الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧
، وَلِخَبَرِ: لَوِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِكَ أَحَدٌ وَلَمْ تَأْذَنْ لَهُ، حَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ (١) ".
و(مَنْ) مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ فِي الْعُقَلاَءِ فَتَشْمَل الرَّجُل وَالْمَرْأَةَ وَالْخُنْثَى، لأَِنَّ الرَّمْيَ الْوَارِدَ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ لِلتَّكْلِيفِ، بَل لِدَفْعِ مَفْسَدَةِ النَّظَرِ (٢) .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جِوَازِ الرَّمْيِ عَلَى مُسَارِقِ النَّظَرِ فِي الْبُيُوتِ
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الرَّمْيُ عَلَى النَّاظِرِ وَيَضْمَنُ إِنْ فَقَأَ عَيْنَهُ، وَالْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ.
جَاءَ فِي تَبْصِرَةِ الْحُكَّامِ: وَلَوْ نَظَرَ مِنْ كُوَّةٍ أَوْ مِنْ بَابٍ فَفَقَأَ عَيْنَهُ صَاحِبُهُ ضَمِنَ، لأَِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى زَجْرِهِ وَدَفْعِهِ بِالأَْخَفِّ، وَلَوْ قَصَدَ زَجْرَهُ بِذَلِكَ فَأَصَابَ عَيْنَهُ وَلَمْ يَقْصِدْ فَقْأَهَا فَفِي ضَمَانِهِ خِلاَفٌ (٣)، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: فَإِنْ لَمْ يُمْكِنُ دَفْعُ الْمُطَّلِعِ إِلاَّ بِفَقْءِ عَيْنِهِ فَفَقَأَهَا فَلاَ ضَمَانَ، وَإِنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ بِدُونِ فَقْءِ الْعَيْنِ فَفَقَأَهَا ضَمِنَ (٤) .
_________
(١) حديث: " لو اطلع في بيتك أحد ولم تأذن له. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ٢١٦) واللفظ له، ومسلم (٣ / ١٦٩٩) .
(٢) مغني المحتاج ٤ / ١٩٨، والمغني ٨ / ٣٣٥.
(٣) تبصرة الحكام ٢ / ٣٠٤.
(٤) ابن عابدين ٥ / ٣٥١.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ إِنْ نَظَرَهُ فِي دَارِهِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ بِمِلْكٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ كُوَّةٍ أَوْ ثُقْبٍ عَمْدًا فَرَمَاهُ بِخَفِيفٍ كَحَصَاةِ فَفَقَأَ عَيْنَهُ أَوْ أَصَابَ قُرْبَ عَيْنِهِ فَجَرَحَهُ فَمَاتَ فَهَدَرٌ لِلْخَبَرِ السَّابِقِ.
وَيُشْتَرَطُ فِي جِوَازِ الرَّمْيِ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِهِ:
١ - أَنْ يَنْظُرَ فِي كُوَّةٍ أَوْ ثُقْبٍ، فَإِنْ نَظَرَ مِنْ بَابٍ مَفْتُوحٍ فَلاَ يَرْمِيهِ لِتَفْرِيطِ صَاحِبِ الدَّارِ بِفَتْحِهِ.
٢ - وَأَنْ تَكُونَ الْكُوَّةُ صَغِيرَةً، فَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً أَوْ شُبَّاكًا وَاسِعًا فَهِيَ كَالْبَابِ الْمَفْتُوحِ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ رَمْيُهُ لِتَقْصِيرِ صَاحِبِ الدَّارِ، إِلاَّ أَنْ يُنْذِرَهُ فَلاَ يَرْتَدِعَ فَيَرْمِيَهُ.
وَحُكْمُ النَّظَرِ مِنْ سَطْحِ نَفْسِهِ، وَالْمُؤَذِّنِ مِنَ الْمَنَارَةِ كَالْكُوَّةِ الصَّغِيرَةِ عَلَى الأَْصَحِّ إِذْ لاَ تَفْرِيطَ مِنْ صَاحِبِ الدَّارِ (١) .
