الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧
أَثَرُ الْمَسِّ فِي الظِّهَارِ:
١٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَأَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ إِلَى حُرْمَةِ دَوَاعِي الْوَطْءِ مِنْ مَسٍّ أَوْ مُبَاشَرَةٍ أَوْ تَقْبِيلٍ قَبْل التَّكْفِيرِ فِي الظِّهَارِ (١) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (٢) .
دَلَّتِ الآْيَةُ عَلَى أَنَّهُ أَمَرَ الْمُظَاهِرَ بِالْكَفَّارَةِ قَبْل التَّمَاسِّ، وَالتَّمَاسُّ يَصْدُقُ عَلَى الْمَسِّ بِالْيَدِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَجْزَاءِ الْجِسْمِ، كَمَا يَصْدُقُ عَلَى الْوَطْءِ، وَالْوَطْءُ قَبْل التَّكْفِيرِ حَرَامٌ بِالاِتِّفَاقِ، فَالْمَسُّ بِالْيَدِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ يَكُونُ حَرَامًا مِثْلَهُ وَلأَِنَّ الْمَسَّ وَالتَّقْبِيل بِشَهْوَةٍ وَالْمُبَاشَرَةَ دُونَ الْفَرْجِ تَدْعُو إِلَى الْوَطْءِ، وَمَتَى كَانَ الْوَطْءُ حَرَامًا كَانَتِ الدَّوَاعِي إِلَيْهِ حَرَامًا أَيْضًا بِنَاءً عَلَى الْقَاعِدَةِ الْفِقْهِيَّةِ (مَا أَدَّى إِلَى الْحَرَامِ حَرَامٌ) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَأَحْمَدُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى إِبَاحَةِ الدَّوَاعِي فِي الْوَطْءِ (٣)، وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْمَسِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ قَبْل أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (٤)
الْجِمَاعُ: وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْل أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (٥)، فَلاَ يَحْرُمُ
_________
(١) فتح القدير ٤ / ٨٧، وبدائع الصنائع ٣ / ٢٣٤، وحاشية الدسوقي ٢ / ٤٤٥، والمغني ٧ / ٣٤٨، والمبسوط ٤ / ٢٠٧.
(٢) سورة المجادلة / ٣.
(٣) مغني المحتاج ٣ / ٣٥٧، وحاشية الدسوقي ٢ / ٤٤٧، والمغني ٧ / ٣٨٣.
(٤) سورة المجادلة / ٣.
(٥) سورة البقرة / ٢٣٧.
مَا عَدَاهُ مِنَ الْمَسِّ بِشَهْوَةٍ وَالْمُبَاشَرَةِ وَالتَّقْبِيل فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، وَلأَِنَّ تَحْرِيمَ الْوَطْءِ بِالظِّهَارِ يُشْبِهُ تَحْرِيمَ الْوَطْءِ بِالْحَيْضِ مِنْ نَاحِيَةِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا وَطْءٌ مُحَرَّمٌ وَلاَ يُخِل بِالنِّكَاحِ، وَتَحْرِيمُ الْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ لاَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الدَّوَاعِي إِلَيْهِ، فَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ الْوَطْءِ بِالظِّهَارِ لاَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الدَّوَاعِي إِلَيْهِ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ (١) .
مَسُّ الذَّكَرِ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ
١٨ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِهِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ أَصْحَابِهِ أَنَّ مَسَّ الذَّكَرِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ (٢) .
وَقَال مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: لاَ يَنْقُضُ مَسُّهُ إِلاَّ بِبَاطِنِ كَفِّهِ وَلاَ يَنْقُضُ بِظَهْرِ الْكَفِّ لأَِنَّ ظَاهِرَ الْكَفِّ لَيْسَ بِآلَةِ الْمَسِّ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَسَّهُ بِفَخِذِهِ (٣) .
وَلاَ فَرْقَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ بَيْنَ بَطْنِ الْكَفِّ وَظَاهِرِهِ (٤) .
وَلِلتَّفْصِيل يُرَاجَعُ (مُصْطَلَحُ وُضُوءٌ) .
_________
(١) فتح القدير ٤ / ٨٧، والفتاوى الهندية ١ / ٤٥٦، وحاشية الدسوقي ٢ / ٤٤٧، والمغني لابن قدامة ٧ / ٣٨٣.
