الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣ الصفحة 25

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣

مِمَّا لاَ يَنْضَبِطُ بِالصِّفَةِ، كَالْجَوَاهِرِ وَنَحْوِهَا قَوْلًا وَاحِدًا؛ لأَِنَّ قِيمَتَهَا تَتَغَيَّرُ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ بِاعْتِبَارِ قِلَّةِ الرَّاغِبِ وَكَثْرَتِهِ.

أَمَّا مَا يَنْضَبِطُ بِالصِّفَةِ كَالْمَذْرُوعِ وَالْمَعْدُودِ وَالْحَيَوَانِ، فَيَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْقَرْضِ لأَِنَّهَا تَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.

وَفِي وَجْهٍ آخَرَ يَجِبُ رَدُّ الْمِثْل صُورَةً؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا فَرَدَّ مِثْلَهُ (١) .

٢٠ - وَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ مِنْ مَذَاهِبِ الْفُقَهَاءِ فِي صِفَةِ بَدَل الْقَرْضِ، إِنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ الْمِثْل أَوِ الْقِيمَةُ لِمَحَل الْقَرْضِ، أَمَّا مِنْ حَيْثُ الْجَوْدَةُ وَالرَّدَاءَةُ فِي الْوَصْفِ، أَوِ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ فِي الْقَدْرِ، فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى أَنَّ الْمُقْتَرِضَ لَوْ قَضَى دَائِنَهُ بِبَدَلٍ خَيْرٍ مِنْهُ فِي الْقَدْرِ أَوِ الصِّفَةِ، أَوْ دُونَهُ، بِرِضَاهُمَا جَازَ مَا دَامَ أَنَّ ذَلِكَ جَرَى مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ أَوْ مُوَاطَأَةٍ (٢)، وَذَلِكَ لِمَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ اسْتَسْلَفَ بَكْرًا، فَرَدَّ خَيْرًا مِنْهُ، وَقَال: إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً (٣)؛ وَلأَِنَّهُ لَمْ

_________

(١) كشاف القناع ٣ / ٣١٥، والإنصاف ٥ / ١٢٩، والمغني ٤ / ٣٥٢.

(٢) المغني ٦ / ٤٣٨ وما بعدها، وروضة الطالبين ٤ / ٣٤، والمبدع ٤ / ٢١٠، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٧، والقوانين الفقهية ص ٢٩٤.

(٣) الحديث سبق تخريجه (ف ٤) .

تُجْعَل تِلْكَ الزِّيَادَةُ عِوَضًا فِي الْقَرْضِ، وَلاَ وَسِيلَةً إِلَيْهِ، وَلاَ إِلَى اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ، فَحَلَّتْ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ قَرْضٌ، بَل إِنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَالشَّافِعِيَّةَ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِي حَقِّ الْمُقْتَرِضِ أَنْ يَرُدَّ أَجْوَدَ مِمَّا أَخَذَ بِغَيْرِ شَرْطٍ، وَأَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ لِلْمُقْرِضِ أَخْذُهُ (١) .

وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى التَّفْصِيل فِي الْمَسْأَلَةِ، فَكَرِهَ أَنْ يَزِيدَ الْمُقْتَرِضُ فِي الْكَمِّ وَالْعَدَدِ إِلاَّ فِي الْيَسِيرِ جِدًّا، وَقَال: إِنَّمَا الإِْحْسَانُ فِي الْقَضَاءِ أَنْ يُعْطِيَهُ أَجْوَدَ عَيْنًا وَأَرْفَعَ صِفَةً، وَأَمَّا أَنْ يَزِيدَهُ فِي الْكَيْل أَوِ الْوَزْنِ أَوِ الْعَدَدِ فَلاَ، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ حِينَ السَّلَفِ (٢) .

وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ الْمَنْعُ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالْفَضْل فِي الْقَرْضِ مُطْلَقًا، وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ ﵃ أَنَّ الْمُقْرِضَ يَأْخُذُ مِثْل قَرْضِهِ، وَلاَ يَأْخُذُ فَضْلًا؛ لِئَلاَّ يَكُونَ قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَةً (٣) .

وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَدِينَ إِذَا قَضَى الدَّيْنَ أَجْوَدَ مِمَّا عَلَيْهِ، فَلاَ يُجْبَرُ رَبُّ الدَّيْنِ عَلَى الْقَبُول، كَمَا لَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ أَنْقَصَ مِمَّا عَلَيْهِ، وَإِنْ قَبِل جَازَ، كَمَا لَوْ أَعْطَاهُ خِلاَفَ الْجِنْسِ. قَال

_________

(١) البدائع ٧ / ٣٩٥، وأسنى المطالب ٢ / ١٤٣، وروضة الطالبين ٤ / ٣٧، وتحفة المحتاج ٥ / ٤٧.

(٢) القوانين الفقهية ص ٢٩٤، والكافي لابن عبد البر ٣٥٨، والبهجة ٢ / ٢٨٨.

(٣) المغني ٦ / ٤٣٨، والمبدع ٤ / ٢١٠.

فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ (١) .

مَكَانُ رَدِّ الْبَدَل:

٢١ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الأَْصْل فِي الْقَرْضِ وُجُوبُ رَدِّ بَدَلِهِ فِي نَفْسِ الْبَلَدِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا، وَأَنَّ لِلْمُقْرِضِ الْمُطَالَبَةَ بِهِ فِيهَا، وَيَلْزَمُ الْمُقْتَرِضَ الْوَفَاءُ بِهِ حَيْثُ قَبَضَهُ، إِذْ هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ فِيهِ (٢) .

قَال الشَّوْكَانِيُّ: وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمُقْرِضَ مُحْسِنٌ وَمَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ، فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَجَشَّمَ مَشَقَّةً لِرَدِّ قَرْضِهِ لَكَانَ ذَلِكَ مُنَافِيًا لإِحْسَانِهِ (٣) .

لَكِنْ لَوْ بَذَلَهُ الْمُقْتَرِضُ فِي مَكَانٍ آخَرَ، أَوْ طَالَبَهُ الْمُقْرِضُ بِهِ فِي بَلَدٍ أُخْرَى فَإِنْ كَانَ مِمَّا لاَ حَمْل لَهُ وَلاَ مُؤْنَةَ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ مُقْرِضَهَا أَخْذُهَا بِغَيْرِ مَحَل الْقَرْضِ، إِذْ لاَ كُلْفَةَ فِي حَمْلِهَا وَلاَ ضَرَرَ عَلَيْهِ (٤) .

وَأَمَّا مَا لَهُ حَمْلٌ وَمُؤْنَةٌ كَالْمَكِيل وَالْمَوْزُونِ

_________

(١) الفتاوى الهندية ٣ / ٢٠٤، وقال الحصكفي: يجبر على القبول، الدر المختار ٤ / ١٧٤.

(٢) التاج والإكليل ٤ / ٥٤٨، والاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية ص ١٣٢.

(٣) السيل الجرار للشوكاني ٣ / ١٤٤.

(٤) رد المحتار ٤ / ١٧٤، والفتاوى الهندية ٣ / ٢٠٤، وشرح الخرشي ٥ / ٢٣٢، والبهجة شرح التحفة ٢ / ٢٨٨، وروضة الطالبين ٤ / ٣٦، وأسنى المطالب ٢ / ١٤٣، ونهاية المحتاج ٤ / ٢٢٤ وما بعدها، وتحفة المحتاج ٥ / ٤٦، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٨، وكشاف القناع ٣ / ٣٠٦.

فَقَدْ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُقْرِضَ لاَ يَلْزَمُ أَخْذُهُ بِغَيْرِ مَحَلِّهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْكُلْفَةِ، إِلاَّ إِنْ رَضِيَ الْمُقْرِضُ بِأَخْذِهِ جَازَ وَالْحُكْمُ كَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِذَا كَانَ الْمَكَانُ مَخُوفًا (١) .

وَلَوِ الْتَقَى الْمُقْرِضُ وَالْمُقْتَرِضُ فِي غَيْرِ بَلَدِ الْقَرْضِ، وَقِيمَةُ مَحَل الْقَرْضِ فِي الْبَلْدَتَيْنِ مُخْتَلِفَةٌ، فَطَلَبَ الْمُقْرِضُ أَخْذَهُ مِنْهُ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُقْتَرِضَ أَدَاؤُهَا، وَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ بَلَدِ الْقَرْضِ لأَِنَّهُ مَحَل التَّمَلُّكِ.