- أَنْ لاَ يَكُونَ النَّاظِرُ أَحَدَ أُصُولِهِ الَّذِينَ لاَ قِصَاصَ عَلَيْهِمْ وَلاَ حَدَّ قَذْفٍ، فَلاَ يَجُوزُ رَمْيُهُ فِي هَذِهِ الْحَال لأَِنَّ الرَّمْيَ نَوْعٌ مِنَ الْحَدِّ فَإِنْ رَمَاهُ فَفَقَأَ عَيْنَهُ ضَمِنَ.
٤ - أَنْ لاَ يَكُونَ النَّظَرُ مُبَاحًا لَهُ لِخِطْبَةٍ بِشَرْطِهَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
٥ - أَنْ لاَ يَكُونَ لِلنَّاظِرِ فِي الْمَوْضِعِ مَحْرَمٌ
_________
(١) مغني المحتاج ٤ / ١٩٨، وتحفة المحتاج ٩ / ١٨٩، والمغني ٨ / ٣٣٥.
لَهُ أَوْ زَوْجَتُهُ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَرُمَ رَمْيُهُ وَضَمِنَ إِنْ فَقَأَ عَيْنَهُ أَوْ جَرَحَهُ؛ لأَِنَّ لَهُ فِي النَّظَرِ شُبْهَةً.
قِيل: وَيُشْتَرَطُ عَدَمُ اسْتِتَارِ الْحُرُمِ، فَإِنْ كُنَّ مُسْتَتِرَاتٍ بِالثِّيَابِ أَوْ فِي مُنْعَطَفٍ لاَ يَرَاهُنَّ النَّاظِرُ فَلاَ يَجُوزُ رَمْيُهُ لِعَدَمِ اطِّلاَعِهِ عَلَيْهِنَّ، وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ لِعُمُومِ الأَْخْبَارِ، وَحَسْمًا لِمَادَّةِ النَّظَرِ.
وَقِيل: يُشْتَرَطُ إِنْذَارُهُ قَبْل رَمْيِهِ، وَالأَْصَحُّ عَدَمُ الاِشْتِرَاطِ (١) .
٦ - أَنْ يَتَعَمَّدَ النَّظَرَ، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدِ النَّظَرَ كَأَنْ كَانَ مَجْنُونًا أَوْ مُخْطِئًا أَوْ وَقَعَ نَظَرُهُ اتِّفَاقًا فَإِنَّهُ لاَ يَرْمِيهِ إِذَا عَلِمَ ذَلِكَ صَاحِبُ الدَّارِ، وَيَضْمَنُ إِنْ رَمَاهُ فَأَعْمَاهُ أَوْ جَرَحَهُ فَمَاتَ بِسِرَايَةٍ.
فَإِنْ رَمَاهُ وَادَّعَى الْمَرْمِيُّ عَدَمَ الْقَصْدِ فَلاَ شَيْءَ عَلَى الرَّامِي، لأَِنَّ الاِطِّلاَعَ وَقَعَ وَالْقَصْدُ بَاطِنٌ لاَ يُطَّلَعُ عَلَيْهِ.
٧ - أَنْ لاَ يَنْصَرِفَ عَنِ النَّظَرِ قَبْل الرَّمْيِ.
فَلاَ يَجُوزُ الرَّمْيُ بَعْدَ امْتِنَاعِهِ عَنِ الْمُسَارَقَةِ (٢) .
وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ مِلْكًا لِلْمَنْظُورِ فَلِلْمُسْتَأْجَرِ رَمْيُ مَالِكِ الدَّارِ إِذَا سَارَقَهُ النَّظَرَ (٣) .
_________
(١) المصادر السابقة.
(٢) مغني المحتاج ٤ / ١٩٨، وتحفة المحتاج ٩ / ١٨٩ - ١٩٠، والمغني ٨ / ٣٣٥ - ٣٣٦.
(٣) المصادر السابقة.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (تَجَسَّسٌ ف ١٣) .
