الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤
قَال فِي الْمَجْمُوعِ: لَوْ رَعَفَ الْمُصَلِّي أَوْ قَاءَ أَوْ غَلَبَتْهُ نَجَاسَةٌ أُخْرَى جَازَ لَهُ عَلَى الْقَدِيمِ أَنْ يَخْرُجَ وَيَغْسِل نَجَاسَتَهُ وَيَبْنِيَ عَلَى صَلاَتِهِ بِالشُّرُوطِ السَّابِقَةِ فِي الْحَدَثِ نَصَّ عَلَيْهِ (١) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ كَانَ الْقَيْءُ فَاحِشًا بَطَلَتْ صَلاَتُهُ وَعَلَيْهِ الإِْعَادَةُ، وَاخْتَلَفَ الرِّوَايَةُ عِنْدَ أَحْمَدَ فِي يَسِيرِهِ، فَرُوِيَ أَنَّهُ قَال: هُوَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الدَّمِ وَذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ خَارِجٌ مِنَ الإِْنْسَانِ نَجِسٌ مِنْ غَيْرِ السَّبِيل فَأَشْبَهَ الدَّمَ، وَعَنْهُ أَنَّهُ لاَ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الأَْصْل أَنْ لاَ يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنَ النَّجَاسَةِ (٢) .
أَثَرُ الْقَيْءِ فِي الصَّوْمِ:
٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الصَّائِمَ إِذَا ذَرَعَهُ الْقَيْءُ (أَيْ غَلَبَهُ) فَلاَ يَبْطُل صَوْمُهُ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَمَنِ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ (٣) .
وَلَوْ عَادَ الْقَيْءُ بِنَفْسِهِ بِغَيْرِ صُنْعِ الصَّائِمِ فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَأَبِي يُوسُفَ
_________
(١) المجموع ٤ / ٥. ط. المطيعي.
(٢) المغني مع الشرح الكبير ١ / ٧٢٧، ٧٢٨.
(٣) حديث: " من ذرعه القيء فليس عليه قضاء ". أخرجه الترمذي (٣ / ٨٩) وقال: حديث حسن غريب.
مِنَ الْحَنَفِيَّةِ يَفْسُدُ صَوْمُهُ، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يَفْسُدُ صَوْمُهُ لِعَدَمِ وُجُودِ الصُّنْعِ مِنْهُ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (صَوْمٌ ٨٠ - ٨١) .
قِيَاسٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْقِيَاسُ فِي اللُّغَةِ: تَقْدِيرُ شَيْءٍ عَلَى مِثَال شَيْءٍ، وَتَسْوِيَتُهُ بِهِ، لِذَلِكَ سُمِّيَ الْمِكْيَال: مِقْيَاسًا، يُقَال: فُلاَنٌ لاَ يُقَاسُ عَلَى فُلاَنٍ: لاَ يُسَاوِيهِ.
أَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ فَقَدِ اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الأُْصُول فِيهِ، حَتَّى قَال إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: يَتَعَذَّرُ الْحَدُّ الْحَقِيقِيُّ فِي الْقِيَاسِ؛ لاِشْتِمَالِهِ عَلَى حَقَائِقَ مُخْتَلِفَةٍ، كَالْحُكْمِ، وَالْعِلَّةِ، وَالْفَرْعِ وَالْجَامِعِ.
وَعَرَّفَهُ الْمُحَقِّقُونَ بِأَنَّهُ: مُسَاوَاةُ فَرْعٍ لأَِصْلٍ فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ أَوْ زِيَادَتِهِ عَلَيْهِ فِي الْمَعْنَى الْمُعْتَبَرِ فِي الْحُكْمِ، وَقِيل: حَمْل مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُمَا بِجَامِعِ حُكْمٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ نَفْيِهِمَا (١) .
