الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣ الصفحة 61

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣

شَعْرِهِ، وَتَقْلِيمِ ظُفْرِهِ، وَإِزَالَةِ الرَّائِحَةِ الْمَكْرُوهَةِ مِنْ بَدَنِهِ وَيَسْتَعْمِل مِنَ الطِّيبِ مَا يَخْفَى لَوْنُهُ، وَتَظْهَرَ رَائِحَتُهُ (١) .

ط - مُشَارَكَتُهُ فِي الْمُنَاسَبَاتِ الْعَامَّةِ:

٣٤ - يُسَنُّ لَهُ إِجَابَةُ دَعْوَةٍ عَامَّةٍ كَوَلِيمَةِ عُرْسٍ وَخِتَانٍ؛ لأَِنَّ إِجَابَتَهَا سُنَّةٌ وَلاَ تُهْمَةَ فِيهَا، وَيَشْهَدُ الْجِنَازَةَ لأَِنَّ ذَلِكَ حَقُّ الْمَيِّتِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَيَحْضُرُهَا إِلاَّ إِذَا شَغَلَتْهُ عَنِ الْقَضَاءِ، وَيَعُودُ الْمَرْضَى لأَِنَّ ذَلِكَ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلاَ تُهْمَةَ فِيهِ. (٢)

وَلاَ يُجِيبُ الدَّعْوَةَ الْخَاصَّةَ لأَِنَّهَا جُعِلَتْ لأَِجْلِهِ، وَالْخَاصَّةُ هِيَ الَّتِي لاَ يَتَّخِذُهَا صَاحِبُهَا لَوْلاَ حُضُورُ الْقَاضِي، وَقِيل: كُل دَعْوَةٍ اتُّخِذَتْ فِي غَيْرِ الْعُرْسِ وَالْخِتَانِ فَهِيَ خَاصَّةٌ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ عَلَى قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لاَ يُجِيبُ الدَّعْوَةَ الْخَاصَّةَ لِلْقَرِيبِ، وَعَلَى قَوْل مُحَمَّدٍ يُجِيبُ لأَِنَّ إِجَابَةَ دَعْوَةِ الْقَرِيبِ صِلَةٌ لِلرَّحِمِ، وَإِنَّمَا لاَ يُجِيبُ الدَّعْوَةَ الْخَاصَّةَ لِلأَْجْنَبِيِّ إِذْ لاَ فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْهَدِيَّةِ. (٣)

_________

(١) أدب القاضي للماوردي ٢ / ٢٤٣، وروضة الطالبين ١١ / ١٣٢، وكشاف القناع ٦ / ٣١١.

(٢) أدب القضاء لابن أبي الدم ص ١١٤، ١١٥، وبدائع الصنائع ٧ / ١٠، وتبصرة الحكام ١ / ٣١، والمغني ٩ / ٧٩، ٨٠.

(٣) المراجع السابقة.

وَلِلْقَاضِي زِيَارَةُ الأَْهْل وَالصَّالِحِينَ وَالإِْخْوَانِ وَتَوْدِيعُ الْغَازِي وَالْحَاجِّ لأَِنَّ ذَلِكَ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ، وَقَدْ وَعَدَ الشَّرْعُ عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا عَظِيمًا فَيَدْخُل الْقَاضِي فِي ذَلِكَ مَا لَمْ يَشْغَلْهُ عَنِ الْحُكْمِ؛ لأَِنَّ اشْتِغَالَهُ بِالْفَصْل بَيْنَ الْخُصُومِ وَمُبَاشَرَةِ الْحُكْمِ أَوْلَى (١) .

ي - الْهَدِيَّةُ لِلْقَاضِي:

٣٥ - يَحْرُمُ عَلَى الْقَاضِي قَبُول الْهَدِيَّةِ مِنَ الْخَصْمَيْنِ، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا.

