الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٨ الصفحة 23

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٨

أَخَّرْتُهُ، وَذَكَرَ الأَْزْهَرِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّظْرِةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (١) الإِِْنْظَارُ وَالإِِْمْهَال إِلَى أَنْ يُوسِرَ وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمَطْل وَالإِِْنْظَارِ التَّأْخِيرُ فِي كُلٍّ، لَكِنَّهُ فِي الْمَطْل مِنْ جَانِبِ الْمَدِينِ وَفِي الإِِْنْظَارِ مِنْ جَانِبِ الدَّائِنِ (٢) .

ب - التَّعْجِيل:

٣ - التَّعْجِيل لُغَةً: الإِِْسْرَاعُ بِالشَّيْءِ، يُقَال: عَجَّلْتُ إِلَيْهِ الْمَال أَسْرَعْتَ إِلَيْهِ بِحُضُورِهِ.

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمَطْل وَالتَّعْجِيل الضِّدِّيَّةُ (٣) .

(ر: تَأْخِيرٌ ف ٥) .

ج - الظُّلْمُ:

٤ - الظُّلْمُ لُغَةً: وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ.

وَاصْطِلاَحًا هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ التَّعَدِّي عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِل، وَهُوَ الْجَوْرُ (٤) .

_________

(١) سورة البقرة / ٢٨٠

(٢) المصباح، والمفردات، والزاهر ص ٢٢٧، والفروق للعسكري ص ١٩٦، والمعلم بفوائد مسلم للمازري ٣ / ٢٢٠، ومرقاة المفاتيح ٣ / ٣٣٥، والتسهيل لابن جزي ص ٩٥، وبدائع الصنائع ٧ / ١٧٣.

(٣) المصباح المنير، ومغني المحتاج ٢ / ٤٣٤

(٤) المصباح المنير، والتعريفات للجرجاني ص ٧٦.

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمَطْل وَالظُّلْمِ أَنَّ الظُّلْمَ أَعَمُّ مِنَ الْمَطْل.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٥ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْمَطْل بِاخْتِلاَفِ حَال الْمَدِينِ مِنْ يُسْرٍ أَوْ عُسْرٍ. فَإِِنْ كَانَ مُوسِرًا قَادِرًا عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ بِهِ كَانَ مَطْلُهُ حَرَامًا، وَذَلِكَ لِمَا وَرَدَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ ﷺ قَال: مَطْل الْغَنِيِّ ظُلْمٌ. (١)

وَإِِنْ كَانَ الْمَدِينُ مُعْسِرًا لاَ يَجِدُ وَفَاءً لِدَيْنِهِ أَوْ كَانَ غَنِيًّا وَمَنَعَهُ عُذْرٌ - كَغَيْبَةِ مَالِهِ - عَنِ الْوَفَاءِ لَمْ يَكُنْ مَطْلُهُ حَرَامًا وَجَازَ لَهُ التَّأْخِيرُ إِلَى الإِِْمْكَانِ (٢) .

صُوَرُ الْمَطْل:

لِلْمَطْل صُوَرٌ تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهَا بِاخْتِلاَفِ صُوَرِهِ، وَذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيل الآْتِي:

أَوَّلًا: مَطْل الْمَدِينِ الْمُعْسِرِ الَّذِي لاَ يَجِدُ وَفَاءً لِدَيْنِهِ

٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُمْهَل حَتَّى يُوسِرَ (٣)، وَيُتْرَكُ يَطْلُبُ الرِّزْقَ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ

_________

(١) حديث: " مطل الغني ظلم. . ". أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٤٦٦) من حديث أبي هريرة.

