الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦
مَحْرَمٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْمَحْرَمُ فِي اللُّغَةِ: الْحَرَامُ، وَالْحَرَامُ: ضَدُّ الْحَلاَل، وَيُقَال: هُوَ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا: إِذَا لَمْ يَحِل لَهُ نِكَاحُهَا (١) وَرَحِمٌ مَحْرَمٌ: مُحَرَّمٌ تَزَوُّجُهَا (٢)، وَفِي الْمُعْجَمِ الْوَسِيطِ: الْمَحْرَمُ: ذُو الْحُرْمَةِ.
وَمِنَ النِّسَاءِ وَالرِّجَال الَّذِي يَحْرُمُ التَّزَوُّجُ بِهِ لِرَحِمِهِ وَقَرَابَتِهِ وَمَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْجَمْعُ مَحَارِمُ (٣) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الْمَحْرَمُ مَنْ لاَ يَجُوزُ لَهُ مُنَاكَحَتُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ بِقَرَابَةٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهْرِيَّةٍ (٤) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الرَّحِمُ:
٢ - الرَّحِمُ فِي اللُّغَةِ: (بِكَسْرِ الْحَاءِ وَتَسْكِينِهَا): وَهُوَ فِي الأَْصْل: مَوْضِعُ تَكْوِينِ الْجَنِينِ وَوِعَاؤُهُ فِي الْبَطْنِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى
_________
(١) الصحاح للجوهري
(٢) القاموس المحيط، ولسان العرب.
(٣) المعجم الوسيط.
(٤) حاشية ابن عابدين: ٢ / ١٤٥، ٢٧٦ وما بعدها.
الْقَرَابَةِ وَأَسْبَابِهَا، وَعَلَى الأَْقَارِبِ الَّذِينَ لَيْسُوا مِنَ الْعَصَبَةِ وَلاَ مِنْ ذَوِي الْفُرُوضِ، كَبَنَاتِ الإِْخْوَةِ وَبَنَاتِ الأَْعْمَامِ، وَهُوَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَجَمْعُهُ أَرْحَامٌ (١) . وَلأَِنَّ الرَّحِمَ نَوْعَانِ: مَحْرَمٌ، وَغَيْرُ مَحْرَمٍ، فَهُوَ إِذًا أَعَمُّ مِنْ (مَحْرَمٍ) . (ر: أَرْحَامٌ ف ١) .
ب - الْقَرِيبُ:
٣ - الْقَرِيبُ فِي اللُّغَةِ: الدَّانِي فِي الْمَكَانِ أَوِ الزَّمَانِ أَوِ النَّسَبِ. وَالْجَمْعُ أَقْرِبَاءُ وَقَرَابَى، وَفِي مُخْتَارِ الصِّحَاحِ: الْقَرَابَةُ وَالْقُرْبَى: الْقُرْبُ فِي الرَّحِمِ (٢) . أَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ: فَقَدْ تَعَدَّدَتِ اتِّجَاهَاتُ الْفُقَهَاءِ فِي تَعْرِيفِ الْقَرَابَةِ وَتَفْصِيلِهَا فِي مُصْطَلَحِ (قَرَابَةٌ ف ١) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْمَحْرَمِ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ.
ج - النَّسَبُ:
٤ - النَّسَبُ: الْقَرَابَةُ، وَيُقَال: نَسَبُهُ فِي بَنِي فُلاَنٍ؛ هُوَ مِنْهُمْ. وَالْجَمْعُ أَنْسَابٌ. وَيُقَال: رَجُلٌ نَسِيبٌ: شَرِيفٌ مَعْرُوفٌ حَسَبُهُ وَأُصُولُهُ (٣) . وَهُوَ نَسِيبُهُ أَيْ قَرِيبُهُ (٤) .
_________
(١) المعجم الوسيط.
(٢) المعجم الوسيط، ومختار الصحاح.
(٣) المعجم الوسيط.
(٤) مختار الصحاح.
وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: النَّسَبُ هُوَ الْقَرَابَةُ وَالرَّحِمُ، وَقَصَرَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى غَيْرِ ذَوِي الرَّحِمِ، وَحَصَرَهُ آخَرُونَ فِي الْبُنُوَّةِ وَالأُْبُوَّةِ وَالْعُمُومَةِ وَمَا تَنَاسَل مِنْهُمْ.
