الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧ الصفحة 14

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧

الرِّوَايَةَ أَبُو بَكْرٍ وَنَقَلَهَا عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ وَحَرْبٌ (١) .

٣٣ - إِذَا قَال صَاحِبُ الأَْرْضِ لآِخَرَ: أَجَّرْتُكَ نِصْفَ أَرْضِي هَذِهِ بِنِصْفِ بَذْرِكَ وَنِصْفِ مَنْفَعَتِكَ وَمَنْفَعَةِ مَاشِيَتِكَ، وَأَخْرَجَ الْمُزَارِعُ الْبَذْرَ كُلَّهُ لاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ، لأَِنَّ الْمَنْفَعَةَ مَجْهُولَةٌ وَإِذَا جُهِلَتْ فَسَدَ الْعَقْدُ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَهَا أُجْرَةً لأَِرْضٍ أُخْرَى لَمْ يَجُزْ، وَيَكُونُ الزَّرْعُ كُلُّهُ لِلْمُزَارِعِ وَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْل الأَْرْضِ.

وَإِنْ أَمْكَنَ عِلْمُ الْمَنْفَعَةِ وَضَبْطُهَا بِمَا لاَ تَخْتَلِفُ مَعَهُ مَعْرِفَةُ الْبَذْرِ جَازَ وَكَانَ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا.

وَقِيل: لاَ يَصِحُّ أَيْضًا، لأَِنَّ الْبَذْرَ عِوَضٌ فَيُشْتَرَطُ قَبْضُهُ كَمَا لَوْ كَانَ مَبِيعًا وَمَا حَصَل فِيهِ قَبْضٌ.

وَإِنْ قَال لَهُ: آجَرْتُكَ نِصْفَ أَرْضِي بِنِصْفِ مَنْفَعَتِكَ وَمَنْفَعَةِ مَاشِيَتِكَ، وَأَخْرَجَا الْبَذْرَ مَعًا، فَهِيَ كَالصُّورَةِ السَّابِقَةِ، إِلاَّ أَنَّ الزَّرْعَ يَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَى كُل حَالٍ، نَصَّ عَلَى كُل ذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ (٢) .

٥٠ ٣٤ - إِذَا اشْتَرَكَ أَرْبَعَةٌ فِي عَقْدِ مُزَارَعَةٍ عَلَى أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحَدِهِمُ الأَْرْضُ، وَمِنَ الثَّانِي الْمَاشِيَةُ، وَمِنَ الثَّالِثِ الْبَذْرُ، وَمِنَ الرَّابِعِ الْعَمَل فَسَدَتِ الْمُزَارَعَةُ، وَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى فَسَادِ

_________

(١) المغني ٥ / ٤٢٧، ومنتهى الإرادات ١ / ٤٧٤، والمقنع ٢ / ١٩٤، وكشاف القناع ٣ / ٥٤٥.

(٢) المغني ٥ / ٤٢٥، وكشاف القناع ٣ / ٥٤٣، ٥٤٤.

هَذِهِ الصُّورَةِ (١) .

وَلَوِ اشْتَرَكَ ثَلاَثَةٌ: مِنْ أَحَدِهِمُ الأَْرْضُ، وَمِنَ الثَّانِي الْبَذْرُ، وَمِنَ الثَّالِثِ الْمَاشِيَةُ وَالْعَمَل، عَلَى أَنْ يُقْسَمَ الْمَحْصُول بَيْنَهُمْ فَسَدَتِ الْمُزَارَعَةُ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ (٢) .

وَعَلَى قِيَاسِ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ هَذَا الْعَقْدُ جَائِزٌ (٣) .

آثَارُ الْمُزَارَعَةِ

تَتَرَتَّبُ عَلَى الْمُزَارَعَةِ آثَارٌ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ صِحَّتِهَا أَوْ فَسَادِهَا.

