الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٨ الصفحة 51

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٨

اخْتِيَارُهُمَا (١) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ هَرَبَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ مِنْ صَاحِبِهِ، بَطَل خِيَارُهُمَا وَلَزِمَ الْعَقْدُ؛ لأَِنَّهُ فَارَقَهُ بِاخْتِيَارِهِ، وَلاَ يَقِفُ لُزُومُ الْعَقْدِ عَلَى رِضَاهُمَا (٢) .

وَأَمَّا أَثَرُ الْمُفَارَقَةِ بِالْمَوْتِ أَوِ الْجُنُونِ وَنَحْوِهِ فَفِي إِبْطَال خِيَارِ الْمَجْلِسِ بِهِ خِلاَفٌ يُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (خِيَارُ الْمَجْلِسِ ف ١٣) .

وَلَوْ تَنَازَعَ الْعَاقِدَانِ فِي التَّفَرُّقِ بِأَنْ جَاءَا مَعًا وَقَال أَحَدُهُمَا: تَفَرَّقْنَا، وَأَنْكَرَ الآْخَرُ صُدِّقَ النَّافِي بِيَمِينِهِ.

وَلَوِ اتَّفَقَا عَلَى حُصُول التَّفَرُّقِ وَتَنَازَعَا فِي الْفَسْخِ قَبْل التَّفَرُّقِ فَقَال أَحَدُهُمَا: فَسَخْتُ الْبَيْعَ قَبْل التَّفَرُّقِ وَأَنْكَرَ الآْخَرُ صِدْقَ النَّافِي بِيَمِينِهِ؛ لأَِنَّ الأَْصْل دَوَامُ الاِجْتِمَاعِ وَعَدَمُ الْفَسْخِ، وَلَوِ اتَّفَقَا عَلَى عَدَمِ التَّفَرُّقِ وَادَّعَى أَحَدُهُمَا الْفَسْخَ فَدَعْوَاهُ الْفَسْخَ فَسْخٌ (٣) .

وَمَا سَبَقَ مِنِ اعْتِبَارِ الْمُفَارَقَةِ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذَا تَوَلَّى عَقْدَ الْبَيْعِ طَرَفَانِ، أَمَّا إِذَا تَوَلَّى الْعَقْدَ شَخْصٌ وَاحِدٌ كَالأَْبِ يَبِيعُ مَالَهُ لِوَلَدِهِ أَوْ يَبِيعُ مَال وَلَدِهِ لِنَفْسِهِ فَهَل لاَ بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ الْخِيَارِ وَاعْتِبَارِ الْمُفَارَقَةِ سَبَبًا لِلُزُومِ الْعَقْدِ أَمْ لاَ؟

_________

(١) المجموع ٩ / ١٧٠، ومغني المحتاج ٢ / ٤٥.

(٢) المغني ٣ / ٥٦٦.

(٣) مغني المحتاج ٢ / ٤٦.

لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي ذَلِكَ رَأْيَانِ: الأَْوَّل: ثُبُوتُ الْخِيَارِ، قَال النَّوَوِيُّ: أَصَحُّهُمَا ثُبُوتُهُ، فَعَلَى هَذَا يَثْبُتُ خِيَارُ الْوَلَدِ وَخِيَارٌ لِلأَْبِ، وَيَكُونُ الأَْبُ نَائِبَ الْوَلَدِ، فَإِنْ أَلْزَمَ الْبَيْعَ لِنَفْسِهِ وَلِلْوَلَدِ لَزِمَ، وَإِنْ أَلْزَمَ لِنَفْسِهِ بَقِيَ الْخِيَارُ لِلْوَلَدِ، فَإِذَا فَارَقَ الْمَجْلِسَ لَزِمَ الْعَقْدُ عَلَى الأَْصَحِّ مِنَ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، قَال الْمَاوَرْدِيَّ: وَهَذَا قَوْل أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.

وَالرَّأْيُ الثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ يَلْزَمُ " أَيِ الْبَيْعُ " إِلاَّ بِالإِْلْزَامِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُفَارِقُ نَفْسَهُ وَإِنْ فَارَقَ الْمَجْلِسَ، قَال الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا قَوْل جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا، قَال: وَعَلَى هَذَا لاَ يَنْقَطِعُ الْخِيَارُ إِلاَّ بِأَنْ يَخْتَارَ الأَْبُ لِنَفْسِهِ وَلِلْوَلَدِ، فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ ثَبَتَ الْخِيَارُ لِلْوَلَدِ إِذَا بَلَغَ.