_________
(١) القاموس المحيط، والبحر المحيط ٥ / ٧، وإرشاد الفحول ص١٨١، والتحصيل في المحصول ٢ / ١٥٥، ومنهاج الوصول في علم الأصول شرح الإسنوي ٣ / ٣.
أَرْكَانُ الْقِيَاسِ:
٢ - لاَ تَتِمُّ مَاهِيَّةُ الْقِيَاسِ، إِلاَّ بِوُجُودِ أَرْكَانِهِ: وَهِيَ أَرْبَعَةٌ:
أ - الأَْصْل: وَهُوَ مَحَل الْحُكْمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ.
ب - وَالْفَرْعُ: وَهُوَ الْمُشَبَّهُ.
ج - وَالْحُكْمُ: وَهُوَ مَا ثَبَتَ بِالشَّرْعِ فِي الأَْصْل كَتَحْرِيمِ الْخَمْرِ.
د - وَالْعِلَّةُ: وَهُوَ الْوَصْفُ الْجَامِعُ بَيْنَ الأَْصْل وَالْفَرْعِ (١) .
أَمَّا شُرُوطُ كُل رُكْنٍ مِنْ هَذِهِ الأَْرْكَانِ، وَآرَاءُ الْعُلَمَاءِ فَيُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْقِيَاسِ:
حُجِّيَّةُ الْقِيَاسِ:
٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ الْقِيَاسَ حُجَّةٌ فِي الأُْمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَالأَْغْذِيَةِ، وَالأَْدْوِيَةِ.
أَمَّا الْقِيَاسُ الشَّرْعِيُّ إِذَا عَدِمَ النَّصَّ وَالإِْجْمَاعَ فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ أَئِمَّةِ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى أَنَّ الْقِيَاسَ الشَّرْعِيَّ أَصْلٌ مِنْ أُصُول التَّشْرِيعِ، يُسْتَدَل بِهِ عَلَى الأَْحْكَامِ الَّتِي لَمْ يَرِدْ بِهَا السَّمْعُ، وَنُقِل عَنْ أَحْمَدَ: لاَ يَسْتَغْنِي أَحَدٌ عَنِ الْقِيَاسِ (٢) .
_________
(١) إرشاد الفحول ص٢٠٤، والبحر المحيط ٥ / ٨٣.
(٢) البحر المحيط ٥ / ١٦، التحصيل في المحصول ٢ / ١٥٩ وما بعده، إرشاد الفحول ص ١٨٥ وما بعده.
مَا يَجْرِي فِيهِ الْقِيَاسُ:
٤ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَرَيَانِ الْقِيَاسِ فِي بَعْضِ الأُْمُورِ، كَالأَْسْبَابِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْمُقَدَّرَاتِ الَّتِي لاَ نَصَّ فِيهَا وَلاَ إِجْمَاعَ وَغَيْرُ ذَلِكَ.
فَذَهَبَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَكَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ الأُْصُول، إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجْرِي الْقِيَاسُ فِي الأَْسْبَابِ.
وَذَهَبَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ، إِلَى أَنَّهُ يَجْرِي فِيهَا.
وَمَعْنَى الْقِيَاسِ فِي الأَْسْبَابِ أَنْ يَجْعَل الشَّارِعُ وَصْفًا سَبَبًا لِحُكْمٍ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ وَصْفٌ آخَرُ، فَيُحْكَمُ بِكَوْنِهِ سَبَبًا.
كَمَا اخْتَلَفُوا فِي جَرَيَانِهِ فِي الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ، وَالْمُقَدَّرَاتِ الَّتِي لاَ نَصَّ وَلاَ إِجْمَاعَ فِيهَا، فَمَنَعَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَجَوَّزَهُ غَيْرُهُمْ (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
_________
(١) إرشاد الفحول ص٢٠٧ - ٢٠٨، التحصيل في المحصول ٢ / ٢٤٣، والبحر المحيط ٥ / ٥١، منهاج الوصول في علم الأصول مع شرح الإسنوي ٣ / ٤١ وما بعده.
