الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤ الصفحة 16

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤

وَقَال الْفُقَهَاءُ: إِنَّ الْقَوْل قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا كَالأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَقَدْ يَكُونُ حَرَامًا كَشَهَادَةِ الزُّورِ وَالْغِيبَةِ وَنَحْوِهِمَا، وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا كَالإِْكْثَارِ مِنَ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهًا كَالْبَسْمَلَةِ عَلَى الْمَكْرُوهِ، وَقَدْ يَكُونُ مُبَاحًا فِي غَيْرِ مَا سَبَقَ (١) .

الْعُقُودُ مَنُوطَةٌ بِالْقَوْل غَالِبًا:

٣ - لَمَّا كَانَتِ الأَْقْوَال تَعْرِيفًا وَدَلاَلَةً عَلَى مَا فِي نُفُوسِ النَّاسِ جَعَل الشَّارِعُ لِلْعُقُودِ وَالْمُعَامَلاَتِ صِيَغًا لاَ تَتِمُّ إِلاَّ بِالْقَوْل بِهَا؛ لأَِنَّ هَذِهِ الْعُقُودَ لاَ تَصِحُّ إِلاَّ بِالرِّضَا كَمَا قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢)، وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ (٣)، وَالرِّضَا أَمْرٌ خَفِيٌّ لاَ يُطَّلَعُ عَلَيْهِ، فَنِيطَ الْحُكْمُ بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ وَهُوَ الْقَوْل - وَهُوَ الإِْيجَابُ وَالْقَبُول (٤) -.

قَبُول الْقَوْل فِي الدَّعْوَى:

٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ قَوْل الْمُدَّعِي فِي

_________

(١) القواعد للعز بن عبد السلام ١ / ١٩٠.

(٢) سورة النساء / ٢٩.

(٣) حديث: " إنما البيع عن تراض ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ٧٣٧) من حديث أبي سعيد الخدري وصحح إسناده البوصيري في الزوائد (٢ / ١٠) .

(٤) مغني المحتاج ٢ / ٣، ٢٣٨، إعلام الموقعين ٣ / ١٠٥ وما بعدها، وجواهر الإكليل ٢ / ٢، بدائع الصنائع ٥ / ١٣٣.

الدَّعْوَى يُقْبَل بِالْبَيِّنَةِ، وَعَلَى أَنَّ قَوْل الْمُنْكِرِ يُقْبَل بِالْيَمِينِ لِحَدِيثِ: الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ (١) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (دَعْوَى ف ١٢) .

وَقَال السُّيُوطِيُّ: يُقْبَل الْقَوْل بِلاَ يَمِينٍ فِي فُرُوعٍ:

مِنْهَا: مَنْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَادَّعَى مُسْقِطًا لَهَا كَأَنْ يَقُول مَثَلًا: إِنَّ هَذَا النِّتَاجَ بَعْدَ الْحَوْل أَوْ مِنْ غَيْرِ النِّصَابِ؛ لأَِنَّ الأَْصْل بَرَاءَتُهُ.

وَمِنْهَا: مَنِ اكْتَرَى مَنْ يَحُجُّ عَنْ أَبِيهِ مَثَلًا، فَقَال الأَْجِيرُ: حَجَجْتُ فَيُقْبَل قَوْلُهُ وَلاَ يَمِينَ عَلَيْهِ وَلاَ بَيِّنَةَ؛ لأَِنَّ تَصْحِيحَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ لاَ يُمْكِنُ، وَكَذَا لَوْ قَال لِلأَْجِيرِ: قَدْ جَامَعْتَ فِي إِحْرَامِكَ فَأَفْسَدْتَهُ، وَأَنْكَرَ الأَْجِيرُ قُبِل قَوْل الأَْجِيرِ، وَكَذَا لَوِ ادَّعَى أَنَّهُ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ أَوْ قَتَل صَيْدًا فِي إِحْرَامِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ قُبِل قَوْل الأَْجِيرِ؛ لأَِنَّهُ أَمِينٌ فِي كُل ذَلِكَ.

وَمِنْهَا: الأَْبُ أَوِ الْجَدُّ إِذَا طَلَبَ الإِْعْفَافَ وَادَّعَى الْحَاجَةَ إِلَى النِّكَاحِ قُبِل قَوْلُهُ بِلاَ يَمِينٍ إِذْ لاَ يَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ تَحْلِيفُهُ فِي مِثْل ذَلِكَ.

