الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤ الصفحة 19

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤

إِثْبَاتِ النَّسَبِ بِالْقِيَافَةِ، وَأَجَازُوا الاِعْتِمَادَ عَلَيْهَا فِي إِثْبَاتِهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ وَعَدَمِ الدَّلِيل الأَْقْوَى مِنْهَا، أَوْ عِنْدَ تَعَارُضِ الأَْدِلَّةِ الأَْقْوَى مِنْهَا.

وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ دَخَل عَلَيَّ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ، فَقَال: أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا (١) نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَقَال: إِنَّ هَذِهِ الأَْقْدَامُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ (٢)، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَقْدَحُونَ فِي نَسَبِ أُسَامَةَ؛ لأَِنَّهُ " كَانَ أَسْوَدَ شَدِيدَ السَّوَادِ مِثْل الْقَارِ، وَكَانَ زَيْدٌ أَبْيَضَ مِثْل الْقُطْنِ (٣) ".

وَالْحُجَّةُ فِيهِ: أَنَّ سُرُورَهُ ﷺ بِقَوْل الْقَائِفِ إِقْرَارٌ مِنْهُ ﷺ بِجَوَازِ الْعَمَل بِهِ فِي إِثْبَاتِ النَّسَبِ (٤) .

كَمَا اسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ الأَْنْصَارِيَّةَ ﵂، وَهِيَ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَتْ:

_________

(١) سمي كذلك لوقوعه أسيرًا في الجاهلية، وكان الأسير تجزز ناصيته حينئذ ويطلق (فتح الباري ١٢ / ٥٧) .

(٢) حديث: " ألم تري أن مجززًا نظر آنفًا. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ٥٦)، ومسلم (٢ / ١٠٨٢) من حديث عائشة، واللفظ للبخاري.

(٣) حديث: " كان أسود شديد السواد. . . ". أخرجه أبو داود (٢ / ٧٠٠) من قول أحمد بن صالح.

(٤) نيل الأوطار ٧ / ٨١، وسبل السلام ٤ / ١٣٧.

يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، فَهَل عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: نَعَمْ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟ فَقَال: تَرِبَتْ يَدَاكِ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا (١) .

وَالاِسْتِدْلاَل بِهِ: أَنَّ إِخْبَارَهُ ﷺ بِذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُ (أَيِ الشَّبَهَ) مَنَاطٌ شَرْعِيٌّ، وَإِلاَّ لَمَا كَانَ لِلإِْخْبَارِ فَائِدَةٌ يُعْتَدُّ بِهَا (٢) .

وَمِمَّا اسْتَدَلُّوا بِهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَانَ يَلِيطُ - أَيْ: يُلْحِقُ - أَوْلاَدَ الْجَاهِلِيَّةِ بِمَنِ ادَّعَاهُمْ فِي الإِْسْلاَمِ فِي حُضُورِ الصَّحَابَةِ دُونَ إِنْكَارٍ مِنْهُمْ، وَكَانَ يَدْعُو الْقَافَةَ وَيَعْمَل بِقَوْلِهِمْ، فَدَل هَذَا عَلَى جَوَازِ الْعَمَل بِهِ (٣) .

وَكَذَلِكَ فَإِنَّ أُصُول الشَّرْعِ وَقَوَاعِدَهُ وَالْقِيَاسَ الصَّحِيحَ يَقْتَضِي اعْتِبَارَ الشَّبَهِ فِي لُحُوقِ النَّسَبِ، وَالشَّارِعُ مُتَشَوِّفٌ إِلَى اتِّصَال الأَْنْسَابِ وَعَدَمِ انْقِطَاعِهَا، وَلِهَذَا اكْتَفَى فِي ثُبُوتِهَا بِأَدْنَى الأَْسْبَابِ مِنْ شَهَادَةِ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ عَلَى الْوِلاَدَةِ وَالدَّعْوَى الْمُجَرَّدَةِ مَعَ الإِْمْكَانِ وَظَاهِرِ الْفِرَاشِ، فَلاَ يُسْتَبْعَدُ أَنْ يَكُونَ الشَّبَهُ

_________

(١) حديث أم سليم قالت: " يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٢٢٨ - ٢٢٩)، ومسلم (١ / ٢٥١) .

