الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٧
تُخْرِجُ الأَْرْضُ إِلاَّ التِّبْنَ، فَلَوِ اسْتَقَل بِهِ أَحَدُهُمَا فَإِنَّ الآْخَرَ لَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْخَارِجِ شَيْئًا، وَهَذَا يَقْطَعُ الشَّرِكَةَ الَّتِي هِيَ مِنْ لَوَازِمِ الْعَقْدِ، وَيَكُونُ كَمَنْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ كُلُّهُ لَهُ، أَوْ شَرَطَ لِنَفْسِهِ كَمِّيَّةً مُعَيَّنَةً مِنَ الْمَحْصُول (١) .
صُوَرٌ مِنَ الْمُزَارَعَةِ:
٢٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ صُوَرٍ مِنَ الْمُزَارَعَةِ: مِنْهَا الصَّحِيحَةُ، وَهِيَ مَا اسْتَوْفَتْ شُرُوطَ صِحَّتِهَا عِنْدَ مَنْ يَقُول بِهَا، وَمِنْهَا الْفَاسِدَةُ، وَهِيَ الَّتِي فَقَدَتْ شَرْطًا مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ.
وَفِيمَا يَلِي بَعْضُ هَذِهِ الصُّوَرِ.
صُوَرٌ مِنَ الْمُزَارَعَةِ الصَّحِيحَةِ
٢١ - أَنْ يَكُونَ الْعَمَل مِنْ جَانِبٍ، وَالْبَاقِي كُلُّهُ مِنْ أَرْضٍ وَبَذْرٍ وَمَاشِيَةٍ وَآلاَتٍ وَنَفَقَاتٍ مِنَ الْجَانِبِ الآْخَرِ.
وَقَدْ نَصَّ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ الصُّورَةِ الْحَنَفِيَّةُ (٢)، وَالْمَالِكِيَّةُ (٣)، وَالْحَنَابِلَةُ (٤) .
وَوَجْهُ صِحَّتِهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ صَاحِبَ الأَْرْضِ يَصِيرُ مُسْتَأْجِرًا لِلْعَامِل لاَ غَيْرُ، لِيَعْمَل
_________
(١) الخرشي ٦ / ٦٦.
(٢) بدائع الصنائع ٦ / ١٧٩، وتكملة البحر الرائق ٨ / ١٨٢، وحاشية ابن عابدين ٦ / ٢٧٨، والمبسوط ٢٣ / ١٩.
(٣) الخرشي ٦ / ٦٦.
(٤) منتهى الإرادات ١ / ٤٧١، والمغني ٥ / ٤٢٣.
لَهُ فِي أَرْضِهِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ مِنْهَا، الَّذِي هُوَ نَمَاءُ مِلْكِهِ وَهُوَ الْبَذْرُ.
وَيَشْتَرِطُ الْمَالِكِيَّةُ لِصِحَّةِ هَذِهِ الصُّورَةِ أَنْ يَنْعَقِدَ بِلَفْظِ الشَّرِكَةِ، فَإِنْ عَقَدَا بِلَفْظِ الإِْجَارَةِ لاَ تَصِحُّ لأَِنَّهَا إِجَارَةٌ بِجُزْءٍ مَجْهُولٍ، وَإِنْ أَطْلَقَا الْقَوْل فَقَدْ حَمَلَهَا ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى الإِْجَارَةِ فَمَنَعَهَا، وَحَمَلَهَا سَحْنُونٌ عَلَى الشَّرِكَةِ فَأَجَازَهَا، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الأَْوَّل أَيْ: حَمْلُهَا عَلَى الإِْجَارَةِ، فَلاَ تَجُوزُ.
٢٢ - أَنْ تَكُونَ الأَْرْضُ مِنْ جَانِبٍ، وَالْبَاقِي كُلُّهُ مِنَ الْجَانِبِ الآْخَرِ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ جَائِزَةٌ بِاتِّفَاقِ الْحَنَفِيَّةِ (١)، وَالْمَالِكِيَّةِ (٢)، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الأَْرْضِ وَالْعَمَل مِنَ الْعَامِل كَانَتِ الْمُزَارَعَةُ صَحِيحَةً (٣)، وَهَذَا هُوَ الأَْصْل فِي الْمُزَارَعَةِ فَقَدْ عَامَل الرَّسُول ﷺ أَهْل خَيْبَرَ عَلَى هَذَا.