أَمَّا مَنْ لَيْسَتْ لَهُ خُصُومَةٌ فَإِنْ كَانَ مِنْ خَوَاصِّ قَرَابَتِهِ أَوْ صُحْبَتِهِ أَوْ جَرَتْ لَهُ عَادَةٌ بِمُهَادَاتِهِ قَبْل الْقَضَاءِ فَلاَ بَأْسَ، وَإِنْ لَمْ تَجْرِ لَهُ عَادَةٌ بِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْقَبُول، وَالأَْوْلَى إِنْ قَبِل الْهَدِيَّةَ - مِمَّنْ لَيْسَتْ لَهُ خُصُومَةٌ - أَنْ يُعَوِّضَ الْمُهْدِيَ عَنْهَا، وَيَحْسُنُ بِهِ سَدُّ بَابِ قَبُول الْهَدَايَا مِنْ كُل أَحَدٍ؛ لأَِنَّ الْهَدِيَّةَ تُورِثُ إِدْلاَل الْمُهْدِي وَإِغْضَاءَ الْمُهْدَى إِلَيْهِ، إِلاَّ الْهَدِيَّةُ مِنْ ذَوِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ - مِمَّنْ لَيْسَتْ لَهُ خُصُومَةٌ - فَالأَْوْلَى قَبُولُهَا لِصِلَةِ الرَّحِمِ؛ وَلأَِنَّ فِي رَدِّهَا قَطِيعَةً لِلرَّحِمِ وَهِيَ حَرَامٌ.

٣٦ - وَأَمَّا الرِّشْوَةُ فَحَرَامٌ بِلاَ خِلاَفٍ لِحَدِيثِ: لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ فِي الْحُكْمِ (٢)،

_________

(١) تبيين الحقائق للزيلعي ٤ / ١٧٨، وكشاف القناع ٦ / ٣١٨.

(٢) حديث: " لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم ". أخرجه الترمذي (٣ / ٦١٣) من حديث أبي هريرة، وقال: حسن صحيح.

وَإِذَا قَضَى فِي حَادِثَةٍ بِرِشْوَةٍ لاَ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ وَإِنْ قَضَى بِالْحَقِّ، وَسَقَطَتْ عَدَالَتُهُ (١)، وَإِنِ ارْتَشَى وَلَدُ الْقَاضِي أَوْ كَاتِبُهُ أَوْ بَعْضُ أَعْوَانِهِ: فَإِنْ كَانَ بِأَمْرِهِ وَرِضَاهُ فَهُوَ كَمَا لَوِ ارْتَشَى بِنَفْسِهِ وَيَكُونُ قَضَاؤُهُ مَرْدُودًا، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عِلْمِ الْقَاضِي نَفَذَ قَضَاؤُهُ وَرَدَّ مَا قَبَضَهُ الْمُرْتَشِي (٢) .

ك - مَجْلِسُ الْقَضَاءِ:

٣٧ - يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَّخِذَ الْقَاضِي لَهُ مَجْلِسًا فَسِيحًا بَارِزًا مَصُونًا مِنْ أَذَى حَرٍّ وَبَرْدٍ لاَئِقًا بِالْوَقْتِ وَالْقَضَاءِ، وَيَكُونُ مَصُونًا أَيْضًا مِنْ كُل مَا يُؤْذِي مِنَ الرَّوَائِحِ وَالدُّخَانِ وَالْغُبَارِ، كَأَنْ يَكُونَ الْمَكَانُ دَارًا وَاسِعَةً وَسَطَ الْبَلَدِ إِنْ أَمْكَنَ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أَوْسَعَ عَلَى الْخُصُومِ وَأَقْرَبَ إِلَى الْعَدْل.

الْقَضَاءُ فِي الْمَسْجِدِ:

٣٨ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْقَاضِيَ يَجْلِسُ لِلْحُكْمِ فِي الْمَسْجِدِ لأَِنَّهُ أَيْسَرُ لِلنَّاسِ، وَأَسْهَل عَلَيْهِمْ لِلدُّخُول عَلَيْهِ وَأَجْدَرُ أَنْ لاَ

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ٩، ١٠، وتبيين الحقائق للزيلعي ٤ / ١٧٨، وروضة القضاة ١ / ٨٨، والشرح الصغير ٤ / ١٩٢، والقوانين الفقهية ص ١٩٦، وأدب القضاء لابن أبي الدم ص ١١٤، وروضة الطالبين ١١ / ١٤٢، ٣٤٣، ومغني المحتاج ٤ / ٣٩٢، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٤٧١، وكشاف القناع ٦ / ٣١٦.

(٢) تبيين الحقائق ٤ / ١٧٥.