قِيَافَة
التَّعْرِيفُ:
١ - الْقِيَافَةُ مَصْدَرُ قَافَ بِمَعْنَى تَتَبَّعَ أَثَرَهُ لِيَعْرِفَهُ، يُقَال: فُلاَنٌ يَقُوفُ الأَْثَرَ وَيَقْتَافُهُ قِيَافَةً.
وَفِي لِسَانِ الْعَرَبِ أَنَّ الْقَائِفَ هُوَ: الَّذِي يَتَتَبَّعُ الآْثَارَ وَيَعْرِفُهَا، وَيُعْرَفُ شَبَهَ الرَّجُل بِأَخِيهِ وَأَبِيهِ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لِلْقِيَافَةِ وَمُشْتَقَّاتِهَا عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الْمُتَعَلِّقِ بِتَتَبُّعِ الأَْثَرِ وَمَعْرِفَةِ الشَّبَهِ.
فَفِي التَّعْرِيفَاتِ لِلْجُرْجَانِيِّ وَفِي دُسْتُورِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْقَائِفَ هُوَ الَّذِي يَعْرِفُ النَّسَبَ بِفِرَاسَتِهِ وَنَظَرِهِ إِلَى أَعْضَاءِ الْمَوْلُودِ (٢)، وَيُعَرِّفُهُ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ حَجَرٍ وَالصَّنْعَانِيُّ بِمَا لاَ يَبْعُدُ عَنْ ذَلِكَ (٣) .
_________
(١) لسان العرب مادة (قوف) .
(٢) التعريفات ص١٧١، ودستور العلماء ٣ / ٥٢.
(٣) فتح الباري ١٥ / ٥٩، وبداية المجتهد ٢ / ٣٢٧، وسبل السلام ٤ / ١٣٧.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْعِيَافَةُ:
٢ - تَأْتِي هَذِهِ الْمَادَّةُ فِي اللُّغَةِ وَيُرَادُ بِهَا الْكَرَاهَةُ، كَقَوْلِهِ ﷺ فِي الضَّبِّ الْمَشْوِيِّ الَّذِي لَمْ يَأْكُلْهُ: لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ (١) .
كَمَا يُرَادُ بِهَا التَّرَدُّدُ عَلَى الشَّيْءِ وَالْقُرْبُ مِنْهُ وَالْحَوْمُ عَلَيْهِ، فَعَافَتِ الطَّيْرُ أَيْ: تَحُومُ عَلَى الْمَاءِ، وَعَافَتْ عَلَى الْجِيَفِ أَيْ: تَطِيرُ حَوْلَهَا تُرِيدُ الْوُقُوعَ عَلَيْهَا.
وَتُطْلَقُ عَلَى زَجْرِ الطُّيُورِ وَالسَّوَانِحِ، وَالاِعْتِبَارُ بِأَسْمَائِهَا وَمَسَاقِطِهَا وَمَمَرِّهَا وَأَصْوَاتِهَا.
قَال الأَْزْهَرِيُّ: الْعِيَافَةُ زَجْرُ الطَّيْرِ، وَهُوَ أَنْ يَرَى طَائِرًا أَوْ غُرَابًا فَيَتَطَيَّرَ وَإِنْ لَمْ يَرَ شَيْئًا، فَقَال بِالْحَدْسِ كَانَ عِيَافَةً أَيْضًا (٢) وَهَذَا هُوَ الَّذِي شُهِرَ بِهِ بَنُو لَهَبٍ وَبَنُو أَسَدٍ (٣) .
