الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣ الصفحة 66

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣

الثَّالِثُ الْجَوَازُ مُطْلَقًا كَالأَْمْوَال وَمَا اجْتَمَعَ فِيهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَلآِدَمِيٍّ (١) .

أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: لاَ يُقْضَى عَلَى الْغَائِبِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ لَكِنْ يُقْضَى فِي السَّرِقَةِ بِالْمَال فَقَطْ لأَِنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ (٢) .

سَادِسًا: الْحُكْمُ:

٧٥ - الْحُكْمُ: هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ قَطْعِ الْحَاكِمِ الْمُخَاصَمَةَ وَحَسْمِهِ إِيَّاهَا (٣) . وَعَرَّفَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ: فَصْل الْخُصُومَةِ (٤)، وَفِي تَعْرِيفٍ آخَرَ: الإِْعْلاَمُ عَلَى وَجْهِ الإِْلْزَامِ (٥) .

وَعَرَّفَهُ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ: إِنْشَاءٌ لِلإِْلْزَامِ الشَّرْعِيِّ وَفَصْل الْخُصُومَاتِ (٦) .

اشْتِرَاطُ سَبْقِ الدَّعْوَى لِلْحُكْمِ:

٧٦ - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْحُكْمِ أَنْ تَتَقَدَّمَهُ دَعْوَى صَحِيحَةٌ خَاصَّةً فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ النَّاسِ (٧)، قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الْحُكْمَ الْقَوْلِيَّ يَحْتَاجُ إِلَى الدَّعْوَى، وَالْحُكْمَ الْفِعْلِيَّ لاَ يَحْتَاجُ، وَقِيل: إِنَّ الْفِعْلِيَّ لاَ يَكُونُ حُكْمًا،

_________

(١) نفس المرجع.

(٢) المغني لابن قدامة ٩ / ١١٠، ١١١، وكشاف القناع ٦ / ٣٥٤.

(٣) المادة (١٧٨٦) من المجلة.

(٤) كفاية الطالب الرباني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني لعلي بن خلف المنوفي ٤ / ١٠٩ مطبعة المدني ١٩٨٩.

(٥) الشرح الصغير ٤ / ١٨٧.

(٦) كشاف القناع ٦ / ٢٨٥.

(٧) المادة (١٨٢٩) من المجلة.

بِدَلِيل ثُبُوتِ خِيَارِ الْبُلُوغِ لِلصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ بِتَزْوِيجِ الْقَاضِي عَلَى الأَْصَحِّ.

وَلاَ تُشْتَرَطُ الدَّعْوَى وَالْخُصُومَةُ فِي الْقَضَاءِ الضِّمْنِيِّ، فَإِذَا شَهِدَا عَلَى خَصْمٍ بِحَقٍّ وَذَكَرَا اسْمَهُ وَاسْمَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ، وَقَضَى بِذَلِكَ الْحَقِّ كَانَ قَضَاءً بِنَسَبِهِ ضِمْنًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي حَادِثَةِ النَّسَبِ (١) .

سِيرَةُ الْقَاضِي فِي الأَْحْكَامِ:

٧٧ - يَلْزَمُ الْقَاضِيَ أَنْ لاَ يَحْكُمَ فِي الْقَضِيَّةِ حَتَّى لاَ يَبْقَى لَهُ شَكٌّ فِي فَهْمِهِ لِمَوْضُوعِهَا، فَإِذَا أَشْكَل عَلَيْهِ أَمْرٌ تَرَكَهُ، وَقَال بَعْضُهُمْ: لاَ بَأْسَ أَنْ يَأْمُرَ فِيهِ بِصُلْحٍ، فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُ وَجْهُ الْحُكْمِ فَلاَ يَعْدِل إِلَى الصُّلْحِ وَيَقْضِي بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِهِ، فَإِنْ خَشِيَ مِنْ تَفَاقُمِ الأَْمْرِ بِإِنْفَاذِ الْحُكْمِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ أَوْ كَانَا مِنْ أَهْل الْفَضْل أَوْ بَيْنَهُمَا رَحِمٌ، أَقَامَهُمَا وَأَمَرَهُمَا بِالصُّلْحِ، قَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: رُدُّوا الْقَضَاءَ بَيْنَ ذَوِي الأَْرْحَامِ حَتَّى يَصْطَلِحُوا، فَإِنَّ فَصْل الْقَضَاءِ يُوَرِّثُ الضَّغَائِنَ (٢) .