(٢) شرح مسلم للنووي ١٠ / ٢٢٧

(٣) المغني ٤ / ٤٩٩، وكشاف القناع ٣ / ٤١٨، والمبسوط ٢٤ / ١٦٤، ونهاية المحتاج ٤ / ٣١٩، وشرح السنة للبغوي ٨ / ١٩٥، وشرح النووي على مسلم ١٠ / ٢١٨، ٢٢٧، والمنتقى للباجي ٥ / ٦٦، وفتح الباري ٤ / ٤٦٦

وَالْوَفَاءُ لِدَائِنِيهِ، وَلاَ تَحِل مُطَالَبَتُهُ وَلاَ مُلاَزَمَتُهُ وَلاَ مُضَايَقَتُهُ، لأَِنَّ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ أَوَجَبَ إِنْظَارُهُ إِلَى وَقْتِ الْمَيْسَرَةِ فَقَال: ﴿وَإِِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ . (١)

قَال ابْنُ رُشْدٍ: لأَِنَّ الْمُطَالَبَةَ بِالدَّيْنِ إِنَّمَا تَجِبُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الأَْدَاءِ، فَإِِذَا ثَبَتَ الإِِْعْسَارُ فَلاَ سَبِيل إِلَى الْمُطَالَبَةِ، وَلاَ إِلَى الْحَبْسِ بِالدَّيْنِ، لأَِنَّ الْخِطَابَ مُرْتَفِعٌ عَنْهُ إِلَى أَنْ يُوسِرَ (٢) .

وَقَال الشَّافِعِيُّ: لَوْ جَازَتْ مُؤَاخَذَتُهُ لَكَانَ ظَالِمًا، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَيْسَ بِظَالِمِ لِعَجْزِهِ (٣)، بَل إِنَّ ابْنَ الْعَرَبِيِّ قَال: إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمِدْيَانُ غَنِيًّا، فَمَطْلُهُ عَدْلٌ، وَيَنْقَلِبُ الْحَال عَلَى الْغَرِيمِ، فَتَكُونُ مُطَالَبَتُهُ ظُلْمًا (٤)، لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَال: ﴿وَإِِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ .

وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ مُلاَزَمَةَ الدَّائِنِ لِمَدِينِهِ الْمُعْسِرِ مَعَ اسْتِحْقَاقِهِ الإِِْنْظَارَ بِالنَّصِّ (٥) .

وَقَدْ بَيَّنَ الْمُصْطَفَى ﷺ فَضْل إِنْظَارِ الْمُعْسِرِ وَثَوَابَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال، سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ يَوْمَ

_________

(١) سورة البقرة / ٢٨٠.

(٢) المقدمات الممهدات ٢ / ٣٠٦

(٣) فتح الباري ٤ / ٤٦٦.

(٤) عارضة الأحوذي ٦ / ٤٧

(٥) الاختيار شرح المختار ٢ / ٩٠

الْقِيَامَةِ تَحْتَ ظِل عَرْشِهِ يَوْمَ لاَ ظِل إِلاَّ ظِلُّهُ. (١)

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَدِينِ الْمُعْسِرِ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْقَدْرُ الَّذِي اسْتُحِقَّ عَلَيْهِ حَاضِرًا عِنْدَهُ، لَكِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى تَحْصِيلِهِ بِالتَّكَسُّبِ مَثَلًا، هَل يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَمْ لاَ؟

قَال الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: أَطْلَقَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ عَدَمَ الْوُجُوبِ، وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِالْوُجُوبِ مُطْلَقًا.

وَفَصَّل آخَرُونَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ أَصْل الدَّيْنِ يَجِبُ بِسَبَبِ يَعْصِي بِهِ فَيَجِبُ، وَإِِلاَّ فَلاَ. (٢)

كَمَا اخْتَلَفُوا فِي هَل يُجْبَرُ الْمَدِينُ الْمُعْدِمُ عَلَى إِجَارَةِ نَفْسِهِ لِوَفَاءِ دَيْنِ الْغُرَمَاءِ مِنْ أُجْرَتِهِ إِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْعَمَل أَمْ لاَ؟ (٣)

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (إِفْلاَسٌ ف ٥٥)

