الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٨ الصفحة 31

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٨

مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ زِيَارَةَ أَهْل الذِّمَّةِ كَنَائِسَهُمْ قُرْبَةً إِلَى اللَّهِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ (١) .

الصَّلاَةُ فِي مَعَابِدِ الْكُفَّارِ

٢٠ - نَصَّ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ تُكْرَهُ الصَّلاَةُ فِي مَعَابِدِ الْكُفَّارِ إِذَا دَخَلَهَا مُخْتَارًا، أَمَّا إِنْ دَخَلَهَا مُضْطَرًّا فَلاَ كَرَاهَةَ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: تَجُوزُ الصَّلاَةُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ تُكْرَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ مَعَ الصُّوَرِ (٢)، وَقَال الْكَاسَانِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ يُمْنَعُ الْمُسْلِمُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْكَنِيسَةِ مِنْ غَيْرِ جَمَاعَةٍ، لأَِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَهَاوُنٌ بِالْمُسْلِمِينَ وَلاَ اسْتِخْفَافٌ بِهِمْ (٣) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَةٌ ف ١٠٥، دُخُولٌ ف ١٢)

النُّزُول فِي الْكَنَائِسِ

٢١ - نَصَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلإِِْمَامِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ فِي عَقْدِ الصُّلْحِ مَنْزِل الضِّيفَانِ مِنْ كَنِيسَةٍ، كَمَا صَالَحَ عُمَرُ أَهْل الشَّامِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ وَرَدَ فِي

_________

(١) مطالب أولي النهى ٦ / ٢٨١.

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٥٤، وحاشية الدسوقي ١ / ١٨٩، والمدونة ١ / ٩٠، ٩١، ومغني المحتاج ١ / ٢٠٣، وكشاف القناع ١ / ٢٩٢، ونيل الأوطار ٢ / ١٤٣ ط. دار الجيل.

(٣) بدائع الصنائع ٤ / ١٧٦.

صُلْحِهِ: " وَلاَ نَمْنَعُ كَنَائِسَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْزِلُوهَا فِي اللَّيْل وَالنَّهَارِ، وَأَنْ نُوَسِّعَ أَبْوَابَهَا لِلْمَارَّةِ وَابْنِ السَّبِيل، وَلاَ نُؤْوِيَ فِيهَا وَلاَ فِي مَنَازِلِنَا جَاسُوسًا (١) ".

دُخُول الْمُسْلِمِ مَعَابِدَ الْكُفَّارِ

٢٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ دُخُول الْمُسْلِمِ مَعَابِدَ الْكُفَّارِ عَلَى أَقْوَالٍ:

ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ دُخُول الْبِيعَةِ وَالْكَنِيسَةِ، لأَِنَّهُ مَجْمَعُ الشَّيَاطِينِ، لاَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَقُّ الدُّخُول (٢) .

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ لِلْمُسْلِمِ دُخُول بِيعَةٍ وَكَنِيسَةٍ وَنَحْوِهِمَا (٣) .

وَقَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فِي رَأْيٍ آخَرَ: إِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ دُخُولُهَا إِلاَّ بِإِِذْنِهِمْ (٤) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (دُخُولٌ ف ١٢) .

الإِِْذْنُ فِي دُخُول الْكَنِيسَةِ وَالإِِْعَانَةُ عَلَيْهِ

٢٣ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ لِلزَّوْجِ

_________

(١) المغني ٨ / ٥٢٤، مغني المحتاج ٤ / ٢٥١.

(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٤٨.

(٣) جواهر الإكليل ١ / ٣٨٣، وحاشية الجمل ٣ / ٥٧٢، والقليوبي ٤ / ٢٣٥، وكشاف القناع ١ / ٢٩٣.

(٤) حاشية الجمل ٣ / ٥٧٢، والقليوبي ٤ / ٢٣٥.

مَنْعَ زَوْجَتِهِ الذِّمِّيَّةِ مِنْ دُخُول الْكَنِيسَةِ وَنَحْوِهَا.

وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنْ لاَ يُعِينَهَا عَلَى أَسْبَابِ الْكُفْرِ وَشَعَائِرِهِ وَلاَ يَأْذَنَ لَهَا فِيهِ.

وَعَلَّلَهُ الشَّافِعِيَّةُ: بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ مَنْعُ الْمُسْلِمَةِ مِنْ إِتْيَانِ الْمَسَاجِدِ فَمَنْعُ الذِّمِّيَّةِ مِنَ الْكَنِيسَةِ أَوْلَى (١) .

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْلاَنِ كَمَا ذَكَرَهُمَا الْحَطَّابُ: قَال فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ ذَلِكَ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: لَهُ مَنْعُهَا مِنَ الْكَنِيسَةِ إِلاَّ فِي الْفَرْضِ (٢) .

وَأَمَّا الْجَارِيَةُ النَّصْرَانِيَّةُ فَقَدْ نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ سَأَلَتِ الْخُرُوجَ إِلَى أَعْيَادِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ وَجُمُوعِهِمْ لاَ يَأْذَنُ لَهَا فِي ذَلِكَ (٣) .

وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لاَ يَمْنَعُ مُكَاتَبَهُ النَّصْرَانِيَّ مِنْ إِتْيَانِ الْكَنِيسَةِ، لأَِنَّ ذَلِكَ دِينُهُمْ، إِذْ لاَ تَحْجِيرَ لَهُ عَلَيْهِ (٤) .

وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ سَأَل ذِمِّيٌّ مُسْلِمًا عَلَى طَرِيقِ الْبِيعَةِ لاَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى ذَلِكَ، لأَِنَّهُ إِعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَأَيْضًا:

_________

(١) مغني المحتاج ٣ / ١٨٩، وروضة الطالبين ٧ / ١٣٧، ومطالب أولي النهى ٥ / ٢٦٤.

(٢) مواهب الجليل ٤ / ٤٥٤.

(٣) أحكام أهل الذمة ٢ / ٤٣٨.

(٤) حاشية الدسوقي ٣ / ٣٠٦.

مُسْلِمٌ لَهُ أُمٌّ ذِمِّيَّةٌ أَوْ أَبٌ ذِمِّيٌّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُودَهُ إِلَى الْبِيعَةِ، وَلَهُ أَنْ يَقُودَهُ مِنَ الْبِيعَةِ إِلَى الْمَنْزِل (١) .

مُلاَعَنَةُ الذِّمِّيِّينَ فِي الْمَعَابِدِ

٢٤ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِعَانُ الذِّمِّيَّةِ فِي كَنِيسَتِهَا، وَالْيَهُودِيَّةِ فِي بِيعَتِهَا، وَالْمَجُوسِيَّةِ فِي بَيْتِ النَّارِ (٢) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ بِاسْتِحْبَابِ لِعَانِ الزَّوْجَةِ الْكِتَابِيَّةِ فِي الْكَنِيسَةِ وَحَيْثُ تُعَظِّمُ، وَإِِذَا كَانَ الزَّوْجَانِ كِتَابِيَّيْنِ لاَعَنَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا فِي الْكَنِيسَةِ وَحَيْثُ يُعَظِّمَانِ (٣) .

وَقَال الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ: يُسْتَحَبُّ التَّغْلِيظُ بِالْمَكَانِ (٤) .

وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ: فَلاَ يَتَأَتَّى ذَلِكَ عِنْدَهُمْ لأَِنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ الإِِْسْلاَمَ فِي اللِّعَانِ (٥) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (لِعَانٌ ف ٣٢ وَمَا بَعْدَهَا) .

_________

(١) الفتاوى الهندية ٢ / ٢٥٠.

(٢) كفاية الطالب ٢ / ٨٨، وجواهر الإكليل ١ / ٣٨٣، مواهب الجليل ٤ / ١٣٧.

