الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤ الصفحة 39

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤

وَالْحَنَابِلَةُ؛ لأَِنَّهُ أَخَذَ مَا أَمْكَنَ مِنْ حَقِّهِ (١)، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْعِوَضَ.

وَلاَ يَجِبُ فِي كَسْرِهَا قِصَاصٌ كَسَائِرِ الْعِظَامِ، وَلَيْسَ فِيهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، وَإِنَّمَا تَجِبُ فِي كَسْرِهَا حُكُومَةٌ (٢)، (ر: حُكُومَةُ عَدْلٍ ف ٧، وَجِنَايَةٌ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ ف ٣١) .

وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَحْكَامًا أُخْرَى تَتَعَلَّقُ بِالْكَتِفِ مِنْهَا: السَّدْل فِي الصَّلاَةِ، وَهُوَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنْ يَطْرَحَ الْمُصَلِّي ثَوْبًا عَلَى كَتِفِهِ وَلاَ يَرُدُّ أَحَدَ طَرَفَيْهِ عَلَى الْكَتِفِ الأُْخْرَى، وَهُوَ مَكْرُوهٌ عِنْدَهُمْ.

وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى وُجُوبِ أَنْ يَضَعَ الْمُصَلِّي عَلَى أَحَدِ كَتِفَيْهِ شَيْئًا مِنَ اللِّبَاسِ إِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ وَيُشْتَرَطُ ذَلِكَ لِصِحَّةِ الصَّلاَةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ (٣) (ر: صَلاَةٌ ف ٨٥) .

وَمِنْهَا الاِضْطِبَاعُ فِي الطَّوَافِ وَهُوَ أَنْ يُدْخِل الْمُحْرِمُ رِدَاءَهُ الَّذِي يَلْبَسُهُ تَحْتَ مَنْكِبِهِ الأَْيْمَنِ فَيُلْقِيَهُ عَلَى عَاتِقِهِ الأَْيْسَرِ وَتَبْقَى كَتِفُهُ الْيُمْنَى مَكْشُوفَةً، وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ (ر: اضْطِبَاعٌ ف ١ - ٤) .

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ٢٩٨، وكشاف القناع ٥ / ٥٥٣، والمغني ٧ / ٧٠٩. وروض الطالب ٤ / ٢٣.

(٢) روض الطالب ٤ / ٦٧.

(٣) المغني ١ / ٥٨٠ - ٥٨١.

كِتْمَانٌ

انْظُرْ: إِفْشَاءُ السِّرِّ

كُحْل

انْظُرْ: اكْتِحَال

كَدِك

التَّعْرِيفُ:

١ - لَمْ يَرِدْ ذِكْرُ كَلِمَةِ الْكَدِكِ أَوِ الْجَدِكِ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ.

وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ يُطْلَقُ الْكَدِكُ عَلَى مَا يَثْبُتُ فِي الْحَانُوتِ عَلَى وَجْهِ الْقَرَارِ مِمَّا لاَ يُنْقَل وَلاَ يُحَوَّل، كَالْبِنَاءِ وَالرُّفُوفِ الْمُرَكَّبَةِ وَالأَْغْلاَقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا مَا يُسَمِّيهِ الْفُقَهَاءُ سُكْنَى (١) .

كَمَا يُطْلَقُ عَلَى مَا يُوضَعُ فِي الْحَانُوتِ مُتَّصِلًا لاَ عَلَى وَجْهِ الْقَرَارِ، كَالْخَشَبِ الَّذِي يُرَكَّبُ بِالْحَانُوتِ لِوَضْعِ عِدَّةِ الْحَلاَّقِ مَثَلًا، فَإِنَّ الاِتِّصَال وُجِدَ لَكِنْ لاَ عَلَى وَجْهِ الْقَرَارِ (٢) .

وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْعَيْنِ غَيْرِ الْمُتَّصِلَةِ أَصْلًا، كَالْبَكَارِجِ وَالْفَنَاجِينِ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَهْوَةِ، وَالْفُوَطِ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَمَّامِ (٣) .