(٢) المدونة ١ / ٨، ومواهب الجليل ١ / ٢٩٩، وحاشية الدسوقي ١ / ١٢١، والمجموع ٢ / ٣٤، ٣٥، وشرح روض الطالب ١ / ٥٧ - ٥٨، والمغني ١ / ١٧٨، والإنصاف ١ / ٢٠٢، والفروع ١ / ١٧٩.
(٣) المدونة ١ / ٨، والمجموع ١ / ٣٤ - ٤١، وكفاية الأخيار ١ / ٢٢.
(٤) المغني ١ / ١٧٩، والفروع ١ / ١٧٩.
مَسُّ الأَْجْنَبِيِّ أَوِ الأَْجْنَبِيَّةِ
١٩ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ مَسِّ الرَّجُل شَيْئًا مِنْ جَسَدِ الْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ الْحَيَّةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ شَابَّةً أَمْ عَجُوزًا (١) غَيْرَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَالُوا: لاَ بَأْسَ بِمُصَافَحَةِ الْعَجُوزِ وَمَسِّ يَدِهَا لاِنْعِدَامِ خَوْفِ الْفِتْنَةِ (٢) .
وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا مَسَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ امْرَأَةً قَطُّ (٣)، وَلأَِنَّ الْمَسَّ أَبْلَغُ مِنَ النَّظَرِ فِي اللَّذَّةِ وَإِثَارَةِ الشَّهْوَةِ (٤) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَحِل لِرَجُلٍ مَسُّ وَجْهِ أَجْنَبِيَّةٍ وَإِنْ حَل نَظَرُهُ بِنَحْوِ خِطْبَةٍ أَوْ شَهَادَةٍ أَوْ تَعْلِيمٍ، وَلاَ لِسَيِّدَةِ مَسُّ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِ عَبْدِهَا وَعَكْسُهُ وَإِنْ حَل النَّظَرُ (٥) .
مَسُّ الْمَرْأَةِ لِلْعِلاَجِ
٢٠ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلطَّبِيبِ الْمُسْلِمِ إِنْ لَمْ تُوجَدْ طَبِيبَةٌ أَنْ يُدَاوِيَ
_________
(١) الشرح الصغير ١ / ٢٩٠، وبدائع الصنائع ٦ / ٢٥٩، وتبيين الحقائق ٦ / ١٨، ومغني المحتاج ٣ / ١٣٢، ونهاية المحتاج ٦ / ١٩٥ - ١٩٦، والمجموع ١ / ٣٤ - ٤١، والمغني ١ / ٣٣٨.
(٢) بدائع الصنائع ٦ / ٢٥٩، وتكملة فتح القدير ٨ / ٩٨، وتبيين الحقائق ٦ / ١٨.
(٣) حديث: عائشة " ما مس رسول الله ﷺ. . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٤٨٩) من حديث عائشة ﵂.
(٤) الشرح الصغير ١ / ٢٩٠، ومغني المحتاج ٣ / ١٣٢، والمغني ١ / ٣٣٨، والمجموع ١ / ٢٦.
(٥) نهاية المحتاج ٦ / ١٩٢.
الْمَرِيضَةَ الأَْجْنَبِيَّةَ الْمُسْلِمَةَ وَيَنْظُرَ مِنْهَا وَيَمَسَّ مَا تُلْجِئُ الْحَاجَةُ إِلَى نَظَرِهِ، وَمَسِّهِ فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ طَبِيبَةٌ وَلاَ طَبِيبٌ مُسْلِمٌ جَازَ لِلطَّبِيبِ الذِّمِّيِّ ذَلِكَ، وَتُقَدَّمُ الْمَرْأَةُ الْكَافِرَةُ مَعَ وُجُودِ طَبِيبٍ مُسْلِمٍ لأَِنَّ نَظَرَ الْكَافِرَةِ وَمَسَّهَا أَخَفُّ مِنَ الرَّجُل.
وَيَجُوزُ لِلطَّبِيبَةِ أَنْ تَنْظُرَ وَتَمَسَّ مِنَ الْمَرِيضِ مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ الْمُلْجِئَةُ إِلَى نَظَرِهِ وَمَسِّهِ إِنْ لَمْ يُوجَدْ طَبِيبٌ يَقُومُ بِمُدَاوَاةِ الْمَرِيضِ (١)، وَقَدِ اشْتَرَطَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ شُرُوطًا لِذَلِكَ.