(٣) الأم ٥ / ٢٨٨، ومغني المحتاج ٣ / ٣٧٦، وروضة الطالبين ٨ / ٣٥٤، والمغني ٧ / ٤٣٥، والإنصاف ٩ / ٢٤٠.

(٤) المغني ٧ / ٤٣٥.

(٥) بدائع الصنائع ٣ / ٢٤١.

وُقُوعُ اسْمِ الْبَيْتِ عَلَى الْمَعَابِدِ

٢٥ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ حَلَفَ شَخْصٌ لاَ يَدْخُل بَيْتًا فَدَخَل كَنِيسَةً أَوْ بِيعَةً لاَ يَحْنَثُ (١)، وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ (٢)، لِعَدَمِ إِطْلاَقِ اسْمِ الْبَيْتِ عُرْفًا لأَِنَّ الْبَيْتَ اسْمٌ لِمَا يُبَاتُ فِيهِ، وَأُعِدَّ لِلْبَيْتُوتَةِ وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِي الْكَنِيسَةِ (٣) .

بَيْعُ عَرْصَةِ كَنِيسَةٍ

٢٦ - قَال ابْنُ شَاسٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: لَوْ بَاعَ أُسْقُفُ الْكَنِيسَةِ عَرْصَةً مِنَ الْكَنِيسَةِ أَوْ حَائِطًا جَازَ ذَلِكَ إِنْ كَانَ الْبَلَدُ صُلْحًا، وَلَمْ يَجُزْ إِنْ كَانَ الْبَلَدُ عَنْوَةً، لأَِنَّهَا وَقْفٌ بِالْفَتْحِ، وَعَلَّلَهُ ابْنُ رُشْدٍ فَقَال: لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُمْ بَيْعُ أَرْضِ الْعَنْوَةِ، لأَِنَّ جَمِيعَهَا فَيْءٌ لِلَّهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ: الْكَنَائِسِ وَغَيْرِهَا.

وَأَمَّا أَرْضُ الصُّلْحِ فَاخْتَلَفَ قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَرْضِ الْكَنِيسَةِ تَكُونُ عَرْصَةَ الْكَنِيسَةِ أَوْ حَائِطًا فَيَبِيعُ ذَلِكَ أُسْقُفُ أَهْل تِلْكَ الْبَلْدَةِ هَل لِلرَّجُل أَنْ يَتَعَمَّدَ الشِّرَاءَ،

_________

(١) الاختيار ٤ / ٥٦، وروضة الطالبين ١١ / ٣٠، وحاشية الجمل ٥ / ٣٠٥.

(٢) المدونة ٢ / ١٣٣.

(٣) الاختيار ٤ / ٥٦، وروضة الطالبين ١١ / ٣٠، وحاشية الجمل ٥ / ٣٠٥.

فَأَجَازَ شِرَاءَ ذَلِكَ فِي سَمَاعِ عِيسَى، وَمَنَعَهُ فِي سَمَاعِ أَصْبُغَ (١) .

بَيْعُ أَرْضٍ أَوْ دَارٍ لِتُتَّخَذَ كَنِيسَةً

٢٧ - نَصَّ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ يُمْنَعُ الْمُسْلِمُ مِنْ بَيْعِ أَرْضٍ أَوْ دَارٍ لِتُتَّخَذَ كَنِيسَةً:

قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنِ اشْتَرَوْا دُورًا فِي مِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ فَأَرَادُوا أَنْ يَتَّخِذُوا دَارًا مِنْهَا كَنِيسَةً أَوْ بِيعَةً أَوْ بَيْتَ نَارٍ فِي ذَلِكَ لِصَلَوَاتِهِمْ مُنِعُوا عَنْ ذَلِكَ (٢) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُمْنَعُ أَيْ يَحْرُمُ بَيْعُ أَرْضٍ لِتُتَّخَذَ كَنِيسَةً وَأُجْبِرَ الْمُشْتَرِي مِنْ غَيْرِ فَسْخٍ لِلْبَيْعِ عَلَى إِخْرَاجِهِ مِنْ مِلْكِهِ بِبَيْعِ أَوْ نَحْوِهِ (٣) .

