الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣ الصفحة 62

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣

الْمُزَكِّي:

٤٦ - الْمُرَادُ بِالْمُزَكِّي فِي بَابِ الْقَضَاءِ مَنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي تَعْدِيل الشُّهُودِ. ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا عَرَفَ عَدَالَةَ الشُّهُودِ فَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى تَزْكِيَتِهِمْ، وَإِنْ عَرَفَ أَنَّهُمْ مَجْرُوحُونَ رَدَّ شَهَادَتَهُمْ.

وَهَل يَتَّخِذُ الْقَاضِي مُزَكِّيًا يَتَحَرَّى عَنِ الشُّهُودِ وَيَتَعَرَّفُ حَال مَنْ يَجْهَل مِنْهُمْ؟ .

قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ التَّزْكِيَةَ نَوْعَانِ:

تَزْكِيَةُ السِّرِّ، وَتَزْكِيَةُ الْعَلاَنِيَةِ، أَمَّا تَزْكِيَةُ السِّرِّ، فَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَخْتَارَ لِلْمَسْأَلَةِ عَنِ الشُّهُودِ مَنْ هُوَ أَوْثَقُ النَّاسِ وَأَوْرَعُهُمْ دِيَانَةً وَأَعْظَمُهُمْ دِرَايَةً وَأَكْثَرُهُمْ خِبْرَةً وَأَعْلَمُهُمْ بِالتَّمَيُّزِ فِطْنَةً، فَيُوَلِّيَهُ الْمَسْأَلَةَ عَنِ الشُّهُودِ سِرًّا، فَيَسْأَل ذَلِكَ الرَّجُل عَنِ الشَّاهِدِ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ جِيرَانِهِ وَأَهْل مَحَلَّتِهِ وَأَهْل سُوقِهِ، وَلاَ يَنْقُل لِلْقَاضِي إِلاَّ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ عَدْلاَنِ فَأَكْثَرُ، وَالْعَدَدُ فِي الْمُزَكِّي لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَ الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَالْوَاحِدُ يَكْفِي وَالاِثْنَانِ أَحْوَطُ، وَقَال مُحَمَّدٌ: شَرْطٌ حَتَّى لاَ تَثْبُتَ الْعَدَالَةُ بِقَوْل الْوَاحِدِ، وَمَنْشَأُ الْخِلاَفِ هَل هُوَ شَهَادَةٌ أَمْ إِخْبَارٌ.

أَمَّا تَزْكِيَةُ الْعَلاَنِيَةِ فَقَدْ قَال صَاحِبُ مُعِينِ الْحُكَّامِ: إِنَّهُ قَدْ وَقَعَ الاِكْتِفَاءُ بِتَزْكِيَةِ السِّرِّ لِمَا فِي تَزْكِيَةِ الْعَلاَنِيَةِ مِنْ فِتْنَةٍ بِسَبَبِ مَا يُلاَقِيهِ

الْمُزَكِّي مِنْ بَلاَءٍ مِنَ الشَّاهِدِ فِي حَالَةِ تَجْرِيحِهِ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلْقَاضِي مُزَكُّونَ وَأَصْحَابُ مَسَائِل، فَالْمُزَكُّونَ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ لِيُبَيِّنُوا حَال الشُّهُودِ، وَأَصْحَابُ الْمَسَائِل هُمُ الَّذِينَ يَبْعَثُهُمُ الْقَاضِي إِلَى الْمُزَكِّينَ لِيَبْحَثُوا وَيَسْأَلُوا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمُزَكِّي وَاحِدًا بَل اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ. (٢)