أَوَّلًا: الآْثَارُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الْمُزَارَعَةِ الصَّحِيحَةِ

٣٥ - إِذَا تَوَافَرَتْ شُرُوطُ صِحَّةِ الْمُزَارَعَةِ انْعَقَدَتْ صَحِيحَةً وَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا الآْثَارُ الآْتِيَةُ:

أ - عَلَى الْمُزَارِعِ كُل عَمَلٍ مِنْ أَعْمَال الْمُزَارَعَةِ مِمَّا يَحْتَاجُ الزَّرْعُ إِلَيْهِ لِنَمَائِهِ وَصَلاَحِ حَالِهِ، كَالرَّيِّ وَالْحِفْظِ وَتَطْهِيرِ الْمَرَاوِي الدَّاخِلِيَّةِ وَالتَّسْمِيدِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٤)، لأَِنَّ عَقْدَ الْمُزَارَعَةِ قَدْ تَنَاوَل هَذِهِ الأَْشْيَاءَ فَيَكُونُ مُلْزَمًا بِهَا.

ب - عَلَى الْمُزَارِعِ تَقْلِيبُ الأَْرْضِ بِالْحَرْثِ (الْكِرَابِ) إِنِ اشْتُرِطَ فِي الْعَقْدِ، لأَِنَّهُ شَرْطٌ

_________

(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٧٩، وتكملة البحر الرائق ٨ / ١٨٢، وحاشية ابن عابدين ٦ / ٢٧٩، والمبسوط ٢٣ / ١٥، ١٦.

(٢) المغني ٥ / ٤٢٨، ومنتهى الإرادات ١ / ٤٧٤، والمقنع ٢ / ١٩٤.

(٣) بدائع الصنائع ٦ / ١٨٠.

(٤) بدائع الصنائع ٦ / ١٨٢، وابن عابدين ٦ / ٢٨١، والفتاوى الهندية ٥ / ٢٣٧، ومنتهى الإرادات ١ / ٤٧٢، وكشاف القناع ٣ / ٥٤٠.

صَحِيحٌ فَوَجَبَ الْوَفَاءُ بِهِ، وَإِنْ سَكَتَا عَنْهُ وَلَمْ يَشْتَرِطَاهُ، أُجْبِرَ عَلَيْهِ أَيْضًا إِنْ كَانَتِ الأَْرْضُ لاَ تُخْرِجُ زَرْعًا أَصْلًا بِدُونِهِ، أَوْ كَانَ مَا تُخْرِجُهُ قَلِيلًا لاَ يُقْصَدُ مِثْلُهُ بِالْعَمَل، لأَِنَّ مُطْلَقَ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ يَقَعُ عَلَى الزِّرَاعَةِ الْمُعْتَادَةِ، أَمَّا إِذَا كَانَتِ الأَْرْضُ مِمَّا تُخْرِجُ الزَّرْعَ بِدُونِ حَاجَةٍ إِلَى الْحَرْثِ زَرْعًا مُعْتَادًا يُقْصَدُ مِثْلُهُ فِي عُرْفِ النَّاسِ، فَإِنَّهُ لاَ يُجْبَرُ عَلَيْهِ الْمُزَارِعُ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ (١) .

وَعَلَى هَذَا إِذَا امْتَنَعَ الْمُزَارِعُ عَنْ سَقْيِ الأَْرْضِ بِالْمَاءِ، وَقَال: أَتْرُكُهَا حَتَّى تُسْقَى مِنْ مَاءِ الْمَطَرِ، فَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ مِمَّا لاَ يَكْتَفِي بِمَاءِ الْمَطَرِ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى الرَّيِّ بِالْمَاءِ، فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَيْهِ، لأَِنَّ مُطْلَقَ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ يَقَعُ عَلَى الزِّرَاعَةِ الْمُعْتَادَةِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لاَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَكْفِيهِ مَاءُ الْمَطَرِ، وَيَخْرُجُ زَرْعًا مُعْتَادًا بِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يُجْبَرُ عَلَيْهِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ (٢) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُلْزَمُ الْعَامِل بِمَا فِيهِ صَلاَحُ الثَّمَرَةِ وَالزَّرْعِ مِنَ السَّقْيِ وَالْحَرْثِ وَنَحْوِهِمَا (٣) .

