الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٨ الصفحة 55

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٨

قَوْلاَنِ. (١)

وَلَيْسَ لِمَنْ كَانَ وَكِيلًا بِعَمَارَةِ دَارِ الْمَفْقُودِ أَنْ يُعَمِّرَهَا إِلاَّ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ، فَلَعَلَّهُ مَاتَ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ التَّصَرُّفُ لِلْوَرَثَةِ (٢) ".

ب - الْوَكِيل الَّذِي يُعَيِّنُهُ الْقَاضِي:

١٨ - إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَفْقُودِ وَكِيلٌ فَإِنَّ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُنَصِّبَ لَهُ وَكِيلًا.

وَهَذَا الْوَكِيل يَتَوَلَّى جَمْعَ مَال الْمَفْقُودِ وَحِفْظِهِ وَقَبْضِ كُل حُقُوقِهِ مِنْ دُيُونٍ ثَابِتَةٍ وَأَعْيَانٍ وَغَلاَّتٍ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ إِلاَّ بِإِذْنِ الْقَاضِي فِي الْحُقُوقِ الَّتِي لِلْمَفْقُودِ، وَفِي الْحُقُوقِ الَّتِي عَلَيْهِ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَوَافَقَهُمُ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْجُمْلَةِ (٣) .

وَلاَ تُسْمَعُ الدَّعْوَى بِحَقٍّ عَلَى الْمَفْقُودِ، وَلاَ تُقْبَل الْبَيِّنَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّ الْقَاضِيَ إِنْ قَبِل ذَلِكَ، وَحَكَمَ بِهِ، نَفَذَ حُكْمُهُ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى قَبُول الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمَفْقُودِ.

وَلَوْ طَلَبَ وَرَثَةُ الْمَفْقُودِ مِنَ الْحَاكِمِ نَصْبَ وَكِيلٍ عَنْهُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَجِيبَ لِذَلِكَ. (٤)

_________

(١) كشاف القناع ٤ / ٥١٩، والفروع ٥ / ٣٨.

(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ٢٩٣.

(٣) البحر الرائق ٥ / ١٧٦، وتبيين الحقائق ٣ / ٣١٠، ٣١١، والتاج والإكليل ٤ / ١٦٠، ومواهب الجليل ٤ / ١٥٦.

(٤) المدونة ٢ / ٤٥٦، والمبسوط ١١ / ٤١، ٤٢، والفتاوى الهندية ٢ / ٣٠١.

انْتِهَاءُ الْفِقْدَانِ: يَنْتَهِي الْفِقْدَانُ بِإِحْدَى الْحَالاَتِ الآْتِيَةِ:

الْحَالَةُ الأُْولَى: عَوْدَةُ الْمَفْقُودِ

١٩ - إِذَا ظَهَرَ أَنَّ الْمَفْقُودَ حَيٌّ، وَعَادَ إِلَى وَطَنِهِ، فَقَدِ انْتَهَى الْفِقْدَانُ، لأَِنَّ الْمَفْقُودَ مَجْهُول الْحَيَاةِ أَوِ الْمَوْتِ، وَبِظُهُورِهِ انْتَفَتْ تِلْكَ الْجَهَالَةُ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ.

(ر: ف ٢٥ - ٢٦) .

الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: مَوْتُ الْمَفْقُودِ:

٢٠ - إِذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ الْمَفْقُودَ قَدْ مَاتَ فَقَدِ انْتَهَتْ حَالَةُ الْفِقْدَانِ، لِزَوَال الْجَهَالَةِ الَّتِي كَانَتْ تُحِيطُ حَيَاتَهُ أَوْ مَوْتَهُ، وَعَلَى ذَلِكَ اتِّفَاقُ الْفُقَهَاءِ. (١)

وَلاَ بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ مَوْتِهِ أَمَامَ الْقَاضِي، غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ لَمْ يَشْتَرِطُوا صُدُورَ حُكْمٍ بِذَلِكَ. (٢)