ثَانِيًا: مَطْل الْمَدِينِ الْغَنِيِّ الَّذِي مَنَعَهُ الْعُذْرُ عَنِ الْوَفَاءِ

٧ - مَطْل الْمَدِينِ الْغَنِيِّ الَّذِي مَنَعَهُ الْعُذْرُ عَنِ الْوَفَاءِ، كَغَيْبَةِ مَالِهِ وَعَدَم وُجُودِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقْتَ الْوَفَاءِ بِغَيْرِ تَعَمُّدِهِ فَلاَ يَكُونُ مَطْلُهُ

_________

(١) حديث: " من أنظر معسرًا أو وضع له. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ٥٩٠) وقال: حديث حسن صحيح.

(٢) فتح الباري ٤ / ٤٦٥.

(٣) أحكام القرآن للجصاص ٢ / ٢٠٢ - ٢٠٤ والمقدمات الممهدات ٢ / ٣٠٦.

حَرَامًا، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمَطْل الْمَنْهِيَّ عَنْهُ كَمَا قَال الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: تَأْخِيرُ مَا اسْتُحِقَّ أَدَاؤُهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ (١)، وَهُوَ مَعْذُورٌ.

ثَالِثًا: مَطْل الْمَدِينِ الْمُوسِرِ بِلاَ عُذْرٍ

٨ - مَطْل الْمَدِينِ الْمُوسِرِ الْقَادِرِ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ بِلاَ عُذْرٍ وَذَلِكَ بَعْدَ مُطَالَبَةِ صَاحِبِ الْحَقِّ، فَإِِنَّهُ حَرَامٌ شَرْعًا، وَمِنْ كَبَائِرِ الإِِْثْمِ، وَمِنَ الظُّلْمِ الْمُوجِبِ لِلْعُقُوبَةِ الْحَامِلَةِ عَلَى الْوَفَاءِ (٢)، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَطْل الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، (٣) قَال ابْنُ حَجَرٍ: الْمَعْنَى أَنَّهُ مِنَ الظُّلْمِ، وَأَطْلَقَ ذَلِكَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّنْفِيرِ مِنَ الْمَطْل (٤)، وَقَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: مَطْل الْغَنِيِّ ظُلْمٌ إِذَا كَانَ وَاجِدًا لِجِنْسِ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ فِي تَأْخِيرِ سَاعَةٍ يُمْكِنُهُ فِيهَا الأَْدَاءُ (٥)، وَقَال الْبَاجِيُّ: وَإِِذَا كَانَ غَنِيًّا فَمَطَل بِمَا قَدِ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ فَقَدْ ظَلَمَ (٦) وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ قَال: لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِل عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ، (٧) وَمَعْنَى " يُحِل عِرْضَهُ "

_________

(١) فتح الباري ٤ / ٤٦٥

(٢) فتح الباري ٤ / ٤٦٥ - ٤٦٦، والزواجر عن ارتكاب الكبائر ١ / ٢٤٩، وإحكام الأحكام لابن دقيق العيد ٣ / ١٩٨

(٣) حديث: " مطل الغني ظلم. . . " تقدم تخريجه ف٥.

(٤) فتح الباري ٤ / ٤٦٥.

(٥) عارضة الأحوذي ٦ / ٤٦.

(٦) المنتقى ٥ / ٦٦

(٧) حديث: " لي الواجد يحل عرضه وعقوبته. . " أخرجه أحمد (٤ / ٢٢٢) من حديث الشريد بن سويد، وحسن إسناده ابن حجر في الفتح (٥ / ٦٤)

أَيْ يُبِيحُ أَنْ يَذْكُرَهُ الدَّائِنُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْمَطْل وَسُوءِ الْمُعَامَلَةِ (١) .

قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: وَلاَ نِزَاعَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ مِنْ عَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَدَائِهِ، وَامْتَنَعَ مِنْهُ، أَنَّهُ يُعَاقَبُ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ (٢) .