اسْتِشَارَةُ الْفُقَهَاءِ:

٧٨ - يَرَى الْفُقَهَاءُ أَنَّهُ عِنْدَ اخْتِلاَفِ وُجُوهُ

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ٤٢٤.

(٢) تبصرة الحكام ١ / ٣٧ - ٣٩، ومعين الحكام ص ٢١، وبدائع الصنائع ٧ / ١٣.

النَّظَرِ وَتَعَارُضِ الأَْدِلَّةِ فِي حُكْمٍ، يُنْدَبُ لِلْقَاضِي أَنْ يُشَاوِرَ الْفُقَهَاءَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَْمْرِ﴾ (١)، قَال الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مُسْتَغْنِيًا عَنْهَا، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ تَصِيرَ سُنَّةً لِلْحُكَّامِ، وَرُوِيَ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ مُشَاوَرَةً لأَِصْحَابِهِ مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ (٢)، وَقَدْ شَاوَرَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ النَّاسَ فِي مِيرَاثِ الْجَدَّةِ، وَشَاوَرَ عُمَرُ ﵁ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ، وَشَاوَرَ الصَّحَابَةَ ﵃ فِي حَدِّ الْخَمْرِ، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ يَكُونُ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ، مِنْهُمْ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵃، إِذَا نَزَل بِهِ الأَْمْرُ شَاوَرَهُمْ فِيهِ، وَنَقَل ابْنُ قُدَامَةَ أَنَّهُ لاَ مُخَالِفَ فِي اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ وَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ مَعْلُومًا بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ جَلِيٍّ لَمْ يَحْتَجِ الْقَاضِي إِلَى رَأْيِ غَيْرِهِ.

قَال الْقَاضِي حُسَيْنٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِذَا أَشْكَل الْحُكْمُ فَالْمُشَاوَرَةُ وَاجِبَةٌ وَإِلاَّ فَمُسْتَحَبَّةٌ.

وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُشَاوِرَهُمْ بِحَضْرَةِ النَّاسِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يَذْهَبُ بِمَهَابَةِ الْمَجْلِسِ وَالنَّاسُ

_________

(١) سورة آل عمران / ١٥٩.

(٢) حديث: " ما رأيت أحدًا أكثر مشاورة. . " أخرجه ابن حبان من قول الزهري وهو منقطع. (الإحسان١١ / ٢١٧) .

يَتَّهِمُونَهُ بِالْجَهْل، وَلَكِنْ يُقِيمُ النَّاسَ عَنِ الْمَجْلِسِ ثُمَّ يُشَاوِرُهُمْ، وَإِذَا كَانَ الْقَاضِي يَدْخُلُهُ حَصْرٌ بِإِجْلاَسِهِمْ عِنْدَهُ وَيُعْجِزُهُ الْكَلاَمُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَلاَ يُجْلِسُهُمْ، بَل يَبْعَثُ إِلَيْهِمْ وَيَسْأَلُهُمْ إِذَا أَشْكَل عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ (١) .

وَالأَْمْرُ الَّذِي يُؤْمَرُ بِالْمُشَاوَرَةِ فِيهِ هُوَ النَّوَازِل الْحَادِثَةُ الَّتِي لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهَا قَوْلٌ لِمَتْبُوعٍ، أَوْ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ مِنْ مَسَائِل الاِجْتِهَادِ، لِيَتَنَبَّهَ بِمُذَاكَرَتِهِمْ وَمُنَاظَرَتِهِمْ عَلَى مَا يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ، حَتَّى يَسْتَوْضِحَ بِهِمْ طَرِيقَ الاِجْتِهَادِ، فَيَحْكُمَ بِاجْتِهَادِهِ دُونَ اجْتِهَادِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يُشَاوِرْ وَحَكَمَ نَفَذَ حُكْمُهُ إِذَا لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ نَصًّا أَوْ إِجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا غَيْرَ مُحْتَمَلٍ.

