسِهَا عَنْهُ لِتَسْلِيمِ الْمَفْرُوضِ إِذَا كَانَ حَالًّا كَالْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْمَفْرُوضُ مُؤَجَّلًا فَلَيْسَ لَهَا حَبْسُ نَفْسِهَا عَنْهُ لِتَسْلِيمِهِ كَالْمَهْرِ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ إِذَا كَانَ مُؤَجَّلًا أَيْضًا.
وَفِي مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا حَبْسُ نَفْسِهَا عَنْ زَوْجِهَا لِتَسْلِيمِ الْمَفْرُوضِ لأَِنَّهَا سَامَحَتْ بِالْمَهْرِ فَكَيْفَ تُضَايَقُ فِي تَقْدِيمِهِ. (١)
٨ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَقْتِ اسْتِحْقَاقِ الْمُفَوِّضَةِ لِلْمَهْرِ فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْمُفَوِّضَةَ يَجِبُ لَهَا الْمَهْرُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، (٢) وَلِذَلِكَ يَحِقُّ لَهَا وِلاَيَةُ الْمُطَالَبَةِ بِفَرْضِهِ، وَوِلاَيَةُ الْمُطَالَبَةِ بِتَسْلِيمِ الْمَفْرُوضِ، وَلأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ بِنَفْسِ الْعَقْدِ لِمَا اسْتَقَرَّ بِالْمَوْتِ كَمَا فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ، وَلأَِنَّ النِّكَاحِ لاَ يَجُوزُ أَنْ
_________
(١) بدائع الصنائع ٢ / ٢٧٤، وجواهر الإكليل ١ / ٣١٤، وروضة الطالبين ٧ / ٢٨٢ - ٢٨٣، ومغني المحتاج ٣ / ٢٣٠، والمغني لابن قدامة ٦ / ٧١٨، كشاف القناع ٥ / ١٥٦، وما بعدها.
(٢) بدائع الصنائع ٢ / ٢٧٤ - ٢٧٥، المغني لابن قدامة ٦ / ٧١٩ - ٧٢٠، ومغني المحتاج ٣ / ٢٢٩، وكشاف القناع ٥ / ١٥٦، وروضة الطالبين ٧ / ٢٨١ وما بعدها.
يَخْلُوَ عَنِ الْمَهْرِ وَالْقَوْل بِعَدِمِ وُجُوبِهِ يُفْضِي إِلَى خُلُوِّهِ عَنْهُ، وَلأَِنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ لَمْ يُشْرَعْ لِعَيْنِهِ، بَل لِمَقَاصِدَ لاَ حُصُول لَهَا إِلاَّ بِالدَّوَامِ عَلَى النِّكَاحِ وَالْقَرَارِ عَلَيْهِ، وَلاَ يَدُومُ إِلاَّ بِوُجُوبِ الْمَهْرِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، لِمَا يَجْرِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الأَْسْبَابِ الَّتِي تَحْمِل الزَّوْجَ عَلَى الطَّلاَقِ مِنَ الْوَحْشَةِ وَالْخُشُونَةِ فَلَوْ لَمْ يَجِبِ الْمَهْرُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ لاَ يُبَالِي الزَّوْجُ عَنْ إِزَالَةِ هَذَا الْمَذْهَبِ بِأَدْنَى خُشُونَةٍ تَحْدُثُ بَيْنَهُمَا، لأَِنَّهُ لاَ يَشُقُّ عَلَيْهِ إِزَالَتُهُ لَمَّا لَمْ يَخَفْ لُزُومَ الْمَهْرِ، فَلاَ تَحْصُل الْمَقَاصِدُ الْمَطْلُوبَةُ مِنَ النِّكَاحِ، وَلأَِنَّ مَصَالِحَ النِّكَاحِ وَمَقَاصِدَهُ لاَ تَحْصُل إِلاَّ بِالْمُوَافَقَةِ، وَلاَ تَحْصُل الْمُوَافَقَةُ إِلاَّ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ عَزِيزَةً مُكَرَّمَةً عِنْدَ الزَّوْجِ وَلاَ عِزَّةَ إِلاَّ بِانْسِدَادِ طَرِيقِ الْوُصُول إِلَيْهَا بِمَالٍ لَهُ خَطَرٌ عِنْدَهُ، لأَِنَّ مَا ضَاقَ طَرِيقُ إِصَابَتِهِ يَعِزُّ فِي الأَْعْيُنِ فَيَعِزُّ بِهِ إِمْسَاكُهُ وَمَا يَتَيَسَّرُ طَرِيقُ إِصَابَتِهِ يَهُونُ فِي الأَْعْيُنِ فَيَهُونُ إِمْسَاكُهُ، وَمَتَى هَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي أَعْيُنِ الزَّوْجِ تَلْحَقُهَا الْوَحْشَةُ فَلاَ تَقَعُ الْمُوَافَقَةُ، فَلاَ تَحْصُل مَقَاصِدُ النِّكَاحِ، وَلأَِنَّ الْمِلْكَ ثَابِتٌ فِي جَانِبِهَا إِمَّا فِي نَفْسِهَا، وَإِمَّا فِي الْمُتْعَةِ، وَأَحْكَامُ الْمِلْكِ فِي الْحُرَّةِ تُشْعِرُ بِالذُّل وَالْهَوَانِ، فَلاَ بُدَّ وَأَنْ يُقَابِلَهُ مَالٌ لَهُ خَطَرٌ، لِيَنْجَبِرَ الذُّل مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَلأَِنَّهَا
إِذَا طَلَبَتِ الْفَرْضَ مِنَ الزَّوْجِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْفَرْضُ حَتَّى لَوِ امْتَنَعَ فَالْقَاضِي يُجْبِرُهُ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَفْعَل نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فِي الْفَرْضِ. (١)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ لِلزَّوْجَةِ الْمُفَوِّضَةِ مَهْرٌ عَلَى زَوْجِهَا بِنَفْسِ الْعَقْدِ لأَِنَّ الْقُرْآنَ دَل عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ لَهَا إِذَا طُلِّقَتْ قَبْل الْمَسِيسِ إِلاَّ الْمُتْعَةُ، وَلأَِنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَهَا مَهْرٌ بِنَفْسِ الْعَقْدِ لَتَشَطَّرَ بِالطَّلاَقِ قَبْل الدُّخُول كَالْمُسَمَّى الصَّحِيحِ.