يُحْجَبَ عَنْهُ أَحَدٌ، قَال أَبُو حَنِيفَةَ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَجْلِسَ لِلْحُكْمِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ لأَِنَّهُ أَشْهَرُ الْمَوَاضِعِ وَلاَ يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَجْلِسَ فِي بَيْتِهِ وَيَأْذَنَ لِلنَّاسِ وَلاَ يَمْنَعَ أَحَدًا مِنَ الدُّخُول عَلَيْهِ (١) .

وَاحْتَجُّوا فِي قَضَاءِ الْقَاضِي فِي الْمَسْجِدِ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْضُونَ فِي الْمَسْجِدِ.

وَالْمَسْأَلَةُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ذَاتُ طَرِيقَتَيْنِ:

الأُْولَى لِمَالِكٍ فِي الْوَاضِحَةِ: اسْتِحْبَابُ الْجُلُوسِ فِي رِحَابِ الْمَسْجِدِ وَكَرَاهَتُهُ فِي الْمَسْجِدِ لِيَصِل إِلَيْهِ الْكَافِرُ وَالْحَائِضُ، وَالثَّانِيَةُ: اسْتِحْبَابُ جُلُوسِهِ فِي نَفْسِ الْمَسْجِدِ وَهِيَ ظَاهِرُ قَوْل الْمُدَوَّنَةِ " وَالْقَضَاءُ فِي الْمَسْجِدِ مِنَ الْحَقِّ وَالأَْمْرِ الْقَدِيمِ " لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ (٢)، قَال الدُّسُوقِيُّ: وَالْمُعَوَّل عَلَيْهِ مَا فِي الْوَاضِحَةِ (٣) .

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ كَرَاهِيَةَ اتِّخَاذِ الْمَسْجِدِ مَجْلِسًا لِلْقَضَاءِ؛ لأَِنَّ مَجْلِسَ الْقَاضِي لاَ يَخْلُو عَنِ اللَّغَطِ وَارْتِفَاعِ الأَْصْوَاتِ، وَقَدْ يَحْتَاجُ إِلَى إِحْضَارِ الْمَجَانِينِ وَالصِّغَارِ، وَالْمَسْجِدُ يُصَانُ

_________

(١) معين الحكام ص ٢٠، وتبصرة الحكام ١ / ٣٤، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٤٦٩، وبدائع الصنائع ٧ / ١٣، وكشاف القناع ٦ / ٣١٢.

(٢) سورة ص / ٢١.

(٣) حاشية الدسوقي ٤ / ١٣٧، والمدونة ٥ / ١٤٤.

عَمَّا قَدْ يَفْعَلُهُ أُولَئِكَ مِنْ أُمُورٍ فِيهَا مَهَانَةٌ بِهِ، أَمَّا إِذَا صَادَفَ وَقْتُ حُضُورِ الْقَاضِي إِلَى الْمَسْجِدِ لِصَلاَةٍ أَوْ غَيْرِهَا رَفْعَ الْخُصُومَةَ إِلَيْهِ، فَلاَ بَأْسَ بِفَصْلِهَا، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَل مَا جَاءَ عَنْهُ ﷺ وَعَنْ خُلَفَائِهِ فِي الْقَضَاءِ فِي الْمَسْجِدِ. (١)

ل - وَقْتُ عَمَلِهِ وَوَقْتُ رَاحَتِهِ:

٣٩ - لاَ بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ الْقَاضِي فِي أُمُورِ دُنْيَاهُ الَّتِي تُصْلِحُهُ وَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْهَا فِي كُل الأَْيَّامِ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ قَضَائِهِ، وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَطَّلِعَ إِلَى قَرَابَتِهِ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلاَثَةَ، وَيَتَّخِذَ لِجُلُوسِهِ وَقْتًا مَعْلُومًا لاَ يَضُرُّ بِالنَّاسِ فِي مَعَايِشِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعَيِّنَ أَيَّامًا لِلْقَضَاءِ يَحْضُرُ فِيهَا النَّاسُ وَيَعْرِفُونَهُ بِهَا، فَيُقْصَدَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ صَرْفُ زَمَانِهِ أَجْمَعَ إِلَى الْقَضَاءِ، وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْكُمَ فِي الطَّرِيقِ إِلاَّ فِي أَمْرٍ اسْتُغِيثَ بِهِ فِيهِ فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَأْمُرَ وَيَنْهَى وَيَسْجُنَ، فَأَمَّا الْحُكْمُ الْفَاصِل فَلاَ، وَأَجَازَهُ أَشْهَبُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَجْلِسَ فِي الْعِيدَيْنِ وَمَا قَارَبَ ذَلِكَ كَيَوْمِ عَرَفَةَ وَالأَْيَّامِ الَّتِي تَكُونُ لِلنَّاسِ أَيَّامَ سُرُورٍ أَوْ حُزْنٍ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَثُرَ الْوَحْل وَالْمَطَرُ، قَال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَكَذَلِكَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ مَا لَمْ يُعْرَضْ عَلَيْهِ أَمْرٌ يَخَافُ عَلَيْهِ الْفَوَاتَ، وَمَا لاَ