وَمِنْهَا: الْمُطَلَّقَةُ ثَلاَثًا إِذَا نَكَحَتْ زَوْجًا آخَرَ وَادَّعَتْ أَنَّهُ أَصَابَهَا، فَيُقْبَل قَوْلُهَا فِي حِلِّهَا

_________

(١) حديث: " البينة على المدعي. . . ". أخرجه الدارقطني (٣ / ١١٠) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأعله ابن حجر في التلخيص (٤ / ٣٩) بالإرسال وبضعف أحد رواته.

لِلزَّوْجِ الأَْوَّل.

وَمِنْهَا: الْعِنِّينُ إِذَا ادَّعَى الْوَطْءَ قُبِل قَوْلُهُ لِدَفْعِ الْفَسْخِ.

وَمِنْهَا: الْمُتَزَوِّجَةُ بِشَرْطِ الْبَكَارَةِ إِذَا ادَّعَتْ زَوَال الْبَكَارَةِ بِوَطْئِهِ قُبِل قَوْلُهَا لِعَدَمِ الْفَسْخِ، وَيُقْبَل قَوْل الزَّوْجِ لِعَدَمِ تَمَامِ الْمَهْرِ.

وَمِنْهَا: الْوَكِيل إِذَا ادَّعَى قَبْضَ الثَّمَنِ مِنَ الْمُشْتَرِي وَتَسْلِيمَهُ إِلَى الْبَائِعِ يُقْبَل قَوْلُهُ حَتَّى لاَ يَلْزَمُهُ الْغُرْمُ (١) .

وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: الْمُودَعُ أَمِينٌ وَالْقَوْل قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ تَلَفِ الْوَدِيعَةِ بِغَيْرِ خِلاَفٍ، قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُل مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُودَعَ إِذَا أَحْرَزَ الْوَدِيعَةَ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهَا ضَاعَتْ أَنَّ الْقَوْل قَوْلُهُ (٢) .

وَتَفَاصِيل هَذِهِ الْمَوَاضِيعِ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا.

_________

(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص٥١٠.

(٢) المغني ٦ / ٣٩٥، ٣٩٦.

قَوْل الصَّحَابِيِّ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْقَوْل فِي اللُّغَةِ: كُل لَفْظٍ نَطَقَ بِهِ اللِّسَانُ، تَامًّا كَانَ أَوْ نَاقِصًا. وَيُطْلَقُ عَلَى الآْرَاءِ وَالاِعْتِقَادَاتِ، يُقَال: هَذَا قَوْل فُلاَنٍ فِي الْمَسْأَلَةِ أَيْ رَأْيُهُ فِيهَا، وَسَبَبُ تَسْمِيَةِ الآْرَاءِ أَقْوَالًا: أَنَّ الآْرَاءَ تَخْفَى فَلاَ تُعْرَفُ إِلاَّ بِالْقَوْل أَوْ مَا يَقُومُ مُقَامَهُ مِنْ شَاهِدِ الْحَال، فَلَمَّا كَانَتْ لاَ تَظْهَرُ إِلاَّ بِالْقَوْل سُمِّيَتْ قَوْلًا (١) .

وَالْقَوْل اصْطِلاَحًا لاَ يَخْرُجُ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ.

وَالصَّحَابِيُّ فِي اللُّغَةِ مُشْتَقٌّ مِنَ الصُّحْبَةِ وَهِيَ الرُّؤْيَةُ وَالْمُجَالَسَةُ وَالْمُعَاشَرَةُ (٢) .

وَالصَّحَابِيُّ اصْطِلاَحًا: مَنْ لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ مُؤْمِنًا بِهِ وَمَاتَ عَلَى الإِْسْلاَمِ (٣) .

وَيُؤْخَذُ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ قَوْل الصَّحَابِيِّ: هُوَ مَا نُقِل عَمَّنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ مِنْ قَوْلٍ لَمْ

_________

(١) لسان العرب.

(٢) المصباح المنير ولسان العرب.

(٣) الإصابة ١ / ٧، فتح الباري ٧ / ٤، علوم الحديث لابن الصلاح ٢٦٣.