وَوَجْهُ صِحَّةِ هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ الْعَامِل يَصِيرُ مُسْتَأْجِرًا لِلأَْرْضِ لاَ غَيْرُ بِبَعْضِ الْخَارِجِ مِنْهَا الَّذِي هُوَ نَمَاءُ مِلْكِهِ وَهُوَ الْبَذْرُ (٤) .
٢٣ - أَنْ تَكُونَ الأَْرْضُ وَالْبَذْرُ مِنْ جَانِبٍ، وَالْعَمَل وَالْمَاشِيَةُ مِنَ الْجَانِبِ الآْخَرِ وَهُوَ
_________
(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٧٩، وتكملة البحر الرائق ٨ / ١٨٢، وحاشية ابن عابدين ٦ / ٢٧٨، والمبسوط ٢٣ / ١٩ والهداية مع تكملة الفتح ٩ / ٤٦٩.
(٢) الخرشي ٦ / ٦٦.
(٣) منتهى الإرادات ١ / ٤٧٤.
(٤) بدائع الصنائع ٦ / ١٧٩، وحاشية ابن عابدين ٦ / ٢٧٨، وتكملة البحر الرائق ٨ / ١٨٢، والمبسوط ٢٣ / ٢٠.
الْمُزَارِعُ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ الصُّورَةِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (١) .
وَوَجْهُ صِحَّةِ هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ هَذَا اسْتِئْجَارٌ لِلْعَامِل لاَ غَيْرُ مَقْصُودًا، فَأَمَّا الْبَذْرُ فَغَيْرُ مُسْتَأْجَرٍ مَقْصُودًا وَلاَ يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنَ الأُْجْرَةِ بَل هِيَ تَوَابِعُ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ مَنْفَعَةُ الْعَامِل، لأَِنَّهُ آلَةٌ لِلْعَمَل فَلاَ يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْهُ، وَلأَِنَّهُ لَمَّا كَانَ تَابِعًا لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَانَ جَارِيًا مَجْرَى الصِّفَةِ لِلْعَمَل، فَكَانَ الْعَقْدُ عَقْدًا عَلَى عَمَلٍ جَيِّدٍ، وَالأَْوْصَافُ لاَ قِسْطَ لَهَا مِنَ الْعِوَضِ فَأَمْكَنَ أَنْ تَنْعَقِدَ إِجَارَةً ثُمَّ تَتِمَّ شَرِكَةً بَيْنَ مَنْفَعَةِ الأَْرْضِ وَمَنْفَعَةِ الْعَامِل (٢) .
٢٤ - أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي الْجَمِيعِ، أَرْضًا وَعَمَلًا وَبَذْرًا وَمَاشِيَةً وَنَفَقَاتٍ، لأَِنَّ أَحَدَهُمَا لاَ يَفْضُل صَاحِبَهُ بِشَيْءِ.
وَقَدْ نَصَّ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ الصُّورَةِ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ (٣) .
وَوَجْهُ صِحَّةِ هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، نَصَّ عَلَيْهِ السَّرَخْسِيُّ فِي الْمَبْسُوطِ فَقَال: وَإِذَا كَانَتِ الأَْرْضُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَاشْتَرَطَا عَلَى أَنْ يَعْمَلاَ فِيهَا جَمِيعًا سَنَتَهُمَا هَذِهِ بِبَذْرِهِمَا وَبَقَرِهِمَا، فَمَا
_________
(١) حاشية الدسوقي ٣ / ٣٧٦، والخرشي ٦ / ٦٦، ومنتهى الإرادات ١ / ٤٧٤، والمغني ٥ / ٤٢٣.
(٢) بدائع الصنائع ٦ / ١٨٩.
(٣) المبسوط ٢٣ / ١٠٧، والفتاوى الهندية ٥ / ٢٢٩، وحاشية الدسوقي ٣ / ٣٧٦، والخرشي ٦ / ٦٥، والمغني ٥ / ٤٢٨، ٤٢٩، والمقنع ٢ / ١٩٤.
خَرَجَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فَهُوَ جَائِزٌ، لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَامِلٌ فِي نَصِيبِهِ مِنَ الأَْرْضِ بِبَذْرِهِ وَبَقَرِهِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِصَاحِبِهِ شَيْئًا مِنَ الْخَارِجِ مِنْهُ، فَإِنِ اشْتَرَطَا أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ بَيْنَهُمَا ثَلاَثًا كَانَ فَاسِدًا، لأَِنَّ الَّذِي شَرَطَ لِنَفْسِهِ الثُّلُثَ كَأَنَّهُ دَفَعَ نَصِيبَهُ مِنَ الأَْرْضِ وَالْبَذْرِ إِلَى صَاحِبِهِ مُزَارَعَةً بِثُلُثِ الْخَارِجِ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَعْمَل هُوَ مَعَهُ وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ، وَلأَِنَّ مَا شُرِطَ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى النِّصْفِ لِصَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ يَكُونُ أُجْرَةً لَهُ عَلَى عَمَلِهِ، وَإِنَّمَا يَعْمَل فِيمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ، فَلاَ يَسْتَوْجِبُ الأَْجْرَ فِيمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْهُمَا وَالْخَارِجُ كَذَلِكَ كَانَ جَائِزًا، لأَِنَّ الَّذِي شَرَطَ لِنَفْسِهِ ثُلُثَ الْخَارِجِ كَأَنَّهُ أَعَارَ شَرِيكَهُ ثُلُثَ نَصِيبِهِ مِنَ الأَْرْضِ وَأَعَانَهُ بِبَعْضِ الْعَمَل وَذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَوِ اشْتَرَطَا أَنَّ الْخَارِجَ نِصْفَانِ كَانَ فَاسِدًا، لأَِنَّ الَّذِي كَانَ مِنْهُ ثُلُثُ الْبَذْرِ شَرَطَ لِنَفْسِهِ بَعْضَ الْخَارِجِ مِنْ بَذْرِ شَرِيكِهِ وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ بِعَمَلِهِ وَالْعَامِل فِيمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ لاَ يَسْتَوْجِبُ الأَْجْرَ عَلَى غَيْرِهِ، إِذْ هُوَ يَصِيرُ دَافِعًا سُدُسَ الأَْرْضِ مِنْ شَرِيكِهِ مُزَارَعَةً بِجَمِيعِ الْخَارِجِ مِنْهُ، وَذَلِكَ فَاسِدٌ، ثُمَّ الْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ بَذْرِهِمَا، وَعَلَى صَاحِبِ ثُلُثَيِ الْبَذْرِ أَجْرُ مِثْل سُدُسِ الأَْرْضِ لِشَرِيكِهِ، لأَِنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةَ ذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ نَصِيبِهِ مِنَ الأَْرْضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ وَيَكُونُ لَهُ نِصْفُ
الزَّرْعِ طَيِّبًا لاَ يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، لأَِنَّهُ رَبَّاهُ فِي أَرْضِ نَفْسِهِ، وَأَمَّا سُدُسُ الزَّرْعِ فَإِنَّهُ يُدْفَعُ مِنْهُ رُبُعُ بَذْرِهِ الَّذِي بَذَرَهُ، وَمَا غَرِمَ مِنَ الأَْجْرِ وَالنَّفَقَةِ فِيهِ يَتَصَدَّقُ بِالْفَضْل، لأَِنَّهُ رَبَّاهُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ وَيَكُونُ لَهُ نِصْفُ الزَّرْعِ طَيِّبًا لاَ يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ مِنْهُ لأَِنَّهُ رَبَّاهُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ (١) .
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلَوْ كَانَتِ الأَْرْضُ لِثَلاَثَةٍ فَاشْتَرَكُوا عَلَى أَنْ يَزْرَعُوهَا بِبَذْرِهِمْ وَدَوَابِّهِمْ وَأَعْوَانِهِمْ عَلَى أَنَّ مَا أَخْرَجَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَالِهِمْ فَهُوَ جَائِزٌ، لأَِنَّ أَحَدَهُمْ لاَ يَفْضُل صَاحِبَيْهِ بِشَيْءٍ (٢) .
٢٥ - إِذَا قَابَل بَذْرَ أَحَدِهِمَا عَمَلٌ مِنَ الآْخَرِ، وَكَانَتِ الأَْرْضُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا بِمِلْكٍ أَوْ إِجَارَةٍ أَوْ كَانَتْ مُبَاحَةً، وَتَسَاوَتْ قِيمَةُ الْعَمَل وَالْبَذْرِ فَإِنَّ الشَّرِكَةَ تَكُونُ صَحِيحَةً، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ (٣) .
٢٦ - إِذَا قَابَل الأَْرْضَ وَبَعْضَ الْبَذْرِ عَمَلٌ مِنَ الآْخَرِ مَعَ بَعْضِ الْبَذْرِ، نَصَّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ (٤) .
وَشَرْطُ صِحَّةِ هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَهُمْ أَنْ لاَ يَنْقُصَ مَا يَأْخُذُهُ الْعَامِل مِنَ الرِّبْحِ عَنْ نِسْبَةِ
_________
(١) المبسوط ٢٣ / ١٠٧، ١٠٨.