(٢) نيل الأوطار ٧ / ٨٢.

(٣) الموطأ ٢ / ٢١٥.

الْخَالِي عَنْ سَبَبٍ مُقَاوِمٍ لَهُ كَافِيًا فِي ثُبُوتِهِ (١)

٧ - وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ إِلَى أَنَّ الْقِيَافَةَ يَثْبُتُ بِهَا نَسَبُ الْوَلَدِ مِنَ الزَّوْجَةِ أَوِ الأَْمَةِ (٢) .

وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِيمَا نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَالْقَرَافِيُّ وَالْمَوَّاقُ أَنَّ الْقَافَةَ إِنَّمَا يُقْضَى بِهَا فِي مِلْكِ الْيَمِينِ فَقَطْ لاَ فِي النِّكَاحِ (٣)، يَقُول الْقَرَافِيُّ: وَإِنَّمَا يُجِيزُهُ مَالِكٌ فِي وَلَدِ الأَْمَةِ يَطَؤُهَا رَجُلاَنِ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، وَتَأْتِي بِوَلَدٍ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا، وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ قَبُولِهِ فِي وَلَدِ الزَّوْجَةِ (٤) .

كَمَا ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا وَطِئَ رَجُلاَنِ امْرَأَةً وَطْئًا يَثْبُتُ بِهِ النَّسَبُ، كَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ أَوْ فِي زَوَاجٍ فَاسِدٍ وَكَالأَْمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ، فَإِنَّهَا إِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ وَاحْتَمَل أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحَدِهِمَا، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ مُعْتَدَّةً وَأَتَتْ بِالْوَلَدِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ الزَّوَاجِ وَقَبْل انْتِهَاءِ أَقْصَى مُدَّةِ الْحَمْل، كَانَ الْقَائِفُ هُوَ الَّذِي يُلْحِقُهُ بِأَيٍّ مِنْ

_________

(١) الطرق الحكمية ص٢٢٢، والفروق ٤ / ٩٩، ومغني المحتاج ٤ / ٤٨٩، والمبدع ٨ / ١٣٦.

(٢) نهاية المحتاج ٨ / ٣٧٥، ومغني المحتاج ٤ / ٤٨٩، والمغني لابن قدامة ٧ / ٤٨٣، ومنتهى الإرادات ٣ / ٢٢٤، والمبدع ٨ / ١٣٦، والفروق ٤ / ٩٩، ومواهب الجليل ٥ / ٢٤٧، وبداية المجتهد ٢ / ٣٢٨.

(٣) بداية المجتهد ٢ / ٣٢٨، وذكر صاحب التبصرة (٢ / ١٠٩) تعليل هذه الرواية بوقوع التساوي في ملك الأمة.

(٤) الفروق ٤ / ٩٩، وتهذيب الفروق ٤ / ١٦٤، ومواهب الجليل ٥ / ٢٤٧.

الرَّجُلَيْنِ (١) .

كَمَا ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَنَازَعَ شَخْصَانِ أَوْ أَكْثَرُ بُنُوَّةَ أَحَدٍ، وَلَمْ يَتَرَجَّحْ قَوْل أَيٍّ مِنْهُمَا بِبَيِّنَةٍ، فَلَوِ ادَّعَيَا جَمِيعًا صَبِيًّا وَاحِدًا. . . يَقُول كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَذَا ابْنِي. . . الْوَاجِبُ فِي هَذَا عِنْدِي عَلَى أُصُولِهِمْ أَنْ تُدْعَى لَهُ الْقَافَةُ أَيْضًا (٢)، وَمِنْ جِنْسِهِ مَا أَوْرَدَهُ الْمَوَّاقُ عَنْ أَشْهَبَ فِيمَنْ نَزَل عَلَى رَجُلٍ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ حَامِلٌ، فَوَلَدَتْ هِيَ وَوَلَدَتِ امْرَأَةُ الضَّيْفِ فِي لَيْلَةٍ صَبِيَّيْنِ فَلَمْ تَعْرِفْ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَلَدَهَا، دَعِي لَهُمَا الْقَافَةُ (٣)، وَكَذَا لَوْ وُضِعَ وَلِيدُهَا فِي مَكَانٍ فَاخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ، إِلاَّ إِذَا كَانَتْ مُتَعَدِّيَةً فِي تَرْكِهَا لَهُ، كَأَنْ قَصَدَتْ نَبْذَهُ وَالْخَلاَصَ مِنْهُ، فَلاَ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهَا عِنْدَ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَلاَ يُدْعَى لَهَا الْقَافَةُ.