وَقَال الْبَغَوِيُّ: وَلَوْ كَانَ الْعَقْدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَلَدِهِ صَرْفًا فَفَارَقَ الْمَجْلِسَ قَبْل الْقَبْضِ بَطَل الْعَقْدُ عَلَى الْوَجْهِ الأَْوَّل وَلاَ يَبْطُل عَلَى الثَّانِي إِلاَّ بِالتَّخَايُرِ (١) .

اعْتِبَارُ الْمُفَارَقَةِ فِي الْعُقُودِ الأُْخْرَى:

١٥ - كَمَا تُعْتَبَرُ مُفَارَقَةُ مَجْلِسِ الْعَقْدِ سَبَبًا

_________

(١) المجموع شرح المهذب للنووي ٩ / ١٦٣ تحقيق المطيعي، والمغني ٣ / ٥٦٥، والإنصاف ٤ / ٣٦٣.

لِلُزُومِ الْبَيْعِ فَإِنَّهَا تُعْتَبَرُ سَبَبًا لِلُزُومِ بَعْضِ الْعُقُودِ الأُْخْرَى الَّتِي يَثْبُتُ فِيهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ، وَهِيَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: الصَّرْفُ، وَبَيْعُ رِبَوِيٍّ مِنْ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ بِجِنْسِهِ كَبُرٍّ بِبُرٍّ وَنَحْوِهِ، وَالسَّلَمُ، وَصُلْحُ الْمُعَاوَضَةِ، وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ: التَّوْلِيَةُ، وَالتَّشْرِيكُ، وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ الْهِبَةَ الَّتِي فِيهَا عِوَضٌ مَعْلُومٌ، وَالإِْجَارَةُ (١) .

وَذَلِكَ لِعُمُومِ الْخِيَرَةِ وَلأَِنَّ مَوْضُوعَ الْخِيَارِ النَّظَرُ فِي الأَْحَظَّ وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا، وَيُنْظَرُ تَفْصِيل هَذِهِ الْعُقُودِ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا.

الْمُفَارَقَةُ فِي النِّكَاحِ:

تَقَعُ الْمُفَارَقَةُ فِي النِّكَاحِ لأَِسْبَابٍ، مِنْهَا:

أَوَّلًا: الْجَمْعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ.

١٦ - لاَ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ الْحُرِّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ (٢)، فَإِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ أَسْلَمْنَ مَعَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ مُفَارَقَةُ مَا زَادَ عَلَى الأَْرْبَعِ، وَهَذَا

_________

(١) المجموع ٩ / ١٦٣ تحقيق المطيعي، ومغني المحتاج ٢ / ٤٣، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ١٦٧.

(٢) سورة النساء / ٣.

بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (١) .

وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَنَّ غَيْلاَنَ بْنَ سَلَمَةَ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ، فَأَمَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا. (٢)

وَتَخْتَلِفُ كَيْفِيَّةُ الْمُفَارَقَةِ بَيْنَ مَنْ كَانَ كَافِرًا وَكَانَ فِي عِصْمَتِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ ثُمَّ أَسْلَمَ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ الَّذِي يَجْمَعُ فِي عِصْمَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.

فَمَنْ كَانَ كَافِرًا وَأَسْلَمَ وَفِي عِصْمَتِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ فَقَدْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِيمَنْ يُفَارِقُهُنَّ أَوْ يَخْتَارُهُنَّ تَرَتُّبُ عُقُودِهِنَّ، فَسَوَاءٌ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ أَوْ عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَسَوَاءٌ كَانَ مَنْ فَارَقَهُنَّ أَوِ اخْتَارَهُنَّ أَوَائِل فِي الْعَقْدِ أَوْ أَوَاخِرَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ كَمَا قَال الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ

_________

(١) البدائع للكاساني ٢ / ٢٦٥، ٢٦٦، وجواهر الإكليل ١ / ٢٩٧، ومنح الجليل ٢ / ٧٣، ٧٤، والفروق للقرافي ٢ / ٩١ و٣ / ١١١، ١١٢، ١٣٢، ١٣٣، ومغني المحتاج ٣ / ١٨١، ١٩٦، والمغني ٦ / ٥٣٩، ٥٤٠، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٣٤، ٥٨.

(٢) حديث ابن عمر: " أن غيلان بن سلمة أسلم وعنده تسع نسوة. . . " أخرجه البيهقي في السنن (٧ / ١٨٣)، وقال ابن حجر في التلخيص (٣ / ١٦٩) رجاله ثقات.

وَالْقَرَافِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ أَنْ يُفَارِقَ مَا زَادَ عَلَى الأَْرْبَعِ وَأَطْلَقَ الْحُكْمَ وَلَمْ يَسْتَفْصِل عَنْ كَيْفِيَّةِ نِكَاحِهِنَّ، وَتَرْكُ الاْسْتِفْصَال فِي حِكَايَةِ الأَْحْوَال مَعَ قِيَامِ الاِحْتِمَال مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَال، وَلَوْلاَ أَنَّ الْحُكْمَ يَعُمُّ الْحَالَيْنِ لَمَا أَطْلَقَ ذَلِكَ (١) .

وَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ نَوْفَل بْنِ مُعَاوِيَةَ قَال: أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي خَمْسُ نِسْوَةٍ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: فَارِقْ وَاحِدَةً وَأَمْسِكْ أَرْبَعًا، فَعَمَدْتُ إِلَى أَقْدَمِهِنَّ عِنْدِي عَاقِرٍ مُنْذُ سِتِّينَ سَنَةً فَفَارَقْتُهَا (٢) .

وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: لَوْ تَزَوَّجَ كَافِرٌ بِخَمْسِ نِسْوَةٍ ثُمَّ أَسْلَمَ، فَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ جَمِيعًا، وَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ صَحَّ نِكَاحُ الأَْرْبَعِ وَبَطَل نِكَاحُ الْخَامِسَةِ؛ لأَِنَّ الْجَمْعَ مُحَرَّمٌ عَلَى الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ جَمِيعًا؛ لأَِنَّ حُرْمَتَهُ ثَبَتَتْ لِمَعْنًى مَعْقُولٍ وَهُوَ خَوْفُ الْجَوْرِ فِي إِيفَاءِ حُقُوقِهِنَّ.

_________

(١) البدائع ٢ / ٣١٤، والفروق للقرافي ٢ / ٩١، ٩٢، ومنح الجليل ٢ / ٧٣، ٧٤، ومغني المحتاج ٣ / ١٩٦، والمغني ٦ / ٦٢٠، ومنتهى الإرادات ٣ / ٥٨.

(٢) حديث: " نوفل بن معاوية: أسلمت وتحتي خمس نسوة. . . " أخرجه الشافعي في المسند (ترتيب مسند الإمام الشافعي للسندي ٢ / ١٦ ط. دار الكتب العلمية) وفي إسناده جهالة.

وَهَذَا الْمَعْنَى لاَ يُوجِبُ الْفَصْل بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يُتَعَرَّضُ لأَِهْل الذِّمَّةِ مَعَ قِيَامِ الْحُرْمَةِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ دِيَانَتُهُمْ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَثْنًى مِنْ عُهُودِهِمْ، وَقَدْ نُهِينَا عَنِ التَّعَرُّضِ لَهُمْ عَنْ مِثْلِهِ بَعْدَ إِعْطَاءِ الذِّمَّةِ وَلَيْسَ لَنَا التَّعَرُّضُ لأَِهْل الْحَرْبِ، فَإِذَا أَسْلَمَ فَقَدْ زَال الْمَانِعُ، فَلاَ يُمَكَّنُ مِنِ اسْتِيفَاءِ الْجَمْعِ بَعْدَ الإِْسْلاَمِ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، فَإِذَا كَانَ تَزَوَّجَ الْخَمْسَ فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَدْ حَصَل نِكَاحُ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ جَمِيعًا؛ إِذْ لَيْسَتْ إِحْدَاهُنَّ بِأَوْلَى مِنَ الأُْخْرَى، وَالْجَمْعُ مُحَرَّمٌ وَقَدْ زَال الْمَانِعُ مِنَ التَّعَرُّضِ فَلاَ بُدَّ مِنَ الاِعْتِرَاضِ بِالتَّفْرِيقِ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ فَنِكَاحُ الأَْرْبَعِ مِنْهُنَّ وَقَعَ صَحِيحًا؛ لأَِنَّ الْحُرَّ يَمْلِكُ التَّزَوُّجَ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، وَلَمْ يَصِحَّ نِكَاحُ الْخَامِسَةِ لِحُصُولِهِ جَمْعًا، فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الإِْسْلاَمِ (١) .

وَإِذَا تَزَوَّجَ الْحَرْبِيُّ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ ثُمَّ سُبِيَ هُوَ وَسُبِينَ مَعَهُ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكُل سَوَاءٌ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي عُقَدٍ مُتَفَرِّقَةٍ؛ لأَِنَّ نِكَاحَ الأَْرْبَعِ وَقَعَ صَحِيحًا، لأَِنَّهُ كَانَ حُرًّا وَقْتَ

_________

(١) بدائع الصنائع ٢ / ٣١٤.