(ر: قرابة ف٢)
وَيُمْكِنُ الْقَوْل: إِنَّ بَيْنَ نَسَبٍ وَمَحْرَمٍ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ، فَالنَّسَبُ أَحَدُ أَسْبَابِ التَّحْرِيمِ أَوِ الْمَحْرَمِيَّةِ بَيْنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ، أَيْ أَنَّهُمَا (النَّسَبُ وَالْمَحْرْمُ) يَلْتَقِيَانِ فِي هَذَا الْجَانِبِ، ثُمَّ يَفْتَرِقَانِ فِيمَا عَدَاهُ؛ عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّ النَّسَبَ أَوِ الْقَرَابَةَ النَّسَبِيَّةَ أَعَمُّ مِنَ الْمَحْرَمِ وَأَقْوَى؛ وَلِذَلِكَ لاَ يُقَاسُ الْمَحْرَمُ بِالرَّضَاعِ عَلَى النَّسَبِ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ (١) .
وَالْمَحْرَمُ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ أَعَمُّ مِنَ النَّسَبِ؛ ذَلِكَ أَنَّ التَّحْرِيمَ كَمَا يَكُونُ بِسَبَبِ لَحْمَةِ النَّسَبِ أَوْ قَرَابَةِ الدَّمِ كَذَلِكَ بِالرَّضَاعِ وَالْمُصَاهَرَةِ.
د - الرَّضَاعُ:
٥ - الرَّضَاعُ فِي اللُّغَةِ: اسْمٌ لِمَصِّ الثَّدْيِ أَوِ الضَّرْعِ، يُقَال: رَضَعَ أُمَّهُ رَضْعًا وَرَضَاعًا وَرَضَاعَةً: امْتَصَّ ثَدْيَهَا أَوْ ضَرْعَهَا. وَيُقَال: بَيْنَهُمَا رَضَاعُ اللَّبَنِ: إِخْوَةٌ مِنَ الرَّضَاعِ، وَفُلاَنٌ رَضِيعِي: أَخِي مِنَ الرَّضَاعِ (٢) .
_________
(١) المغني ١١ / ٣٠٩.
(٢) القاموس المحيط، والمعجم الوسيط.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: يُطْلَقُ الرَّضَاعُ عَلَى مَصِّ الرَّضِيعِ اللَّبَنَ مِنْ ثَدْيِ أُمَّهِ بِشَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ، أَوْ هُوَ اسْمٌ لِوُصُول لَبَنِ امْرَأَةٍ أَوْ مَا حَصَل مِنْ لَبَنِهَا فِي جَوْفِ طِفْلٍ بِشَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ.
(ر: قرابة ف ٦)
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الرَّضَاعِ وَالْمَحْرَمِ السَّبَبِيَّةُ؛ فَإِنَّ الرَّضَاعَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ التَّحْرِيمِ.
هـ - الصِّهْرُ:
٦ - الصِّهْرُ: الْقَرِيبُ بِالزَّوَاجِ. . . وَجَمْعُهُ أَصْهَارٌ، كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْمُصَاهَرَةِ (١)، وَفِي التَّنْزِيل الْعَزِيزِ (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا) (٢) .
وَلاَ يَخْرُجُ الصِّهْرُ فِي الاِصْطِلاَحِ عَنْ مَعَنَاهُ اللُّغَوِيِّ،
وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الصِّهْرِ وَالْمَحْرَمِ: أَنَّ الصِّهْرَ أَحَدُ الْمَحَارِمِ.
مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَحْرَمِ مِنْ أَحْكَامٍ:
تَتَّصِل بِالْمَحْرَمِ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ، وَهِيَ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ مَوْضُوعِهَا أَوْ مُتَعَلَّقِهَا، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أَسِبَابُ الْمَحْرَمِيَّةِ:
٧ - سَبَبُ الْمَحْرَمِيَّةِ إِمَّا قَرَابَةُ النَّسَبِ، أَوِ الرَّضَاعِ، أَوِ الْمُصَاهَرَةِ وَثَمَّةَ اخْتِلاَفٌ حَوْل
_________
(١) المعجم الوسيط.
(٢) سورة الفرقان / ٥٤.
ثُبُوتِ حِرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ بِالزِّنَا، حَتَّى الْمَسُّ بِشَهْوَةٍ.
وَهُنَاكَ مَنْ فَرَّقَ أَيْضًا بَيْنَ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ وَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ فِي ثُبُوتِ هَذِهِ الْحُرْمَةِ أَوْ عَدِمِ ثُبُوتِهَا (١) .