وَيُشْتَرَطُ فِيمَنْ يُشَاوِرُهُ الْقَاضِي: أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَالِمًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالآْثَارِ وَأَقَاوِيل النَّاسِ وَالْقِيَاسِ وَلِسَانِ الْعَرَبِ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ.

وَعَلَى هَذَا فَكُل مَنْ صَحَّ أَنْ يُفْتِيَ فِي الشَّرْعِ جَازَ أَنْ يُشَاوِرَهُ الْقَاضِي فِي الأَْحْكَامِ،

_________

(١) مغني المحتاج ٤ / ٣٩١، وتبصرة الحكام ١ / ٣٧، ٣٨، وبدائع الصنائع ٧ / ١١، ١٢، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٤٧٠، والشرح الصغير ٤ / ١٩٥، والمغني لابن قدامة ٩ / ٥١، وروضة القضاة للسمناني ١ / ١٠٧، والمبسوط ١٦ / ٧٩.

فَتُعْتَبَرُ فِيهِ شُرُوطُ الْمُفْتِي وَلاَ تُعْتَبَرُ فِيهِ شُرُوطُ الْقَاضِي (١) .

وَلِمَعْرِفَةِ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْمُفْتِي يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (فَتْوَى ف ١١ - ٢٠) .

صِيغَةُ الْحُكْمِ:

٧٩ - لاَ يَشْتَرِطُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَلْفَاظًا مَخْصُوصَةً وَصِيَغًا مُعَيَّنَةً لِلْحُكْمِ بَل كُل مَا دَل عَلَى الإِْلْزَامِ فَهُوَ حُكْمٌ، كَقَوْلِهِ: مَلَّكْتُ الْمُدَّعِيَ الدَّارَ الْمَحْدُودَةَ، أَوْ فَسَخْتُ هَذَا الْعَقْدَ، أَوْ أَبْطَلْتُهُ أَوْ رَدَدْتُهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الأَْلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى نَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتٍ بَعْدَ حُصُول مَا يَجِبُ فِي شَأْنِ الْحُكْمِ مِنْ تَقَدُّمِ دَعْوَى صَحِيحَةٍ (٢) .

وَذَهَبَ شَمْسُ الإِْسْلاَمِ مَحْمُودٌ الأُْوزْجَنْدِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَقُول الْقَاضِي: قَضَيْتُ أَوْ حَكَمْتُ أَوْ أَنْفَذْتُ عَلَيْكَ الْقَضَاءَ، لَكِنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ مَا يَقُول بِهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَأَنَّ قَوْل الْقَاضِي: حَكَمْتُ أَوْ قَضَيْتُ، لَيْسَ بِشَرْطٍ (٣) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ صِيغَةَ الْحُكْمِ الصَّحِيحِ: حَكَمْتُ أَوْ قَضَيْتُ بِكَذَا، أَوْ

_________

(١) أدب القاضي للماوردي ١ / ٢٦١ - ٢٦٤.

(٢) الفتاوى الهندية ٣ / ٢٢٧، والشرح الصغير ٤ / ٢٢٧، والدسوقي ٤ / ١٥٦، ١٥٧، وكشاف القناع ٦ / ٣٢٢، والمغني ٩ / ٧٥.

(٣) الفتاوى الهندية ٣ / ٢٢٧.

أَنْفَذْتُ الْحُكْمَ بِهِ، أَوْ أَلْزَمْتُ الْخَصْمَ بِهِ (١) .

