الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦ الصفحة 19

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٦

مُتْعَةُ الطَّلاَقِ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْمُتْعَةُ لُغَةً: اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَتَاعِ، وَهُوَ جَمِيعُ مَا يُنْتَفَعُ أَوْ يُسْتَمْتَعُ بِهِ (١) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: مَالٌ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ دَفْعُهُ لاِمْرَأَتِهِ الْمُفَارَقَةِ فِي الْحَيَاةِ بِطَلاَقٍ وَمَا فِي مَعْنَاهُ بِشُرُوطٍ (٢) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ لِلْمُتْعَةِ:

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمُتْعَةَ تَجِبُ لِمُطَلَّقَةٍ قَبْل الدُّخُول إِنْ لَمْ يَجِبْ لَهَا شَطْرُ مَهْرٍ بِأَنْ كَانَتْ مُفَوَّضَةً وَلَمْ يُفْرَضْ لَهَا شَيْءٌ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ .

_________

(١) تاج العروس للزبيدي.

(٢) مغني المحتاج ٣ / ٢٤١.

قَال الْبُهُوتِيُّ: وَالأَْمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَلاَ يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ لأَِنَّ أَدَاءَ الْوَاجِبِ مِنَ الإِْحْسَانِ، وَقَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: وَلأَِنَّ الْمُفَوَّضَةَ لَمْ يَحْصُل لَهَا شَيْءٌ فَتَجِبُ لَهَا مُتْعَةٌ لِلإِْيحَاشِ أَمَّا إِذَا فُرِضَ لَهَا فِي التَّفْوِيضِ شَيْءٌ فَلاَ مُتْعَةَ لَهَا لأَِنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ مَنْفَعَةَ بُضْعِهَا فَيَكْفِي شَطْرُ مَهْرِهَا لِمَا لَحِقَهَا مِنَ الاِسْتِيحَاشِ وَالاِبْتِذَال.

وَأَضَافَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى حَالَةِ وُجُوبِ الْمُتْعَةِ حَالَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ:

إِحْدَاهُمَا: تَكُونُ الْمُتْعَةُ فِيهَا مُسْتَحَبَّةً وَهِيَ الْمُطَلَّقَةُ الْمَدْخُول بِهَا. سَوَاءٌ سُمِّيَ لَهَا مَهْرٌ أَوْ لَمْ يُسَمَّ.

وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: تَكُونُ الْمُتْعَةُ فِيهَا غَيْرَ مُسْتَحَبَّةٍ وَهِيَ الَّتِي طَلَّقَهَا قَبْل الدُّخُول وَقَدْ سَمَّى لَهَا مَهْرًا.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: تَجِبُ الْمُتْعَةُ لِلْمُطَلَّقَةِ وَنَحْوِهَا الْمَوْطُوءَةِ فِي الأَْظْهَرِ الْجَدِيدِ سَوَاءٌ أَفَوَّضَ طَلاَقَهَا إِلَيْهَا فَطَلُقَتْ أَمْ عَلَّقَهُ بِفِعْلِهَا فَفَعَلَتْ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وَمُقَابِل الأَْظْهَرِ وَهُوَ الْقَدِيمُ لاَ مُتْعَةَ لَهَا لاِسْتِحْقَاقِهَا الْمَهْرَ وَفِيهِ غَنِيَّةٌ عَنِ الْمُتْعَةِ.