يَرْفَعْهُ إِلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِقَوْل الصَّحَابِيِّ:

٢ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الأُْصُولِيِّينَ فِي أَنَّ قَوْل الصَّحَابِيِّ فِي مَسَائِل الاِجْتِهَادِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى صَحَابِيٍّ آخَرَ، مُجْتَهِدًا كَانَ أَوْ إِمَامًا، أَوْ حَاكِمًا أَوْ مُفْتِيًا، وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ الْمَشْهُورُ فِي حُجِّيَّتِهِ عَلَى التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ، وَفِيهِ أَقْوَالٌ (١):.

الأَْوَّل: أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مُطْلَقًا كَغَيْرِهِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ الأُْصُولِيِّينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَيُومِئُ إِلَيْهِ أَحْمَدُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَال عَبْدُ الْوَهَّابِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّهُ الصَّحِيحُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ مَالِكٍ؛ لأَِنَّهُ نَصَّ عَلَى وُجُوبِ الاِجْتِهَادِ وَاتِّبَاعِ مَا يُؤَدِّيهِ إِلَيْهِ صَحِيحُ النَّظَرِ، فَقَال: لَيْسَ فِي اخْتِلاَفِ الصَّحَابَةِ سَعَةٌ، إِنَّمَا هُوَ: خَطَأٌ أَوْ صَوَابٌ.

الثَّانِي: أَنَّهُ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْقِيَاسِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ، وَنُقِل عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ الْقَوْل الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ، وَقَال أَبُو سَعِيدٍ الْبَرْدَعِيُّ: تَقْلِيدُ الصَّحَابِيِّ وَاجِبٌ، يُتْرَكُ بِهِ الْقِيَاسُ، وَأَدْرَكْنَا مَشَايِخَنَا عَلَيْهِ، وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لَيْسَ عَنْ أَصْحَابِنَا

_________

(١) إرشاد الفحول ٢٢٦، والبحر المحيط ٦ / ٥٣.

الْمُتَقَدِّمِينَ مَذْهَبٌ ثَابِتٌ، وَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إِذَا اجْتَمَعَتِ الصَّحَابَةُ سَلَّمْنَا لَهُمْ، وَإِذَا جَاءَ التَّابِعُونَ زَاحَمْنَاهُمْ -؛ لأَِنَّهُ كَانَ مِنْهُمْ - فَلاَ يَثْبُتُ لَهُمْ بِدُونِ إِجْمَاعٍ.

الثَّالِثُ: أَنَّهُ حُجَّةٌ إِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ الْقِيَاسُ، فَيُقَدَّمُ حِينَئِذٍ عَلَى قِيَاسٍ لَيْسَ مَعَهُ قَوْل صَحَابِيٍّ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْل الشَّافِعِيِّ الْجَدِيدِ، وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي الرِّسَالَةِ. وَقَال: وَأَقْوَال أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﵇ إِذَا تَفَرَّقُوا نَصِيرُ مِنْهَا إِلَى مَا وَافَقَ الْكِتَابَ، أَوِ السُّنَّةَ أَوِ الإِْجْمَاعَ، أَوْ كَانَ أَصَحَّ فِي الْقِيَاسِ.

وَإِذَا قَال وَاحِدٌ مِنْهُمُ الْقَوْل لاَ يُحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْهُمْ لَهُ مُوَافَقَةً وَلاَ خِلاَفًا صِرْتُ إِلَى اتِّبَاعِ قَوْل وَاحِدِهِمْ. إِذَا لَمْ أَجِدْ كِتَابًا، وَلاَ سُنَّةً وَلاَ إِجْمَاعًا وَلاَ شَيْئًا يُحْكَمُ بِحُكْمِهِ أَوْ وُجِدَ مَعَهُ قِيَاسٌ (١) .

الرَّابِعُ: أَنَّهُ حُجَّةٌ إِذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ؛ لأَِنَّهُ لاَ مَحْمَل لِمُخَالَفَتِهِ إِلاَّ بِالتَّوْقِيفِ، فَيُعْلَمُ أَنَّهُ مَا قَالَهُ إِلاَّ تَوْقِيفًا، وَقَال ابْنُ بُرْهَانٍ فِي الْوَجِيزِ: وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ، قَال: وَمَسَائِل أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ تَدُل عَلَيْهِ (٢) .

وَالتَّفْصِيل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

_________

(١) الرسالة ص٥٩٦ ف ١٨٠٥ في حواره مع صاحبه، وإرشاد الفحول ص٢٢٦، والبحر المحيط ٦ / ٥٣ وما بعدها.

(٢) البحر المحيط ٦ / ٥٩.

قُوَّةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْقُوَّةُ فِي اللُّغَةِ: الطَّاقَةُ الْوَاحِدَةُ مِنْ طَاقَاتِ الْحَبْل، أَوِ الْوَتَرِ أَوِ الْخَصْلَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْهُ، فَفِي الْحَدِيثِ: لَيُنْقَضَنَّ الإِْسْلاَمُ عُرْوَةً عُرْوَةً كَمَا يُنْقَضُ الْحَبْل قُوَّةً قُوَّةً (١)، ثُمَّ اشْتُهِرَ فِيمَا يُقَابِل الضَّعْفَ، يُقَال: قَوِيَ الرَّجُل وَالضَّعِيفُ يَقْوَى قُوَّةً، وَالْقُوَى جَمْعُ قُوَّةٍ، مِثْل غُرْفَةٍ وَغُرَفٍ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي الْجِسْمِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ (٢)، كَمَا يَكُونُ فِي الأُْمُورِ النَّفْسِيَّةِ الْمَعْنَوِيَّةِ: كَالْعَقْل وَنَحْوِهِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُوسَى عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ (٣) أَيْ خُذِ الأَْلْوَاحَ بِقُوَّةٍ فِي دِينِكَ وَحُجَّتِكَ، وَقَوْلُهُ: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ (٤) أَيْ بِجِدٍّ (٥) .

_________

(١) حديث: " لينقضن الإسلام عروة. . . الخ ". أخرجه أحمد (المسند ٤ / ٢٣٢. ط. دار الفكر) .

(٢) سورة النجم / ٥ - ٦.

(٣) سورة الأعراف / ١٤٥.

(٤) سورة مريم / ١٢.

(٥) لسان العرب، وتفسير المأثور للسيوطي في تفسير الآية.

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الاِسْتِطَاعَةُ:

٢ - قَال الْجَوْهَرِيُّ: الاِسْتِطَاعَةُ: الطَّاقَةُ، وَقَال ابْنُ بَرِّيٍّ: هُوَ كَمَا ذَكَرَ، بَيْدَ أَنَّ الاِسْتِطَاعَةَ لِلإِْنْسَانِ خَاصَّةً، وَالإِْطَاقَةَ عَامَّةً، يُقَال: جَمَلٌ مُطِيقٌ لِحِمْلِهِ، وَلاَ يُقَال: جَمَلٌ مُسْتَطِيعٌ (١) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْقُوَّةِ وَبَيْنَ الاِسْتِطَاعَةِ أَنَّهَا أَخَصُّ مِنَ الْقُوَّةِ.

ب - الْقُدْرَةُ:

٣ - الْقُدْرَةُ لُغَةً: الْقُوَّةُ عَلَى الشَّيْءِ وَالتَّمَكُّنُ مِنْهُ، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ أَدْنَى قُوَّةٍ يَتَمَكَّنُ بِهَا الْمَأْمُورُ مِنْ أَدَاءِ مَا لَزِمَهُ بَدَنِيًّا كَانَ أَمْ مَالِيًّا (٢) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ أَنَّهَا دَرَجَةٌ مِنْ دَرَجَاتِ الْقُوَّةِ.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْقُوَّةِ:

فَضْل الْقُوَّةِ:

٤ - الْقُوَّةُ مِنَ الْخِصَال الْفِطْرِيَّةِ يُودِعُهَا اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيُفَاضِل فِيهَا بَيْنَ النَّاسِ كَمَا يُفَاضِل بَيْنَهُمْ فِي الرِّزْقِ وَغَيْرِهِ مِنْ عَطَائِهِ،

_________

(١) لسان العرب، في مادتي (طاق) و(طاع) .

(٢) التعريفات للجرجاني.

وَهِيَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ وَفَضْلٌ كَبِيرٌ مِنَ اللَّهِ لِمَنْ عَرَفَ قَدْرَهَا وَأَحْسَنَ اسْتِعْمَالَهَا شُكْرًا لِلَّهِ عَلَيْهَا لأَِنَّهَا الأَْدَاةُ اللاَّزِمَةُ لِجَلْبِ الْخَيْرِ لِلأُْمَّةِ وَدَفْعِ الشَّرِّ عَنْهَا، وَإِزَالَةِ الْمُنْكَرِ، وَالأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَلِذَلِكَ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا فِي نَفْسِهِ وَلِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكُونُوا أَقْوِيَاءَ كَذَلِكَ.