النَّظَرُ إِلَى الْمَحْرَمِ:
٨ - أَبَاحَ الْفُقَهَاءُ نَظَرَ الرَّجُل إِلَى مَوَاضِعِ الزِّينَةِ مِنَ الْمَحْرَمِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ (٢) . أَمَّا حُدُودُ الزِّينَةِ الَّتِي يَحِل النَّظَرُ إِلَيْهَا وَلَمْسُهَا، فَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى حُرْمَةِ النَّظَرِ إِلَى مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ لِلْمَحَارِمِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ تَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحِ (عَوْرَةٌ ف ٦) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُل أَنْ يَنْظُرَ مِنْ مَحْرَمِهِ إِلَى الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ وَالصَّدْرِ وَالسَّاقِ وَالْعَضُدِ إِنْ أَمِنَ شَهْوَتَهُ، وَشَهْوَتُهَا أَيْضًا، وَأَصْلُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ . . . الآْيَةَ وَتِلْكَ الْمَذْكُورَاتُ مَوَاضِعُ الزِّينَةِ، بِخِلاَفِ الْمَظْهَرِ
_________
(١) الموطأ ٢٨٠ - ٢٨١، والأم ٥ / ١٥٩ - ١٦١، ٢٣٤، وحاشيتي القليوبي وعميرة ١ / ٣٢، ٣ / ٢٠٨، وفتح القدير ٣ / ١٢٦ - ١٣١، والمغني ٩ / ٤٩٣، وأعلام الموقعين ٣ / ٢١٣.
(٢) سورة النور / ٣١.
وَنَحْوِهِ (١) .
قَال فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: وَلاَ بَأْسَ لِلرَّجُل أَنْ يَنْظُرَ مِنْ أُمِّهِ وَابْنَتِهِ الْبَالِغَةِ وَأُخْتِهِ وَكُل ذِي رَحَمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ كَالْجَدَّاتِ وَالأَْوْلاَدِ وَأَوْلاَدِ الأَْوْلاَدِ وَالْعَمَّاتِ وَالْخَالاَتِ إِلَى شَعَرِهَا وَصَدْرِهَا وَذَوَائِبِهَا وَثَدْيِهَا وَعَضُدِهَا وَسَاقِهَا، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَى ظَهْرِهَا وَبَطْنِهَا، وَلاَ إِلَى مَا بَيْنَ سُرَّتِهَا إِلَى أَنْ يُجَاوِزَ الرُّكْبَةَ وَكَذَلِكَ كُل ذَاتِ مَحْرَمٍ بِرَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ كَزَوْجَةِ الأَْبِ وَالْجَدِّ وَإِنْ عَلاَ، وَزَوْجَةِ الاِبْنِ وَأَوْلاَدِ الأَْوْلاَدِ وَإِنْ سَفَلُوا، وَابْنَةِ الْمَرْأَةِ الْمَدْخُول بِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَل بِأُمِّهَا فَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ.
وَإِنَّ كَانَتْ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ بِالزِّنَى اخْتَلَفُوا فِيهَا قَال بَعْضُهُمْ: لاَ يَثْبُتُ فِيهَا إِبَاحَةُ النَّظَرِ وَالْمَسِّ.
وَقَال السَّرَخْسِيُّ: تَثْبُتُ إِبَاحَةُ النَّظَرِ وَالْمَسِّ لِثُبُوتِ الْحُرْمَةِ الْمُؤَبَّدَةِ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِيخَانْ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ (٢) .
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيَرَوْنَ جِوَازَ النَّظَرِ مِنَ الْمَحْرَمِ إِلَى الذِّرَاعَيْنِ وَالشَّعْرِ وَمَا فَوْقَ النَّحْرِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ (٣)، فَفِي شَرْحِ الزَّرْقَانِيِّ: وَعَوْرَةُ الْحُرَّةِ مَعَ رَجُلٍ مَحْرَمٍ لَهَا نَسَبًا أَوْ صِهْرًا أَوْ رَضَاعًا
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٣٥، والمبسوط ١٠ / ١٤٩، وبدائع الصنائع ٥ / ١٢٠، ١٢١.
(٢) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٢٨.
(٣) مواهب الجليل ١ / ٥٠٠.
غَيْرُ الْوَجْهِ وَالأَْطْرَافِ أَيِّ أَطْرَافِ الذِّرَاعَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ وَمَا فَوْقَ النَّحْرِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِشَعْرِ الرَّأْسِ وَالذِّرَاعِ مِنَ الْمَنْكِبِ إِلَى طَرَفِ الأُْصْبُعِ الْوُسْطَى، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرَى ثَدْيَهَا وَلاَ صَدْرَهَا وَلاَ سَاقَهَا بِخِلاَفِ شَعْرِهَا، وَتَرَى الْمَرْأَةُ مِنَ الْمَحْرَمِ نَسَبًا أَوْ صِهْرًا أَوْ رَضَاعًا مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا كَرَجُلٍ مَعَ مِثْلِهِ، فَتَرَى مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا: لاَ يَجُوزُ تَرْدَادُ النَّظَرُ وَإِدَامَتُهُ إِلَى شَابَّةٍ مِنْ مَحَارِمِهِ أَوْ غَيْرِهِنَّ إِلاَّ لِحَاجَةٍ أَوْ ضَرُورَةٍ كَشَهَادَةٍ وَنَحْوِهَا، وَيُقَيَّدُ أَيْضًا بِغَيْرِ شَهْوَةٍ وَإِلاَّ حَرُمَ حَتَّى لَبِنْتِهِ وَأُمِّهِ (٢) .