وَكَانَ الْعَائِفُ هُوَ الْكَاهِنَ الَّذِي يَعْمِدُ إِلَى التَّضْلِيل، وَيَدَّعِي الاِتِّصَال بِعَالَمِ الْغَيْبِ، وَهُنَاكَ شَوَاهِدُ عَدِيدَةٌ عَلَى ارْتِبَاطِ الْعِيَافَةِ بِالْكَهَانَةِ، وَهِيَ بِهَذَا تَخْتَلِفُ عَنِ الْقِيَافَةِ الَّتِي
_________
(١) حديث: " لم يكن بأرض قومي. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٦٦٣)، ومسلم (٣ / ١٥٤٣) من حديث ابن عباس.
(٢) لسان العرب مادة (عيف) .
(٣) لسان العرب، والقاموس المحيط مادة (عيف) .
لاَ تَعَلُّقَ لَهَا بِالْكَهَانَةِ، وَتَقُومُ عَلَى النَّظَرِ الْمَنْطِقِيِّ التَّجْرِيبِيِّ حَسْبَمَا يَتَّضِحُ مِنْ شُرُوطِ الْعَمَل بِهَا
ب - الْفِرَاسَةُ:
٣ - الْفِرَاسَةُ: اسْمٌ فِعْلُهُ تَفَرَّسَ كَتَوَسَّمَ وَزْنًا وَمَعْنًى، أَمَّا الْفِرَاسَةُ بِفَتْحِ الْفَاءِ فَمَصْدَرُ الْفِعْل فَرَسَ يَفْرُسُ، وَمَعْنَاهَا: الْعِلْمُ بِرُكُوبِ الْخَيْل وَرَكْضِهَا مِنَ الْفُرُوسِيَّةِ، وَالْفَارِسُ: الْحَاذِقُ بِمَا يُمَارِسُ مِنَ الأَْشْيَاءِ كُلِّهَا، وَبِهَا سُمِّيَ الرَّجُل فَارِسًا (١) .
وَتُطْلَقُ الْفِرَاسَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ:
أَوَّلِهِمَا: نَوْعٌ يُتَعَلَّمُ بِالدَّلاَئِل وَالتَّجَارِبِ وَالْخُلُقِ وَالأَْخْلاَقِ فَتُعْرَفُ بِهِ أَحْوَال النَّاسِ (٢)، وَيُسْتَفَادُ إِطْلاَقُ الْفِرَاسَةِ عَلَى هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْعَلاَمَاتِ عِنْدَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ مِنْ تَفْسِيرِهِ لِلتَّوَسُّمِ بِأَنَّهُ الْعَلاَمَةُ الَّتِي يُسْتَدَل بِهَا عَلَى مَطْلُوبِ غَيْرِهَا، وَهِيَ الْفِرَاسَةُ. . . وَذَلِكَ اسْتِدْلاَلٌ بِالْعَلاَمَةِ، وَمِنَ الْعَلاَمَاتِ مَا يَبْدُو لِكُل أَحَدٍ بِأَوَّل نَظَرٍ، وَمِنْهَا مَا هُوَ خَفِيٌّ لاَ يَبْدُو لِكُل أَحَدٍ، وَلاَ يُدْرَكُ بِبَادِئِ النَّظَرِ (٣) .
_________
(١) لسان العرب مادة (فرس) .
(٢) لسان العرب مادة (فرس) وأحكام القرآن لابن العربي ٣ / ١١١٩.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٣ / ١١١٩.
وَالثَّانِي: مَا يُوقِعُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قُلُوبِ أَوْلِيَائِهِ، فَيَعْلَمُونَ أَحْوَال بَعْضِ النَّاسِ بِنَوْعٍ مِنَ الْكَرَامَاتِ وَإِصَابَةِ الظَّنِّ وَالْحَدْسِ (١)، وَلاَ يُكْتَسَبُ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْفِرَاسَةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ طِبْقًا لِمَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ بِجَوْدَةِ الْقَرِيحَةِ وَحِدَّةِ الْخَاطِرِ وَصَفَاءِ الْفِكْرِ. . . وَتَفْرِيغِ الْقَلْبِ مِنْ حَشْوِ الدُّنْيَا، وَتَطْهِيرِهِ مِنْ أَدْنَاسِ الْمَعَاصِي، وَكُدُورَةِ الأَْخْلاَقِ وَفُضُول الدُّنْيَا (٢) .