رَوَى الْخَلاَّل عَنِ الْمَرُّوذِيِّ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سُئِل عَنْ رَجُلٍ بَاعَ دَارَهُ مِنْ ذِمِّيٍّ وَفِيهَا مَحَارِيبُ فَاسْتَعْظَمَ ذَلِكَ وَقَال: نَصْرَانِيٌّ؟ ! ! لاَ تُبَاعُ. يَضْرِبُ فِيهَا النَّاقُوسَ وَيَنْصِبُ فِيهَا الصُّلْبَانَ؟ وَقَال: لاَ تُبَاعُ مِنَ الْكَافِرِ وَشَدَّدَ فِي ذَلِكَ.

وَعَنْ أَبِي الْحَارِثِ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سُئِل عَنِ الرَّجُل يَبِيعُ دَارَهُ وَقَدْ جَاءَ نَصْرَانِيٌّ فَأَرْغَبَهُ

_________

(١) التاج والإكليل على هامش الحطاب ٣ / ٣٨٤، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٠٤.

(٢) الفتاوى الهندية ٢ / ٢٥٢.

(٣) التاج والإكليل على هامش مواهب الجليل ٥ / ٤٢٤، وحاشية الدسوقي مع الشرح الكبير ٣ / ٧.

وَزَادَهُ فِي ثَمَنِ الدَّارِ، تَرَى أَنْ يَبِيعَ مِنْهُ وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ أَوْ يَهُودِيٌّ أَوْ مَجُوسِيٌّ، قَال: لاَ أَرَى لَهُ ذَلِكَ، قَال وَلاَ أَرَى أَنْ يَبِيعَ دَارَهُ مِنْ كَافِرٍ يَكْفُرُ فِيهَا بِاللَّهِ تَعَالَى (١) .

اسْتِئْجَارُ أَهْل الذِّمَّةِ دَارًا لاِتِّخَاذِهَا كَنِيسَةً

٢٨ - إِذَا اشْتَرَى أَوِ اسْتَأْجَرَ ذِمِّيٌّ دَارًا عَلَى أَنَّهُ سَيَتَّخِذُهَا كَنِيسَةً فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الإِِْجَارَةَ فَاسِدَةٌ، أَمَّا إِذَا اسْتَأْجَرَهَا لِلسُّكْنَى ثُمَّ اتَّخَذَهَا مَعْبَدًا فَالإِِْجَارَةُ صَحِيحَةٌ، وَلَكِنْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً مَنْعُهُ حِسْبَةً (٢) .

وَالتَّفْصِيل فِي (إِجَارَةٌ ف ٩٨) .

جَعْل الذِّمِّيٍّ بَيْتَهُ كَنِيسَةً فِي حَيَاتِهِ

٢٩ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ جَعَل ذِمِّيٌّ دَارَهُ بِيعَةً أَوْ كَنِيسَةً أَوْ بَيْتَ نَارٍ فِي صِحَّتِهِ، فَمَاتَ فَهُوَ مِيرَاثٌ اتِّفَاقًا بَيْنَ الإِِْمَامِ وَصَاحِبَيْهِ وَاخْتَلَفُوا فِي التَّخْرِيجِ: فَعِنْدَهُ لأَِنَّهُ كَوَقْفٍ لَمْ يُسَجَّل، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُورَّثُ كَالْوَقْفِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ إِذَا سُجِّل لَزِمَ كَالْوَقْفِ، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَلأَِنَّهُ مَعْصِيَةٌ (٣) .

_________

(١) أحكام أهل الذمة ٢١ / ٢٨٤، ٢٨٧.