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُرَتِّبَ شُهُودًا لاَ يَقْبَل غَيْرَهُمْ لِوُجُوبِ قَبُول شَهَادَةِ مَنْ تَثْبُتُ عَدَالَتُهُ، وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يُرَتِّبَ شُهُودًا يُشْهِدُهُمُ النَّاسُ فَيَسْتَغْنُونَ بِإِشْهَادِهِمْ عَنْ تَعْدِيلِهِمْ وَيَسْتَغْنِي الْقَاضِي عَنِ الْكَشْفِ عَنْ أَحْوَالِهِمْ، فَيَكُونُ فِيهِ تَخْفِيفٌ مِنْ وَجْهٍ، وَيَقُومُ هَؤُلاَءِ بِتَزْكِيَةِ مَنْ عَرَفُوا عَدَالَتَهُ مِنْ غَيْرِهِمْ إِذَا شَهِدَ. (٣)

الْمُتَرْجِمُ:

٤٧ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَتَّخِذَ مُتَرْجِمًا إِذَا كَانَ لاَ يَعْرِفُ لُغَةَ الْخَصْمِ أَوِ الشَّاهِدِ، وَيَكْفِي الْمُتَرْجِمُ الْوَاحِدُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمَالِكِيَّةِ وَأَبِي يُوسُفَ وَأَحْمَدَ فِي

_________

(١) معين الحكام ص ١٠٤، ١٠٥، تبصرة الحكام ١ / ٢٥٨، روضة القضاة ١ / ١٢٤، ١٢٥، وانظر بدائع الصنائع ٧ / ١٠، ١١.

(٢) مغني المحتاج ٤ / ٤٠٣، الروضة ١١ / ١٦٨.

(٣) المغني لابن قدامة ٩ / ٧١، شرح منتهى الإرادات ٣ / ٤٧٢.

رِوَايَةٍ عَنْهُ وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَقَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، قَال زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: أَمَرَنِي رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ أَتَعَلَّمَ لَهُ كِتَابَ يَهُودَ، قَال: إِنِّي وَاللَّهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابٍ، قَال: فَمَا مَرَّ بِي نِصْفُ شَهْرٍ حَتَّى تَعَلَّمْتُهُ لَهُ، قَال: فَلَمَّا تَعَلَّمْتُهُ كَانَ إِذَا كَتَبَ إِلَى يَهُودَ كَتَبْتُ إِلَيْهِمْ وَإِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ قَرَأْتُ لَهُ كِتَابَهُمْ (١)، وَلأَِنَّهُ مِمَّا لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى لَفْظِ الشَّهَادَةِ فَأَجْزَأَ فِيهِ الْوَاحِدُ كَأَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ.

وَالْقَوْل أَنَّهُ يَكْفِي الْوَاحِدُ الْعَدْل - عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - مَحَلُّهُ إِذَا رَتَّبَهُ الْقَاضِي، أَمَّا إِذَا لَمْ يُرَتِّبْهُ بِأَنْ أَتَى بِهِ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ، أَوْ طَلَبَهُ الْقَاضِي لِلتَّبْلِيغِ فَلاَ بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّعَدُّدِ لأَِنَّهُ صَارَ كَالشَّاهِدِ، وَقَدْ حَكَى الدُّسُوقِيُّ أَنَّ الْمُتَرْجِمَ مِنْ قِبَل الْقَاضِي يَكْفِي فِيهِ الْوَاحِدُ اتِّفَاقًا.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ التَّرْجَمَةَ شَهَادَةٌ، وَيُعْتَبَرُ فِي الْمُتَرْجِمِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ (٢) .

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (تَرْجَمَة ف ١٥) .

_________

(١) حديث زيد بن ثابت: " أمرني رسول الله ﷺ أن أتعلم. . . " أخرجه الترمذي (٥ / ٦٧ - ٦٨) وقال: حسن صحيح.

(٢) بدائع الصنائع ٧ / ١٢، حاشية الدسوقي ٤ / ١٣٩، الروضة ١١ / ١٣٦، مغني المحتاج ٤ / ٣٨٩، المغني ٩ / ١٠٠، ١٠١.