وَتَتَمَيَّزُ الْقِيَافَةُ عَنِ الْفِرَاسَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْقَائِفَ يَقُومُ بِجَمْعِ الأَْدِلَّةِ وَيَكْشِفُ عَنْهَا، مَعَ النَّظَرِ فِيهَا وَالْمُوَازَنَةِ بَيْنَهَا بِنَوْعِ خِبْرَةٍ لاَ تُتَاحُ إِلاَّ بِالتَّعَلُّمِ وَالتَّمَرُّسِ وَمُدَاوَمَةِ النَّظَرِ وَالدِّرَاسَةِ، أَمَّا التَّفَرُّسُ فَيُخْتَصُّ بِإِعْمَال الذَّكَاءِ الشَّخْصِيِّ وَالْقُدْرَةِ الذِّهْنِيَّةِ الْخَاصَّةِ لِوَزْنِ الأَْدِلَّةِ الْمُتَعَارِضَةِ وَتَقْدِيرِهَا.
وَيُلْحِقُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ الْفِرَاسَةَ بِالإِْلْهَامِ وَالْكَرَامَةِ، وَلاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي الْحُكْمُ بِالْفِرَاسَةِ عِنْدَهُمْ لِهَذَا.
ج - الْقَرِينَةُ:
٤ - الْقَرِينَةُ فِي اللُّغَةِ: مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْمُقَارَنَةِ، وَهِيَ الْمُصَاحَبَةُ، يُقَال: فُلاَنٌ قَرِينٌ لِفُلاَنٍ أَيْ
_________
(١) لسان العرب مادة (فرس) وتفسير القرطبي ١٠ / ٤٤.
(٢) تفسير القرطبي ١٠ / ٤٤.
مُصَاحِبٌ لَهُ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الْعَلاَمَةُ الدَّالَّةُ عَلَى شَيْءٍ مَطْلُوبٍ (١) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْقِيَافَةِ وَبَيْنَ الْقَرِينَةِ أَنَّ الْقِيَافَةَ نَوْعٌ مِنَ الْقَرَائِنِ.
نَوْعَا الْقِيَافَةِ:
٥ - يَقْسِمُ صَاحِبُ كَشْفِ الظُّنُونِ الْقِيَافَةَ إِلَى قِسْمَيْنِ:
أَوَّلِهِمَا: قِيَافَةُ الأَْثَرِ الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْعِيَافَةُ كَذَلِكَ، وَيُعْرَفُ هَذَا النَّوْعُ بِأَنَّهُ: عِلْمٌ بَاحِثٌ عَنْ تَتَبُّعِ آثَارِ الأَْقْدَامِ وَالأَْخْفَافِ وَالْحَوَافِرِ فِي الطُّرُقِ الْقَابِلَةِ لِلأَْثَرِ.
أَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي فَهُوَ قِيَافَةُ الْبَشَرِ الَّذِي يُعَرِّفُهُ بِأَنَّهُ: عِلْمٌ بَاحِثٌ عَنْ كَيْفِيَّةِ الاِسْتِدْلاَل بِهَيْئَاتِ أَعْضَاءِ الشَّخْصَيْنِ عَلَى الْمُشَارَكَةِ وَالاِتِّحَادِ فِي النَّسَبِ وَالْوِلاَدَةِ وَسَائِرِ أَحْوَالِهِمَا (٢) .
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْقِيَافَةِ:
أ - إِثْبَاتُ النَّسَبِ بِالْقِيَافَةِ:
٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِثْبَاتِ النَّسَبِ بِالْقِيَافَةِ إِلَى رَأْيَيْنِ:
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى
_________
(١) التعريفات ص١٥٢.
(٢) كشف الظنون ٢ / ١٣٦٦.