(٢) المغني ٥ / ٤٢٨، ٤٢٩.
(٣) حاشية الدسوقي ٣ / ٣٧٦، والخرشي ٦ / ٦٥.
(٤) حاشية الدسوقي ٣ / ٣٧٦، والخرشي ٦ / ٦٦.
بَذْرِهِ بِأَنْ زَادَ مَا يَأْخُذُهُ عَلَى بَذْرِهِ أَوْ سَاوَاهُ عَلَى الأَْقَل.
مِثَال الزِّيَادَةِ: أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُهُمَا الأَْرْضَ وَثُلُثَيِ الْبَذْرِ، وَالثَّانِي الْعَمَل وَثُلُثَ الْبَذْرِ، عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلٌّ نِصْفَ الرِّبْحِ، فَفِي هَذَا الْمِثَال يَكُونُ الْعَامِل قَدْ أَخَذَ أَزْيَدَ مِنْ نِسْبَةِ مَالِهِ مِنَ الْبَذْرِ فَتَكُونُ الْمُزَارَعَةُ صَحِيحَةً.
وَمِثَال الْمُسَاوَاةِ: أَنْ يَأْخُذَ صَاحِبُ الأَْرْضِ الثُّلُثَيْنِ مِنَ الرِّبْحِ وَيَأْخُذَ الْعَامِل الثُّلُثَ، فَفِي هَذَا الْمِثَال يَكُونُ الْعَامِل قَدْ أَخَذَ مَا يُسَاوِي مِثْل نِسْبَةِ مَالِهِ مِنَ الْبَذْرِ فَتَكُونُ الْمُزَارَعَةُ صَحِيحَةً كَذَلِكَ.
أَمَّا لَوْ أَخَذَ الْعَامِل أَقَل مِنَ الثُّلُثِ فَإِنَّ الْمُزَارَعَةَ تَكُونُ فَاسِدَةً، لأَِنَّهُ أَخَذَ أَقَل مِنْ نِسْبَةِ مَالِهِ مِنَ الْبَذْرِ.
وَهَذِهِ الصُّورَةُ لاَ تَصِحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، لأَِنَّ الْبَذْرَ لاَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِمَا كَمَا سَبَقَ.
٢٧ - أَنْ تَكُونَ الأَْرْضُ وَالْمَاشِيَةُ مِنْ جَانِبٍ، وَالْعَمَل وَالْبَذْرُ مِنَ الْجَانِبِ الآْخَرِ.
وَهَذِهِ الصُّورَةُ جَائِزَةٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ (١)، لأَِنَّهُ لَوْ كَانَتِ الأَْرْضُ وَالْبَذْرُ مِنْ جَانِبٍ جَازَ، وَجُعِلَتْ مَنْفَعَةُ الْمَاشِيَةِ تَابِعَةً لِمَنْفَعَةِ الْعَامِل، فَكَذَا إِذَا كَانَتِ الأَْرْضُ وَالْمَاشِيَةُ مِنْ جَانِبٍ،
_________
(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٧٩، وتبيين الحقائق ٥ / ٢٨١، والمبسوط ٢٣ / ٢٠.
فَإِنَّهَا تَجُوزُ، وَتُجْعَل مَنْفَعَةُ الدَّوَابِّ تَابِعَةً لِمَنْفَعَةِ الأَْرْضِ.
وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لاَ تَجُوزُ (١)، لأَِنَّ الْعَامِل هُنَا يَصِيرُ مُسْتَأْجِرًا لِلأَْرْضِ وَالْمَاشِيَةِ جَمِيعًا مَقْصُودًا بِبَعْضِ الْخَارِجِ، لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ تَحْقِيقُ مَعْنَى التَّبَعِيَّةِ هُنَا لاِخْتِلاَفِ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ، لأَِنَّ مَنْفَعَةَ الْمَاشِيَةِ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ مَنْفَعَةِ الأَْرْضِ فَبَقِيَتْ أَصْلًا بِنَفْسِهَا، فَكَانَ هَذَا اسْتِئْجَارًا لِلْمَاشِيَةِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ أَصْلًا وَمَقْصُودًا، وَاسْتِئْجَارُ الْمَاشِيَةِ مَقْصُودًا بِبَعْضِ الْخَارِجِ لاَ يَجُوزُ.