جَاءَ فِي الأَْثَرِ الصَّحِيحِ: الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ (١) .

الأَْخْذُ بِأَسْبَابِ الْقُوَّةِ:

٥ - الأَْخْذُ بِأَسْبَابِ الْقُوَّةِ فَرِيضَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عَلَى اخْتِلاَفِ صُنُوفِهَا وَأَلْوَانِهَا، وَأَسْبَابِهَا، مَادِّيَّةً كَانَتْ أَوْ مَعْنَوِيَّةً، قَال تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (٢) وَالْخِطَابُ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ؛ لأَِنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ وَظِيفَةُ كَافَّتِهِمْ، وَتَشْمَل كُل مَا يُطِيقُونَهُ مِمَّا يُفِيدُ فِي الْحَرْبِ مِنَ الْوَسَائِل مَادِّيًّا كَانَ كَالسِّلاَحِ وَالإِْنْفَاقِ وَتَدْرِيبِ الْمُجَاهِدِينَ فِي فُنُونِ الْحَرْبِ، وَإِتْقَانِ اسْتِعْمَال أَنْوَاعِ السِّلاَحِ الْمُخْتَلِفَةِ، لِقَوْلِهِ: ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ أَوْ مَعْنَوِيًّا، كَالتَّصَافِي، وَاتِّفَاقِ الْكَلِمَةِ وَالثِّقَةِ

_________

(١) حديث: " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله. . . ". أخرجه مسلم (٤ / ٢٠٢٥) من حديث أبي هريرة.

(٢) سورة الأنفال / ٦٠.

بِاللَّهِ وَعَدَمِ خَوْضِ الْحَرْبِ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِْمَامِ، وَالاِخْتِيَارِ لإِمَارَةِ الْجَيْشِ مَنْ كَانَ ثِقَةً فِي دِينِهِ، وَالتَّوْصِيَةِ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَأَخْذِ الْبَيْعَةِ عَلَيْهِمْ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْجِهَادِ وَعَدَمِ الْفِرَارِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى الْقُوَّةِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ.

فَأَخْذُ أَسْبَابِ الْقُوَّةِ بِقِسْمَيْهَا فَرْضٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، بِالأَْمْرِ الْقُرْآنِيِّ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ مَارَسُوا كُل عَمَلٍ مَشْرُوعٍ مُتَاحٍ لَهُمْ فِي بِيئَتِهِمْ يَدُل عَلَى عُلُوِّ الْهِمَّةِ وَكَمَال الرُّجُولَةِ، وَيُؤَدِّي إِلَى قُوَّةِ الْجِسْمِ وَدَفْعِ الْكَسَل وَالْمَيْل إِلَى الدَّعَةِ (١) .

وَالتَّفْصِيل: فِي مُصْطَلَحِ (عُدَّةٌ ف ٢ - ٣) .

اشْتِرَاطُ الْقُوَّةِ فِيمَنْ يَتَقَلَّدُ إِمَارَةً أَوْ يُوَكَّل إِلَيْهِ أَمْرُ قَاصِرٍ وَنَحْوِهِ:

٦ - يُشْتَرَطُ فِيمَنْ يُقَلَّدُ إِمَارَةً أَوْ يُوَكَّل إِلَيْهِ أُمُورُ الْقُصَّرِ، كَالأَْيْتَامِ، وَالْمَجَانِينِ وَأَمْوَال الْوَقْفِ: الْقُدْرَةُ عَلَى الْقِيَامِ بِهَا، وَلاَ يَجُوزُ تَقْلِيدُ مَنْ لاَ يَقْوَى عَلَى النُّهُوضِ بِهَا، كَمَا لاَ يَجُوزُ لِمَنْ لاَ يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ الْقُدْرَةَ عَلَى الْقِيَامِ بِهَا قَبُولُهَا (٢)، فَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَال: قُلْتُ يَا رَسُول اللَّهِ أَلاَ تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَال:

_________

(١) تفسير الخازن والفتوحات الإلهية من تفسير البغوي في تفسير آية ٦٠ من سورة الأنفال، وآية: ٤٦ من سورة التوبة، وآية: ١٩٥ من سورة البقرة، نهاية المحتاج ٧ / ٦٠ وما بعده

(٢) السياسة الشرعية ص١٥ وما بعدها. ط - دار الكتب العربية.