ج - عَلَى صَاحِبِ الأَْرْضِ تَسْلِيمُهَا إِلَى الْمُزَارِعِ لِيَزْرَعَهَا أَوْ يَعْمَل عَلَيْهَا إِذَا كَانَ بِهَا نَبَاتٌ، لأَِنَّ عَدَمَ التَّسْلِيمِ يَمْنَعُ التَّخْلِيَةَ بَيْنَ الأَْرْضِ وَالْعَامِل وَهُوَ مُفْسِدٌ لِلْمُزَارَعَةِ.

_________

(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٨٢، والمبسوط ٢٣ / ٣٨، ٣٩.

(٢) بدائع الصنائع ٦ / ١٨٢، والمبسوط ٢٣ / ٣٨، ٣٩.

(٣) كشاف القناع ٣ / ٥٤٠.

د - عَلَى صَاحِبِ الأَْرْضِ، الأَْعْمَال الأَْسَاسِيَّةُ الَّتِي يَبْقَى أَثَرُهَا وَمَنْفَعَتُهَا إِلَى مَا بَعْدَ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ، كَبِنَاءِ حَائِطٍ وَإِجْرَاءِ الأَْنْهَارِ الْخَارِجِيَّةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَبْقَى أَثَرُهُ وَمَنْفَعَتُهُ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ (١) .

هـ - عَلَى صَاحِبِ الأَْرْضِ خَرَاجُهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٢)، وَلاَ يَجُوزُ عِنْدَهُمُ اشْتِرَاطُهُ عَلَى الْمُزَارِعِ، وَلاَ دَفْعُهُ مِنَ الْمَحْصُول وَالْبَاقِي يُقْسَمُ عَلَيْهِمَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ كَمَا قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الْخَرَاجَ مَبْلَغٌ مُعَيَّنٌ مِنَ الْمَال، فَاشْتِرَاطُ دَفْعِ هَذَا الْمَبْلَغِ مِنَ الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ الْقَدْرِ مِنَ الْخَارِجِ لِصَاحِبِ الأَْرْضِ، وَهَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ، لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ فِي الرِّيعِ مَعَ حُصُولِهِ، لِجَوَازِ أَلاَّ يَحْصُل إِلاَّ ذَلِكَ الْقَدْرُ أَوْ دُونَهُ.

وعَلَى الْمُزَارِعِ وَصَاحِبِ الأَْرْضِ مَعًا، كُل مَا كَانَ مِنْ بَابِ النَّفَقَةِ عَلَى الزَّرْعِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ حَقِّهِمَا كَثَمَنِ السَّمَادِ وَقَلْعِ الْحَشَائِشِ الْمُضِرَّةِ، وَعَلَيْهِمَا أَيْضًا أُجْرَةُ الْحَصَادِ، وَحَمْل الْمَحْصُول إِلَى الْجُرْنِ، وَالدِّيَاسُ، وَالتَّذْرِيَةُ، لأَِنَّ هَذِهِ الأَْعْمَال لَيْسَتْ مِنْ أَعْمَال الْمُزَارَعَةِ حَتَّى يَخْتَصَّ بِهَا الْمُزَارِعُ وَحْدَهُ.

_________

(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٨١، والمبسوط ٢٣ / ٣٩، ومنتهى الإرادات ١ / ٤٧٣، وكشاف القناع ٣ / ٥٤٠.

(٢) المبسوط ٢٣ / ٣٣، ومنتهى الإرادات ١ / ٤٧٣، وكشاف القناع ٣ / ٥٤١.

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَغَيْرِهِ أَنَّ هَذِهِ الأَْشْيَاءَ الأَْخِيرَةَ عَلَى الْمُزَارِعِ لِتَعَامُل النَّاسِ بِذَلِكَ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (١) .