صُوَرٌ مِنَ الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ
٢٨ - أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ وَالدَّوَابُّ مِنْ جَانِبٍ، وَالأَْرْضُ وَالْعَمَل مِنَ الْجَانِبِ، الآْخَرِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٢)، لأَِنَّ صَاحِبَ الْبَذْرِ يَصِيرُ مُسْتَأْجِرًا لِلأَْرْضِ وَالْعَامِل مَعًا بِبَعْضِ الْمَحْصُول، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الأَْرْضِ وَالْعَامِل مَعًا فِي جَانِبٍ وَاحِدٍ يُفْسِدُ الْمُزَارَعَةَ، لأَِنَّهُ عَلَى خِلاَفِ مَوْرِدِ الأَْصْل.
٢٩ - أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ طَرَفٍ، وَالْبَاقِي كُلُّهُ مِنَ الطَّرَفِ، الآْخَرِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ (٣)، وَوَجْهُ فَسَادِ هَذِهِ الصُّورَةِ هُوَ وَجْهُ
_________
(١) المراجع السابقة.
(٢) بدائع الصنائع ٦ / ١٧٩، وتكملة البحر الرائق ٨ / ١٨٢، وتبيين الحقائق ٥ / ٢٨٠، وحاشية ابن عابدين ٦ / ٢٧٨، ومنتهى الإرادات ١ / ٤٧٤، وكشاف القناع ٣ / ٥٤٣.
(٣) المراجع السابقة.
فَسَادِ الصُّورَةِ الأُْولَى، حَيْثُ جَمَعَ فِيهَا بَيْنَ الأَْرْضِ وَالْعَمَل فِي جَانِبٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا عَلَى خِلاَفِ مَوْرِدِ الشَّرْعِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ الْقَوْل بِالْجِوَازِ فِي الصُّورَتَيْنِ (١) .
وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَهُ، أَنَّ اسْتِئْجَارَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَائِزٌ عِنْدَ الاِنْفِرَادِ فَكَذَا يَجُوزُ عِنْدَ الاِجْتِمَاعِ.
٣٠ - أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْبَذْرِ مِنَ الْمُزَارِعِ، وَالْبَعْضُ مِنْ صَاحِبِ الأَْرْضِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ (٢) .
وَوَجْهُ فَسَادِ هَذِهِ الصُّورَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَصِيرُ مُسْتَأْجِرًا صَاحِبَهُ فِي قَدْرِ بَذْرِهِ، فَيَجْتَمِعُ اسْتِئْجَارُ الأَْرْضِ وَالْعَامِل فِي جَانِبٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا يُفْسِدُ الْمُزَارَعَةَ.
وَوَجْهُ فَسَادِهَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الْبَذْرَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ عَلَى صَاحِبِ الأَْرْضِ وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْعَامِل طِبْقًا لِظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لأَِنَّ الْمَال كُلَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ كَالْمُضَارَبَةِ.
وَلَكِنْ هَذِهِ الصُّورَةُ صَحِيحَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، لأَِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَشْتَرِكَ صَاحِبُ الأَْرْضِ
_________
(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٧٩.
(٢) بدائع الصنائع ٦ / ١٧٩، وحاشية ابن عابدين ٦ / ٢٧٨، والمبسوط ٢٣ / ٣٠، ٣١، ومنتهى الإرادات ١ / ٤٧٤، وكشاف القناع ٣ / ٥٤٣.
وَالْمُزَارَعُ فِي الْبَذْرِ كَمَا سَبَقَ (١) .
٥٠ ٣١ - أَنْ تَكُونَ الأَْرْضُ مِنْ جَانِبٍ، وَالْبَذْرُ وَالْمَاشِيَةُ مِنْ جَانِبٍ، بِأَنْ دَفَعَ صَاحِبُ الأَْرْضِ أَرْضَهُ إِلَى الْمُزَارِعِ لِيَزْرَعَهَا بِبَذْرِهِ وَمَاشِيَتِهِ مَعَ رَجُلٍ آخَرَ عَلَى أَنَّ مَا خَرَجَ مِنَ الأَْرْضِ فَثُلُثُهُ لِصَاحِبِ الأَْرْضِ، وَثُلُثَاهُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ وَالْمَاشِيَةِ، وَثُلُثُهُ لِذَلِكَ الْعَامِل الآْخَرِ، هَذِهِ الْمُزَارَعَةُ صَحِيحَةٌ فِي حَقِّ صَاحِبِ الأَْرْضِ، وَالْمُزَارِعُ الأَْوَّل، وَفَاسِدَةٌ فِي حَقِّ الْمُزَارِعِ الثَّانِي، وَيَكُونُ ثُلُثُ الْخَارِجِ لِصَاحِبِ الأَْرْضِ وَثُلُثَاهُ لِلْمَزَارِعِ الأَْوَّل، وَلِلْعَامِل الآْخَرِ أَجْرُ مِثْل عَمَلِهِ.