قَال الْمَاوَرْدِيُّ: لَمْ يَجِبْ لِلْمُفَوِّضَةِ بِالْعَقْدِ مَهْرٌ، لاِشْتِرَاطِهِ سُقُوطَهُ، وَلاَ لَهَا أَنْ تُطَالِبَ بِمَهْرٍ، لأَِنَّهُ لَمْ يَجِبْ لَهَا بِالْعَقْدِ مَهْرٌ وَلَكِنْ لَهَا أَنْ تُطَالِبَ بِأَنْ يَفْرِضَ لَهَا مَهْرًا إِمَّا بِمُرَاضَاةِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ فَيَصِيرُ الْمَهْرُ بَعْدَ الْفَرْضِ كَالْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ، (٢) وَيُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ مِثْل مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ حَيْثُ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلزَّوْجِ إِذَا فَرَضَ الْمُحَكِّمُ لَهَا مَهْرَ الْمِثْل وَلَمْ يَرْضَ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، (٣) مِمَّا يَدُل عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ لَهَا مَهْرٌ بِنَفْسِ الْعَقْدِ.
_________
(١) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ٢ / ٢٧٤ - ٢٧٥.
(٢) الحاوي الكبير ١٢ / ٩٨، ومغني المحتاج ٣ / ٢٢٩ - ٢٣٠، وروضة الطالبين ٧ / ٢٨١.
(٣) جواهر الإكليل ١ / ٣١٤.
تَنْصِيفُ مَهْرِ الْمُفَوِّضَةِ إِذَا طَلُقَتْ قَبْل الدُّخُول
٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي انْتِصَافِ مَا فُرِضَ لِلْمُفَوِّضَةِ إِذَا طَلُقَتْ قَبْل الدُّخُول وَذَلِكَ بَعْدَ مَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا طَلَّقَهَا قَبْل الدُّخُول وَقَبْل الْفَرْضِ فَلاَ يَجِبُ لَهَا شَيْءٌ مِنَ الْمَهْرِ، لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْل أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ . (١)
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يَتَنَصَّفُ مَا فُرِضَ لِلْمُفَوِّضَةِ إِذَا طَلَّقَهَا قَبْل الدُّخُول كَالْمَهْرِ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ الْفُرْقَةِ مِنَ الزَّوْجِ لاَ مِنَ الزَّوْجَةِ وَبِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمَفْرُوضُ صَحِيحًا، سَوَاءٌ كَانَ النُّهُوضُ مِنَ الزَّوْجَيْنِ أَوْ مِنَ الْحَاكِمِ (٢) لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْل أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ الآْيَةَ، وَلأَِنَّ هَذَا مَهْرٌ وَجَبَ قَبْل الطَّلاَقِ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَنَصَّفَ كَمَا لَوْ سَمَّاهُ. (٣)
_________
(١) سورة البقرة / ٢٣٧.
(٢) بدائع الصنائع ٢ / ٢٧٤، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٣٣٤ - ٣٣٨، وجواهر الإكليل ١ / ٣١٤ - ٣١٥، ومغني المحتاج ٣ / ٢٣١، وروضة الطالبين ٧ / ٢٨٢، وكشاف القناع ٥ / ١٥٦ - ١٥٨، والمغني لابن قدامة ٦ / ٧١٦ وما بعدها.