ز - يُقْسَمُ مَحْصُول الأَْرْضِ بَيْنَ صَاحِبِهَا وَالْمُزَارِعِ عَلَى حَسَبِ الاِتِّفَاقِ الْمُبْرَمِ بَيْنَهُمَا، وَعَلَى كُلٍّ مِنَ الْمُزَارِعِ وَصَاحِبِ الأَْرْضِ، حَمْل نَصِيبِهِ مِنَ الْمَحْصُول وَحِفْظُهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ، لأَِنَّهُ بِانْتِهَاءِ قِسْمَةِ الْمَحْصُول يَنْتَهِي عَقْدُ الْمُزَارَعَةِ، فَكُل عَمَلٍ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَحَمَّل صَاحِبُهُ نَفَقَاتِهِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ (٢) .

ح - قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ كَانَ مَا جَازَ إِنْشَاءُ الْعَقْدِ عَلَيْهِ جَازَتِ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ وَمَا لاَ فَلاَ، أَمَّا الْحَطُّ فَجَائِزٌ فِي الْحَالَيْنِ مَعًا (٣) .

وَعَلَى هَذَا فَالزِّيَادَةُ وَالْحَطُّ عَلَى وَجْهَيْنِ:

إِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الْمُزَارِعِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ صَاحِبِ الأَْرْضِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ حَصَادِ الزَّرْعِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَهُ.

وَلاَ يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنَ الْمُزَارِعِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونُ مِنْ صَاحِبِ الأَْرْضِ.

فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْحَصَادِ - وَالْبَذْرِ مِنْ قِبَل الْعَامِل - فَإِنَّ الزِّيَادَةَ لاَ تَجُوزُ مِنَ الْعَامِل، وَإِنَّمَا يَنْقَسِمُ

_________

(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٨٢، تكملة البحر الرائق ٨ / ١٨٦، وحاشية ابن عابدين ٦ / ٢٨١، الهداية مع تكملة فتح القدير ٩ / ٤٧٧، والفتاوى الهندية ٥ / ٢٣٧.

(٢) بدائع الصنائع ٦ / ١٨٠، وتكملة البحر الرائق ٨ / ١٨٦.

(٣) بدائع الصنائع ٦ / ١٨٢، وتكملة البحر الرائق ٨ / ١٨٤، والمبسوط ٢٣ / ٤٣، ٤٤، والفتاوى الهندية ٥ / ٢٣٧.

الْمَحْصُول عَلَى حَسَبِ الاِتِّفَاقِ الْمُبْرَمِ بَيْنَهُمَا.

وَإِنْ زَادَ صَاحِبُ الأَْرْضِ فِي نَصِيبِ الْمُزَارِعِ، وَرَضِيَ بِهَا الْمُزَارِعُ، جَازَتِ الزِّيَادَةُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ الْمُزَارِعَ فِي الْحَالَةِ الأُْولَى زَادَ عَلَى الأُْجْرَةِ بَعْدَ انْتِهَاءِ عَمَل الْمُزَارَعَةِ بِاسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَنْفَعَةُ، وَهَذَا لاَ يَجُوزُ لأَِنَّهُمَا لَوْ أَنْشَآ عَقْدَ الْمُزَارَعَةِ بَعْدَ الْحَصَادِ لاَ يَجُوزُ، فَكَذَلِكَ الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِيبِ لاَ تَجُوزُ بَعْدُ، أَمَّا فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ، فَقَدْ حَطَّ صَاحِبُ الأَْرْضِ مِنَ الأُْجْرَةِ، وَالْحَطُّ لاَ يَسْتَلْزِمُ قِيَامَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ.

هَذَا إِذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنَ الْعَامِل، أَمَّا إِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ صَاحِبِ الأَْرْضِ فَزَادَ صَاحِبُ الأَْرْضِ مِنْ نَصِيبِ الْمُزَارِعِ، فَإِنَّ الزِّيَادَةَ لاَ تَجُوزُ، وَلَكِنْ إِنْ زَادَ الْمُزَارِعُ فِي نَصِيبِ صَاحِبِ الأَْرْضِ جَازَتِ الزِّيَادَةُ لِمَا ذُكِرَ.

هَذَا إِذَا كَانَتِ الزِّيَادَةُ مِنْ أَيِّهِمَا بَعْدَ حَصَادِ الزَّرْعِ.