_________

(١) مغني المحتاج ٤ / ٣٩٠، ٣٩١.

يَسَعُهُ إِلاَّ تَعْجِيل النَّظَرِ فِيهِ.

وَنُقِل عَنِ الإِْمَامِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَال: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكُونَ جُلُوسُهُ فِي سَاعَاتٍ مِنَ النَّهَارِ، لأَِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكْثِرَ فَيُخْطِئَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُتْعِبَ نَفْسَهُ نَهَارَهُ كُلَّهُ. (١)

م - كَرَاهِيَةُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ:

٤٠ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْقَاضِي أَنْ يَبِيعَ أَوْ يَشْتَرِيَ إِلاَّ بِوَكِيلٍ لاَ يُعْرَفُ بِهِ لِئَلاَّ يُحَابَى، وَالْمُحَابَاةُ كَالْهَدِيَّةِ، وَلَيْسَ لِلْقَاضِي وَلاَ لِوَالٍ أَنْ يَتَّجِرَ، لِحَدِيثِ أَبِي الأَْسْوَدِ الْمَالِكِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: مَا عَدَل وَالٍ اتَّجَرَ فِي رَعِيَّتِهِ (٢)، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ أَمْ فِي دَارِهِ، لَكِنْ إِذَا بَاعَ الْقَاضِي أَوِ اشْتَرَى فَلاَ يُرَدُّ مِنْهُ شَيْءٌ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الإِْكْرَاهِ، أَوْ فِيهِ نَقِيصَةٌ عَلَى الْبَائِعِ فَيُرَدُّ الْبَيْعُ وَالاِبْتِيَاعُ.

وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَكِيل الْقَاضِي مَعْرُوفًا لأَِنَّهُ يُفْعَل مَعَ وَكِيلِهِ مِنَ الْمُسَامَحَةِ مَا يُفْعَل مَعَهُ.

وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَصْرَ الْكَرَاهِيَةِ عَلَى حُصُول الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي

_________

(١) تبصرة الحكام ١ / ٣٥، ٣٦، وبدائع الصناع ٧ / ١٣، وروضة القضاة ١ / ١٦١.

(٢) حديث: " ما عدل وال اتجر في رعيته ". أورده ابن حجر في المطالب العالية (٢ / ٢٣٤) وعزاه لأحمد بن منيع، ونقل محققه عن البوصيري تضعيف أحد رواته.

مَجْلِسِ الْحُكْمِ. (١)

ن - وَاجِبُ الْقَاضِي تِجَاهَ الْخُصُومِ:

٤١ - يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي الْجُلُوسِ، فَيُجْلِسَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ لاَ عَنْ يَمِينِهِ وَلاَ عَنْ يَسَارِهِ؛ لأَِنَّهُ لَوْ فَعَل فَقَدْ قَرَّبَ أَحَدَهُمَا فِي مَجْلِسِهِ، وَلأَِنَّ لِلْيَمِينِ فَضْلًا عَنِ الْيَسَارِ، وَأَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُمَا فِي النَّظَرِ وَالنُّطْقِ وَالْخَلْوَةِ فَلاَ يَنْطَلِقَ بِوَجْهِهِ إِلَى أَحَدِهِمَا، وَلاَ يُسَارَّ أَحَدَهُمَا، وَلاَ يَخْلُوَ بِأَحَدِهِمَا فِي مَنْزِلِهِ، وَلاَ يُضَيِّفَ أَحَدَهُمَا، فَيَعْدِل بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي هَذَا كُلِّهِ، لِمَا فِي تَرْكِ الْعَدْل فِيهِ مِنْ كَسْرِ قَلْبِ الآْخَرِ، وَيُتَّهَمُ الْقَاضِي بِهِ، وَلَيْسَ لَهُ تَأْخِيرُ الْحُكْمِ فِي الْخُصُومَاتِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْتَجِبَ إِلاَّ فِي أَوْقَاتِ الاِسْتِرَاحَةِ.

وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ لأَِحَدٍ مِنْ وَالِدَيْهِ وَلاَ مِنْ مَوْلُودِيهِ لأَِجْل التُّهْمَةِ، وَيَحْكُمَ عَلَيْهِمْ لاِرْتِفَاعِهَا، وَيَحْكُمَ لِعَدُوِّهِ، وَلاَ يَحْكُمَ عَلَيْهِ. (٢)

مُعَاوِنُو الْقُضَاةِ:

٤٢ - يَحْتَاجُ الْقَاضِي فِي عَمَلِهِ إِلَى مَنْ يُسَاعِدُهُ

_________

(١) شرح منتهى الإرادات ٣ / ٤٧١، وتبصرة الحكام ١ / ٣١، ومغني المحتاج ٤ / ٣٩١، وأدب القضاة للحموي ص ١١٣، ومعين الحكام ص ١٧، والمبسوط للسرخسي ١٦ / ٧٧.

(٢) بدائع الصنائع ٧ / ٩، والشرح الصغير ٤ / ٢٠٥، ومغني المحتاج ٤ / ٣٩٣، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٤٦٩، ٤٧٣، وكشاف القناع ٦ / ٣١٤.

فِي الأَْعْمَال الْقَضَائِيَّةِ سَوَاءٌ مَا اتَّصَل مِنْهَا بِمَوْضُوعِ الْحُكْمِ الْوَاجِبِ تَطْبِيقُهُ عَلَى النَّازِلَةِ - وَهُمُ الْفُقَهَاءُ الَّذِينَ يَسْتَشِيرُهُمْ - أَوْ مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَْعْمَال الْمُسَاعِدَةِ مِثْل الْكَاتِبِ الَّذِي يُسَجِّل الْمَحْضَرَ، وَأَعْوَانِ الْقَاضِي وَالْحَاجِبِ، وَالْمُزَكِّي وَالْمُتَرْجِمِ.

كَاتِبُ الْقَاضِي:

٤٣ - يُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي أَنْ يَتَّخِذَ كَاتِبًا لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَكْتَبَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَغَيْرَهُ؛ (١) وَلأَِنَّ الْقَاضِيَ تَكْثُرُ أَشْغَالُهُ وَيَكُونُ اهْتِمَامُهُ وَنَظَرُهُ مُتَوَجِّهًا لِمُتَابَعَةِ أَقْوَال الْخُصُومِ وَمَا يُدْلُونَ بِهِ مِنْ حُجَجٍ وَمَا يَسْتَشْهِدُونَ بِهِ مِنَ الشُّهُودِ فَيَحْتَاجُ إِلَى كَاتِبٍ يَكْتُبُ وَقَائِعَ الْخُصُومِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْكَاتِبِ كَوْنُهُ مُسْلِمًا عَدْلًا عَارِفًا بِكِتَابَةِ الْمَحَاضِرِ وَالسِّجِلاَّتِ وَيُسْتَحَبُّ فِقْهُهُ، وَوُفُورُ عَقْلِهِ وَجَوْدَةُ خَطِّهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْفِقْهِ كَتَبَ كَلاَمَ الْخَصْمَيْنِ كَمَا سَمِعَهُ، وَلاَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، لِئَلاَّ يُوجِبَ حَقًّا لَمْ يَجِبْ وَلاَ يُسْقِطَ حَقًّا وَاجِبًا؛ لأَِنَّ تَصَرُّفَ غَيْرِ الْفَقِيهِ بِتَفْسِيرِ الْكَلاَمِ لاَ يَخْلُو عَنْ ذَلِكَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْعُدَ الْكَاتِبُ حَيْثُ يَرَى الْقَاضِي مَا يَكْتُبُ وَيَصْنَعُ فَإِنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ إِلَى الاِحْتِيَاطِ، وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ فِي

_________

(١) حديث: " استكتب النبي ﷺ زيد بن ثابت. . . " أخرجه الترمذي (٥ / ٦٧ - ٦٨) وقال حسن صحيح.

الْقَوْل الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ أَنَّ اتِّخَاذَ الْكَاتِبِ أَمْرٌ وُجُوبِيٌّ (١) .