وَيُطْلَقُ عَلَى مُجَرَّدِ الْمَنْفَعَةِ الْمُقَابِلَةِ

_________

(١) تنقيح الفتاوى الحامدية ٢ / ١٩٩ - ٢٠٠، وشرح المجلة للأتاسي ٢ / ٥١٧، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٩١.

(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ١٧.

(٣) حاشية ابن عابدين ٤ / ١٧، وفتح العلي المالك ٢ / ٢١٠ ط. المكتبة التجارية.

لِلدَّرَاهِمِ (١)، وَهَذَا مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ الْفُقَهَاءُ بِالْخُلُوِّ (٢) .

وَلِلتَّفْصِيل فِي أَحْكَامِ الْكَدِكِ بِهَذَا الْمَعْنَى يُنْظَرُ (خُلُوٌّ) .

قَال مُحَمَّدٌ قَدْرِي بَاشَا: يُطْلَقُ الْكَدِكُ عَلَى الأَْعْيَانِ الْمَمْلُوكَةِ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْحَانُوتِ عَلَى وَجْهِ الْقَرَارِ، كَالْبِنَاءِ، أَوْ لاَ عَلَى وَجْهِ الْقَرَارِ، كَآلاَتِ الصِّنَاعَةِ الْمُرَكَّبَةِ بِهِ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْكِرْدَارِ فِي الأَْرَاضِي، كَالْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ فِيهَا (٣) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْكِرْدَارُ:

٢ - الْكِرْدَارُ هُوَ أَنْ يُحْدِثَ الْمُزَارِعُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فِي الأَْرْضِ بِنَاءً أَوْ غِرَاسًا أَوْ كَبْسًا بِالتُّرَابِ بِإِذْنِ الْوَاقِفِ أَوْ بِإِذْنِ النَّاظِرِ (٤) .

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَمِنَ الْكِرْدَارِ مَا يُسَمَّى الآْنَ كَدِكًا فِي حَوَانِيتِ الْوَقْفِ وَنَحْوِهَا، مِنْ رُفُوفٍ مُرَكَّبَةٍ فِي الْحَانُوتِ، وَأَغْلاَقٍ عَلَى وَجْهِ الْقَرَارِ، وَمِنْهُ مَا يُسَمَّى قِيمَةً فِي الْبَسَاتِينِ وَفِي الْحَمَّامَاتِ (٥)، فَالْكِرْدَارُ أَعَمُّ مِنَ الْكَدِكِ.

ب - الْمَرْصَدُ:

٣ - الْمَرْصَدُ هُوَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ رَجُلٌ عَقَارَ الْوَقْفِ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ١٧.

(٢) فتح العلي المالك ٢ / ٢١٠ ط. المكتبة التجارية.

(٣) مرشد الحيران المادة ٧٠٦ ص١٨٢.

(٤) الفتاوى الخيرية ١ / ١٨٠، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٩١.

(٥) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٩١.

مِنْ دَارٍ أَوْ حَانُوتٍ مَثَلًا وَيَأْذَنُ لَهُ الْمُتَوَلِّي بِعِمَارَتِهِ أَوْ مَرَمَّتِهِ بِهَا، فَيُعَمِّرُهُ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ مَالِهِ عَلَى قَصْدِ الرُّجُوعِ بِذَلِكَ فِي مَال الْوَقْفِ عِنْدَ حُصُولِهِ، أَوِ اقْتِطَاعِهِ مِنَ الأُْجْرَةِ (١) .

وَالْمَرْصَدُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ دَيْنٌ مُسْتَقِرٌّ عَلَى جِهَةِ الْوَقْفِ لِلْمُسْتَأْجِرِ الَّذِي عَمَّرَ مِنْ مَالِهِ عِمَارَةً ضَرُورِيَّةً فِي مُسْتَغَلٍّ مِنْ مُسْتَغَلاَّتِ الْوَقْفِ لِلْوَقْفِ.

وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْكَدِكِ وَبَيْنَ الْمَرْصَدِ، أَنَّ صَاحِبَ الْمَرْصَدِ لَيْسَ لَهُ إِلاَّ دَيْنٌ مَعْلُومٌ عَلَى الْوَقْفِ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ وَلاَ يَبِيعَ الْبِنَاءَ الَّذِي بَنَاهُ لِلْوَقْفِ، وَإِنَّمَا لَهُ مُطَالَبَةُ الْمُتَوَلِّي بِالدَّيْنِ الَّذِي لَهُ إِنْ لَمْ يُرِدِ اسْتِقْطَاعَهُ مِنْ أَصْل أَجْرِ الْمِثْل (٢)، وَأَمَّا الْكَدِكُ، فَهُوَ أَمْوَالٌ مُتَقَوِّمَةٌ مَمْلُوكَةٌ لِلْمُسْتَأْجِرِ تُبَاعُ وَتُورَثُ، وَلأَِصْحَابِهَا حَقُّ الْقَرَارِ (٣) .

ج - الْمَسْكَةُ:

٤ - الْمَسْكَةُ هِيَ عِبَارَةٌ عَنِ اسْتِحْقَاقِ الْحِرَاثَةِ فِي أَرْضِ الْغَيْرِ، مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْمَسْكَةِ لُغَةً، وَهِيَ مَا يُتَمَسَّكُ بِهِ، فَكَأَنَّ الْمُتَسَلِّمَ لِلأَْرْضِ الْمَأْذُونَ لَهُ مِنْ صَاحِبِهَا فِي الْحَرْثِ صَارَ لَهُ مَسْكَةٌ يَتَمَسَّكُ بِهَا فِي الْحَرْثِ فِيهَا، وَحُكْمُهَا أَنَّهَا

_________

(١) تنقيح الفتاوى الحامدية ٢ / ٢٠٠، وشرح المجلة للأتاسي ٢ / ٥١٦.

(٢) مرشد الحيران المادة ٧٠٩ و٧١٠ ص١٨٢ - ١٨٣.

(٣) مرشد الحيران ٧٠٦ و٧٠٧.

لاَ تُقَوَّمُ، فَلاَ تُمْلَكُ وَلاَ تُبَاعُ وَلاَ تُورَثُ، وَقَدْ جَرَى فِي عُرْفِ الْفَلاَّحِينَ إِطْلاَقُ الْفِلاَحَةِ عَلَى الْمَسْكَةِ، فَيَقُول أَحَدُهُمْ: فَرَغْتُ عَنْ فِلاَحَتِي أَوْ مَسْكَتِي أَوْ مَشَدِّي، وَيُرِيدُ مَعْنًى وَاحِدًا وَهِيَ اسْتِحْقَاقُ الْحَرْثِ (١) .

وَالْمَسْكَةُ بِهَذَا الْمَعْنَى تَكُونُ فِي الأَْرَاضِي الْجَرْدَاءِ، وَقَدْ تَكُونُ فِي الْبَسَاتِينِ وَتُسَمَّى بِالْقِيمَةِ (٢) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْكَدِكِ وَبَيْنَ الْمَسْكَةِ، أَنَّ صَاحِبَ الْمَسْكَةِ يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الاِسْتِمْسَاكِ بِالأَْرْضِ (٣)، كَمَا أَنَّ صَاحِبَ الْكَدِكِ يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الْقَرَارِ فِي الْحَانُوتِ، فَالْمَسْكَةُ خَاصَّةٌ بِالأَْرَاضِيِ أَمَّا الْكَدِكُ فَخَاصٌّ بِالْحَوَانِيتِ.

د - الْخُلُوُّ:

٥ - يُطْلَقُ الْخُلُوُّ عَلَى مَعَانٍ مِنْهَا:

أَنَّهُ اسْمٌ لِلْمَنْفَعَةِ الَّتِي جُعِل فِي مُقَابَلَتِهَا الدَّرَاهِمُ (٤)، وَيُطْلَقُ كَذَلِكَ عَلَى حَقِّ مُسْتَأْجِرِ الأَْرْضِ الأَْمِيرِيَّةِ فِي التَّمَسُّكِ بِهَا إِنْ كَانَ لَهُ فِيهَا أَثَرٌ مِنْ غِرَاسٍ أَوْ بِنَاءٍ أَوْ كَبْسٍ بِالتُّرَابِ، عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْحُقُوقِ لِبَيْتِ الْمَال، كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ وَنَحْوِهِمَا الَّذِي يُقَيِّمُهُ مَنْ بِيَدِهِ عَقَارُ وَقْفٍ أَوْ

_________

(١) تنقيح الفتاوى الحامدية ٢ / ١٩٨.