وَقَال أَبُو يُوسُفَ: تَكُونُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْقَرْضِ.

وَقَال مُحَمَّدٌ: يَوْمَ الْخُصُومَةِ.

وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: يَسْتَوْثِقُ لِلْمُقْرِضِ مِنَ الْمَطْلُوبِ بِكَفِيلٍ حَتَّى يُوفِيَهُ مِثْلَهُ حَيْثُ أَقْرَضَهُ.

وَقَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: لَوْ لَقِيَ الْمُقْرِضُ الْمُقْتَرِضَ فِي غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي أَقْرَضَهُ فِيهِ فَطَالَبَهُ بِالْقَضَاءِ فِيهِ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ، وَلَزِمَ أَنْ يُوَكِّل مَنْ يَقْبِضُهُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِي اقْتَرَضَهُ فِيهِ، وَلَوِ اصْطَلَحَا عَلَى الْقَضَاءِ فِي الْبَلَدِ الآْخَرِ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا إِنْ كَانَ بَعْدَ

_________

(١) المراجع السابقة.

حُلُول الأَْجَل، وَإِنْ كَانَ قَبْل حُلُولِهِ لَمْ يَلْزَمْ (١) .

زَمَانُ رَدِّ الْبَدَل:

٢٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَقْتِ رَدِّ الْبَدَل فِي الْقَرْضِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

(أَحَدُهُمَا) لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّ بَدَل الْقَرْضِ يَثْبُتُ حَالًّا فِي ذِمَّةِ الْمُقْتَرِضِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلِلْمُقْتَرِضِ مُطَالَبَتُهُ بِهِ فِي الْحَال مُطْلَقًا، كَسَائِرِ الدُّيُونِ الْحَالَّةِ؛ وَلأَِنَّ الْقَرْضَ سَبَبٌ يُوجِبُ رَدَّ الْمِثْل فِي الْمِثْلِيَّاتِ، فَكَانَ حَالًّا، كَالإِْتْلاَفِ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا الأَْصْل أَنَّهُ لَوْ أَقْرَضَهُ تَفَارِيقَ، ثُمَّ طَالَبَهُ بِهَا جُمْلَةً، فَلَهُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْجَمِيعَ حَالٌّ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ بُيُوعًا مُتَفَرِّقَةً حَالَّةَ الثَّمَنِ، ثُمَّ طَالَبَهُ بِثَمَنِهَا جُمْلَةً (٢) .

(وَالثَّانِي) لِلْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ لاِبْنِ الْقَيِّمِ، وَهُوَ أَنَّ الْبَدَل لاَ يَثْبُتُ حَالًّا فِي ذِمَّةِ الْمُقْتَرِضِ، وَعَلَى ذَلِكَ قَالُوا: لَوِ اقْتَرَضَ مُطْلَقًا - مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ أَجَلٍ - فَلاَ يَلْزَمُهُ رَدُّ الْبَدَل لِمُقْرِضِهِ إِنْ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ١٧٢ - ١٧٣، والفتاوى الهندية ٣ / ٢٠٥، والكافي لابن عبد البر ص ٣٥٨، وروضة الطالبين ٤ / ٣٦، وأسنى المطالب ٢ / ١٤٣، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٨٨، وكشاف القناع ٣ / ٣٠٦.

(٢) البدائع ٧ / ٣٩٦، والفتاوى الهندية ٣ / ٢٠٢، وفتح العزيز ٩ / ٣٥٧، وروضة الطالبين ٤ / ٣٤، والنتف في الفتاوى للسغدي ١ / ٤٩٣، وكشاف القناع ٣ / ٣٠١، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٥، والمغني ٦ / ٤٣١، والمبدع ٤ / ٢٠٦.

أَرَادَ الرُّجُوعَ فِيهِ، وَيُجْبَرُ الْمُقْرِضُ عَلَى إِبْقَائِهِ عِنْدَهُ إِلَى قَدْرِ مَا يُرَى فِي الْعَادَةِ أَنَّهُ انْتَفَعَ بِهِ (١) .