وَيُمْكِنُ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَدَّعُوا مَوْتَ الْمَفْقُودِ، وَيُقَدِّمُوا الْبَيِّنَةَ لإِثْبَاتِ ذَلِكَ، وَيَخْتَارُ الْقَاضِي وَكِيلًا عَنِ الْمَفْقُودِ يُخَاصِمُ الْوَرَثَةَ، فَإِذَا أَثَبَتَتِ الْبَيِّنَةُ مَوْتَهُ، قَضَى الْقَاضِي بِذَلِكَ. (٣)

_________

(١) شرح السراجية ص ٢٢١، والمدونة ٢ / ٤٥٢، والوجيز ١ / ٢٦٧، والمغني ٦ / ٣٦٦.

(٢) حاشية البجيرمي ٣ / ٢٦٠، وحاشية القليوبي ٣ / ١٤٩.

(٣) المبسوط ١١ / ٣٨، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٢٩٧.

وَيُقَسَّمُ مِيرَاثُ الْمَفْقُودِ بَيْنَ الأَْحْيَاءِ مِنْ وَرَثَتِهِ يَوْمَ مَوْتِهِ، وَعَلَيْهِ اتِّفَاقُ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّ شَرْطَ التَّوْرِيثِ بَقَاءُ الْوَارِثِ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ. (١)

٢١ - أَمَّا مِيرَاثُ الزَّوْجَةِ فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ كَمَا يَلِي: ذَهَبَ الشَّعْبِيُّ إِلَى أَنَّ زَوْجَةَ الْمَفْقُودِ الَّتِي تَزَوَّجَتْ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ مَيِّتٌ فَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ مِنْهُ، وَهِيَ تَرِثُهُ. (٢)

وَفِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ تَفْصِيلٌ: فَإِنْ جَاءَ مَوْتُهُ قَبْل أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، فَإِنَّهَا تَرِثُهُ.

وَإِنْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا الثَّانِي، وَوَرِثَتْ مِنْ زَوْجِهَا الْمَفْقُودِ.

وَإِنْ تَزَوَّجَتْ وَجَاءَ مَوْتُهُ قَبْل الدُّخُول وَرِثَتْهُ، وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَاسْتَقْبَلَتْ عِدَّتَهَا مِنْ يَوْمِ الْمَوْتِ.

وَإِنْ جَاءَ مَوْتُ الْمَفْقُودِ بَعْدَ دُخُول الثَّانِي، لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا، وَلاَ إِرْثَ لَهَا.

أَمَّا إِنْ كَانَ زَوَاجُ الثَّانِي قَدْ وَقَعَ فِي الْعِدَّةِ

_________

(١) المبسوط ٣٠ / ٥٤، والبناية ٦ / ٦٩، والمدونة ٢ / ٤٥٢، والتاج والإكليل بهامش مواهب الجليل ٤ / ١٦٢، ومغني المحتاج ٣ / ٢٧، وحاشية الشرقاوي ٢ / ٢١١، والمغني ٦ / ٣٦٦.

(٢) فتح الباري ١١ / ٣٥٢.

مِنَ الأَْوَّل الْمُتَوَفَّى، فَإِنَّهَا تَرِثُهُ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا الثَّانِي. (١)

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ تَرِثُ الزَّوْجَةُ مِنْ زَوْجِهَا الْمَفْقُودِ الَّذِي ثَبَتَ مَوْتُهُ إِنْ لَمْ تَتَزَوَّجْ، أَوْ كَانَتْ تَزَوَّجَتْ وَلَمْ يَدْخُل بِهَا الثَّانِي، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهَا لاَ تَرِثُ مِنْهُ.