اسْتِخْلاَفُ الْقَاضِي:

٤٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الإِْمَامَ إِذَا أَذِنَ لِلْقَاضِي فِي الاِسْتِخْلاَفِ فَلَهُ ذَلِكَ وَعَلَى أَنَّهُ إِذَا نَهَاهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْقَاضِيَ إِنَّمَا يَسْتَمِدُّ وِلاَيَتَهُ مِنَ الإِْمَامِ، فَلاَ يَمْلِكُ أَنْ يُخَالِفَهُ فِي تَعْيِينِ خَلَفٍ لَهُ مَتَى نَهَاهُ، كَالْوَكِيل مَعَ الْمُوَكِّل، أَمَّا إِنْ أَطْلَقَ الإِْمَامُ فَلَمْ يَأْذَنْ وَلَمْ يَنْهَ فَهُنَاكَ اتِّجَاهَاتٌ فِي الْمَذَاهِبِ تَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِخْلاَف ف ٣٢) .

كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْقُضَاةِ:

٤٩ - لِلْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْقُضَاةِ بِمَا وَجَبَ عِنْدَهُ مِنْ حُكْمٍ، أَوْ ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْ حَقٍّ، وَيَكْتُبَ بِهِ إِلَى مَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ وَأَدْنَى وَإِلَى خَلِيفَتِهِ وَمُسْتَخْلَفِهِ.

وَيَكُونُ الْمَقْصُودُ بِهِ أَمْرَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَثْبُتَ بِهِ عِنْدَ الثَّانِي مَا ثَبَتَ عِنْدَ الأَْوَّل.

الثَّانِي: أَنْ يَقُومَ فِي تَنْفِيذِهِ وَاسْتِيفَائِهِ مَقَامَ الأَْوَّل (١) .

وَاسْتُدِل عَلَى جَوَازِ قَبُول كِتَابِ الْقَاضِي بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ أَنْ يُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ

_________

(١) أدب القاضي للماوردي ٢ / ٩٥، المغني لابن قدامة ٩ / ٩٤.

دِيَةِ زَوْجِهَا (١)؛ وَلأَِنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إِلَى ذَلِكَ. (٢)

الشَّهَادَةُ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي:

٥٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَشْهَبُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَقْبَل إِلاَّ شَهَادَةَ عَدْلَيْنِ يَقُولاَنِ: إِنَّهُ قَرَأَهُ عَلَيْنَا أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ بِحَضْرَتِنَا، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: لاَ بُدَّ أَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ بِخَتْمِ الْقَاضِي، وَبِمِثْل ذَلِكَ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ، وَقَال أَبُو يُوسُفَ: إِذَا شَهِدُوا بِالْكِتَابِ وَالْخَاتَمِ تُقْبَل وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا بِمَا فِي الْكِتَابِ، وَكَذَا إِذَا شَهِدُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا فِي جَوْفِهِ تُقْبَل وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا بِالْخَاتَمِ، وَحُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَسَوَّارٍ وَالْعَنْبَرِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا إِذَا كَانَ يَعْرِفُ خَطَّهُ وَخَتْمَهُ قَبِلَهُ، وَهُوَ قَوْل أَبِي ثَوْرٍ وَالإِْصْطَخْرِيِّ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى اشْتِرَاطِ الشَّاهِدَيْنِ وَلَمْ يُقَيِّدُوا ذَلِكَ بِقِرَاءَةِ الْكِتَابِ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: أَمَّا كِتَابُ الْقَاضِي الْمُجَرَّدُ عَنِ الشَّهَادَةِ، فَلاَ أَثَرَ لَهُ، قَال ابْنُ رُشْدٍ: وَالْعَمَل عِنْدَنَا الْيَوْمَ بِإِفْرِيقِيَّةَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ فِي الْقَدِيمِ

_________

(١) حديث: " أنه ﷺ كتب إلى الضحاك بن سفيان. . . " أخرجه الطبراني في الكبير (٥ / ٢٧٦) من حديث المغيرة بن شعبة، وقال الهيثمي في المجمع (٤ / ٢٣٠): رواه الطبراني ورجاله ثقات.