وَيُتَصَوَّرُ الْحُكْمُ بِالْقَافَةِ فِي اللَّقِيطِ إِذَا تَنَازَعَ بُنُوَّتَهُ رَجُلاَنِ أَوْ أَكْثَرُ (٤) .

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَثْبُتُ النَّسَبُ بِقَوْل الْقَافَةِ، لاَ لأَِنَّ الْقِيَافَةَ كَالْكَهَانَةِ فِي الذَّمِّ وَالْحُرْمَةِ، أَوْ أَنَّ الشَّبَهَ لاَ يَثْبُتُ بِهَا، وَإِنَّمَا؛ لأَِنَّ

_________

(١) المغني ٧ / ٤٨٣، ومنتهى الإرادات ٣ / ٢٢٤، والمبدع ٨ / ١٣٦.

(٢) مواهب الجليل ٥ / ٢٤٧.

(٣) مواهب الجليل ٥ / ٢٤٧، والتاج والإكليل للمواق بالموضع نفسه.

(٤) بداية المجتهد ٣ / ٣٢٧.

الشَّرْعَ حَصَرَ دَلِيل النَّسَبِ فِي الْفِرَاشِ، وَغَايَةُ الْقِيَافَةِ إِثْبَاتُ الْمَخْلُوقِيَّةِ مِنَ الْمَاءِ لاَ إِثْبَاتُ الْفِرَاشِ، فَلاَ تَكُونُ حُجَّةً لإِثْبَاتِ النَّسَبِ. وَيَسْتَدِلُّونَ عَلَى مَذْهَبِهِمْ بِأَنَّ اللَّهَ ﷿ شَرَعَ حُكْمَ اللِّعَانِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ عِنْدَ نَفْيِ النَّسَبِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِالرُّجُوعِ إِلَى قَوْل الْقَائِفِ، فَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ حُجَّةً لأَمَرَ بِالْمَصِيرِ إِلَيْهِ عِنْدَ الاِشْتِبَاهِ (١) .

؛ وَلأَِنَّ مُجَرَّدَ الشَّبَهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، فَقَدْ يُشْبِهُ الْوَلَدُ أَبَاهُ الأَْدْنَى، وَقَدْ يُشْبِهُ الأَْبَ الأَْعْلَى الَّذِي بِاعْتِبَارِهِ يَصِيرُ مَنْسُوبًا إِلَى الأَْجَانِبِ فِي الْحَال، وَإِلَيْهِ أَشَارَ رَسُول اللَّهِ ﷺ حِينَ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَال: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلاَمًا أَسْوَدَ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: هَل لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَال: نَعَمْ. قَال: مَا أَلْوَانُهَا؟ قَال: حُمْرٌ، قَال: فَهَل فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ قَال: نَعَمْ، قَال ﷺ: فَأَنَّى هُوَ؟ فَقَال: لَعَلَّهُ يَا رَسُول اللَّهِ يَكُونُ نَزَعَهُ عِرْقٌ لَهُ (٢)، فَبَيَّنَ ﷺ أَنَّهُ لاَ عِبْرَةَ لِلشَّبَهِ (٣)، وَقَوْلُهُ ﷺ: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ (٤) . أَيِ الْوَلَدُ لِصَاحِبِ

_________

(١) المبسوط ١٧ / ٧٠.

(٢) حديث: " إن امرأتي ولدت غلامًا أسود. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٤٤٢)، ومسلم (٢ / ١١٣٧ - ١١٣٨) من حديث أبي هريرة واللفظ لمسلم.

(٣) المبسوط ١٧ / ٧٠.

(٤) حديث: " الولد للفراش وللعاهر الحجر ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٢٩٢)، ومسلم (٢ / ١٠٨٠) من حديث عائشة.

الْفِرَاشِ. . . وَالْمُرَادُ مِنَ الْفِرَاشِ هُوَ الْمَرْأَةُ.