(٢) تنقيح الفتاوى الحامدية ٢ / ١٩٩

(٣) تنقيح الفتاوى الحامدية ٢ / ١٩٩.

(٤) فتح العلي المالك ٢ / ٢١٠ ط. المكتبة التجارية.

أَرْضٌ أَمِيرِيَّةٌ (ر: خُلُوٌّ ف ١) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْخُلُوِّ بِالْمَعْنَى الأَْوَّل وَالْكَدِكِ، أَنَّ صَاحِبَ الْخُلُوِّ يَمْلِكُ جُزْءًا مِنْ مَنْفَعَةِ الْوَقْفِ وَلاَ يَمْلِكُ الأَْعْيَانَ، أَمَّا الْكَدِكُ فَهُوَ أَعْيَانٌ مَمْلُوكَةٌ لِمُسْتَأْجِرِ الْحَانُوتِ. (ر: خُلُوٌّ ف ١) .

وَأَمَّا الصِّلَةُ بِالْمَعْنَيَيْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ، فَهِيَ أَنَّ الْخُلُوَّ مُرَادِفٌ لِلْكَدِكِ.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْكَدِكِ:

ثُبُوتُ حَقِّ الْقَرَارِ لِصَاحِبِ الْكَدِكِ:

أَوَّلًا: وَضْعُ الْكَدِكِ فِي الْمَبَانِي الْوَقْفِيَّةِ الْمُؤَجَّرَةِ:

٦ - يَثْبُتُ لِصَاحِبِ الْكَدِكِ حَقُّ الْقَرَارِ بِسَبَبِ مَا يُنْشِئُهُ فِي مَبْنَى الْوَقْفِ مِنْ بِنَاءٍ أَوْ نَحْوِهِ مُتَّصِلٍ اتِّصَال قَرَارٍ.

قَال ابْنُ عَابِدِينَ فِي تَنْقِيحِ الْفَتَاوَى الْحَامِدِيَّةِ: يَثْبُتُ لَهُ (أَيْ لِصَاحِبِ الْكَدِكِ) حَقُّ الْقَرَارِ مَا دَامَ يَدْفَعُ أُجْرَةَ مِثْل الْحَانُوتِ خَالِيَةً عَنْ جَدَكِهِ (١) وَقَال فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِذَا كَانَ هَذَا الْجَدِكُ الْمُسَمَّى بِالسُّكْنَى قَائِمًا فِي أَرْضِ وَقْفٍ، فَهُوَ مِنْ قَبِيل مَسْأَلَةِ الْبِنَاءِ أَوِ الْغَرْسِ فِي الأَْرْضِ الْمُحْتَكَرَةِ، لِصَاحِبِهِ الاِسْتِبْقَاءُ بِأُجْرَةِ مِثْل الأَْرْضِ حَيْثُ لاَ ضَرَرَ عَلَى الْوَقْفِ وَإِنْ أَبَى النَّاظِرُ، نَظَرًا لِلْجَانِبَيْنِ (٢) .

_________

(١) تنقيح الفتاوى الحامدية ٢ / ١٩٩.

(٢) تنقيح الفتاوى الحامدية ٢ / ٢٠٠.

وَجَاءَ فِي الْمَادَّةِ (٧٠٧) مِنْ مُرْشِدِ الْحَيْرَانِ: الْكَدِكُ الْمُتَّصِل بِالأَْرْضِ بِنَاءً أَوْ غِرَاسًا أَوْ تَرْكِيبًا عَلَى وَجْهِ الْقَرَارِ هُوَ أَمْوَالٌ مُتَقَوِّمَةٌ تُبَاعُ وَتُورَثُ، وَلأَِصْحَابِهَا حَقُّ الْقَرَارِ، وَلَهُمُ اسْتِبْقَاؤُهَا بِأَجْرِ الْمِثْل (١) .

هَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَبِهِ يَقُول الْمَالِكِيَّةُ، فَقَدْ قَال الشَّيْخُ عُلَيْشٌ: الْخُلُوُّ مِنَ الْمَنْفَعَةِ، فَلِذَلِكَ يُورَثُ، وَلَيْسَ لِلنَّاظِرِ أَنْ يُخْرِجَهَا عَنْهُ وَإِنْ كَانَتِ الإِْجَارَةُ مُشَاهَرَةً، وَلاَ الإِْجَارَةُ لِغَيْرِهِ.

كَمَا قَال الشَّيْخُ عُلَيْشٌ: الْخُلُوُّ رُبَّمَا يُقَاسُ عَلَيْهِ الْجَدِكُ الْمُتَعَارَفُ فِي حَوَانِيتِ مِصْرَ. . . نَعَمْ بَعْضُ الْجَدِكَاتِ بِنَاءٌ أَوْ إِصْلاَحُ أَخْشَابٍ فِي الْحَانُوتِ مَثَلًا بِإِذْنٍ، وَهَذَا قِيَاسُهُ عَلَى الْخُلُوِّ ظَاهِرٌ، خُصُوصًا وَقَدِ اسْتَنَدُوا فِي تَأْبِيدِ الْحَكْرِ لِلْعُرْفِ، وَالْعُرْفُ حَاصِلٌ فِي الْجَدِكِ (٢) .

وَقَال الدُّسُوقِيُّ: إِذَا اسْتَأْجَرَ إِنْسَانٌ دَارًا مَوْقُوفَةً مُدَّةً مُعَيَّنَةً، وَأَذِنَ لَهُ النَّاظِرُ بِالْبِنَاءِ فِيهَا لِيَكُونَ لَهُ خُلُوًّا، وَجَعَل عَلَيْهَا حَكْرًا كُل سَنَةٍ لِجِهَةِ الْوَقْفِ، فَلَيْسَ لِلنَّاظِرِ أَنْ يُؤَاجِرَهَا لِغَيْرِ مُسْتَأْجِرِهَا مُدَّةً تَلِي مُدَّةَ إِيجَارِ الأَْوَّل، لِجَرَيَانِ الْعُرْفِ بِأَنْ لاَ يَسْتَأْجِرَهَا إِلاَّ الأَْوَّل، وَالْعُرْفُ كَالشَّرْطِ، فَكَأَنَّهُ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ، وَمَحَلُّهُ إِذَا دَفَعَ الأَْوَّل مِنَ الأُْجْرَةِ

_________

(١) مرشد الحيران ص١٨٢ ط. المطبعة الأميرية بمصر.

(٢) فتح العلي المالك ٢ / ٢١٠ ط. المكتبة التجارية.

مَا يَدْفَعُهُ غَيْرُهُ، وَإِلاَّ جَازَ إِيجَارُهَا لِلْغَيْرِ (١) .

وَمُسْتَنَدُ هَؤُلاَءِ الْفُقَهَاءِ فِي إِثْبَاتِ حَقِّ الْقَرَارِ لِصَاحِبِ الْكَدِكِ هُوَ الْمَصْلَحَةُ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ وَمِثْل ذَلِكَ أَصْحَابُ الْكِرْدَارِ فِي الْبَسَاتِينِ وَنَحْوِهَا، وَكَذَا أَصْحَابُ الْكَدِكِ فِي الْحَوَانِيتِ وَنَحْوِهَا، فَإِنَّ إِبْقَاءَهَا فِي أَيْدِيهِمْ سَبَبٌ لِعِمَارَتِهَا وَدَوَامِ اسْتِغْلاَلِهَا، فَفِي ذَلِكَ نَفْعٌ لِلأَْوْقَافِ وَبَيْتِ الْمَال، وَلَكِنْ كُل ذَلِكَ بَعْدَ كَوْنِهِمْ يُؤَدُّونَ أُجْرَةَ مِثْلِهَا بِلاَ نُقْصَانٍ فَاحِشٍ (٢) .