قَال الْكَاسَانِيُّ الْحَنَفِيُّ: وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَفْسُدَ الْمُزَارَعَةُ فِي حَقِّ الْكُل، لأَِنَّ صَاحِبَ الْبَذْرِ وَهُوَ الْمُزَارِعُ الأَْوَّل جَمَعَ بَيْنَ اسْتِئْجَارِ الأَْرْضِ وَالْعَامِل، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُفْسِدٌ لِلْمُزَارَعَةِ بِكَوْنِهِ خِلاَفَ مَوْرِدِ الشَّرْعِ، وَمَعَ ذَلِكَ حُكِمَ بِصِحَّتِهَا فِي حَقِّ الأَْرْضِ وَالْمُزَارِعِ الأَْوَّل، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ، لأَِنَّ الْعَقْدَ فِيمَا بَيْنَ صَاحِبِ الأَْرْضِ وَالْمُزَارِعِ الأَْوَّل وَقَعَ اسْتِئْجَارًا لِلأَْرْضِ لاَ غَيْرُ وَهَذَا جَائِزٌ، وَفِيمَا بَيْنَ الْمُزَارِعَيْنِ وَقَعَ اسْتِئْجَارُ الأَْرْضِ وَالْعَامِل جَمِيعًا وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَقْدِ الْوَاحِدِ جِهَتَانِ، جِهَةُ الصِّحَّةِ وَجِهَةُ الْفَسَادِ خُصُوصًا فِي حَقِّ
_________
(١) حاشية الدسوقي ٣ / ٣٧٦، والخرشي ٦ / ٦٥.
شَخْصَيْنِ، فَيَكُونُ صَحِيحًا فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا وَفَاسِدًا فِي حَقِّ الآْخَرِ.
أَمَّا لَوْ كَانَ الْبَذْرُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مِنْ صَاحِبِ الأَْرْضِ فَإِنَّ الْمُزَارَعَةَ تَقَعُ صَحِيحَةً فِي حَقِّ الْجَمِيعِ وَيَكُونُ الْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ، لأَِنَّ صَاحِبَ الأَْرْضِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَصِيرُ مُسْتَأْجِرًا لِلْعَامِلَيْنِ مَعًا، وَالْجَمْعُ بَيْنَ اسْتِئْجَارِ الْعَامِلَيْنِ لاَ يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ وَإِذَا صَحَّ الْعَقْدُ كَانَ النَّمَاءُ عَلَى الشَّرْطِ، هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ (١) .
٣٢ - إِذَا قَال صَاحِبُ الأَْرْضِ لِرَجُلٍ: أَنَا أَزْرَعُ الأَْرْضَ بِبَذْرِي، وَعَوَامِلِي، وَيَكُونُ سَقْيُهَا مِنْ مَائِكَ، وَالزَّرْعُ بَيْنَنَا، فَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ رِوَايَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: لاَ تَصِحُّ، لأَِنَّ مَوْضِعَ الْمُزَارَعَةِ أَنْ يَكُونَ الْعَمَل مِنْ أَحَدِهِمَا وَالأَْرْضُ مِنَ الآْخَرِ، وَلَيْسَ مِنْ صَاحِبِ الْمَاءِ هُنَا أَرْضٌ وَلاَ عَمَلٌ، لأَِنَّ الْمَاءَ لاَ يُبَاعُ وَلاَ يُشْتَرَى وَلاَ يُسْتَأْجَرُ، فَكَيْفَ تَصِحُّ بِهِ الْمُزَارَعَةُ؟
وَقَدِ اخْتَارَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ كُلٌّ مِنَ الْقَاضِي وَابْنُ قُدَامَةَ، وَعَلَّل الأَْخِيرُ هَذَا الاِخْتِيَارَ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ وَلاَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ.
وَالثَّانِيَةُ: تَصِحُّ الْمُزَارَعَةُ، لأَِنَّ الْمَاءَ أَحَدُ الأَْشْيَاءِ الَّتِي يَحْتَاجُهَا الزَّرْعُ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحَدِهِمَا كَالأَْرْضِ وَالْعَمَل، وَقَدِ اخْتَارَ هَذِهِ
_________
(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٨٠.