(٣) المغني لابن قدامة ٦ / ٧١٦.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُنَصَّفُ الْمَهْرُ الْمَفْرُوضُ لِلْمُفَوِّضَةِ إِذَا طَلُقَتْ قَبْل الدُّخُول لأَِنَّ عَقْدَهَا خَلاَ مِنْ تَسْمِيَةٍ فَأَشْبَهَتِ الَّتِي لَمْ يُسَمَّ لَهَا شَيْءٌ، وَلأَِنَّ التَّنْصِيفَ خَاصٌّ بِالْمَهْرِ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ بِالنَّصِّ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْل أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ الآْيَةَ، وَلأَِنَّ هَذَا الْمَفْرُوضَ تَعْيِينٌ لِلْوَاجِبِ بِالْعَقْدِ وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْل وَذَلِكَ لاَ يَتَنَصَّفُ فَكَذَا مَا نُزِّل مَنْزِلَتَهُ. (١)
وُجُوبُ الْمُتْعَةِ لِلْمُفَوِّضَةِ إِذَا طَلُقَتْ قَبْل الدُّخُول
١٠ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا طَلُقَتِ الْمُفَوِّضَةُ قَبْل الدُّخُول بِهَا وَقَبْل أَنْ يُفْرَضَ لَهَا مَهْرٌ فَلاَ تَسْتَحِقُّ عَلَى زَوْجِهَا شَيْئًا إِلاَّ الْمُتْعَةَ، وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْمُتْعَةِ لَهَا إِذَا كَانَتِ الْفُرْقَةُ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ لاَ مِنْ جِهَتِهَا.
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْجَدِيدِ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى وُجُوبِ الْمُتْعَةِ لَهَا إِذَا طَلُقَتْ قَبْل الدُّخُول وَقَبْل أَنْ يُفْرَضَ لَهَا
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٣٦ - ٣٣٨، والمغني لابن قدامة ٦ / ٧١٤، وما بعدها.
شَيْءٌ وَذَلِكَ إِذَا كَانَتِ الْفُرْقَةُ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ كَأَنْ يُطَلِّقَ أَوْ يُلاَعِنَ، أَوْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ مِنْ قِبَلِهَا بِسَبَبِ الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ وَالرِّدَّةِ مِنْهُ وَإِبَائِهِ الإِْسْلاَمَ وَتَقْبِيلِهِ ابْنَتَهَا، أَوْ أُمَّهَا عِنْدَ مَنْ يَرَى ذَلِكَ.
أَمَّا إِذَا كَانَ السَّبَبُ مِنْ جِهَتِهَا فَلاَ مُتْعَةَ لَهَا عِنْدَهُمْ لاَ وُجُوبًا وَلاَ اسْتِحْبَابًا. (١)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَدِيمِ إِلَى أَنَّ الْمُتْعَةَ لَيْسَتْ وَاجِبَةً لِلْمُفَوِّضَةِ. (٢)
وَسَبَبُ الْخِلاَفِ يَعُودُ إِلَى اخْتِلاَفِهِمْ فِي تَفْسِيرِ بَعْضِ الأَْلْفَاظِ الْوَارِدَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ . (٣)
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تَفْوِيضٌ ف ٨، مُتْعَةُ الطَّلاَقِ ف ٢) .
مَا يُرَاعَى عِنْدَمَا يُفْرَضُ لِلْمُفَوِّضَةِ مَهْرٌ
١١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَيِّ حَالٍ مِنْ أَحْوَال الْمُفَوِّضَةِ يُعْتَبَرُ عِنْدَ فَرْضِ مَهْرِ الْمِثْل لَهَا، هَل فِي حَالِهَا عِنْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ، لأَِنَّهُ الْمُقْتَضِي لِلْوُجُوبِ، أَوْ فِي حَالِهَا عِنْدَ الْوَطْءِ، لأَِنَّهُ وَقْتُ
_________
(١) رد المحتار على الدر المختار ٢ / ٣٣٥ - ٣٣٦، مغني المحتاج ٣ / ٢٣١، ٢٤١، المغني لابن قدامة ٦ / ٧١٤ وما بعدها، وكشاف القناع ٥ / ١٥٧ - ١٥٨.
(٢) تفسير القرطبي ٣ / ٢٠٠، ومغني المحتاج ٣ / ٢٤١.
(٣) سورة البقرة / ٢٣٦.
الْوُجُوبِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، أَمْ يُعْتَبَرُ حَالُهَا مِنَ الْعَقْدِ إِلَى الْوَطْءِ، لأَِنَّ الْبُضْعَ دَخَل بِالْعَقْدِ فِي ضَمَانِ الزَّوْجِ وَاقْتَرَنَ بِهِ الإِْتْلاَفُ فَوَجَبَ أَكْثَرُ مَهْرِ مِثْلِهَا مِنْ وَقْتِ عَقْدِهَا إِلَى أَنْ يَطَأَهَا زَوْجُهَا كَالْمَقْبُوضِ بِشِرَاءٍ فَاسِدٍ. (١)
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (مَهْرٌ) .
_________
(١) مغني المحتاج ٣ / ٢٣٠، وكشاف القناع ٥ / ١٥٧.