أَمَا الشَّافِعِيَّةُ فَيَجُوزُ عِنْدَهُمُ النَّظَرُ إِلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ - عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ - بِشَرْطِ أَمْنِ الْفِتْنَةِ (٣) .
وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لِلشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إِلَى مَا يَبْدُو مِنْهَا عِنْدَ الْمِهْنَةِ فَقَطْ، وَلاَ ضَرُورَةَ إِلَى النَّظَرِ إِلَى مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، فَفِي شَرْحِ مِنْهَاجِ الطَّالِبِينَ: وَلاَ يَنْظُرُ مِنْ مَحْرَمِهِ بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ، أَيْ يَحْرُمُ نَظَرُ ذَلِكَ وَيَحِل نَظَرُ مَا سِوَاهُ، قَال تَعَالَى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ
_________
(١) شرح الزرقاني على مختصر خليل ١ / ١٧٨، وشرح الخرشي على مختصر خليل ١ / ٢٤٨.
(٢) شرح الزرقاني على خليل ١ / ١٧٨.
(٣) كفاية الأخبار ٢ / ٤٤، ٤٦، ونهاية المحتاج ٦ / ١٩١.
أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ الآْيَةَ، وَالزِّينَةُ مُفَسَّرَةٌ بِمَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَقِيل: يَحِل نَظَرُ مَا يَبْدُو فِي الْمِهْنَةِ، أَيِ الْخَدْمَةِ فَقَطْ كَالرَّأْسِ وَالْعُنُقِ وَالْوَجْهِ وَالْكَفِّ وَالسَّاعِدِ وَطَرَفِ السَّاقِ، إِذْ لاَ ضَرُورَةَ إِلَى غَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ فِيمَا ذُكِرَ الْمَحْرَمُ بِالنَّسَبِ وَالْمُصَاهَرَةِ وَالرَّضَاعِ (١) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُبَاحُ لِلرَّجُل أَنْ يَنْظُرَ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ إِلَى مَا يَظْهَرُ غَالِبًا كَالْوَجْهِ وَالرِّقْبَةِ وَالرَّأْسِ وَالْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَالسَّاقِ (٢) .
وَفِي الإِْنْصَافِ: وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الأَْصْحَابِ (٣) .
وَيُكْرَهُ عِنْدَهُمُ النَّظَرُ إِلَى السَّاقِ وَالصَّدْرِ لِلتَّوَقِّي لاَ لِلتَّحْرِيمِ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَيَجُوزُ لِلرَّجُل أَنْ يَنْظُرَ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ إِلَى مَا يَظْهَرُ غَالِبًا، كَالرِّقْبَةِ وَالرَّأْسِ وَالْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهُ النَّظَرُ إِلَى مَا يُسْتَرُ غَالِبًا، كَالصَّدْرِ وَالظَّهْرِ وَنَحْوِهِمَا.
قَال الأَْثْرَمُ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الرَّجُل يَنْظُرُ إِلَى شَعْرِ امْرَأَةِ أَبِيهِ أَوِ امْرَأَةِ ابْنِهِ؟ فَقَال: هَذَا فِي الْقُرْآنِ: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ (٤) إِلاَّ لِكَذَا وَكَذَا. قُلْتُ: فَيَنْظُرُ إِلَى سَاقِ امْرَأَةِ أَبِيهِ وَصَدْرِهَا؟ قَال: لاَ مَا يُعْجِبُنِي.
ثُمَّ قَال: أَنَا
_________
(١) شرح منهاج الطالبين على هامش القليوبي وعميرة ٣ / ٢٠٨ - ٢٠٩، والمجموع ١٦ / ١٤٠.
(٢) كشاف القناع ٥ / ١١.
(٣) الإنصاف ٨ / ٢٠.
(٤) سورة النور / ٣١.