ب - مُسَارَقَةُ النَّظَرِ مِمَّنْ يُرِيدُ الْخِطْبَةَ:
٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ نَظَرِ الْخَاطِبِ لِمَنْ يَرْغَبُ فِي خِطْبَتِهَا قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْل الْعِلْمِ خِلاَفًا فِي إِبَاحَةِ النَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ لِمَنْ يُرِيدُ نِكَاحَهَا، كَمَا ذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ عِلْمِ الْمُرَادِ خِطْبَتُهَا أَوْ إِذْنِهَا أَوْ إِذْنِ وَلِيِّهَا فِي النَّظَرِ إِلَيْهَا، فَيَجُوزُ لِمَنْ يَرْغَبُ فِي خِطْبَتِهَا أَنْ يَنْظُرَ خِلْسَةً لإِطْلاَقِ الأَْخْبَارِ وَاكْتِفَاءً بِإِذْنِ الشَّارِعِ وَلِئَلاَّ تَتَزَيَّنَ فَيَفُوتَ غَرَضُهُ (١)، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ:
وَكُنْتُ أَتَخَبَّأُ لَهَا (٢) ".
ج - مُسَارَقَةُ السَّمْعِ:
٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ مُسَارَقَةَ السَّمْعِ - وَهُوَ التَّنَصُّتُ عَلَى أَحَادِيثِ أُنَاسٍ بِغَيْرِ عِلْمِهِمْ وَرِضَاهُمْ - مُحَرَّمٌ يُعَاقَبُ عَلَيْهِ السَّارِقُ فِي الآْخِرَةِ لِحَدِيثِ: مَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ أَوْ يَفِرُّونَ مِنْهُ صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الآْنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٣) ".
_________
(١) مغني المحتاج ٤ / ١٢٨، والمغني ٦ / ٥٥٢ - ٥٥٣.
(٢) حديث جابر: قال قال رسول الله ﷺ: " إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل قال: فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها ". رواه أبو داود (٢ / ٥٦٥) .
(٣) سبق تخريجه فقرة (٢) .
وَلَكِنْ لاَ يَجُوزُ رَمْيُهُ لِعَدَمِ وُرُودِ نَصٍّ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الرَّمْيِ فِيهِ، وَلأَِنَّ السَّمْعَ لَيْسَ كَالْبَصَرِ فِي الاِطِّلاَعِ عَلَى الْعَوْرَاتِ (١) .
(ر: اسْتِرَاقُ السَّمْعِ ف ٤) .
_________
(١) مغني المحتاج ٤ / ١٩٨.
مُسَاقَاةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْمُسَاقَاةُ فِي اللُّغَةِ: مُفَاعَلَةٌ مِنَ السَّقْيِ - بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الْقَافِ - وَهِيَ دَفْعُ النَّخِيل وَالْكُرُومِ إِلَى مَنْ يَعْمُرُهُ وَيَسْقِيهِ وَيَقُومُ بِمَصْلَحَتِهِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلْعَامِل سَهْمٌ (نَصِيبٌ) وَالْبَاقِي لِمَالِكِ النَّخِيل.
وَأَهْل الْعِرَاقِ يُسَمُّونَهَا الْمُعَامَلَةَ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
قَال الْجُرْجَانِيُّ: هِيَ دَفْعُ الشَّجَرِ إِلَى مَنْ يُصْلِحُهُ بِجُزْءٍ مِنْ ثَمَرِهِ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْمُزَارَعَةُ:
٢ - الْمُزَارَعَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الزِّرَاعَةِ (٣)، وَتُسَمَّى مُخَابِرَةً مِنَ الْخَبَارِ - بِفَتْحِ الْخَاءِ - وَهِيَ الأَْرْضُ اللَّيِّنَةُ (٤) .
_________
(١) لسان العرب.
(٢) التعريفات للجرجاني.
(٣) المغرب للمطرزي ص ٢٠٧، ونيل الأوطار ٥ / ٢٧٣، وبدائع الصنائع ٦ / ١٧٥.
(٤) كشاف القناع ٣ / ٥٣٢.
وَالْمُزَارَعَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ: عَقْدٌ عَلَى الزَّرْعِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ (١) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَوْضُوعَ الْمُسَاقَاةِ الشَّجَرُ، وَمَوْضُوعَ الْمُزَارَعَةِ الْبَذْرُ وَالزَّرْعُ.