(٢) روضة القضاة للسمناني ١ / ٣٢٩، ٣٣٠.

مِنَ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْقَاضِي، وَفِي التَّنْبِيهِ لاِبْنِ الْمُنَاصِفِ - مِنَ الْمَالِكِيَّةِ - قَوْلُهُ: وَقَدِ الْتَزَمَ النَّاسُ الْيَوْمَ فِي سَائِرِ بِلاَدِنَا إِجَازَةَ كُتُبِ الْقُضَاةِ بِمَعْرِفَةِ الْخَطِّ، وَكَافَّةُ الْحُكَّامِ قَدْ تَمَالَئُوا عَلَى إِجَازَةِ ذَلِكَ وَالْتِزَامِهِ وَالْعَمَل بِهِ فِي عَامَّةِ الْجِهَاتِ لِلاِضْطِرَارِ إِلَيْهِ، وَلأَِنَّ الْمَطْلُوبَ إِنَّمَا هُوَ قِيَامُ الدَّلِيل وَثُبُوتُهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ كِتَابُ الْقَاضِي، فَإِذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ مَعْرِفَةُ خَطِّهِ ثُبُوتًا لاَ يَشُكُّ فِيهِ أَشْبَهَ الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ وَقَامَ مَقَامَهَا. وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقِ الْقَاضِي خَطَّ الْكَاتِبِ فَلاَ بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ يَعْرِفَانِ خَطَّ الْقَاضِي الْكَاتِبِ. (١)

وَإِذَا كَانَ الْخَصْمُ هُوَ الَّذِي سَارَ بِالْكِتَابِ فَلاَ يُقْبَل حَتَّى يَأْتِيَهُ بِشَاهِدَيْنِ يَشْهَدَانِ أَنَّهُ كِتَابُ الْقَاضِي وَإِذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ أَنَّهُ كِتَابُ الْقَاضِي الأَْوَّل لَزِمَ أَنْ يَقْضِيَ بِمَا كَتَبَ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ (٢) .

اشْتِرَاطُ الْمَسَافَةِ:

٥١ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ: أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ وُجُودِ مَسَافَةِ قَصْرٍ بَيْنَ بَلَدِ الْقَاضِي الْكَاتِبِ وَالْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ.

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ٧، وتبصرة الحكام ٢ / ٩، ١٣، وروضة الطالبين ١١ / ١٨٠، المغني ٩ / ٩٥، أدب القاضي لابن أبي الدم ص ٤٦٧.

(٢) تبصرة الحكام ٢ / ١٥، ٢١.

وَلَمْ يُفَرِّقِ الإِْمَامُ مَالِكٌ بَيْنَ مَا يَكْتُبُهُ الْقَاضِي الْبَعِيدُ عَنْ مَكَانِ الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ أَوِ الْقَرِيبِ مِنْ مَكَانِهِ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُقْبَل وَإِنْ كَانَا بِبَلَدٍ وَاحِدٍ إِلاَّ إِذَا بَعَثَ إِلَى الْقَاضِي الآْخَرِ لِيَحْكُمَ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَ الأَْوَّل فَلاَ يَكُونُ إِلاَّ إِذَا فَصَلَتْ بَيْنَهُمَا مَسَافَةُ قَصْرٍ.