وَالْعُقُوبَةُ الزَّاجِرَةُ هِيَ عُقُوبَةٌ تَعْزِيرِيَّةٌ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ شَرْعًا، الْمَقْصُودُ مِنْهَا حَمْلُهُ عَلَى الْوَفَاءِ وَإِِلْجَاؤُهُ إِلَى دَفْعِ الْحَقِّ إِلَى صَاحِبِهِ دُونَ تَأْخِيرٍ.

أَمَّا قَبْل الطَّلَبِ، فَقَدْ وَقَعَ الْخِلاَفُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ: هَل يَجِبُ الأَْدَاءُ مَعَ الْقُدْرَةِ مِنْ غَيْرِ طَلَبِ صَاحِبِ الْحَقِّ، حَتَّى يُعَدَّ مَطْلًا بِالْبَاطِل قَبْلَهُ؟ وَحَكَى ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَمَال الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ إِلَى تَرْجِيحِ عَدَمِ الْوُجُوبِ قَبْل الطَّلَبِ، لأَِنَّ لَفْظَ " الْمَطْل " فِي الْحَدِيثِ يُشْعِرُ بِتَقْدِيمِ الطَّلَبِ وَتَوَقُّفِ الْحُكْمِ بِظُلْمِ الْمُمَاطِل عَلَيْهِ (٣) .

وَذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْمَطْل يَثْبُتُ بِالتَّأْجِيل وَالْمُدَافَعَةِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ (٤) .

_________

(١) الزواجر عن اقتراف الكبائر ١ / ٢٤٩، وجامع الأصول ٤ / ٤٥٥، وشرح السنة للبغوي ٨ / ١٩٥، والمنتقى للباجي ٥ / ٦٦.

(٢) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص ٩٢

(٣) إحكام الأحكام لابن دقيق العيد ٣ / ١٩٨، وفتح الباري ٤ / ٤٦٦، والزواجر للهيتمي ١ / ٢٤٩

(٤) الفتاوى الهندية ٣ / ٤١٢.

حَمْل الْمَدِينِ الْمُمَاطِل عَلَى الْوَفَاءِ

نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى طُرُقٍ تُتَّبَعُ لِحَمْل الْمَدِينِ الْمُمَاطِل عَلَى الْوَفَاءِ، مِنْهَا:

أ - قَضَاءُ الْحَاكِمِ دَيْنَهُ مِنْ مَالِهِ جَبْرًا:

٩ - إِذَا كَانَ لِلْمَدِينِ الْمُمَاطِل مَالٌ مِنْ جَنْسِ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ، فَإِِنَّ الْحَاكِمَ يَسْتَوْفِيهِ جَبْرًا عَنْهُ، وَيَدْفَعُهُ لِلدَّائِنِ إِنْصَافًا لَهُ، جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: الْمَحْبُوسُ فِي الدَّيْنِ إِذَا امْتَنَعَ عَنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ وَلَهُ مَالٌ فَإِِنْ كَانَ مَالُهُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ، بِأَنْ كَانَ مَالُهُ دَرَاهِمَ وَالدَّيْنُ دَرَاهِمُ، فَالْقَاضِي يَقْضِي دَيْنَهُ مِنْ دَرَاهِمِهِ بِلاَ خِلاَفٍ (١) .

وَقَال الْقَرَافِيُّ: وَلاَ يَجُوزُ الْحَبْسُ فِي الْحَقِّ إِذَا تَمَكَّنَ الْحَاكِمُ مِنِ اسْتِيفَائِهِ، فَإِِنِ امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِ الدَّيْنِ، وَنَحْنُ نَعْرِفُ مَالَهُ أَخَذْنَا مِنْهُ مِقْدَارَ الدَّيْنِ، وَلاَ يَجُوزُ لَنَا حَبْسُهُ (٢) .