وَقَالُوا: وَكُل فُرْقَةٍ لاَ بِسَبَبِهَا بِأَنْ كَانَتْ مِنَ

الزَّوْجِ كَرِدَّتِهِ وَلِعَانِهِ وَإِسْلاَمِهِ، أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ كَإِرْضَاعِ أُمِّ الزَّوْجِ أَوْ بِنْتِ زَوْجَتِهِ وَوَطْءِ أَبِيهِ أَوِ ابْنِهِ لَهَا بِشُبْهَةٍ، حُكْمُهَا كَالطَّلاَقِ فِي إِيجَابِ الْمُتْعَةِ وَعَدَمِهِ أَيْ إِذَا لَمْ يَسْقُطْ بِهَا الشَّطْرُ، أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْفُرْقَةُ مِنْهَا أَوْ بِسَبَبِهَا كَرِدَّتِهَا وَإِسْلاَمِهَا وَلَوْ تَبَعًا أَوْ فَسَخَهُ بِعَيْبِهَا فَلاَ مُتْعَةَ لَهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ قَبْل الدُّخُول أَمْ بَعْدَهُ لأَِنَّ الْمَهْرَ يَسْقُطُ بِذَلِكَ وَوُجُوبُهُ آكَدُ مِنْ وُجُوبِ الْمُتْعَةِ بِدَلِيل أَنَّهُمَا لَوِ ارْتَدَّا مَعًا لاَ مُتْعَةَ وَيَجِبُ الشَّطْرُ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: تُسْتَحَبُّ الْمُتْعَةُ لِكُل مُطَلَّقَةٍ غَيْرِ الْمُفَوَّضَةِ الَّتِي لَمْ يُفْرَضْ لَهَا (١) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: تُنْدَبُ الْمُتْعَةُ لِكُل مُطَلَّقَةٍ طَلاَقًا بَائِنًا فِي نِكَاحٍ لاَزِمٍ، إِلاَّ الْمُخْتَلِعَةَ وَالْمَفْرُوضَ لَهَا صَدَاقٌ وَطَلُقَتْ قَبْل الْبِنَاءِ وَمُخْتَارَةً لِعَيْبِ الزَّوْجِ وَمُخَيَّرَةً وَمُمَلَّكَةً فِي الطَّلاَقِ وَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا (٢)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ . وَقَوْلُهُ ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَل الْمُتْعَةَ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ وَالْمُحْسِنِينَ لاَ عَلَى غَيْرِهِمَا (٣) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٣٥، والهداية مع شروحها ٢ / ٤٤٨، ومغني المحتاج ٣ / ٢٤١ - ٢٤٢، وكشاف القناع ٥ / ١٥٧ - ١٥٨.

(٢) جواهر الإكليل ١ / ٣٦٥.

(٣) تفسير القرطبي ١٠ / ٢٤٥.

مِقْدَارُ مُتْعَةِ الطَّلاَقِ

٣ - لَمْ يَرِدْ نَصٌّ فِي تَحْدِيدِ مِقْدَارِ الْمُتْعَةِ وَلاَ نَوْعِهَا.

وَالْوَارِدُ إِنَّمَا هُوَ اعْتِبَارُ حَال الزَّوْجِ مِنَ الإِْعْسَارِ وَالْيَسَارِ، وَالأَْخْذِ بِالْمَعْرُوفِ.

قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ .

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ تُعْتَبَرُ بِحَالِهِ الْمُتْعَةُ:

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَهُمْ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي تَقْدِيرِ الْقَاضِي الْمُتْعَةَ حَال الزَّوْجَيْنِ كِلَيْهِمَا.

وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ حَالُهُمَا مِنَ الإِْعْسَارِ وَالْيَسَارِ كَالنَّفَقَةِ وَقَالُوا: الْمُتْعَةُ دِرْعٌ وَخِمَارٌ وَمِلْحَفَةٌ لاَ تَزِيدُ عَلَى نِصْفِ مَهْرِ الْمِثْل؛ لأَِنَّ الْمُتْعَةَ خَلْفَهُ فَإِنْ كَانَا سَوَاءً فَالْوَاجِبُ الْمُتْعَةُ لأَِنَّهَا الْفَرِيضَةُ بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَإِنْ كَانَ النِّصْفُ أَقَل مِنَ الْمُتْعَةِ فَالْوَاجِبُ الأَْقَل، وَلاَ تَنْقُصُ الْمُتْعَةُ عَنْ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ.

وَاعْتَبَرَ الْكَرْخِيُّ حَال الزَّوْجَةِ وَاخْتَارَهُ الْقُدُورِيُّ وَاعْتَبَرَ السَّرَخْسِيُّ حَال الزَّوْجِ وَصَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُعْتَبَرُ حَالُهُمَا أَيْ مَا يَلِيقُ بِيَسَارِهِ وَنَحْوِ نَسَبِهَا وَصِفَاتِهَا الْمُعْتَبَرَةِ فِي مَهْرِ الْمِثْل، وَقِيل: حَالُهُ لِظَاهِرِ الآْيَةِ، وَقِيل:

حَالُهَا لأَِنَّهَا كَالْبَدَل عَنِ الْمَهْرِ وَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِهَا وَحْدَهَا وَقِيل: أَقَل مَالٍ يَجُوزُ فِعْلُهُ صَدَاقًا.