فَإِنْ دَخَل بِهَا الثَّانِي، وَكَانَ الزَّوْحُ الأَْوَّل قَدْ قَدِمَ وَاخْتَارَهَا ثُمَّ مَاتَ، فَإِنَّهَا تَرِثُهُ وَيَرِثُهَا، وَلَوْ مَاتَ الثَّانِي لَمْ تَرِثْهُ، وَلَمْ يَرِثْهَا، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْل اخْتِيَارِهَا - وَقُلْنَا بِأَنَّ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ - فَإِنَّهَا تَرِثُ الزَّوْجَ الثَّانِي وَيَرِثُهَا، لاَ تَرِثُ الزَّوْجَ الأَْوَّل وَلاَ يَرِثُهَا.

وَإِنْ مَاتَتْ قَبْل اخْتِيَارِ الزَّوْجِ الأَْوَّل، فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ، فَإِنِ اخْتَارَهَا وَرِثَهَا، وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْهَا وَرِثَهَا الثَّانِي.

وَهَذَا كُلُّهُ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ.

وَاخْتَارَ الشَّيْخُ ابْنُ قُدَامَةَ أَنَّهَا لاَ تَرِثُ زَوْجَهَا الثَّانِي، وَلاَ يَرِثُهَا بِحَالٍ إِلاَّ أَنْ يُجَدِّدَ لَهَا عَقْدًا، أَوْ لاَ يَعْلَمُ أَنَّ الأَْوَّل كَانَ حَيًّا، وَمَتَى عَلِمَ أَنَّ الأَْوَّل كَانَ حَيًّا وَرِثَهَا وَوَرِثَتْهُ، إِلاَّ أَنْ يَخْتَارَ تَرْكَهَا، فَتَبِينَ مِنْهُ بِذَلِكَ، فَلاَ تَرِثُهُ وَلاَ يَرِثُهَا.

_________

(١) التاج والإكليل ٤ / ١٥٨، ١٦٢، ومواهب الجليل ٤ / ١٥٧، ١٥٨.

وَعَلَى الْقَوْل بِأَنَّ الْحُكْمَ بِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ يُوقِعُ التَّفْرِيقَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا تَرِثُ الثَّانِي وَيَرِثُهَا، وَلاَ تَرِثُ الأَْوَّل وَلاَ يَرِثُهَا.

وَأَمَّا عِدَّتُهَا، فَمَنْ وَرَثَتْهُ اعْتَدَّتْ لِوَفَاتِهِ عِدَّةَ الْوَفَاةِ. (١)

الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: اعْتِبَارُ الْمَفْقُودِ مَيِّتًا

٢٢ - يُعْتَبَرُ الْمَفْقُودُ مَيِّتًا حُكْمًا بِمُضِيِّ مُدَّةٍ عَلَى فَقْدِهِ، أَوْ بِبُلُوغِهِ سِنًّا مُعَيَّنَةً.

فَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُحْكَمُ بِمَوْتِ الْمَفْقُودِ إِذَا لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ أَقْرَانِهِ فِي بَلَدِهِ، لاَ فِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ.

غَيْرَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي السِّنِّ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يَمُوتَ فِيهَا الأَْقْرَانُ، فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: هِيَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ الْقُدُورِيُّ.

وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ مِائَةُ سَنَةٍ، وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ حَامِدٍ الْبُخَارِيُّ: هِيَ تِسْعُونَ سَنَةً، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا سَبْعُونَ سَنَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ قَال: بِأَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةُ مَتْرُوكَةٌ إِلَى اجْتِهَادِ الإِْمَامِ، وَيُنْظَرُ إِلَى شَخْصِ الْمَفْقُودِ وَالْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ. (٢)

وَلِعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ خِلاَفٌ فِي التَّرْجِيحِ بَيْنَ هَذِهِ الأَْقْوَال فَمِنْهُمْ مَنْ قَال: الْفَتْوَى عَلَى

_________

(١) المغني ٨ / ١٠٢، ومطالب أولي النهى ٥ / ٥٧٢.

(٢) المبسوط ١١ / ٣٥ - ٣٦، وبدائع الصنائع ٦ / ١٩٧، والزيلعي ٣ / ٣١١، والبحر الرائق ٥ / ١٧٨.