ب - مَنْعُهُ مِنْ فُضُول مَا يَحِل لَهُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ:

١٠ - قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: لَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَدَاءِ الدَّيْنِ وَامْتَنَعَ، وَرَأَى الْحَاكِمُ مَنْعَهُ مِنْ فُضُول الأَْكْل وَالنِّكَاحِ فَلَهُ ذَلِكَ، إِذِ التَّعْزِيرُ لاَ يَخْتَصُّ بِنَوْعِ مُعَيَّنٍ، وَإِِنَّمَا يَرْجِعُ فِيهِ إِلَى اجْتِهَادِ

_________

(١) الفتاوى الهندية ٣ / ٤١٩.

(٢) الفروق للقرافي ٤ / ٨٠، وانظر تبصرة الحكام لابن فرحون ٢ / ٣١٩، ومعين الحكام للطرابلسي ص ١٩٩

الْحَاكِمِ فِي نَوْعِهِ وَقَدْرِهِ، إِذَا لَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ (١) .

ج - تَغْرِيمُهُ نَفَقَاتِ الشِّكَايَةِ وَرَفْعِ الدَّعْوَى

١١ - قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَمَنْ عَلَيْهِ مَالٌ، وَلَمْ يُوَفِّهِ حَتَّى شَكَا رَبُّ الْمَال، وَغَرِمَ عَلَيْهِ مَالًا، وَكَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ قَادِرًا عَلَى الْوَفَاءِ، وَمَطَل حَتَّى أَحْوَجَ مَالِكَهُ إِلَى الشَّكْوَى، فَمَا غَرِمَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَهُوَ عَلَى الظَّالِمِ الْمُمَاطِل، إِذَا كَانَ غُرْمُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ (٢) .

د - إِسْقَاطُ عَدَالَتِهِ وَرَدُّ شَهَادَتِهِ:

١٢ - حَكَى الْبَاجِيُّ عَنْ أَصْبَغَ وَسَحْنُونٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُمْ قَالُوا بِرِدِّ شَهَادَةِ الْمَدِينِ الْمُمَاطِل مُطْلَقًا، إِذَا كَانَ غَنِيًّا مُقْتَدِرًا (٣)، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمَّاهُ ظَالِمًا فِي قَوْلِهِ: مَطْل الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، (٤) وَنَقَل الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ عَنْ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ مُقْتَرِفَ ذَلِكَ يُفَسَّقُ (٥) .

وَلَكِنْ هَل يَثْبُتُ فِسْقُهُ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ بِمَطْلِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، أَمْ لاَ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ حَتَّى يَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ وَيَصِيرُ عَادَةً؟

_________

(١) الاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية للبعلي ص ١٣٧.

(٢) انظر الاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية ص ١٣٦، وكشاف القناع ٣ / ٤١٩.

(٣) المنتقى للباجي ٥ / ٦٦.

(٤) حديث: " مطل الغني ظلم. . . " سبق تخريجه في ف (٥) .

(٥) فتح الباري ٤ / ٤٦٦.

قَال النَّوَوِيُّ: مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا اشْتِرَاطُ التَّكْرَارِ (١)، وَقَال السُّبْكِيُّ: مُقْتَضَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ عَدَمُهُ، وَاسْتَدَل بِأَنْ مَنَعَ الْحَقَّ بَعْدَ طَلَبِهِ، وَابَتْعَاءُ الْعُذْرِ عَنْ أَدَائِهِ كَالْغَصْبِ، وَالْغَصْبُ كَبِيرَةٌ، وَتَسْمِيَتُهُ فِي الْحَدِيثِ ظُلْمًا يُشْعِرُ بِكَوْنِهِ كَبِيرَةً، وَالْكَبِيرَةُ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّكْرَارُ، نَعَمْ لاَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ يَظْهَرَ عَدَمُ عُذْرِهِ (٢) .