(٢) الفتاوى الهندية ٢ / ٢٥٢، ٥ / ٣٤٦، وبدائع الصنائع ٤ / ١٧٦، والمدونة ٤ / ٤٢٣، ٤٢٤، والحطاب ٣ / ٣٨٤، والتاج والإكليل على هامش مواهب الجليل ٥ / ٤٢٤، وكشاف القناع ٣ / ٥٥٩، والمغني ٥ / ٥٥٢.

(٣) حاشية ابن عابدين ٥ / ٤٤٥، وبدائع الصنائع ٧ / ٣٤١.

عَمَل الْمُسْلِمِ فِي الْكَنِيسَةِ

٣٠ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَعْمَل لأَِهْل الذِّمَّةِ فِي الْكَنِيسَةِ نَجَّارًا أَوْ بَنَّاءً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، لأَِنَّهُ إِعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَمِنْ خَصَائِصِ دِينِهِمُ الْبَاطِل، وَلأَِنَّهُ إِجَارَةٌ تَتَضَمَّنُ تَعْظِيمَ دِينِهِمْ وَشَعَائِرِهِمْ، وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ يُؤَدَّبُ الْمُسْلِمُ إِلاَّ أَنَّ يَعْتَذِرَ بِجَهَالَةٍ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ آجَرَ نَفْسَهُ لِيَعْمَل فِي الْكَنِيسَةِ وَيَعْمُرَهَا لاَ بَأْسَ بِهِ لأَِنَّهُ لاَ مَعْصِيَةَ فِي عَيْنِ الْعَمَل (١) .

ضَرْبُ النَّاقُوسِ فِي الْمَعَابِدِ

٣١ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُمْنَعُ أَهْل الذِّمَّةِ مِنْ إِظْهَارِ ضَرْبِ النَّوَاقِيسِ فِي مَعَابِدِهِمْ فِي الْجُمْلَةِ، وَأَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِإِِخْفَائِهَا وَضَرْبِهَا فِي جَوْفِ الْكَنَائِسِ، وَاخْتَلَفُوا فِي التَّفَاصِيل:

فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ ضَرَبُوا النَّاقُوسَ فِي جَوْفِ كَنَائِسِهِمُ الْقَدِيمَةِ لَمْ يُتَعَرَّضْ لِذَلِكَ لأَِنَّ إِظْهَارَ الشَّعَائِرِ لَمْ يَتَحَقَّقْ، فَإِِنْ ضَرَبُوا بِهِ خَارِجًا مِنْهَا لَمْ يُمَكَّنُوا لِمَا فِيهِ مِنْ إِظْهَارِ الشَّعَائِرِ، وَلاَ يُمْنَعُونَ مِنْ ضَرْبِ النَّاقُوسِ فِي

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٧٢، و٥ / ٢٥١، والفتاوى الهندية ٤ / ٤٥٠، والحطاب ٥ / ٤٢٤، ومغني المحتاج ٤ / ٢٥٤، ٢٥٥، ٢٥٧، والأم ٤ / ٢١٣، وأحكام أهل الذمة ١ / ٢٧٧.

قَرْيَةٍ أَوْ مَوْضِعٍ لَيْسَ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ عَدَدٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْل الإِِْسْلاَمِ، وَإِِنَّمَا يُكْرَهُ ذَلِكَ فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ وَهِيَ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا الْجُمَعُ وَالأَْعْيَادُ وَالْحُدُودُ.

وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي إِظْهَارِ صَلِيبِهِمْ، لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ فِي كَنَائِسِهِمْ لاَ يُتَعَرَّضُ لَهُمْ (١) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُمْنَعُ أَهْل الذِّمَّةِ مِنْ ضَرْبِ النَّوَاقِيسِ فِيهَا.