وَقَال الْبُنَانِيُّ: وَقَعَتِ الْفَتْوَى مِنْ شُيُوخِ فَاسَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، كَالشَّيْخِ الْقَصَّارِ، وَابْنِ عَاشِرٍ، وَأَبِي زَيْدٍ الْفَاسِيِّ، وَسَيِّدِي عَبْدِ الْقَادِرِ الْفَاسِيِّ، وَأَضْرَابِهِمْ، وَيُعَبِّرُونَ عَنِ الْخُلُوِّ الْمَذْكُورِ بِالْجِلْسَةِ جَرَى بِهَا الْعُرْفُ، لِمَا رَأَوْهُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ فِيهَا، فَهِيَ عِنْدَهُمْ كِرَاءٌ عَلَى التَّبْقِيَةِ (٣) .

٧ - وَيُشْتَرَطُ لِثُبُوتِ حَقِّ الْقَرَارِ لِصَاحِبِ الْكَدِكِ عِنْدَ هَؤُلاَءِ الْفُقَهَاءِ مَا يَلِي:

أ - إِذْنُ النَّاظِرِ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِي وَضْعِ كَدِكِهِ أَوْ كِرْدَارِهِ، فَإِنْ وَضَعَهُ دُونَ إِذْنٍ فَلاَ عِبْرَةَ بِهِ، وَلاَ يَجِبُ تَجْدِيدُ الإِْجَارَةِ لَهُ.

قَال الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ: صَرَّحَ عُلَمَاؤُنَا بِأَنَّ

_________

(١) حاشية الدسوقي ٤ / ١١ ط. دار الفكر.

(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٩٢.

(٣) حاشية البناني بهامش الزرقاني ٦ / ١٢٨.

لِصَاحِبِ الْكِرْدَارِ حَقَّ الْقَرَارِ، وَهُوَ أَنْ يُحْدِثَ الْمُزَارِعُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فِي الأَْرْضِ بِنَاءً، أَوْ غِرَاسًا، أَوْ كَبْسًا بِالتُّرَابِ، بِإِذْنِ الْوَاقِفِ، أَوْ بِإِذْنِ النَّاظِرِ، فَتَبْقَى فِي يَدِهِ (١) .

قَال الْحَصْكَفِيُّ نَقْلًا عَنْ مُؤَيَّدْ زَادَهْ: حَانُوتُ وَقْفٍ بَنَى فِيهِ سَاكِنُهُ بِلاَ إِذْنِ مُتَوَلِّيهِ، إِنْ لَمْ يَضُرَّ رَفْعُهُ رَفَعَهُ، وَإِنْ ضَرَّ فَهُوَ الْمُضَيِّعُ مَالَهُ، فَلْيَتَرَبَّصْ إِلَى أَنْ يَتَخَلَّصَ مَالُهُ مِنَ الْبِنَاءِ ثُمَّ يَأْخُذُهُ، وَلاَ يَكُونُ بِنَاؤُهُ مَانِعًا مِنْ صِحَّةِ الإِْجَارَةِ لِغَيْرِهِ، إِذْ لاَ يَدَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ الْبِنَاءِ، حَيْثُ لاَ يَمْلِكُ رَفْعَهُ (٢) .

ب - دَفْعُ أُجْرَةِ الْمِثْل مَنْعًا لِلضَّرَرِ عَنِ الْوَقْفِ، إِذْ لاَ يَصِحُّ إِيجَارُ الْوَقْفِ بِأَقَل مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْل إِلاَّ عَنْ ضَرُورَةٍ (٣)

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: يَثْبُتُ لَهُ بِذَلِكَ (الْكَدِكِ) حَقُّ الْقَرَارِ مَا دَامَ يَدْفَعُ أُجْرَةَ مِثْل الْحَانُوتِ خَالِيَةً عَنْ كَدِكِهِ (٤) .

وَقَال فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الْفَرْقِ بَيْنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَمْلُوكِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الْمَوْقُوفِ: أَمَّا الْمَوْقُوفُ الْمُعَدُّ لِلإِْيجَارِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلنَّاظِرِ إِلاَّ أَنْ يُؤَجِّرَهُ، فَإِيجَارُهُ مِنْ ذِي الْيَدِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ أَوْلَى مِنْ إِيجَارِهِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ؛ لِمَا فِيهِ

_________

(١) الفتاوى الخيرية ١ / ١٨٠.

(٢) الدر المختار ٥ / ١٧.

(٣) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٩٨.

(٤) تنقيح الفتاوى الحامدية ٢ / ١٩٩.