وَقَال الطِّيبِيُّ: قِيل: يَفْسُقُ بِمَرَّةٍ، وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ، وَقِيل: إِذَا تَكَرَّرَ، وَهُوَ الأَْوْلَى (٣) .

وَاخْتَلَفُوا هَل يَفْسُقُ بِالتَّأْخِيرِ مَعَ الْقُدْرَةِ قَبْل الطَّلَبِ أَمْ لاَ؟ قَال ابْنُ حَجَرٍ: الَّذِي يُشْعِرُ بِهِ حَدِيثُ الْبَابِ التَّوَقُّفُ عَلَى الطَّلَبِ، لأَِنَّ الْمَطْل يُشْعِرُ بِهِ (٤) .

هـ - تَمْكِينُ الدَّائِنِ مِنْ فَسْخِ الْعَقْدِ الْمُوجِبِ لِلدَّيْنِ:

١٣ - نَصَّ أَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْحَنَابِلَةِ، عَلَى أَنَّ مِنْ حَقِّ الدَّائِنِ عِنْدَ مَطْل الْمَدِينِ بِغَيْرِ عُذْرٍ أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ الَّذِي تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ كَالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ، وَيَسْتَرِدُّ الْبَدَل الَّذِي دَفَعَهُ، وَقَدْ جَعَل

_________

(١) شرح النووي على مسلم ١٠ / ٢٢٧

(٢) فتح الباري ٤ / ٤٦٦.

(٣) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ٣ / ٣٣٧، وفتح الباري ٤ / ٤٦٦.

(٤) فتح الباري ٤ / ٤٦٦.

لَهُ هَذَا الْخِيَارَ فِي الْفَسْخِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ إِزَالَةِ الضَّرَرِ اللاَّحِقِ بِهِ نَتِيجَةَ مَطْل الْمَدِينِ وَمُخَاصَمَتِهِ، وَلِيَكُونَ ذَلِكَ حَامِلًا لِلْمَدِينِ الْمُقْتَدِرِ عَلَى الْمُبَادَرَةِ بِالْوَفَاءِ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: وَلَوِ امْتَنَعَ - أَيِ الْمُشْتَرِي - مِنْ دَفْعِ الثَّمَنِ مَعَ يَسَارِهِ فَلاَ فَسْخَ فِي الأَْصَحِّ، لأَِنَّ التَّوَصُّل إِلَى أَخْذِهِ بِالْحَاكِمِ مُمْكِنٌ (٢) .

و حَبْسُ الْمَدِينِ

١٤ - نَصَّ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْمَدِينَ الْمُوسِرَ إِذَا امْتَنَعَ مِنْ وَفَاءِ دَيْنِهِ مَطْلًا وَظُلْمًا، فَإِِنَّهُ يُعَاقَبُ بِالْحَبْسِ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ (٣) .

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (حَبْسٌ ف ٧٩ وَمَا بَعْدَهَا) .

وَنَقَل ابْنُ سَمَاعَةَ عَنْ مُحَمِّدٍ فِي الْمَحْبُوسِ بِالدَّيْنِ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لاَ مَال لَهُ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ،

_________

(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٠ / ٢٢ وما بعدها، والاختيارات الفقهية ص ١٢٦

(٢) مغني المحتاج ٢ / ١٥٨ - ١٥٩

(٣) بدائع الصنائع ٧ / ١٧٣، وكشاف القناع ٣ / ٤٠٧، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٧٦، والخرشي على خليل ٥ / ٢٧٧، وروضة الطالبين ٤ / ١٣٧، وروضة القضاة للسمناني ١ / ٤٣٥، والمغني ٤ / ٤٩٩، وشرح السنة للبغوي ٨ / ١٩٥، والسياسة الشرعية ص ٦٧، والفتاوى الهندية ٣ / ٤٢٠، وانظر قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ١ / ١٠٠، ومعين الحكام للطرابلسي ص ١٩٧، والفروق للقرافي ٤ / ٨٠