قَال ابْنُ جُزَيٍّ: عَلَيْهِمْ إِخْفَاءُ نَوَاقِيسِهِمْ (٢) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ يُمْنَعُونَ مِنْ ضَرْبِ النَّاقُوسِ فِي الْكَنِيسَةِ، وَقِيل: لاَ يُمْنَعُونَ تَبَعًا لِكَنِيسَةٍ، قَال النَّوَوِيُّ: وَهَذَا الْخِلاَفُ فِي كَنِيسَةِ بَلَدٍ صَالَحْنَاهُمْ عَلَى أَنَّ أَرْضَهُ لَنَا، فَإِِنْ صَالَحْنَاهُمْ عَلَى أَنَّ الأَْرْضَ لَهُمْ فَلاَ مَنْعَ قَطْعًا، قَال: وَقَال إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَأَمَّا نَاقُوسُ الْمَجُوسِ فَلَسْتُ أَرَى فِيهِ مَا يُوجِبُ الْمَنْعَ، وَإِِنَّمَا هُوَ مُحَوَّطٌ وَبُيُوتٌ يَجْمَعُ فِيهَا الْمَجُوسُ جِيَفَهُمْ، وَلَيْسَ كَالْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ فَإِِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالشِّعَارِ (٣) .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ أَهْل الذِّمَّةِ الْكَفُّ عَنْ إِظْهَارِ ضَرْبِ النَّوَاقِيسِ، سَوَاءٌ شَرَطَ عَلَيْهِمْ أَوْ لَمْ يَشْرِطْ (٤) . وَأَجَازُوا الضَّرْبَ

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ١١٣، وفتح القدير ٤ / ٣٧٨.

(٢) التاج والإكليل على هامش مواهب الجليل ٣ / ٣٨٤، والقوانين الفقهية / ١٦٢.

(٣) روضة الطالبين ١٠ / ٣٢٤.

(٤) المغني ٨ / ٥٣٣.

الْخَفِيفَ فِي جَوْفِ الْكَنَائِسِ (١) .

الْوَقْفُ عَلَى الْمَعَابِدِ

٣٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْمَعَابِدِ عَلَى أَقْوَالٍ كَمَا يَلِي:

ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ وَقْفُ الْمُسْلِمِ عَلَى بِيعَةٍ لِعَدَمِ كَوْنِهِ قُرْبَةً فِي ذَاتِهِ، وَكَذَلِكَ لاَ يَصِحُّ وَقْفُ الذِّمِّيِّ لِعَدَمِ كَوْنِهِ قُرْبَةً عِنْدَنَا.

قَال ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلًا عَنِ الْفَتْحِ: هَذَا إِذَا لَمْ يَجْعَل آخِرَهُ لِلْفُقَرَاءِ، فَلَوْ وَقَفَ الذِّمِّيُّ عَلَى بِيعَةٍ مَثَلًا فَإِِذَا خَرِبَتْ تَكُونُ لِلْفُقَرَاءِ، كَانَ لِلْفُقَرَاءِ ابْتِدَاءً، وَلَوْ لَمْ يَجْعَل آخِرَهُ لِلْفُقَرَاءِ كَانَ مِيرَاثًا عَنْهُ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْخَصَّافُ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلاَفًا (٢) .

وَاخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:

فَفِي الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ لاَ يَجُوزُ وَقْفُ الذِّمِّيِّ عَلَى الْكَنِيسَةِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ لِعُبَّادِهَا أَوْ لِمَرَمَّتِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَاقِفُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا.

وَفَصَّل ابْنُ رُشْدٍ فَقَال: إِنَّ وَقْفَ الْكَافِرِ عَلَى الْكَنِيسَةِ بَاطِلٌ لأَِنَّهُ مَعْصِيَةٌ، أَمَّا الْوَقْفُ عَلَى مَرَمَّتِهَا أَوْ عَلَى الْجَرْحَى أَوِ الْمَرْضَى الَّذِينَ فِيهَا فَالْوَقْفُ صَحِيحٌ مَعْمُولٌ بِهِ.

وَهُنَاكَ قَوْلٌ ثَالِثٌ قَال بِهِ عِيَاضٌ وَهُوَ: أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْكَنِيسَةِ مُطْلَقًا صَحِيحٌ غَيْرُ

_________

(١) كشاف القناع ٣ / ١٣٣.

(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٦١.