الشُّرُوطُ الْجَعْلِيَّةُ فِي الْقَرْضِ:

الشُّرُوطُ الْجَعْلِيَّةُ فِي الْقَرْضِ أَنْوَاعٌ: فَمِنْهَا الْمَشْرُوعُ، وَمِنْهَا الْمَمْنُوعُ، مِنْهَا مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِي جَوَازِهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

أ - اشْتِرَاطُ تَوْثِيقِ دَيْنِ الْقَرْضِ:

٢٣ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى صِحَّةِ الإِْقْرَاضِ بِشَرْطِ رَهْنٍ وَكَفِيلٍ وَإِشْهَادٍ أَوْ أَحَدِهَا؛ لأَِنَّ هَذِهِ الأُْمُورَ تَوْثِيقَاتٌ لاَ مَنَافِعُ زَائِدَةٌ لِلْمُقْرِضِ، وَيُسْتَدَل عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الرَّهْنِ بِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ (٢)؛ وَلأَِنَّ مَا جَازَ فِعْلُهُ جَازَ شَرْطُهُ؛ وَلأَِنَّهُ شَرْطٌ لاَ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ (٣) .

_________

(١) البهجة ٢ / ٢٨٨، والزرقاني على خليل ٥ / ٢٢٩، والخرشي ٥ / ٢٣٢، والتاج والإكليل ٤ / ٥٤٨، وإعلام الموقعين ٣ / ٣٧٥ مطبعة السعادة بمصر.

(٢) حديث: " أنه اشترى من يهودي. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ١٤٥) من حديث عائشة.

(٣) بدائع الصنائع ٥ / ١٧١، وحاشية الدسوقي ٣ / ٦٥، وروضة الطالبين ٤ / ٣٤، وفتح العزيز ٩ / ٣٨١، والمهذب ١ / ٣١٠، ونهاية المحتاج ٤ / ٢٢٦، وأسنى المطالب ٢ / ١٤٣، وكشاف القناع ٣ / ٣٠٣، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٧، والمبدع ٤ / ٢٠٨.

ب - اشْتِرَاطُ الْوَفَاءِ فِي غَيْرِ بَلَدِ الْقَرْضِ:

٢٤ - يَدْخُل هَذَا الاِشْتِرَاطُ فِي بَابِ السَّفْتَجَةِ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ، وَالْمَالِكِيَّةِ كَذَلِكَ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى الْكَرَاهَةِ، وَأَجَازَهُ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَابْنِ تَيْمِيَّةَ (١) .

وَانْظُرْ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (سَفْتَجَة ف ٣) .

ج - اشْتِرَاطُ الْوَفَاءِ بِأَنْقَصَ

٢٥ - إِذَا اشْتُرِطَ فِي عَقْدِ الْقَرْضِ أَنْ يَرُدَّ الْمُقْتَرِضُ عَلَى الْمُقْرِضِ أَنْقَصَ مِمَّا أَخَذَ مِنْهُ قَدْرًا أَوْ صِفَةً، فَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى فَسَادِ هَذَا الشَّرْطِ وَعَدَمِ لُزُومِهِ، وَهَل يَفْسُدُ الْعَقْدُ بِذَلِكَ؟

لِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لاَ يَفْسُدُ الْعَقْدُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ جَرُّ الْمُقْرِضِ النَّفْعَ إِلَى نَفْسِهِ، وَهَاهُنَا لاَ نَفْعَ لَهُ فِي الشَّرْطِ، بَل النَّفْعُ لِلْمُقْتَرِضِ، فَكَأَنَّ الْمُقْرِضَ زَادَ فِي الْمُسَامَحَةِ وَالإِْرْفَاقِ، وَوَعَدَهُ وَعْدًا حَسَنًا.