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا قَال الْقَاضِي:

ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّ لِهَذَا عَلَى هَذَا كَذَا وَكَذَا، هَل يَكُونُ حُكْمًا؟ فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُعَدُّ حُكْمًا؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِإِلْزَامٍ، وَالْحُكْمُ إِلْزَامٌ.

وَذَهَبَ أَبُو عَاصِمٍ الْعَامِرِيُّ وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الأَْئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ وَاخْتِيَارُ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ - مِنَ الْحَنَفِيَّةِ - وَفِي الْخَانِيَّةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا قَال: ثَبَتَ عِنْدِي، يَكْفِي، وَكَذَا: ظَهَرَ عِنْدِي، أَوْ: صَحَّ عِنْدِي، أَوْ قَال: عَلِمْتُ، فَهَذَا كُلُّهُ حُكْمٌ (٢) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا سُئِل الْقَاضِي عَنْ حُكْمٍ فَأَفْتَى بِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَوْ لاَ يَصِحُّ فَلاَ يَكُونُ إِفْتَاؤُهُ حُكْمًا يَرْفَعُ الْخِلاَفَ؛ لأَِنَّ الإِْفْتَاءَ إِخْبَارٌ بِالْحُكْمِ لاَ إِلْزَامٌ، أَمَّا إِذَا حَكَمَ بِفَسْخٍ أَوْ إِمْضَاءٍ فَيَكُونُ حُكْمًا (٣) .

سِجِل الْحُكْمِ:

٨٠ - إِذَا انْتَهَى الْقَاضِي مِنْ نَظَرِ الدَّعْوَى وَأَصْدَرَ حُكْمَهُ، فَيُسَنُّ لَهُ أَنْ يَكْتُبَ حُكْمَهُ فِي سِجِلٍّ مِنْ نُسْخَتَيْنِ يُبَيِّنُ فِيهِ مَا وَقَعَ بَيْنَ ذِي

_________

(١) حاشية الجمل على شرح المنهج ٥ / ٣٥٠.

(٢) الفتاوى الهندية ٣ / ٢٢٧، ومعين الحكام ص ٥٠.

(٣) الشرح الصغير ٤ / ٢٢٧، والدسوقي ٤ / ١٥٧.

الْحَقِّ وَخَصْمِهِ، وَمُسْتَنَدَ الدَّعْوَى مِنَ الأَْدِلَّةِ وَمَا حَكَمَ بِهِ الْقَاضِي فِيهَا، وَتُسَلَّمُ إِحْدَى النُّسَخِ لِلْمَحْكُومِ لَهُ وَالأُْخْرَى تُحْفَظُ بِدِيوَانِ الْحُكْمِ مَخْتُومَةً مَكْتُوبًا عَلَيْهَا اسْمُ كُلٍّ مِنَ الْخَصْمَيْنِ، وَذَلِكَ دُونَ طَلَبٍ (١)، فَإِنْ طَلَبَ الْخَصْمُ أَنْ يُسَجَّل لَهُ الْحُكْمُ، فَيَجِبُ عَلَى الْقَاضِي إِجَابَتُهُ (٢)، وَتَفْصِيل أَحْكَامِ السِّجِل وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (سِجِلّ ف ٨ وَمَا بَعْدَهَا) .

أَنْوَاعُ الْحُكْمِ:

٨١ - يَتَحَقَّقُ الْحُكْمُ إِمَّا بِقَوْلٍ يَصْدُرُ عَنِ الْقَاضِي بَعْدَ نَظَرِ الدَّعْوَى كَقَوْلِهِ: أَلْزَمْتُ أَوْ قَضَيْتُ بِكَذَا، وَإِمَّا بِفِعْلٍ يَصْدُرُ مِنْهُ كَتَزْوِيجِ الْيَتِيمَةِ الصَّغِيرَةِ، وَذَلِكَ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِأَنَّ فِعْل الْقَاضِي حُكْمٌ، إِذْ يَرَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ أَفْعَال الْقَاضِي مِنْ قَبِيل أَعْمَال التَّوْثِيقِ لأَِنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ سَبْقُ دَعْوَى.