أَعْوَانُ الْقَاضِي:

٤٤ - يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَتَّخِذَ أَعْوَانًا يَكُونُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ لأَِنَّ مَجْلِسَ الْقَضَاءِ مَجْلِسُ هَيْبَةٍ، فَلَوْ لَمْ يَتَّخِذْ أَعْوَانًا رُبَّمَا يُسْتَخَفُّ بِالْقَاضِي فَتَذْهَبُ مَهَابَتُهُ؛ وَلأَِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى إِحْضَارِ الْخُصُومِ، وَالأَْعْوَانُ هُمُ الَّذِينَ يُحْضِرُونَ الْخُصُومَ إِلَى مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، وَيَزْجُرُونَ مَنْ يَسْتَحِقُّ الزَّجْرَ مِنَ الْخُصُومِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَؤُلاَءِ مِنْ ذَوِي الدِّينِ وَالأَْمَانَةِ وَالْبُعْدِ عَنِ الطَّمَعِ (٢) .

حَاجِبُ الْقَاضِي:

٤٥ - الْحَاجِبُ - هُنَا - مَنْ يَقُومُ بِإِدْخَال الْخُصُومِ عَلَى الْقَاضِي وَيُرَتِّبُهُمْ فَيُقَدِّمُ مَنْ حَضَرَ أَوَّلًا ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ وَهَكَذَا، وَيَمْنَعُ الْخُصُومَ مِنَ التَّدَافُعِ عَلَى مَجْلِسِ الْقَضَاءِ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ اتِّخَاذِ الْقَاضِي حَاجِبًا، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ، وَالْمَرْجِعُ فِيهِ عِنْدَهُمُ الشَّرْعُ فَقَدْ اتَّخَذَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ حُجَّابًا.

_________

(١) الدسوقي ٤ / ١٣٨، الشرح الصغير ٤ / ٢٠٢، بدائع الصنائع ٧ / ١٢، مغني المحتاج ٤ / ٣٣٨، ٣٨٩، المغني ٩ / ٧٢، أدب القضاء لابن أبي الدم ص ١٠٩.

(٢) شرح أدب القاضي - للصدر الشهيد ١ / ٢٤٤، أدب القضاء لابن أبي الدم ص ١٠٨.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ لاَ يَتَّخِذَ حَاجِبًا يَحْجُبُ النَّاسَ عَنِ الْوُصُول إِلَيْهِ، لِمَا رَوَى أَبُو مَرْيَمَ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَنْ وَلاَّهُ اللَّهُ ﷿ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمُ احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ (١)؛ وَلأَِنَّ حَاجِبَ الْقَاضِي رُبَّمَا قَدَّمَ الْمُتَأَخِّرَ وَأَخَّرَ الْمُتَقَدِّمَ لِغَرَضٍ لَهُ، وَلاَ بَأْسَ عِنْدَهُمْ بِاتِّخَاذِ حَاجِبٍ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، وَفِي حَال الزَّحْمَةِ وَكَثْرَةِ النَّاسِ، وَقَال الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: يُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي أَنْ يَتَّخِذَ حَاجِبًا، وَعَلَّقَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ الْحَمَوِيُّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لاَ سِيَّمَا فِي زَمَانِنَا هَذَا مَعَ فَسَادِ الْعَوَامِّ، وَلِكُل زَمَنٍ أَحْوَالٌ وَمَرَاسِمُ تَقْتَضِيهِ وَتُنَاسِبُهُ. . . وَكَلاَمُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَّخِذَ حَاجِبًا، مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا قَصَدَ بِالْحَاجِبِ الاِحْتِجَابَ عَنِ النَّاسِ وَالاِكْتِفَاءَ بِهِ، أَوْ حَالَةَ الْخَوْفِ مِنِ ارْتِشَاءِ الْحَاجِبِ (٢)، وَتَفْصِيل شُرُوطِ الْحَاجِبِ وَآدَابِهِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (حَاجِب ف ٩) .

_________

(١) حديث: " من ولاه الله ﷿ شيئًا من أمر المسلمين. . " أخرجه أبو داود (٣ / ٣٥٧)، والحاكم (٤ / ٩٤) من حديث أبي مريم الأزدي، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

(٢) أدب القضاء للحموي ص ١٠٦، أدب القاضي للماوردي ١ / ٢٠٤ طبع بغداد.