وَفَصَّل الشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا: إِنْ تَضَمَّنَ الْكِتَابُ نَقْل شَهَادَةٍ فَقَطْ، سُمِعَ فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ تَضَمَّنَ ثُبُوتَ الْحَقِّ فَقَطْ فَفِيهِ وَجْهَانِ: وَالأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لاَ يُسْمَعُ إِلاَّ فِي الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ، وَفِي مَسَافَةِ الْعَدْوَى خِلاَفٌ مَشْهُورٌ وَإِنْ تَضَمَّنَ الْكِتَابُ الْحُكْمَ بِالْحَقِّ سُمِعَ فِي الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ كَيْفَ كَانَ مُرَاسَلَةً أَوْ مُشَافَهَةً. (١)

الْحَقُّ الْمَكْتُوبُ بِهِ:

٥٢ - كُتُبُ الْقُضَاةِ إِلَى الْقُضَاةِ جَائِزَةٌ فِي سَائِرِ حُقُوقِ النَّاسِ: الدُّيُونُ وَالْعَقَارَاتُ وَالشَّرِكَاتُ وَالْغَصْبُ الْوَدِيعَةُ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْجُمْلَةِ، لَكِنَّ بَعْضَهُمْ قَيَّدَ الْجَوَازَ بِشُرُوطٍ مُعَيَّنَةٍ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي الأَْصَحِّ وَمُحَمَّدٍ وَأَبِي يُوسُفَ لاَ تُقْبَل فِي الأَْعْيَانِ الَّتِي تَقَعُ

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ٧، أدب القضاء لابن أبي الدم ص ٤٧٦، تبصرة الحكام ٢ / ١٩، شرح منتهى الإرادات ٣ / ٥٠٤.

الْحَاجَةُ إِلَى الإِْشَارَةِ إِلَيْهَا كَالْمَنْقُول مِنَ الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ لِعَدَمِ التَّمَيُّزِ، حُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَوْلٌ ثَانٍ بِجَوَازِ الْحُكْمِ بِالشَّهَادَةِ فِي تِلْكَ الأَْعْيَانِ لِمَا يَجِبُ مِنْ حِفْظِ الْحُقُوقِ عَلَى أَهْلِهَا، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُقْبَل كِتَابُ الْقَاضِي فِي الْحُدُودِ وَلاَ الْقِصَاصِ، وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَأَنَّهُ لاَ تُقْبَل فِيهِمَا، وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْحَقَّ إِنْ كَانَ لِلآْدَمِيِّ كَالْقِصَاصِ، وَحَدِّ الْقَذْفِ اسْتَوْفَاهُ الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَفِي جَوَازِ اسْتِيفَائِهِ بِكِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي قَوْلاَنِ، أَحَدُهُمَا: يُسْتَوْفَى كَحُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ، وَالثَّانِي: عَدَمُ الْجَوَازِ لأَِنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.

وَعِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى يُقْبَل فِي الْحُقُوقِ وَالأَْحْكَامِ كُلِّهَا.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى قَبُول الْكِتَابِ فِي كُل حَقٍّ لآِدَمِيٍّ بِمَا فِي ذَلِكَ الْقَوَدُ وَحَدُّ الْقَذْفِ لأَِنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ لاَ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ، وَلاَ يُقْبَل فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى (١) .

خُصُوصُ الْكِتَابِ وَعُمُومُهُ:

٥٣ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ٧، ٨، تبصرة الحكام ٢ / ١٩، شرح منتهى الإرادات ٣ / ٥٠٣، أدب القاضي للماوردي ٢ / ١٠٤، ١٠٥، ١٠٧.

وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ إِلَى قَاضٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى مَنْ يَصِل إِلَيْهِ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ وَيَلْزَمُ مَنْ وَصَلَهُ قَبُولُهُ كَمَا لَوْ كَانَ الْكِتَابُ إِلَيْهِ بِعَيْنِهِ.

وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لَوْ كَتَبَ إِلَى قَاضٍ مُعَيَّنٍ، وَسَمَّاهُ فِي كِتَابِهِ، وَجَبَ عَلَى كُل قَاضٍ غَيْرِهِ تَنْفِيذُهُ وَالْعَمَل بِهِ إِذَا قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ عِنْدَهُ.

وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَنْفُذُ الْكِتَابُ وَلاَ يُقْبَل إِلاَّ إِذَا كَانَ الْقَاضِي الْكَاتِبُ قَدْ عَيَّنَ وَاحِدًا مِنَ النَّاسِ (١) .