وَقَالُوا: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لاَ تَنْقُصَ الْمُتْعَةُ عَنْ ثَلاَثِينَ دِرْهَمًا أَوْ مُسَاوِيهَا وَيُسَنُّ أَلاَ تَبْلُغَ نِصْفَ مَهْرِ الْمِثْل وَإِنْ بَلَغَتْهُ أَوْ جَاوَزَتْهُ جَازَ، وَقَال الْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُ: لاَ تَزِيدُ وُجُوبًا عَلَى مَهْرِ الْمِثْل.

وَمَحَل ذَلِكَ مَا إِذَا فَرَضَ الْحَاكِمُ الْمُتْعَةَ، أَمَّا إِذَا اتَّفَقَ عَلَيْهَا الزَّوْجَانِ فَلاَ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ أَيْ عَدَمُ مُجَاوَزَتِهَا مَهْرَ الْمِثْل (١) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: الْمُتْعَةُ مُعْتَبَرَةٌ بِحَال الزَّوْجِ الْمُطَلِّقِ فِي يَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ لِلآْيَةِ السَّابِقَةِ بِخِلاَفِ النَّفَقَةِ فَإِنَّهَا تُقَدَّرُ بِحَالِهِمَا.

وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ أَعْلَى الْمُتْعَةِ خَادِمٌ إِذَا كَانَ الزَّوْجُ مُوسِرًا وَأَدْنَاهَا إِذَا كَانَ فَقِيرًا كِسْوَةٌ تُجْزِئُهَا فِي صَلاَتِهَا وَهِيَ دِرْعٌ وَخِمَارٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ لِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ: أَعْلَى الْمُتْعَةِ خَادِمٌ ثُمَّ دُونَ ذَلِكَ النَّفَقَةُ ثُمَّ دُونَ ذَلِكَ الْكِسْوَةُ، وَقُيِّدَتِ الْكِسْوَةُ بِمَا يُجْزِئُهَا فِي صَلاَتِهَا لأَِنَّ ذَلِكَ أَقَل الْكِسْوَةِ (٢) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٣٦، ونهاية المحتاج ٦ / ٣٥٩.

(٢) حاشية الدسوقي ٢ / ٤٢٥، وجواهر الإكليل ١ / ٣٦٥، وكشاف القناع ٥ / ١٥٨.

مُتَلاَحِمَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْمُتَلاَحِمَةُ فِي اللُّغَةِ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ تَلاَحَمَتِ الشَّجَّةُ إِذَا أَخَذَتْ فِي اللَّحْمِ، أَوْ تَلاَحَمَتْ إِذَا بَرَأَتْ وَالْتَحَمَتْ، قَال الْفَيُّومِيُّ: الْمُتَلاَحِمَةُ مِنَ الشِّجَاجِ الَّتِي تَشُقُّ اللَّحْمَ وَلاَ تَصْدَعُ الْعَظْمَ، ثُمَّ تَلْتَحِمُ بَعْدَ شَقِّهَا، وَقِيل: الَّتِي أَخَذَتْ فِي اللَّحْمِ وَلَمْ تَبْلُغِ السِّمْحَاقَ (١) (أَيِ الْقِشْرَةَ الَّتِي تَفْصِل بَيْنَ اللَّحْمِ وَالْعَظْمِ) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ عَرَّفَهَا أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ بِمَا يَقْرُبُ مِنَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

قَال الزَّيْلَعِيُّ: الْمُتَلاَحِمَةُ هِيَ الَّتِي تَأْخُذُ فِي اللَّحْمِ فَتَقْطَعُهُ كُلَّهُ ثُمَّ يَتَلاَحَمُ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْ يَلْتَئِمُ وَيَتَلاَصَقُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَفَاؤُلًا عَلَى مَا يَؤُول إِلَيْهِ (٢) وَتُسَمَّى أَيْضًا مُلاَحِمَةً (٣) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: هِيَ الَّتِي غَاصَتْ فِي اللَّحْمِ

_________

(١) لسان العرب، والمصباح المنير.