التِّسْعِينَ سَنَةً وَهُوَ الأَْرْفَقُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَال: الْفَتْوَى عَلَى الثَّمَانِينَ، وَاخْتَارَ ابْنُ الْهُمَامِ السَّبْعِينَ سَنَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ قَال بِأَنَّ تَفْوِيضَ الْمُدَّةِ إِلَى الإِْمَامِ هُوَ الْمُخْتَارُ وَالأَْقْيَسُ. (١)

وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، فَقَدْ ذَكَرْنَا مَذْهَبَهُمْ قَبْلًا.

(ر: ف ٤) .

وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ، فَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ أَنَّ تَقْدِيرَ تِلْكَ السِّنِّ مَتْرُوكٌ لاِجْتِهَادِ الإِْمَامِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَهُ بِاثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً، أَوْ بِسَبْعِينَ، أَوْ بِثَمَانِينَ، أَوْ بِمِائَةٍ، أَوْ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً. (٢)

٢٣ - فَإِذَا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ الْمَذْكُورَةُ جَرَى تَقْسِيمُ مِيرَاثِ الْمَفْقُودِ بَيْنَ وَرَثَتِهِ الْمَوْجُودِينَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي اعْتُبِرَ فِيهِ مَيِّتًا، لاَ بَيْنَ الَّذِينَ مَاتُوا قَبْلَهُ، فَكَأَنَّهُ مَاتَ حَقِيقَةً فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، بِهَذَا قَضَى عُمَرُ وَعُثْمَانُ ﵄، (٣) وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَقَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ، (٤) وَهُوَ الْقَوْل الأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَفِي الْقَوْل الآْخَرِ عِنْدَ

_________

(١) الدر المنتقى ١ / ٧١٣، والبناية ٦ / ٦٩، والبحر الرائق ٥ / ١٧٨، وفتح القدير ٥ / ٣٧٤، وتبيين الحقائق ٣ / ٣١٢.

(٢) مغني المحتاج ٣ / ٢٦ - ٢٧، وحاشية البجيرمي ٣ / ٢٦٠.

(٣) مصنف عبد الرزاق ٧ / ٨٥ - ٨٦.

(٤) الفتاوى الهندية ٢ / ٣٠٠، وحاشية الطحطاوي على الدر ٢ / ٥٠٩ - ٥١٠، والمدونة ٢ / ٤٥٢، والتاج والإكليل ٤ / ١٦٢.

الْحَنَابِلَةِ: يُقَسَّمُ الْمِيرَاثُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الزَّوْجَةِ إِذَا كَانَ الْمَفْقُودُ يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْهَلاَكُ (١) وَفِي قَوْلٍ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَفِي الْقَوْل الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَفِي الْمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَفِي قَوْلٍ لِلْحَنَابِلَةِ: أَنَّ مِيرَاثَ الْمَفْقُودِ يُعْطَى لِوَرَثَتِهِ الأَْحْيَاءِ يَوْمَ الْحُكْمِ بِمَوْتِهِ، (٢) إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ قَالُوا: إِذَا مَضَتْ مُدَّةٌ زَائِدَةٌ عَلَى مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْمَفْقُودَ لاَ يَعِيشُ فَوْقَهَا، وَحَكَمَ الْقَاضِي بِمَوْتِهِ مِنْ مُضِيِّ تِلْكَ الْمُدَّةِ السَّابِقَةِ عَلَى حُكْمِهِ بِزَمَنٍ مَعْلُومٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ، وَيُعْطَى الْمَال لِمَنْ كَانَ وَارِثُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِنْ كَانَ سَابِقًا عَلَى الْحُكْمِ. (٣)

وَتَعْتَدُّ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ عِدَّةَ الْوَفَاةِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي جَرَى فِيهِ تَقْسِيمُ مِيرَاثِهِ. (٤) (ر: ف ٥)

٢٤ - وَلاَ بُدَّ مِنَ الْحُكْمِ بِاعْتِبَارِهِ مَيِّتًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيَّةُ. (٥)

_________

(١) المغني ٦ / ٣٦٥، ٣٦٦، ٨ / ١٠٣، وكشاف القناع ٤ / ٥١٦، ٦ / ٤٨٨، والعذب الفائض ٢ / ٨٦، ٨٧.