فَقَال الشَّافِعِيَّةُ: وَيُبَاحَانِ أَيِ النَّظَرُ وَالْمَسُّ لِفَصْدٍ وَحِجَامَةٍ وَعِلاَجٍ لِلْحَاجَةِ لَكِنْ بِحَضْرَةِ مَانِعِ خَلْوَةٍ كَمَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ أَوِ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ لِحِل خَلْوَةِ رَجُلٍ بِامْرَأَتَيْنِ ثِقَتَيْنِ، وَشَرَطَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنْ يَأْمَنَ الاِفْتِنَانَ وَلاَ يَكْشِفَ إِلاَّ قَدْرَ الْحَاجَةِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ كَذَلِكَ: يَحْرُمُ النَّظَرُ دُونَ الْمَسِّ كَأَنْ أَمْكَنَ لِطَبِيبٍ مَعْرِفَةُ الْعِلَّةِ بِالْمَسِّ فَقَطْ (٢) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: وَلِطَبِيبٍ نَظَرُ وَمَسُّ مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَى نَظَرِهِ وَلَمْسِهِ نَصَّ عَلَيْهِ (٣)، حَتَّى فَرْجِهَا وَبَاطِنِهِ لأَِنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ ذِمِّيًّا، وَلِيَكُنْ ذَلِكَ مَعَ حُضُورِ مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ،
_________
(١) بدائع الصنائع ٢ / ٢٦١، والفواكه الدواني ٢ / ٤١٠، ومغني المحتاج ٣ / ١٣٣، ونهاية المحتاج ٦ / ١٩٦ - ١٩٧، وكفاية الأخيار ٢ / ٢٩، والمغني ٣ / ١١٣، والإنصاف ٨ / ٢٢.
(٢) نهاية المحتاج ٦ / ١٩٥، والإقناع للشربيني ٢ / ٦٩.
(٣) الإنصاف ٨ / ٢٢، وكشاف القناع ٥ / ١٣.
لأَِنَّهُ لاَ يَأْمَنُ مَعَ الْخَلْوَةِ مُوَاقَعَةَ الْمَحْظُورِ، وَيَسْتُرُ مِنْهَا مَا عَدَا مَوْضِعَ الْحَاجَةِ لأَِنَّهَا عَلَى الأَْصْل فِي التَّحْرِيمِ، وَكَالطَّبِيبِ مَنْ يَلِي خِدْمَةَ مَرِيضٍ أَوْ مَرِيضَةٍ فِي وُضُوءٍ وَاسْتِنْجَاءٍ وَغَيْرِهِمَا وَكَتَخْلِيصِهَا مِنْ غَرَقٍ وَحَرْقٍ وَنَحْوِهِمَا، وَكَذَا لَوْ حَلَقَ عَانَةَ مَنْ لاَ يُحْسِنُ حَلْقَ عَانَتِهِ، وَكَذَا لِمَعْرِفَةِ بَكَارَةٍ وَثُيُوبَةٍ وَبُلُوغٍ، وَأَمَّا الْمَسُّ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ كَمَسِّ يَدِهَا لِيَعْرِفَ مَرَضَهَا فَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ بِحَالٍ (١) .
_________
(١) كشاف القناع ٥ / ١٣.
مِسْكٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْمِسْكُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ السِّينِ: طِيبٌ مَعْرُوفٌ، وَثَوْبٌ مُمَسَّكٌ: مَصْبُوغٌ بِهِ، وَدَوَاءٌ مُمَسَّكٌ: فِيهِ مِسْكٌ.
قَال الْجَوْهَرِيُّ: الْمِسْكُ مِنَ الطِّيبِ، فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ قَال: وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّيهِ الْمَشْمُومَ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ قَال الْبُنَانِيُّ نَقْلًا عَنِ الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ: الْمِسْكُ دَمٌ يَجْتَمِعُ فِي سُرَّةِ الْغَزَال فِي وَقْتٍ مَعْلُومٍ مِنَ السَّنَةِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ وَرِمَ الْمَوْضِعُ، فَيَمْرَضُ الْغَزَال إِلَى أَنْ يَسْقُطَ مِنْهُ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْعَنْبَرُ:
٢ - الْعَنْبَرُ فِي اللُّغَةِ: مَادَّةٌ صُلْبَةٌ لاَ طَعْمَ لَهَا وَلاَ رِيحَ إِلاَّ إِذَا سُحِقَتْ أَوْ أُحْرِقَتْ، يُقَال: إِنَّهُ رَوْثُ دَابَّةٍ بَحْرِيَّةٍ (٣) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ الْعَنْبَرَ شَيْءٌ دَسَرَهُ الْبَحْرُ -
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير.