أَمَّا إِنْ كَانَتْ قَبْلَهُ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ مِنْ أَيٍّ مِنْهُمَا، لأَِنَّ الْوَقْتَ يَحْتَمِل إِنْشَاءَ الْعَقْدِ، فَيَحْتَمِل الزِّيَادَةَ، بِخِلاَفِ الأَْمْرِ بَعْدَ الْحَصَادِ فَإِنَّهُ لاَ يَحْتَمِل إِنْشَاءَ الْعَقْدِ، فَلاَ يَحْتَمِل الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ.

أَمَّا الْحَطُّ فَجَائِزٌ فِي الْحَالَيْنِ أَيْ قَبْل الْحَصَادِ وَبَعْدَهُ.

ط - إِذَا لَمْ تُخْرِجُ الأَْرْضُ شَيْئًا فَلاَ يَسْتَحِقُّ

أَحَدُهُمَا تُجَاهَ الآْخَرِ أَيَّ شَيْءٍ، لاَ أَجْرَ الْعَمَل لِلْعَامِل وَلاَ أُجْرَةَ الأَْرْضِ لِصَاحِبِهَا، سَوَاءٌ أَكَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَل الْعَامِل أَمْ كَانَ مِنْ قِبَل صَاحِبِ الأَْرْضِ، لأَِنَّهَا إِمَّا إِجَارَةٌ أَوْ شَرِكَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ إِجَارَةً فَالْوَاجِبُ فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ مِنْهَا هُوَ الْمُسَمَّى - وَهُوَ مَعْدُومٌ - فَلاَ يَسْتَحِقُّ غَيْرَهُ، وَإِنْ كَانَتْ شَرِكَةً فَالشَّرِكَةُ فِي الْخَارِجِ فَقَطْ دُونَ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ هُنَا خَارِجٌ، فَلاَ يَسْتَحِقُّ غَيْرَهُ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ (١) .

ثَانِيًا: الآْثَارُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ

٣٦ - إِذَا فَسَدَتِ الْمُزَارَعَةُ لِفِقْدَانِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ صِحَّتِهَا تَرَتَّبَتْ عَلَيْهَا الآْثَارُ التَّالِيَةُ:

أ - عَدَمُ وُجُوبِ أَيِّ شَيْءٍ مِنْ أَعْمَال الْمُزَارَعَةِ عَلَى الْمُزَارِعِ، لأَِنَّ وُجُوبَهُ بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ، وَقَدْ فَسَدَ الْعَقْدُ، فَلاَ يُطَالَبُ الْمُزَارِعُ بِأَيِّ عَمَلٍ مِنَ الأَْعْمَال الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ.

ب - قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يَسْتَحِقُّ صَاحِبُ الْبَذْرِ الْخَارِجَ كُلَّهُ مِنَ الأَْرْضِ، سَوَاءٌ أَكَانَ صَاحِبُهُ هُوَ الْمُزَارِعَ أَمْ رَبَّ الأَْرْضِ (٢)، وَعَلَيْهِ الأُْجْرَةُ لِصَاحِبِهِ.

وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ اسْتِحْقَاقَ صَاحِبِ الْبَذْرِ الْخَارِجَ لِكَوْنِهِ نَمَاءَ مِلْكِهِ وَهُوَ الْبَذْرُ، لاَ

_________

(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٨٢، وتكملة البحر الرائق ٨ / ١٨٤، والهداية مع شروحها ٩ / ٤٧٠.

(٢) بدائع الصنائع ٦ / ١٨٢، والفتاوى الهندية ٥ / ٢٢٩، والمقنع ٢ / ١٩٣.

بِالشَّرْطِ لِوُقُوعِ الاِسْتِغْنَاءِ بِالْمِلْكِ عَنِ الشَّرْطِ، وَاسْتِحْقَاقُ الأَْجْرِ الْخَارِجِ بِالشَّرْطِ وَهُوَ الْعَقْدُ، فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ اسْتَحَقَّهُ صَاحِبُ الْمِلْكِ وَلاَ يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِشَيْءٍ لِكَوْنِهِ نَمَاءَ مِلْكِهِ.

وَإِذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَل صَاحِبِ الأَْرْضِ أَخَذَ الْخَارِجَ كُلَّهُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ لِلْعَامِل أَجْرُ مِثْل عَمَلِهِ، وَذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (١) .

وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ صَاحِبَ الأَْرْضِ يَكُونُ مُسْتَأْجِرًا لِلْعَامِل، فَإِذَا فَسَدَتِ الإِْجَارَةُ وَجَبَ لَهُ أَجْرُ مِثْل عَمَلِهِ عَلَيْهِ.

وَإِذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَل الْعَامِل فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْخَارِجَ كُلَّهُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ لِصَاحِبِ الأَْرْضِ أُجْرَةُ مِثْل أَرْضِهِ، وَهَذَا بِالاِتِّفَاقِ أَيْضًا (٢) .

وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ الْعَامِل يَكُونُ مُسْتَأْجِرًا لِلأَْرْضِ، فَإِذَا فَسَدَتِ الإِْجَارَةُ وَجَبَ عَلَيْهِ مِثْل أَجْرِ الأَْرْضِ لِصَاحِبِهَا.

وَهَل يَطِيبُ النَّاتِجُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ عِنْدَمَا يَسْتَحِقُّهُ؟ فِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ:

إِذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَل صَاحِبِ الأَْرْضِ وَاسْتَحَقَّ الْخَارِجَ كُلَّهُ وَغَرِمَ لِلْعَامِل أَجْرَ مِثْل عَمَلِهِ، فَإِنَّ الْخَارِجَ كُلَّهُ مِنَ الأَْرْضِ يَكُونُ طَيِّبًا لَهُ، لأَِنَّهُ نَاتِجٌ مِنْ مِلْكِهِ وَهُوَ الْبَذْرُ - فِي مِلْكِهِ -

_________

(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٨٢، والمبسوط ٢٣ / ١٦، والخرشي ٦ / ٦٧، وحاشية الدسوقي ٣ / ٣٧٧، ونهاية المحتاج ٥ / ٢٤٧، وحاشية البجيرمي ٣ / ١٦٣، والمغني ٥ / ٤٢٥، ٤٢٦، ومنتهى الإرادات ١ / ٤٧٥، والمقنع ٢ / ١٩٣.

(٢) المراجع السابقة.

وَهُوَ الأَْرْضُ - نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ (١) .

أَمَّا إِذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَل الْعَامِل، وَاسْتَحَقَّ الْخَارِجَ كُلَّهُ وَغَرِمَ لِصَاحِبِ الأَْرْضِ أَجْرَ مِثْل أَرْضِهِ، فَإِنَّ الْخَارِجَ كُلَّهُ لاَ يَكُونُ طَيِّبًا لَهُ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ مِنَ الزَّرْعِ قَدْرَ بَذْرِهِ وَقَدْرَ أَجْرِ مِثْل الأَْرْضِ وَيَطِيبُ لَهُ ذَلِكَ، لأَِنَّهُ سُلِّمَ لَهُ بِعِوَضٍ وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْل عَلَى ذَلِكَ، لأَِنَّهُ وَإِنْ تَوَلَّدَ مِنْ بَذْرِهِ لَكِنْ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، فَتَمَكَّنَتْ فِيهِ شُبْهَةُ الْخَبَثِ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَسَبِيلُهُ التَّصَدُّقُ بِهِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ (٢) .

ج - وَلاَ يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْل فِي الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ مَا لَمْ يُوجَدِ اسْتِعْمَالٌ لِلأَْرْضِ، لأَِنَّ الْمُزَارَعَةَ عَقْدُ إِجَارَةٍ، وَالأُْجْرَةُ فِي الإِْجَارَةِ الْفَاسِدَةِ لاَ تَجِبُ إِلاَّ بِحَقِيقَةِ الاِسْتِعْمَال وَلاَ تَجِبُ بِمُجَرَّدِ التَّخْلِيَةِ، لاِنْعِدَامِ التَّخْلِيَةِ فِيهَا حَقِيقَةً، إِذْ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ رَفْعِ الْمَوَانِعِ وَالتَّمَكُّنِ مِنَ الاِنْتِفَاعِ حَقِيقَةً وَشَرْعًا وَلَمْ يُوجَدْ، بِخِلاَفِ الإِْجَارَةِ الصَّحِيحَةِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ (٣) .