وَفِي التَّفْسِيرِ فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ أَنَّهَا نِسَاءُ أَهْل الْجَنَّةِ.

وَدَلاَلَةُ الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ ثَلاَثَةٍ:

أَحَدِهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْرَجَ الْكَلاَمَ مَخْرَجَ الْقِسْمَةِ، فَجَعَل الْوَلَدَ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ وَالْحَجَرَ لِلزَّانِي، فَاقْتَضَى أَلاَّ يَكُونَ الْوَلَدُ لِمَنْ لاَ فِرَاشَ لَهُ، كَمَا لاَ يَكُونُ الْحَجَرُ لِمَنْ لاَ زِنَا مِنْهُ، إِذِ الْقِسْمَةُ تَنْفِي الشَّرِكَةَ.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ ﵊ جَعَل الْوَلَدَ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ، وَنَفَاهُ عَنِ الزَّانِي بِقَوْلِهِ ﵊: وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ؛ لأَِنَّ مِثْل هَذَا الْكَلاَمِ يُسْتَعْمَل فِي النَّفْيِ.

وَالثَّالِثِ: أَنَّهُ جَعَل كُل جِنْسِ الْوَلَدِ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ، فَلَوْ ثَبَتَ نَسَبُ وَلَدٍ لِمَنْ لَيْسَ بِصَاحِبِ الْفِرَاشِ لَمْ يَكُنْ كُل جِنْسِ الْوَلَدِ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ، وَهَذَا خِلاَفُ النَّصِّ، فَعَلَى هَذَا إِذَا زَنَى رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ فَادَّعَاهُ الزَّانِي لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنْهُ لاِنْعِدَامِ الْفِرَاشِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهَا؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ فِي جَانِبِهَا يَتْبَعُ الْوِلاَدَةَ (١) .

وَمُفَادُ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ لِلرَّجُل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِثُبُوتِ سَبَبِهِ وَهُوَ النِّكَاحُ أَوْ مِلْكُ

_________

(١) بدائع الصنائع ٦ / ٢٤٢.

الْيَمِينِ، وَلاَ يَرْجِعُ عَمَل الْقَائِفِ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ إِلَى مَعْرِفَةِ التَّخَلُّقِ مِنَ الْمَاءِ وَهُوَ لاَ يَثْبُتُ بِهِ النَّسَبُ، حَتَّى لَوْ تَيَقَّنَّا مِنْ هَذَا التَّخَلُّقِ وَلاَ فِرَاشَ، فَإِنَّ النَّسَبَ لاَ يَثْبُتُ (١) .

شُرُوطُ الْقَائِفِ:

٨ - يُشْتَرَطُ فِي الْقَائِفِ مَا يَلِي:

أ - الْخِبْرَةُ وَالتَّجْرِبَةُ: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُوثَقُ بِقَوْل الْقَائِفِ إِلاَّ بِتَجْرِبَتِهِ فِي مَعْرِفَةِ النَّسَبِ عَمَلِيًّا، وَذَلِكَ بِأَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ وَلَدٌ فِي نِسْوَةٍ لَيْسَ فِيهِنَّ أُمُّهُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ فِي نِسْوَةٍ فِيهِنَّ أُمُّهُ، فَإِنْ أَصَابَ فِي الْمَرَّاتِ جَمِيعًا اعْتُمِدَ قَوْلُهُ. . . وَالأَْبُ مَعَ الرِّجَال كَذَلِكَ عَلَى الأَْصَحِّ، فَيُعْرَضُ عَلَيْهِ الْوَلَدُ فِي رِجَالٍ كَذَلِكَ (٢) .

وَإِذَا حَصَلَتِ التَّجْرِبَةُ وَتَوَلَّدَتِ الثِّقَةُ بِخِبْرَتِهِ فَلاَ حَاجَةَ لِتَكْرَارِ هَذَا الاِخْتِبَارِ عِنْدَ كُل إِلْحَاقٍ (٣) .

وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُتْرَكُ الصَّبِيُّ مَعَ عَشَرَةٍ مِنَ الرِّجَال غَيْرِ مَنْ يَدَّعِيهِ وَيَرَى إِيَّاهُمْ، فَإِنْ أَلْحَقَهُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ سَقَطَ قَوْلُهُ لأَِنَّا تَبَيَّنَّا خَطَأَهُ،

_________

(١) المبسوط ١٧ / ٧٠، وشرح معاني الآثار للطحاوي ٣ / ١١٦، ١٨٠، ٤ / ١٦١.

(٢) حاشية الجمل ٥ / ٤٣٥.

(٣) المرجع السابق.

وَإِنْ لَمْ يُلْحِقْهُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَرَيْنَاهُ إِيَّاهُ مَعَ عِشْرِينَ فِيهِمْ مُدَّعِيهِ، فَإِنْ أَلْحَقَهُ بِهِ لَحِقَ، وَلَوِ اعْتُبِرَ بِأَنْ يُرَى صَبِيًّا مَعْرُوفَ النَّسَبِ مَعَ قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُوهُ أَوْ أَخُوهُ، فَإِذَا أَلْحَقَهُ بِقَرِيبِهِ عُلِمَتْ إِصَابَتُهُ، وَإِنْ أَلْحَقَهُ بِغَيْرِهِ سَقَطَ قَوْلُهُ جَازَ وَهَذِهِ التَّجْرِبَةُ عِنْدَ عَرْضِهِ عَلَى الْقَائِفِ لِلاِحْتِيَاطِ فِي مَعْرِفَةِ إِصَابَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُجَرَّبْ فِي الْحَال بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مَشْهُورًا بِالإِْصَابَةِ وَصِحَّةِ الْمَعْرِفَةِ فِي مَرَّاتٍ كَثِيرَةٍ جَازَ (١) .

ب - الْعَدَالَةُ: اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْ مَالِكٍ فِي اشْتِرَاطِ عَدَالَةِ الْقَائِفِ لِلْعَمَل بِقَوْلِهِ، فَرِوَايَةُ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ فِي (الْقَائِفِ) الْوَاحِدِ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ الاِجْتِزَاءَ بِقَوْلٍ وَاحِدٍ كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْعَدَالَةَ (٢) .

أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَيَشْتَرِطُونَ الْعَدَالَةَ لِلْعَمَل بِقَوْل الْقَائِفِ؛ لأَِنَّهُ حُكْمٌ فَتُشْتَرَطُ فِيهِ (٣) .

ج - التَّعَدُّدُ: الأَْصَحُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ التَّعَدُّدُ لإِثْبَاتِ النَّسَبِ بِقَوْل الْقَائِفِ، وَيُكْتَفَى بِقَوْل قَائِفٍ وَاحِدٍ كَالْقَاضِي وَالْمُخْبِرِ، لَكِنْ وُجِدَ فِي هَذِهِ الْمَذَاهِبِ رَأْيٌ آخَرُ يَقْضِي

_________

(١) المغني ٥ / ٧٧٠.

(٢) تبصرة الحكام ٢ / ١٠٨.

(٣) المغني ٥ / ٧٦٩، ومنتهى الإرادات ٢ / ٤٨٩، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٥ / ٤٣٥.

بِاشْتِرَاطِ التَّعَدُّدِ، جَاءَ فِي " التَّبْصِرَةِ " حِكَايَةُ الْخِلاَفِ عَنْ مَالِكٍ فِي الاِجْتِزَاءِ بِقَائِفٍ وَاحِدٍ كَالأَْخْبَارِ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ أَوْ لاَ بُدَّ مِنْ قَائِفَيْنِ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَهُ ابْنُ دِينَارٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ كَالشَّهَادَةِ، قَال بَعْضُ الشُّيُوخِ وَالْقِيَاسُ عَلَى أُصُولِهِمْ أَنْ يُحْكَمَ بِقَوْل الْقَائِفِ الْوَاحِدِ (١)، وَظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ كَمَا جَاءَ فِي الْمُغْنِي أَنَّهُ لاَ يُقْبَل إِلاَّ قَوْل اثْنَيْنِ. . . فَأَشْبَهَ الشَّهَادَةَ. . . وَقَال الْقَاضِي: يُقْبَل قَوْل الْوَاحِدِ؛ لأَِنَّهُ حُكْمٌ، وَيُقْبَل فِي الْحُكْمِ قَوْل وَاحِدٍ، وَحَمَل كَلاَمَ أَحْمَدَ عَلَى مَا إِذَا تَعَارَضَ قَوْل الْقَائِفَيْنِ (٢)، وَالرَّاجِحُ فِي الْمَذْهَبِ الاِكْتِفَاءُ بِقَوْل قَائِفٍ وَاحِدٍ فِي إِلْحَاقِ النَّسَبِ، وَهُوَ كَحَاكِمٍ، فَيَكْفِي مُجَرَّدُ خَبَرِهِ؛ لأَِنَّهُ يَنْفُذُ مَا يَقُولُهُ بِخِلاَفِ الشَّاهِدِ (٣)، وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ كَذَلِكَ (٤) .