أَكْرَهُ أَنْ يَنْظُرَ مِنْ أُمِّهِ وَأُخْتِهِ إِلَى مِثْل هَذَا، وَإِلَى كُل شَيْءٍ لِشَهْوَةِ، وَقَال أَبُو بَكْرٍ: كَرَاهِيَةُ أَحْمَدَ النَّظَرُ إِلَى سَاقِ أُمِّهِ وَصَدْرِهَا عَلَى التَّوَقِّي؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يَدْعُو إِلَى الشَّهْوَةِ. يَعْنِي أَنَّهُ يُكْرَهُ وَلاَ يَحْرُمُ.
وَمَنَعَ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَالضَّحَّاكُ النَّظَرَ إِلَى شَعْرِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ (١) .
أَمَّا نَظَرُ الْمَرْأَةِ إِلَى الرَّجُل فَفِيهِ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: لَهَا النَّظَرُ إِلَى مَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَالأُْخْرَى: لاَ يَجُوزُ لَهَا النَّظَرُ مِنَ الرَّجُل إِلاَّ إِلَى مِثْل مَا يُنْظَرُ إِلَيْهِ مِنْهَا (٢) .
مَسُّ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ:
٩ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ مَا يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَيْهِ مِنَ الْمَحْرَمِ يَجُوزُ مَسُّهُ إِذَا أُمِنَتِ الشَّهْوَةُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ: كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ قَبَّل ابْنَتَهُ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا (٣) .
هَل الْكَافِرُ أَوِ الذِّمِّيُّ مَحْرَمٌ؟
١٠ - لَمْ يَشْتَرِطِ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَحْرَمِ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا (٤) .
_________
(١) المغني ٩ / ٤٩١ - ٤٩٢.
(٢) المغني ٩ / ٥٠٦.
(٣) حديث: " كان إذا قدم من سفر قبل. . ". أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٥ / ٦٧) من حديث ابن عباس ﵄، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رجاله ثقات وفي بعضهم ضعف لا يضر.
(٤) حاشية ابن عابدين ٢ / ١٤٥، وحاشية العدوي بهامش الخرشي ١ / ٢٤٨، ومغني المحتاج ٣ / ١٣٣، والمغني ٣ / ١٩٢، ١٩٣ مع الشرح الكبير.
إِلاَّ أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ اسْتَثْنَى بَعْضَ الأَْحْكَامِ وَمِنْهُمُ الإِْمَامُ أَحَمْدُ حَيْثُ إِنَّهُ يَعُدُّ الْكَافِرَ مَحْرَمًا فِي النَّظَرِ دُونَ السَّفَرِ، قَال الْبُهُوتِيُّ: لاَ تُسَافِرُ الْمُسْلِمَةُ مَعَ أَبِيهَا الْكَافِرِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ مَحْرَمًا لَهَا فِي السَّفَرِ نَصًّا، وَإِنْ كَانَ مَحْرَمًا فِي النَّظَرِ (١)، وَمُقْتَضَاهُ إِلْحَاقُ سَائِرِ الْقَرَابَةِ الْمَحْرَمِيَّةِ الْكَفَّارِ بِالأَْبِ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ.
وَاسْتَدَل الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ إِثْبَاتَ الْمَحْرَمِيَّةِ يَقْتَضِي الْخَلْوَةَ بِهَا، فَيَجِبُ أَنْ لاَ تَثْبُتَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمَةٍ، كَالْحَضَانَةِ لِلطِّفْل، وَلأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ عَلَيْهَا أَنْ يَفْتِنَهَا عَنْ دِينِهَا كَالطِّفْل (٢) .
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَتَى الْمَدِينَةَ وَهُوَ مُشْرِكٌ فَدَخَل عَلَى ابْنَتِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ ﵂ فَطَوَتْ فِرَاشَ رَسُول اللَّهِ ﷺ. لِئَلاَّ يَجْلِسَ عَلَيْهِ (٣) وَلَمْ تُحْتَجَبْ مِنْهُ، وَلاَ أَمَرَهَا بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ.
وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ الْمَجُوسِيَّ مِنَ السَّفَرِ مَعَ مَحْرَمِهِ، قَال الْمَوْصِلِيُّ: الْمَحْرَمُ: كُل مَنْ لاَ يَحِل لَهُ نِكَاحُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ لِقَرَابَةٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهْرِيَّةٍ، وَالْعَبْدُ وَالْحُرُّ وَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ سَوَاءٌ،
_________
(١) كشاف القناع ٥ / ١٢.
(٢) المغني مع الشرح الكبير ٣ / ١٩٢، ١٩٣.
(٣) أثر: " أن أبا سفيان أتى المدينة وهو مشرك فدخل على ابنته أم حبيبة. . ". أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٨ / ٩٩ - ١٠٠) من حديث الزهري مرسلًا.