(٢) المبسوط ٣٠ / ٥٥، ومواهب الجليل ٤ / ١٦١، وحاشية البجيرمي ٣ / ٢٦٠، والوجيز ١ / ١٦٧.

(٣) فتح الوهاب ٢ / ٩، ومغني المحتاج ٣ / ٢٧.

(٤) بدائع الصنائع ٦ / ١٩٧.

(٥) الدر المختار ٤ / ٢٩٧، والشرح الكبير ٢ / ٤٨٣، ومغني المحتاج ٣ / ٢٧.

وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، غَيْرَ أَنَّ الْقَوْل الأَْصَحَّ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى حُكْمٍ بِاعْتِبَارِهِ مَيِّتًا، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَلِلْمَالِكِيَّةِ (١) ".

وَأَمَّا طَبِيعَةُ الْحُكْمِ بِاعْتِبَارِهِ الْمَفْقُودَ مَيِّتًا، فَلِلْفُقَهَاءِ فِيهِ خِلاَفٌ، فَهُوَ مُنْشِئٌ لِلْحَالَةِ الْجَدِيدَةِ الَّتِي أَصْبَحَ عَلَيْهَا الْمَفْقُودُ عِنْدَ مَنْ قَال بِوُجُوبِ صُدُورِ الْحُكْمِ، وَهُوَ مُظْهِرٌ عِنْدَ مَنْ قَال بِعَدِمِ وُجُوبِ الْحُكْمِ (ر: ف ٦) .

وَلِهَذَا الْخِلاَفِ نَتَائِجُ مُهِمَّةٌ جِدًّا، فَعَلَى الْقَوْل بِأَنَّ الْحُكْمَ مُنْشِئٌ لاَ تَسْتَطِيعُ الزَّوْجَةُ أَنْ تَبْدَأَ عِدَّةَ الْوَفَاةِ، وَلاَ أَنْ تَتَزَوَّجَ إِلاَّ بَعْدَ صُدُورِهِ.

وَكَذَلِكَ فَإِنَّ أَمْوَال الْمَفْقُودِ لاَ تُوَزَّعُ إِلاَّ بَيْنَ الْوَرَثَةِ الْمَوْجُودِينَ يَوْمَ صُدُورِ الْحُكْمِ لاَ قَبْلَهُ، كَأَنَّ الْمَفْقُودَ قَدْ مَاتَ حَقِيقَةً فِي الْيَوْمِ الْمَذْكُورِ.

وَأَمَّا مَنْ قَال بِأَنَّ الْحُكْمَ مُظْهِرٌ، فَإِنَّ عِدَّةَ الزَّوْجَةِ تَبْدَأُ مِنْ تَارِيخِ انْتِهَاءِ مُدَّةِ التَّرَبُّصِ، أَوْ مِنْ بُلُوغِ الْمَفْقُودِ السِّنَّ الَّتِي لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَحْيَا بَعْدَهَا، وَأَنَّ مِيرَاثَ الْمَفْقُودِ يُقَسَّمُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ الأَْحْيَاءِ فِي ذَلِكَ التَّارِيخِ، وَلاَ عِبْرَةَ لِصُدُورِ الْحُكْمِ.

_________

(١) حاشية الدسوقي ٤ / ٤٨٧، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٢٩٧، والمغني ٦ / ٣٦٥، ٣٦٦.

أَثَرُ ظُهُورِ الْمَفْقُودِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِمَوْتِهِ

إِنْ ظَهَرَ الْمَفْقُودُ حَيًّا بَعْدَ الْحُكْمِ بِاعْتِبَارِهِ مَيِّتًا، فَإِنَّ لِذَلِكَ آثَارًا بِالنِّسْبَةِ لِزَوْجَتِهِ، وَبِالنِّسْبَةِ لأَِمْوَالِهِ.