وَمَبْنَى الْخِلاَفِ فِي اشْتِرَاطِ التَّعَدُّدِ أَوْ عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ هُوَ التَّرَدُّدُ فِي اعْتِبَارِ قَوْل الْقَائِفِ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ أَوِ الرِّوَايَةِ، وَقَدْ رَجَّحَ الْقَرَافِيُّ إِلْحَاقَ قَوْل الْقَائِفِ بِالشَّهَادَةِ لِلْقَضَاءِ بِهِ فِي حَقِّ الْمُعَيَّنِ وَاحْتِمَال وُقُوعِ الْعَدَاوَةِ أَوِ التُّهْمَةِ

_________

(١) تبصرة الحكام ٢ / ١٠٨.

(٢) المغني ٥ / ٧٧٠.

(٣) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٤٨٨.

(٤) حاشية الجمل ٥ / ٤٣٥.

لِذَلِكَ، وَلاَ يَقْدَحُ انْتِصَابُهُ لِهَذَا الْعَمَل عَلَى الْعُمُومِ فَإِنَّ هَذَا مِمَّا يَشْتَرِكُ فِيهِ مَعَ الشَّاهِدِ (١)، أَمَّا السُّيُوطِيُّ فَيُرَجِّحُ إِلْحَاقَ قَوْل الْقَائِفِ بِالرِّوَايَةِ، يَقُول: وَالأَْصَحُّ الاِكْتِفَاءُ بِالْوَاحِدِ تَغْلِيبًا لِشَبَهِ الرِّوَايَةِ؛ لأَِنَّهُ مُنْتَصِبٌ انْتِصَابًا عَامًّا لإِلْحَاقِ النَّسَبِ (٢) .

د - الإِْسْلاَمُ: نَصَّ عَلَى اشْتِرَاطِهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٣)، وَهُوَ الرَّاجِحُ فِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ، وَقَدْ سَبَقَتِ الإِْشَارَةُ إِلَى الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى فِي هَذَا الْمَذْهَبِ، وَهِيَ الْقَاضِيَةُ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ، وَلاَ يُسَلِّمُ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَابِلَةِ بِوُجُوبِ اشْتِرَاطِ هَذَا الشَّرْطِ لِلْعَمَل بِقَوْل الْقَائِفِ فِي مَذْهَبِهِمْ (٤) .

هـ - الذُّكُورَةُ وَالْحُرِّيَّةُ: الأَْصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ اشْتِرَاطُ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ، وَهُوَ الرَّاجِحُ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَالْمَرْجُوحُ فِي الْمَذْهَبَيْنِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ (٥) .

والْبَصَرُ وَالسَّمْعُ، وَانْتِفَاءُ مَظِنَّةِ التُّهْمَةِ، بِحَيْثُ لاَ يَكُونُ عَدُوًّا لِمَنْ يَنْفِي نَسَبَهُ، وَلاَ أَصْلًا أَوْ فَرْعًا لِمَنْ يُثْبِتُ نَسَبَهُ، نَصَّ عَلَى

_________

(١) الفروق ١ / ٨.

(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ص٤١٩.

(٣) مغني المحتاج ٤ / ٨٨، ونهاية المحتاج ٨ / ٣٧٥، ومنتهى الإرادات ٢ / ٤٨٩.

(٤) المبدع ٥ / ٣١٠.

(٥) منتهى الإرادات ٢ / ٤٨٩، والمبدع ٥ / ٣١٠، ومغني المحتاج ٤ / ٨٨.