الْمُشَافَهَةُ:

٥٤ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا شَافَهَ قَاضِيًا آخَرَ فِي عَمَلِهِ لَمْ يُقْبَل ذَلِكَ لأَِنَّ الْكِتَابَ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ، وَقَال ابْنُ فَرْحُونَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: مُشَافَهَةُ الْقَاضِي لِلْقَاضِي بِمَا حَكَمَ بِهِ الأَْوَّل عَلَى وَجْهَيْنِ، الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ الْقَاضِيَانِ بِبَلَدٍ وَاحِدٍ فَيُشَافِهَ أَحَدُهُمَا الآْخَرَ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْ شَهَادَةٍ أَوْ حُكْمٍ فَيَحْكُمَ الآْخَرُ بِذَلِكَ أَوْ يُنَفِّذَ الْحُكْمُ.

الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي طَرَفِ

_________

(١) ابن أبي الدم ص ٤٧٤، المغني ٩ / ٩٤، تبصرة الحكام ٢ / ١٤، ١٥، روضة القضاة للسمناني ١ / ٣٤٢.

عَمَلِهِ، فَإِذَا اجْتَمَعَا أَنْهَى أَحَدُهُمَا إِلَى الآْخَرِ مُشَافَهَةً مَا يُرِيدُ إِنْهَاءَهُ إِلَيْهِ، فَيَلْزَمُ الآْخَرَ الْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ.

أَمَّا ابْنُ جُزَيٍّ فَقَدْ قَال: إِنَّ الْمُشَافَهَةَ غَيْرُ كَافِيَةٍ؛ لأَِنَّ أَحَدَهُمَا فِي غَيْرِ مَحَل وِلاَيَتِهِ وَمَنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ وِلاَيَتِهِ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ وَلَمْ يُقْبَل خِطَابُهُ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تُتَصَوَّرُ الْمُشَافَهَةُ مِنْ أَوْجُهٍ.

أَحَدُهَا: أَنْ يَجْتَمِعَ الْقَاضِي الَّذِي حَكَمَ وَقَاضِي بَلَدِ الْغَائِبِ فِي غَيْرِ الْبَلَدَيْنِ وَيُخْبِرَهُ بِحُكْمِهِ.

وَالثَّانِي: أَنْ يَنْتَقِل الَّذِي حَكَمَ إِلَى بَلَدِ الْغَائِبِ وَيُخْبِرَهُ، فَفِي الْحَالَيْنِ لاَ يُقْبَل قَوْلُهُ، وَلاَ يَمْضِي حُكْمُهُ لأَِنَّ إِخْبَارَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ وِلاَيَتِهِ، كَإِخْبَارِ الْقَاضِي بَعْدَ الْعَزْل.

وَالثَّالِثُ: أَنْ يَحْضُرَ قَاضِي بَلَدِ الْغَائِبِ فِي بَلَدِ الَّذِي حَكَمَ فَيُخْبِرَهُ، فَإِذَا عَادَ إِلَى مَحَل وِلاَيَتِهِ، فَهَل يُمْضِيهِ؟ إِنْ قُلْنَا: يَقْضِي بِعِلْمِهِ، فَنَعَمْ، وَإِلاَّ فَلاَ عَلَى الأَْصَحِّ، كَمَا لَوْ قَال ذَلِكَ الْقَاضِي: سَمِعْتُ الْبَيِّنَةَ عَلَى فُلاَنٍ بِكَذَا، فَإِنَّهُ لاَ يَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ إِذَا عَادَ إِلَى مَحَل وِلاَيَتِهِ.

وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَا فِي مَحَل وِلاَيَتِهِمَا، بِأَنْ وَقَفَ كُل وَاحِدٍ فِي طَرَفِ مَحَل وِلاَيَتِهِ، وَقَال الْحَاكِمُ: حَكَمْتُ بِكَذَا فَيَجِبُ عَلَى الآْخَرِ