(٢) حاشية البناني على هامش الزرقاني ١ / ٢٧.
(٣) المعجم الوسيط.
أَيْ رَمَى بِهِ - إِلَى السَّاحِل (١) .
وَالْعِلاَقَةُ بَيْنَ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا طِيبٌ، وَلَهُمَا أَحْكَامٌ فِقْهِيَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمِسْكِ:
أ - طَهَارَةُ الْمِسْكِ وَأَكْلُهُ
٣ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْمِسْكَ طَاهِرٌ حَلاَلٌ، يَجُوزُ أَكْلُهُ وَالاِنْتِفَاعُ بِهِ بِكُل حَالٍ فِي الأَْطْعِمَةِ وَالأَْدْوِيَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ لِضَرُورَةٍ أَمْ لاَ، لأَِنَّهُ وَإِنْ كَانَ دَمًا فَقَدْ تَغَيَّرَ، وَاسْتَحَال أَصْلُهُ إِلَى صَلاَحٍ، فَيَصِيرُ طَاهِرًا، وَلِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّ الْمِسْكَ أَطْيَبُ الطِّيبِ (٢) .
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: حَكَى النَّوَوِيُّ إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى طَهَارَتِهِ وَجَوَازِ بَيْعِهِ (٣) .
وَأَمَّا نَافِجَةُ الْمِسْكِ (٤) فَطَاهِرَةٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي الْجُمْلَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي التَّفَاصِيل:
_________
(١) الفروع لابن مفلح ١ / ٢٥١، ونهاية المحتاج ١ / ٢٢٤، وابن عابدين ١ / ١٤٠، والاختيار ١ / ١١٥، وأسنى المطالب ١ / ١١.
(٢) حديث: " أن المسك أطيب الطيب ". أخرجه مسلم (٤ / ١٧٦٦) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٣) ابن عابدين ١ / ١٣٩، ١٤٠، وفتح القدير ١ / ١٤١، والأشباه والنظائر لابن نجيم ٧٦، والفتاوى الخانية على هامش الفتاوى الهندية ١ / ٢٤، وحاشية الدسوقي ١ / ٥٢، وجواهر الإكليل ١ / ٢٩، وحاشية الزرقاني ١ / ٢٧، ٥٢، وأسنى المطالب ١ / ١١، والإقناع للخطيب الشربيني ١ / ٢٥، وروضة الطالبين ٣ / ١٣٠، ومطالب أولي النهى ٦ / ٣٠٨.
(٤) النافجة بكسر الفاء، وقيل بفتحها، وفتح الجيم: جلدة يتجمع فيها المسك (ابن عابدين ١ / ١٤٠، وفتح القدير ١ / ٦٧، والقاموس المحيط هامش مادة نفج) .
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ إِلَى طَهَارَتِهَا مُطْلَقًا، أَيْ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ رَطْبِهَا وَيَابِسِهَا، وَبَيْنَ مَا انْفَصَل مِنَ الْمَذْبُوحِ أَوْ غَيْرِهِ، وَقِيل: إِنْ كَانَتْ بِحَال لَوْ أَصَابَهَا الْمَاءُ لَمْ تَفْسُدْ فَهِيَ طَاهِرَةٌ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: فَأْرَةُ الْمِسْكِ مَيْتَةٌ طَاهِرَةٌ إِجْمَاعًا لاِنْتِقَالِهَا عَنِ الدَّمِ، كَالْخَمْرِ لِلْخَل (٢) .
وَهِيَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنِ انْفَصَلَتْ مِنْ حَيَّةٍ أَوْ مُذَكَّاةٍ فَطَاهِرَةٌ وَتَكُونُ كَالرِّيشِ، وَإِنِ انْفَصَلَتْ مِنْ مَيْتَةٍ فَنَجِسَةٌ كَاللَّبَنِ (٣) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: الْمِسْكُ وَفَأْرَتُهُ (وِعَاؤُهُ) طَاهِرَانِ، لأَِنَّهُ مُنْفَصِلٌ بِطَبْعِهِ، أَشْبَهَ الْوَلَدَ (٤)
ب - زَكَاةُ الْمِسْكِ
٤ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ عَلَى أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِي الْمِسْكِ (٥) .