ب - الْمُنَاصَبَةُ:
٣ - الْمُنَاصَبَةُ وَتُسَمَّى الْمُغَارَسَةَ (٢): وَهِيَ دَفْعُ أَرْضٍ بَيْضَاءَ مُدَّةً مَعْلُومَةً لِيَغْرِسَ فِيهَا وَتَكُونَ الأَْرْضُ وَالشَّجَرُ بَيْنَهُمَا (٣) . أَوْ هِيَ كَمَا قَال الْبُهُوتِيُّ دَفْعُ الشَّجَرِ الْمَعْلُومِ الَّذِي لَهُ ثَمَرٌ مَأْكُولٌ بِلاَ غَرْسٍ مَعَ أَرْضِهِ لِمَنْ يَغْرِسُهُ وَيَعْمَل عَلَيْهِ حَتَّى يُثْمِرَ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مَعْلُومٍ مِنْهُ أَوْ مِنْ ثَمَرِهِ أَوْ مِنْهُمَا.
وَتَخْتَلِفُ الْمُسَاقَاةُ عَنِ الْمُنَاصَبَةِ فِي أَنَّ الشَّجَرَ فِي الْمُسَاقَاةِ مَغْرُوسٌ، وَفِي الْمُنَاصَبَةِ غَيْرُ مَغْرُوسٍ (٤) .
ج - الإِْجَارَةُ:
٤ - الإِْجَارَةُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِلأُْجْرَةِ، وَهِيَ كِرَاءُ الأَْجِيرِ (٥) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ عَرَّفَهَا الْفُقَهَاءُ بِأَنَّهَا: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ عَلَى تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ بِعِوَضٍ (٦) .
_________
(١) الدر المختار مع حاشية رد المحتار ٥ / ١٧٤.
(٢) كشاف القناع ٣ / ٥٣٢، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٣٤٣.
(٣) حاشية ابن عابدين ٥ / ١٨٣.
(٤) كشاف القناع ٣ / ٥٣٢.
(٥) المغرب، ومقاييس اللغة.
(٦) تبيين الحقائق للزيلعي ٥ / ١٠٥.
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الإِْجَارَةِ وَالْمُسَاقَاةِ هِيَ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ أَعَمُّ مِنَ الإِْجَارَةِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْمُسَاقَاةِ عَلَى أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل: أَنَّهَا جَائِزَةٌ شَرْعًا، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ (١)، وَالْحَنَابِلَةِ (٢)، وَالشَّافِعِيَّةِ (٣)، وَمُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ (٤) مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى عِنْدَهُمْ. وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَعْطَى خَيْبَرَ الْيَهُودَ أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا (٥) ".
وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْمُضَارَبَةِ مِنْ حَيْثُ الشَّرِكَةُ فِي النَّمَاءِ فَقَطْ دُونَ الأَْصْل (٦) .
الْقَوْل الثَّانِي: أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ، وَحُكِيَ هَذَا الْقَوْل عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ.
_________
(١) القوانين الفقهية ٢٨٤، والكافي لابن عبد البر ٢ / ١٠٦، والمدونة ٤ / ٢.
(٢) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٣٤٣، وكشاف القناع ٣ / ٥٣٢.
(٣) نهاية المحتاج ٥ / ٢٤٧.
(٤) المبسوط ٢٣ / ١٨، وحاشية ابن عابدين ٥ / ١٧٤، ١٨١.
(٥) حديث ابن عمر: " أعطى رسول الله ﷺ خبير اليهود. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٤٦٢)، ومسلم (٣ / ١١٨٦) واللفظ للبخاري.
(٦) نهاية المحتاج ٥ / ٢٤٤، ٢٤٥، والحاوي ٩ / ١٦٤، وما بعدها، وبداية المجتهد ٢ / ٢٤٢، والقوانين الفقهية ٢٦٩، وبدائع الصنائع ٦ / ١٧٥، ١٨٥، والمبسوط ٢٣ / ١٨، وحاشية ابن عابدين ٥ / ١٨١.
الْقَوْل الثَّالِثُ: أَنَّهَا غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ (١) .
وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ حَيْثُ جَاءَ فِيهِ مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيُزْرِعْهَا، وَلاَ يُكَارِهَا بِثُلُثٍ وَلاَ رُبُعٍ وَلاَ بِطَعَامٍ مُسَمًّى (٢) "، وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ وَارِدًا فِي الْمُزَارَعَةِ غَيْرَ أَنَّ مَعْنَى النَّهْيِ - وَهُوَ الْكِرَاءُ بِجُزْءٍ مِنَ الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ - وَارِدٌ فِي الْمُسَاقَاةِ أَيْضًا (٣) .
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ (٤) "، وَغَرَرُ الْمُسَاقَاةِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ وَعَدَمِهَا، وَبَيْنَ قِلَّتِهَا وَكَثْرَتِهَا، فَكَانَ الْغَرَرُ أَعْظَمُ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْقَوْل بِإِبْطَالِهَا أَحَقُّ (٥) .
وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ بِحَدِيثِ: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ قَفِيزِ الطَّحَّانِ (٦) "، وَالْمَعْنَى الَّذِي نَهَى لأَِجَلِهِ عَنْ قَفِيزِ الطَّحَّانِ مَوْجُودٌ فِي الْمُسَاقَاةِ،
_________
(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٨٥، والمبسوط ٢٣ / ١٧، ١٨، وحاشية ابن عابدين ٥ / ١٨١.
(٢) حديث: " من كانت له أرض فليزرعها. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١١٨١)، والنسائي (٧ / ٤٢) واللفظ للنسائي.
(٣) بدائع الصنائع ٦ / ١٧٥، والاختيار ٣ / ٧٥.
(٤) حديث: " نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر ". أخرجه مسلم (٣ / ١١٥٣) .
(٥) الحاوي للماوردي ٩ / ١٦٣.
(٦) حديث: " نهى رسول الله ﷺ عن قفيز الطحان ". أخرجه الدارقطني (٣ / ٤٧) وضعفه الذهبي في (ميزان الاعتدال) (٤ / ٣٠٦) وقال: (هذا منكر ورجله لا يعرف) .
لأَِنَّهَا اسْتِئْجَارُ الْعَامِل بِبَعْضِ مَا يُخْرِجُ مِنْ عَمَلِهِ (١) .
وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ فِي الْمَعْقُول: أَنَّ هَذَا اسْتِئْجَارٌ بِبَعْضِ الْخَارِجِ وَأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ (٢) .
صِفَّةُ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ مِنْ حَيْثُ اللُّزُومُ وَعَدَمُهُ
٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْحُكْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْمُسَاقَاةِ الصَّحِيحَةِ ابْتِدَاءً فَوْرَ انْعِقَادِهَا مِنْ حَيْثُ لُزُومُ الْعَقْدِ أَوْ جَوَازُهُ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (٣)، وَالْمَالِكِيَّةُ (٤)، وَالشَّافِعِيَّةُ (٥)، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (٦) إِلَى الْقَوْل بِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ عَقْدٌ لاَزِمٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ وَإِنَّهُ لاَ خِيَرَةَ لِوَاحِدٍ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي فَسْخِهِ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى لُزُومِ الْعَقْدِ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا: -
أَنَّهُ لاَ ضَرَرَ عَلَى وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي التَّنْفِيذِ.
- وَأَنَّهَا كَالإِْجَارَةِ مِنْ حَيْثُ وُرُودُ الْعَقْدِ عَلَى عَمَلٍ يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ مَعَ بَقَائِهَا.
- وَأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ جَائِزَةً غَيْرَ لاَزِمَةٍ وَفَسَخَ
_________
(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٧٥، والاختيار ٣ / ٧٥.
(٢) بدائع الصنائع ٦ / ١٨٥.
(٣) المبسوط ٢٣ / ١٠١، بدائع الصنائع ٦ / ١٨٦.
(٤) الشرح الكبير للدردير ٣ / ٥٤٥، ٥٤٦.
(٥) مغني المحتاج ٢ / ٣٢٩.
(٦) كشاف القناع ٣ / ٥٣٧، والمغني مع الشرح الكبير ٥ / ٥٦٤، ٥٦٥، ٥٦٩.