أَوَّلًا: بِالنِّسْبَةِ لِزَوْجَتِهِ:

٢٥ - لِلْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلاَفٌ:

ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمَفْقُودَ إِنْ عَادَ، وَلَمْ تَكُنْ زَوْجَتُهُ قَدْ تَزَوَّجَتْ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، فَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَلاَ سَبِيل لَهُ عَلَيْهَا، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ: إِنَّ زَوْجَتَهُ لَهُ. (١)

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْمَفْقُودَ إِنْ عَادَ قَبْل نِكَاحِ زَوْجَتِهِ غَيْرَهُ، فَهِيَ زَوْجَتُهُ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْل الْمَشْهُورُ الْمَعْمُول بِهِ، فَإِنْ عَادَ بَعْدَ النِّكَاحِ، فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ:

الأُْولَى: إِنْ عَادَ قَبْل الدُّخُول، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا الثَّانِي، وَأَمَّا إِنْ عَادَ بَعْدَ الدُّخُول، فَالثَّانِي عَلَى نِكَاحِهِ، وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ.

الثَّانِيَةُ: إِنْ عَادَ الْمَفْقُودُ، فَوَجَدَ زَوْجَتَهُ قَدْ تَزَوَّجَتْ فَلاَ سَبِيل لَهُ عَلَيْهَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ دُخُولٌ.

وَقَدْ أَخَذَ بِكُلٍّ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ طَائِفَةٌ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ، وَأَشْهَبُ بِأَنَّ أَقْوَى

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٠٠.

الْقَوْلَيْنِ مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ (١) وَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي الْمُوَطَّأِ (٢)

وَقَوْل الشَّافِعِيَّةِ يَخْتَلِفُ بَيْنَ الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ:

فَفِي الْقَوْل الْقَدِيمِ: إِنْ قَدِمَ الْمَفْقُودُ بَعْدَ زَوَاجِ امْرَأَتِهِ، فَفِي عَوْدَتِهَا إِلَيْهِ قَوْلاَنِ، وَقِيل يُخَيَّرُ الأَْوَّل بَيْنَ أَخْذِهَا مِنَ الثَّانِي، وَتَرْكِهَا لَهُ وَأَخْذِ مَهْرِ الْمِثْل مِنْهُ.

وَفِي الْقَوْل الْجَدِيدِ: هِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى نِكَاحِ الْمَفْقُودِ، فَإِنْ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، تَعُودُ لِلأَْوَّل بَعْدَ انْتِهَاءِ عِدَّتِهَا مِنَ الثَّانِي. (٣)

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمَفْقُودَ إِنْ قَدِمَ قَبْل أَنْ تَتَزَوَّجَ امْرَأَتُهُ، فَهِيَ عَلَى عِصْمَتِهِ.

فَإِنْ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ، وَلَمْ يَدْخُل بِهَا، فَهِيَ زَوْجَةُ الأَْوَّل فِي رِوَايَةٍ، وَهِيَ الصَّحِيحُ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ يُخَيَّرُ.

فَإِنْ دَخَل بِهَا الثَّانِي، كَانَ الأَْوَّل بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَخَذَ زَوْجَتَهُ بِالْعَقْدِ الأَْوَّل، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ مَهْرَهَا وَبَقِيَتْ عَلَى نِكَاحِ الثَّانِي.

فَإِنِ اخْتَارَ الْمَرْأَةَ، وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ مِنَ

_________

(١) المدونة ٢ / ٤٤٩، ٤٥٠، ٤٥١، ومواهب الجليل ٤ / ١٥٧، والشرح الكبير ٢ / ٤٨٠.

(٢) الموطأ ٢ / ٢٨.

(٣) مغني المحتاج ٣ / ٣٩٧ - ٣٩٨، وحاشية القليوبي ٤ / ٥١.