ج - بَيْعُ الْمِسْكِ وَفَأْرَتِهِ
٥ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى جَوَازِ بَيْعِ الْمِسْكِ فِي الْجُمْلَةِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: حَكَى النَّوَوِيُّ إِجْمَاعَ
_________
(١) ابن عابدين ١ / ١٤٠، وفتح القدير ١ / ٦٧، والفتاوى الهندية ١ / ٢٤، والأشباه والنظائر لابن نجيم ٧٦.
(٢) حاشية الزرقاني ١ / ٢٧.
(٣) أسنى المطالب ١ / ١١، والإقناع للخطيب الشربيني ١ / ٢٥، وروضة الطالبين ١ / ١٧.
(٤) كشاف القناع ١ / ٥٧.
(٥) روضة الطالبين ٢ / ٢٦٠، وكشاف القناع ٢ / ٢٢٥.
الْمُسْلِمِينَ عَلَى طَهَارَتِهِ وَجَوَازِ بَيْعِهِ (١) .
وَفَصَّل الشَّافِعِيَّةُ الْقَوْل فِيهِ فَقَالُوا: لاَ يَصِحُّ بَيْعُ مِسْكٍ اخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ لِجَهْل الْمَقْصُودِ، وَلَوْ كَانَ قَدْرُ الْمِسْكِ مَعْلُومًا صَحَّ الْبَيْعُ، هَذَا إِذَا خَالَطَهُ لاَ عَلَى وَجْهِ التَّرْكِيبِ، فَإِنْ كَانَ مَعْجُونًا بِغَيْرِهِ كَالْغَالِيَةِ، وَالنِّدِّ (٢)، صَحَّ الْبَيْعُ، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ جَمِيعُهَا لاَ الْمِسْكُ وَحْدَهُ.
وَكَذَلِكَ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ بَيْعُ الْمِسْكِ فِي فَأْرَتِهِ مَعَهَا، أَوْ دُونَهَا، وَلَوْ فَتَحَ رَأْسَهَا كَاللَّحْمِ فِي الْجِلْدِ.
أَمَّا لَوْ رَأَى الْمِسْكَ خَارِجَ الْفَأْرَةِ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ بَعْدَ رَدِّهِ إِلَيْهَا، أَوْ رَأَى الْفَأْرَةَ فَارِغَةً، ثُمَّ مُلِئَتْ مِسْكًا لَمْ يَرَهُ، ثُمَّ رَأَى أَعْلاَهُ مِنْ رَأْسِهَا جَازَ، وَإِلاَّ فَلاَ، لأَِنَّهُ بَيْعُ غَائِبٍ.
وَأَمَّا لَوْ بَاعَ الْمِسْكَ وَفَأْرَتَهُ كُل رَطْلٍ أَوْ قِيرَاطٍ مَثَلًا بِدِرْهَمٍ صَحَّ الْبَيْعُ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ قِيمَتُهُمَا، شَرِيطَةَ أَنْ يَعْرِفَ وَزْنَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَكَانَ لِلْفَأْرَةِ قِيمَةٌ، وَإِلاَّ فَلاَ يَصِحُّ لأَِنَّ الْبَيْعَ اشْتَمَل عَلَى اشْتِرَاطِ بَذْل مَالٍ فِي مُقَابَلَةِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ (٣) .
وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ بَيْعُ مِسْكٍ
_________
(١) ابن عابدين ١ / ١٤٠، وأسنى المطالب ٢ / ٢٠، ٢١، والجمل ٣ / ٦٠، ٤١، ٣٩، والإقناع ٢ / ١٠، ونهاية المحتاج ٣ / ٤٠٤، ومطالب أولي النهى ٣ / ٣٠٠.
(٢) الغالية: مركب من مسك وعنبر وعود وكافور، والند: تركيب من عود هندي ومسك وعنبر وقد يعمل منهما (أسنى المطالب ١ / ٢١، والآداب الشرعية ٢ / ٤٢٠، ٤٢٦) .
(٣) مراجع الشافعية السابقة.