د - إِذَا اسْتَعْمَل الْمُزَارِعُ الأَْرْضَ فِي الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْل وَإِنْ لَمْ تُخْرِجْ شَيْئًا، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ (٤) .

_________

(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٨٢، والمبسوط ٢٣ / ٢٢.

(٢) بدائع الصنائع ٦ / ١٨٢، والهداية مع تكملة فتح القدير ٩ / ٤٧٢، والفتاوى الهندية ٥ / ٢٣٩.

(٣) بدائع الصنائع ٦ / ١٨٢.

(٤) بدائع الصنائع ٦ / ١٨٣.

هـ - وَأَجْرُ الْمِثْل فِي الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ يَجِبُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مُقَدَّرًا بِالْمُسَمَّى، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بَالِغًا مَا بَلَغَ، هَذَا إِذَا كَانَتِ الأُْجْرَةُ وَهِيَ حِصَّةُ كُلٍّ مِنْهُمَا مُسَمَّاةً فِي الْعَقْدِ، أَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ مُسَمَّاةً فِيهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْل بَالِغًا مَا بَلَغَ عِنْدَهُمَا مَعًا (١) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْمُزَارَعَةُ إِذَا وَقَعَتْ فَاسِدَةً بِأَنِ اخْتَل شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ صِحَّتِهَا فَإِنَّهَا تُفْسَخُ قَبْل الْعَمَل، فَإِنْ فَاتَتْ بِالْعَمَل وَتَسَاوَيَا فِيهِ فَإِنَّ الزَّرْعَ يَكُونُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ عَمَلِهِمَا، لأَِنَّهُ تَكَوَّنَ عَنْهُ وَيَتَرَادَّانِ غَيْرَ الْعَمَل، كَمَا لَوْ كَانَتِ الأَْرْضُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَالْبَذْرُ مِنَ الآْخَرِ، فَيَرْجِعُ صَاحِبُ الْبَذْرِ عَلَى صَاحِبِ الأَْرْضِ بِمِثْل نِصْفِ بَذْرِهِ، وَيَرْجِعُ صَاحِبُ الأَْرْضِ عَلَى صَاحِبِ الْبَذْرِ بِأُجْرَةِ نِصْفِ أَرْضِهِ.

وَإِذَا وَقَعَتْ فَاسِدَةً وَلَمْ يَتَكَافَآ فِي الْعَمَل، بَل كَانَ الْعَامِل أَحَدَهُمَا فَقَطْ، فَالزَّرْعُ كُلُّهُ يَكُونُ لِلْعَامِل، لأَِنَّهُ نَشَأَ عَنْ عَمَلِهِ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الأَْرْضِ لِصَاحِبِهَا وَأُجْرَةُ الْبَقَرِ لِصَاحِبِهِ أَوْ مَكِيلَةُ الْبَذْرِ لِصَاحِبِهِ إِنْ كَانَ الْعَامِل هُوَ صَاحِبَ الأَْرْضِ، لَكِنَّ شَرْطَ اخْتِصَاصِ الْعَامِل بِالزَّرْعِ: أَنْ يَكُونَ لَهُ مَعَ الْعَمَل إِمَّا بَذْرٌ وَالأَْرْضُ لِلآْخَرِ، أَوْ أَرْضٌ وَالْبَذْرُ لِلآْخَرِ، وَإِذَا لَمْ يَنْضَمَّ إِلَى عَمَلِهِ شَيْءٌ مِنْ أَرْضٍ أَوْ بَذْرٍ أَوْ

_________

(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٨٣، والهداية مع تكملة فتح القدير ٩ / ٤٧١.