(٢) تبيين الحقائق ٦ / ١٣٢، ومغني المحتاج ٤ / ٢٦، كشاف القناع ٦ / ٥١ - ٥٢.

(٣) مغني المحتاج ٤ / ٢٦.

بِتَعَدُّدِ أَيْ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَمْ تَقْرُبْ لِلْعَظْمِ، فَإِنِ انْتَفَى التَّعَدُّدُ فَبَاضِعَةٌ (١) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

٢ - الْحَارِصَةُ وَالدَّامِعَةُ وَالدَّامِيَةُ وَالْبَاضِعَةُ وَالسِّمْحَاقُ كُلُّهَا شِجَاجٌ لَمْ تَصِل إِلَى الْعَظْمِ وَتَخْتَصُّ بِالرَّأْسِ وَالْوَجْهِ، يَخْتَلِفُ مِقْدَارُ الشَّجَّةِ فِي كُلٍّ مِنْهَا عَنِ الآْخَرِ.

وَتَشْتَرِكُ هَذِهِ الشِّجَاجُ مَعَ الْمُتَلاَحِمَةِ مِنَ الْحُكْمِ فِي الْجُمْلَةِ، وَهُوَ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهَا حُكُومَةَ عَدْلٍ وَلاَ يَجِبُ فِيهَا الْقِصَاصُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، كَمَا هُوَ مُفَصَّلٌ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٣ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْمُتَلاَحِمَةِ وَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا، لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْمُسَاوَاةِ فِيهَا، وَلَيْسَ لَهَا حَدٌّ يَنْتَهِي إِلَيْهِ السِّكِّينُ، كَمَا عَلَّلَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَإِنَّمَا تَجِبُ فِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ لأَِنَّهَا لَيْسَ فِيهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، وَلاَ يُمْكِنُ إِهْدَارُهَا، فَتَجِبُ فِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ، قَال الزَّيْلَعِيُّ: وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ (٢) .

_________

(١) جواهر الإكليل ٢ / ٢٥٩، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٥١.

(٢) تبيين الحقائق ٦ / ١٣٣، وحاشية القليوبي مع شرح المنهاج ٤ / ١١٣، وكشاف القناع ٦ / ٥١ - ٥٢.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْمُتَلاَحِمَةِ وَأَخَوَاتِهَا مَا قَبْل الْمُوضِحَةِ إِذَا كَانَتْ عَمْدًا، وَذَلِكَ بِالْقِيَاسِ طُولًا وَعَرْضًا وَعُمْقًا (١) .

وَهَذَا قَوْل الْحَنَفِيَّةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَقَوْلٌ ضَعِيفٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِذَا تَيَسَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ، لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، قَال الزَّيْلَعِيُّ: إِنَّهُ هُوَ الصَّحِيحُ، لأَِنْ يُمْكِنَ اعْتِبَارُ الْمُسَاوَاةِ فِيهِ، إِذْ لَيْسَ فِيهِ كَسْرُ الْعَظْمِ، وَلاَ خَوْفُ التَّلَفِ كَالْجَائِفَةِ، فَيُسْبَرُ غَوْرُهَا بِمِسْبَارٍ ثُمَّ يَتَّخِذُ حَدِيدَةً بِقَدْرِ ذَلِكَ فَيَقْطَعُ بِهَا مِقْدَارَ مَا قَطَعَ فَيَتَحَقَّقُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ بِذَلِكَ (٢) .

وَلِتَفْصِيل أَحْكَامِ الْمُتَلاَحِمَةِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الشِّجَاجِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (شِجَاجٌ ف ٦) .

_________

(١) جواهر الإكليل ٢ / ٢٥٩، وحاشية الدسوقي مع الشرح الكبير ٤ / ٢٥١.

(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٧٣، وحاشية القليوبي ٤ / ١١٣، وكشاف القناع ٦ / ٥١ - ٥٢.