النِّكَاحِ، وَالْحُرُّ يَمْلِكُ التَّزَوُّجَ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، إِلاَّ أَنَّهُ تَعَذَّرَ الاِسْتِيفَاءُ بَعْدَ الاِسْتِرْقَاقِ لِحُصُول الْجَمْعِ مِنَ الْعَبْدِ فِي حَال الْبَقَاءِ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنَ اثْنَتَيْنِ، وَالْعَبْدُ لاَ يَمْلِكُ الاِسْتِيفَاءَ فَيَقَعُ جَمْعًا بَيْنَ الْكُل فَفُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكُل وَلاَ يُخَيَّرُ فِيهِ كَمَا إِذَا تَزَوَّجَ رَضِيعَتَيْنِ فَأَرْضَعَتْهُمَا امْرَأَةٌ بَطَل نِكَاحُهَا وَلاَ يُخَيَّرُ، كَذَا هَذَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُخَيَّرُ فِيهِ فَيَخْتَارُ اثْنَتَيْنِ مِنْهُنَّ كَمَا يُخَيَّرُ الْحُرُّ فِي أَرْبَعِ نِسْوَةٍ مِنْ نِسَائِهِ وَيُفَارِقُ الْبَاقِيَ (١) .

١٧ - وَيُوَضِّحُ ابْنُ قُدَامَةَ صِفَةَ الْمُفَارَقَةِ فَيَقُول:

إِنْ قَال لَمَّا زَادَ عَلَى الأَْرْبَعِ: فَسَخْتُ نِكَاحَهُنَّ كَانَ اخْتِيَارًا لِلأَْرْبَعِ، وَإِنْ طَلَّقَ إِحْدَاهُنَّ كَانَ اخْتِيَارًا لَهَا؛ لأَِنَّ الطَّلاَقَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي زَوْجَةٍ، وَإِنْ قَال: قَدْ فَارَقْتُ هَؤُلاَءِ أَوِ اخْتَرْتُ فِرَاقَ هَؤُلاَءِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ الطَّلاَقَ كَانَ اخْتِيَارًا لِغَيْرِهِنَّ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِغَيْلاَنَ: اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ (٢) وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الْفِرَاقِ صَرِيحًا فِيهِ كَمَا كَانَ لَفْظُ الطَّلاَقِ صَرِيحًا فِيهِ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ قَال: فَعَمَدْتُ إِلَى أَقْدَمِهِنَّ صُحْبَةً فَفَارَقْتُهَا (٣)، وَهَذَا الْمَوْضِعُ أَخَصُّ بِهَذَا اللَّفْظِ

_________

(١) بدائع الصنائع ٢ / ٣١٥.

(٢) حديث: " اختر منهن أربعًا. . . " تقدم تخريجه في (فقرة ١٦) .

(٣) حديث فيروز الديلمي أخرجه أبو داود (٢ / ٦٧٨) .

فَيَجِبُ أَنْ يُتَخَصَّصَ فِيهِ بِالْفَسْخِ، وَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلاَقَ كَانَ اخْتِيَارًا لَهُنَّ دُونَ غَيْرِهِنَّ، وَذَكَرَ الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ فِيهِ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَكُونُ اخْتِيَارًا لِلْمُفَارَقَاتِ؛ لأَِنَّ لَفْظَ الْفِرَاقِ صَرِيحٌ فِي الطَّلاَقِ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَالأَْوْلَى مَا ذَكَرْنَاهُ (١) .

وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ قَدْ دَخَل بِهِنَّ فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ وَكُنَّ ثَمَانِيًا فَاخْتَارَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ وَفَارَقَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ لَمْ يَطَأْ وَاحِدَةً مِنَ الْمُخْتَارَاتِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمُفَارَقَاتِ؛ لِئَلاَّ يَكُونَ وَاطِئًا لأَِكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، فَإِنْ كُنَّ خَمْسًا فَفَارَقَ إِحْدَاهُنَّ فَلَهُ وَطْءُ ثَلاَثٍ مِنَ الْمُخْتَارَاتِ، وَلاَ يَطَأُ الرَّابِعَةَ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ مَنْ فَارَقَهَا، فَإِنْ كُنَّ سِتًّا فَفَارَقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُ وَطْءُ اثْنَتَيْنِ مِنَ الْمُخْتَارَاتِ، فَإِنْ كُنَّ سَبْعًا فَفَارَقَ ثَلاَثًا فَلَهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمُخْتَارَاتِ وَلاَ يَطَأُ الْبَاقِيَاتِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمُفَارَقَاتِ، فَكُلَّمَا انْقَضَتْ عِدَّةُ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمُفَارَقَاتِ فَلَهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمُخْتَارَاتِ (٢)، وَمَا سَبَقَ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْكَافِرِ الَّذِي أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ.