وَإِذَا أَصْدَرَ الْقَاضِي حُكْمَهُ فَهُوَ إِمَّا أَنْ يَحْكُمَ بِصِحَّةِ التَّصَرُّفِ فِي الْعَيْنِ مَوْضُوعِ النِّزَاعِ أَوْ يَحْكُمَ بِالْمُوجِبِ، وَقَدْ يَكُونُ قَضَاؤُهُ بِالاِسْتِحْقَاقِ أَوْ بِالتَّرْكِ، وَقَدْ يَكُونُ الْحُكْمُ قَصْدِيًّا أَوْ تَضَمُّنِيًّا، وَتَفْصِيل هَذِهِ الأَْنْوَاعِ فِيمَا يَلِي:

_________

(١) حاشية الجمل على شرح المنهج ٥ / ٣٥١، والمادة / ١٨٢٧ من مجلة الأحكام العدلية.

(٢) المغني ٩ / ٧٥.

أ - الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَبِالْمُوجِبِ:

٨٢ - عَرَّفَ سِرَاجُ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ الشَّافِعِيُّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ بِأَنَّهُ: عِبَارَةٌ عَنْ قَضَاءِ مَنْ لَهُ ذَلِكَ فِي أَمْرٍ قَابِلٍ لِقَضَائِهِ ثَبَتَ عِنْدَهُ وُجُودُهُ بِشَرَائِطِهِ الْمُمْكِنِ ثُبُوتُهَا، أَنَّ ذَلِكَ الأَْمْرَ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ عَلَى وَجْهِهِ الْمُعْتَبَرِ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ شَرْعًا، وَمَعْنَى صِحَّتِهِ كَوْنُهُ بِحَيْثُ تَتَرَتَّبُ آثَارُهُ عَلَيْهِ.

وَالْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ يَسْتَدْعِي ثَلاَثَةَ أَشْيَاءَ: أَهْلِيَّةَ التَّصَرُّفِ، وَصِحَّةَ صِيغَتِهِ، وَكَوْنَ تَصَرُّفِهِ فِي مَحَلِّهِ، وَلِذَلِكَ اشْتُرِطَ فِيهِ ثُبُوتُ الْمِلْكِ وَالْحِيَازَةِ.

وَعَرَّفَ الْبُلْقِينِيُّ الْحُكْمَ بِالْمُوجِبِ بِأَنَّهُ قَضَاءُ الْمُتَوَلِّي بِأَمْرٍ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِالإِْلْزَامِ، بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ الأَْمْرِ خَاصًّا أَوْ عَامًّا عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ شَرْعًا.

وَالْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ يَسْتَدْعِي شَيْئَيْنِ: أَهْلِيَّةَ التَّصَرُّفِ، وَصِحَّةَ صِيغَتِهِ، فَيَحْكُمُ بِمُوجِبِهِمَا (١) .

وَتُوجَدُ فُرُوقٌ بَيْنَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، مِنْهَا: أَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ مُنْصَبٌّ إِلَى نَفَاذِ الْعَقْدِ الصَّادِرِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ وَقْفٍ وَنَحْوِهِمَا، وَالْحُكْمَ

_________

(١) تبصرة الحكام ١ / ١٠٢ - ١٠٤، ومعين الحكام ص ٤٩، ٥٠، ومغني المحتاج ٤ / ٣٩٥.

بِالْمُوجِبِ مُنْصَبٌّ إِلَى ثُبُوتِ صُدُورِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَالْحُكْمَ عَلَى مَنْ صَدَرَ مِنْهُ بِمُوجِبِ مَا صَدَرَ مِنْهُ، وَلاَ يَسْتَدْعِي ثُبُوتَ أَنَّهُ مَالِكٌ مَثَلًا إِلَى حِينِ الْبَيْعِ أَوِ الْوَقْفِ وَلاَ بَقِيَّةِ مَا ذُكِرَ فِيمَا يُعْتَبَرُ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ، وَقَدْ تَوَسَّعَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ - مَعَ اخْتِلاَفٍ بَيْنَهُمْ - فِي تَعْدَادِ تِلْكَ الْفُرُوقِ وَإِيرَادِ الأَْمْثِلَةِ عَلَيْهَا، وَلِمَزِيدٍ مِنَ التَّفْصِيل يُرْجَعُ إِلَى مَصَادِرِهِمْ (١) .

وَالْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْحُكْمِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ (٢)، أَمَّا إِذَا كَانَ الْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ مُسْتَوْفِيًا لِمَا يُعْتَبَرُ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ كَانَ أَقْوَى لِوُجُودِ الإِْلْزَامِ فِيهِ وَتَضَمُّنِهِ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ، وَقَدْ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ، مِثَال ذَلِكَ: إِذَا شَهِدَتْ عِنْدَهُ الشُّهُودُ بِأَنَّ هَذَا وَقْفٌ وَذَكَرُوا الْمَصْرِفَ عَلَى وَجْهٍ مُعَيَّنٍ، فَحَكَمَ الْقَاضِي بِمُوجِبِ شَهَادَتِهِمْ، كَانَ ذَلِكَ الْحُكْمُ مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِالْمُوجِبِ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الشُّرُوطَ الْمَطْلُوبَةَ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ (٣)، وَيَرَى ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُوجِبِ الَّذِي لاَ يَصِحُّ بِهِ الْحُكْمُ هُوَ

_________

(١) التبصرة ١ / ١٠٦، ومعين الحكام ص ٥٠، ٥١، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٤٧٥، ٤٧٦.

(٢) التبصرة ١ / ١٠٣، ومعين الحكام ص ٤٩.

(٣) التبصرة ١ / ١٠٨، ١٠٩، ومعين الحكام ص ٥٣، ٥٤.

مَا لَيْسَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ فَالْبَيْعُ الصَّحِيحُ مُقْتَضَاهُ خُرُوجُ الْمَبِيعِ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ، وَدُخُولُهُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي، وَاسْتِحْقَاقُ التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ فِي كُلٍّ مِنَ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ مُوجِبَاتِهِ لَكِنَّهَا مُقْتَضَيَاتٌ لاَزِمَةٌ لَهُ، فَيَكُونُ الْحُكْمُ بِهِ حُكْمًا بِهَا بِخِلاَفِ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ فِيهِ لِلْخَلِيطِ أَوْ لِلْجَارِ مَثَلًا، فَإِنَّ الْعَقْدَ لاَ يَقْتَضِي ذَلِكَ أَيْ لاَ يَسْتَلْزِمُهُ، فَكَمْ مِنْ بَيْعٍ لاَ تُطْلَبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ، فَهَذَا يُسَمَّى مُوجِبَ الْبَيْعِ، وَلاَ يُسَمَّى مُقْتَضًى (١) .

وَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ أَنْوَاعٌ سِتَّةٌ:

الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ كَالْبَيْعِ مَثَلًا، وَالْحُكْمُ بِمُوجِبِهِ، وَالْحُكْمُ بِمُوجِبِ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ، وَالْحُكْمُ بِمُوجِبِ مَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ عِنْدَهُ، وَالْحُكْمُ بِمُوجِبِ مَا أَشْهَدَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَالْحُكْمُ بِثُبُوتِ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ، وَأَدْنَى هَذِهِ الأَْنْوَاعِ الأَْخِيرُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَكُونَ حُكْمًا بِتَعْدِيل الْبَيِّنَةِ، وَفَائِدَتُهُ عَدَمُ احْتِيَاجِ حَاكِمٍ آخَرَ إِلَى النَّظَرِ فِيهَا، وَأَعْلاَهَا الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ أَوْ بِالْمُوجِبِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَعْلَى مِنَ الآْخَرِ، بَل يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلاَفِ الأَْشْيَاءِ، فَفِي شَيْءٍ مِنْهَا يَكُونُ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ٣٩٧.