مَتَوَلِّي

التَّعْرِيفُ:

١ - الْمُتَوَلِّي فِي اللُّغَةِ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ تَوَلَّى الأَْمْرُ إِذَا تَقَلَّدَهُ، وَيُقَال: تَوَلاَّهُ: اتَّخَذَهُ وَلِيًّا، وَتَوَلَّيْتُ فُلاَنًا اتَّبَعْتُهُ وَرَضِيتُ بِهِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْوَلِيِّ بِمَعْنَى الْقُرْبِ وَالنُّصْرَةِ (١) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ مَنْ فُوِّضَ إِلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِي مَال الْوَقْفِ (٢) .

وَعَرَّفَهُ بَعْضُهُمْ: بِأَنَّهُ مَنْ تَوَلَّى أَمْرَ الأَْوْقَافِ وَقَامَ بِتَدْبِيرِهَا (٣) .

وَاسْتَعْمَل الشَّافِعِيَّةُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ فِي بَيْعِ التَّوْلِيَةِ، فَالْمُشْتَرِي الأَْوَّل مُوَلٍّ، وَمَنْ قَبِل التَّوْلِيَةَ وَاشْتَرَى مِنْهُ مُتَوَلٍّ (٤) .

وَالْمُرَادُ بِالْبَحْثِ هُنَا الْمُتَوَلِّي بِالْمَعْنَى الأَْوَّل.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

النَّاظِرُ:

٢ - النَّاظِرُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ النَّظَرِ وَهُوَ الْفِكْرُ

_________

(١) المصباح المنير، ولسان العرب، ومتن اللغة.

(٢) ابن عابدين ٣ / ٤٣١.

(٣) قواعد الفقه للبركتي.

(٤) مغني المحتاج ٢ / ٧٦.

وَالتَّدَبُّرُ، يُقَال: نَظَرَ فِي الأَْمْرِ: تَدَبَّرَ وَفَكَّرَ، وَيُسْتَعْمَل النَّظَرُ كَذَلِكَ بِمَعْنَى الْحِفْظِ، يُقَال: نَظَرَ الشَّيْءَ: حَفِظَهُ (١) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ قَال الْبُهُوتِيُّ: النَّاظِرُ هُوَ الَّذِي يَلِي الْوَقْفَ وَحِفْظَهُ، وَحِفْظَ رِيعِهِ، وَتَنْفِيذَ شَرْطِهِ (٢) .

وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْخَيْرِيَّةِ أَنَّ الْقَيِّمَ وَالْمُتَوَلِّيَ وَالنَّاظِرَ فِي كَلاَمِهِمْ وَاحِدٌ ثُمَّ قَال: هَذَا ظَاهِرٌ عِنْدَ الإِْفْرَادِ، أَمَّا لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ مُتَوَلِّيًا وَنَاظِرًا عَلَيْهِ كَمَا يَقَعُ كَثِيرًا فَيُرَادُ بِالنَّاظِرِ الْمُشْرِفُ (٣) .

وَعَلَى ذَلِكَ فَالنَّاظِرُ أَعَمُّ مِنَ الْمُتَوَلِّي.

ب - الْمُشْرِفُ:

٣ - الْمُشْرِفُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَشْرَفَ، يُقَال: أَشْرَفْتُ عَلَيْهِ: اطَّلَعْتُ عَلَيْهِ (٤) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ يُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ لَفْظَ الْمُشْرِفِ عَلَى مَنْ يَكُونُ لَهُ حِفْظُ مَال الْوَقْفِ دُونَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَيُحْتَمَل أَنْ يُرَادَ بِالْحِفْظِ مُشَارَفَتُهُ: " أَيْ مُرَاقَبَتُهُ " لِلْمُتَوَلِّي عِنْدَ التَّصَرُّفِ لِئَلاَّ يَفْعَل مَا يَضُرُّ (٥) .

وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْمُشْرِفِ وَالْمُتَوَلِّي هِيَ أَنَّ كُل

_________

(١) متن اللغة، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط.

(٢) كشاف القناع ٤ / ٢٦٩.

(٣) رد المحتار ٣ / ٤٣١.

(٤) المصباح المنير.

(٥) ابن عابدين ٣ / ٤٣١.