_________

(١) المغني ٦ / ٦٢٢، ٦٢٣، وينظر مغني المحتاج ٣ / ١٩٩، والمهذب ٢ / ٥٣.

(٢) المغني ٦ / ٦٢٦، ٦٢٧، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٥٨.

أَمَّا الْمُسْلِمُ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فِي عِصْمَتِهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ الْحُكْمَ يَخْتَلِفُ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ بِعَقْدٍ وَاحِدٍ وَمَا إِذَا كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ بِعُقُودِ مُتَفَرِّقَةٍ.

فَإِذَا كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ بِعَقْدٍ وَاحِدٍ فَلاَ بُدَّ مِنْ مُفَارَقَةِ جَمِيعِهِنَّ وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّ النِّكَاحَ يَبْطُل فِي جَمِيعِهِنَّ؛ إِذْ لَيْسَ إِبْطَال نِكَاحِ وَاحِدَةٍ بِأَوْلَى مِنَ الأُْخْرَى فَبَطَل الْجَمِيعُ.

وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ لَوْ كَانَتِ الْعُقُودُ مُتَفَرِّقَةً وَجَهِل تَرْتِيبَهَا وَلَمْ يَدْرِ أَيُّ وَاحِدَةٍ هِيَ الْخَامِسَةُ، فَأَمَّا إِنْ كَانَتِ الْعُقُودُ مُتَرَتِّبَةً فَالأَْخِيرَةُ هِيَ الَّتِي يَجِبُ مُفَارَقَتُهَا وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ كَذَلِكَ (١) .

ثَانِيًا: الْجَمْعُ بَيْنَ مَنْ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ

١٨ - إِذَا جَمَعَ الْمُسْلِمُ بَيْنَ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ كَمَا إِذَا عَقَدَ عَلَى أُخْتَيْنِ أَوْ جَمَعَ بَيْنَ امْرَأَةٍ وَعَمَّتِهَا أَوِ امْرَأَةٍ وَخَالَتِهَا، فَإِنْ كَانَ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ بَطَل نِكَاحُهُمَا، وَإِنْ كَانَا فِي عَقْدَيْنِ بَطَل نِكَاحُ الثَّانِيَةِ، وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (مُحَرَّمَاتُ النِّكَاحِ ف ٢٣) .

_________

(١) البدائع ٢ / ٣١٤، ومنح الجليل ٢ / ٦٧، والشرح الصغير ١ / ٤٠٠، ٤٠١ ط. الحلبي، ومغني المحتاج ٣ / ١٨١، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٣١، والمغني ٦ / ٥٨٤.

أَمَّا مَنْ كَانَ كَافِرًا وَأَسْلَمَ وَكَانَ مُتَزَوِّجًا بِمَنْ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ كَأُخْتَيْنِ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْتَارَ وَاحِدَةً وَيُفَارِقَ الأُْخْرَى، وَسَوَاءٌ أَكَانَ تَزَوَّجَهُمَا بِعَقْدٍ وَاحِدٍ أَوْ بِعَقْدَيْنِ وَسَوَاءٌ أَكَانَ دَخَل بِهِمَا أَوْ دَخَل بِإِحْدَاهُمَا، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنِّي أَسْلَمْت وَتَحْتِي أُخْتَانِ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ طَلِّقْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ (١) .

وَلأَِنَّ الْمُبْقَاةَ يَجُوزُ لَهُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا، فَجَازَ لَهُ اسْتِدَامَتُهُ كَغَيْرِهَا، وَلأَِنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ وَإِنَّمَا حَرُمَ الْجَمْعُ وَقَدْ أَزَالَهُ، وَلاَ مَهْرَ لِلْمُفَارَقَةِ مِنْهُمَا قَبْل الدُّخُول، وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا لأَِنَّ الْمَعْنَى فِي الْجَمِيعِ وَاحِدٌ (٢)، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِنْ كَانَ دَخَل بِهِمَا وَاخْتَارَ إِحْدَاهُمَا لَمْ يَطَأْهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْمُفَارَقَةِ (٣) .

وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ

_________

(١) حديث: " فيروز الديلمي: قلت: يا رسول الله، إني أسلمت وتحتي أختان. . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٦٧٨) والترمذي (٣ / ٤٢٧) واللفظ لأبي داود وقال الترمذي: حسن.

(٢) شرح منتهى الإرادات ٣ / ٦٠، والمغني ٦ / ٦٢٦، ومنح الجليل ٢ / ٧٤، ومغني المحتاج ٣ / ١٩٧.

(٣) المغني ٦ / ٦٢٦.