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ٣٩٥، وتبيين الحقائق وحاشية الشلبي عليه ٤ / ١٧٥، ورد المحتار ٤ / ١٧٤، ومنح الجليل ٣ / ٥٠، والزرقاني على خليل ٥ / ٢٢٩، والبهجة ٢ / ٢٨٨، والخرشي ٥ / ٢٣١، وأسنى المطالب ٢ / ١٤٢، وفتح العزيز ٩ / ٣٧٥ - ٣٨٥، ونهاية المحتاج ٤ / ٢٢٥، وكشاف القناع ٣ / ٣٠٤، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٧. والمغني ٦ / ٤٣٦ (ط. هجر) والاختيارات الفقهية ص ١٣١.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْفَسَادُ؛ لِمُنَافَاتِهِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ كَشَرْطِ الزِّيَادَةِ (١) .

د - اشْتِرَاطُ الأَْجَل:

٢٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ اشْتِرَاطِ الأَْجَل وَلُزُومِهِ فِي الْقَرْضِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

(أَحَدُهُمَا) لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُ تَأْجِيل الْقَرْضِ، وَإِنِ اشْتُرِطَ فِي الْعَقْدِ، وَلِلْمُقْرِضِ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ قَبْل حُلُول الأَْجَل؛ لأَِنَّ الآْجَال فِي الْقُرُوضِ بَاطِلَةٌ (٢) قَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَكِنْ يَنْبَغِي لِلْمُقْرِضِ أَنْ يَفِيَ بِوَعْدِهِ (٣) .

وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ أَصْلِهِمْ بِعَدَمِ لُزُومِ الأَْجَل فِي الْقَرْضِ أَرْبَعَ مَسَائِل: إِذَا كَانَ مَجْحُودًا بِأَنْ صَالَحَ الْمُقْرِضُ الْمُقْتَرِضَ الْجَاحِدَ لِلْقَرْضِ عَلَى مَبْلَغٍ إِلَى أَجَلٍ فَيَلْزَمُ الأَْجَل، أَوْ حَكَمَ مَالِكِيٌّ بِلُزُومِهِ بَعْدَ ثُبُوتِ أَصْل الدَّيْنِ

_________

(١) فتح العزيز ٩ / ٣٧٨، ونهاية المحتاج ٤ / ٢٢٦، والمهذب ١ / ٣١١، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٧، وكشاف القناع ٣ / ٣٠٣.

(٢) النتف في الفتاوى للسغدي ١ / ٤٩٣، والبدائع ٧ / ٣٩٦، ورد المحتار ٤ / ١٧٠، وروضة الطالبين ٤ / ٣٤، ونهاية المحتاج ٤ / ٢٢٦، وأسنى المطالب ٢ / ١٤٢، وفتح العزيز ٩ / ٣٥٧، ٣٧٩، ٣٨٠، وكشاف القناع ٣ / ٣٠٣، والمبدع ٤ / ٢٠٨، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٧، والمغني ٦ / ٤٣١، وقد جاء في المادة (٨٠٤) من مرشد الحيران: لا يلزم تأجيل القرض وإن اشترط ذلك في العقد، وللمقرض استرداده قبل حلول الأجل.

(٣) المبدع ٤ / ٢٠٨، وكشاف القناع ٣ / ٣٠٣.

عِنْدَهُ، أَوْ أَحَالَهُ عَلَى آخَرَ فَأَجَّلَهُ الْمُقْرِضُ أَوْ أَحَالَهُ عَلَى مَدْيُونٍ مُؤَجَّلٍ دَيْنُهُ، لأَِنَّ الْحَوَالَةَ مُبْرِئَةٌ، وَالرَّابِعَةُ الْوَصِيَّةُ، بِأَنْ أَوْصَى بِأَنْ يُقْرِضَ مِنْ مَالِهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ فُلاَنًا إِلَى سَنَةٍ (١) .

وَقَدِ اسْتَدَل الْحَنَابِلَةُ عَلَى عَدَمِ لُزُومِ اشْتِرَاطِ الأَْجَل فِي الْقَرْضِ بِأَنَّهُ عَقْدٌ مُنِعَ فِيهِ التَّفَاضُل، فَمُنِعَ فِيهِ الأَْجَل كَالصَّرْفِ، إِذِ الْحَال لاَ يَتَأَجَّل بِالتَّأْجِيل، وَبِأَنَّهُ وَعْدٌ، وَالْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ غَيْرُ لاَزِمٍ (٢) وَاحْتَجَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ تَأْجِيلِهِ بِأَنَّهُ إِعَارَةٌ وَصِلَةٌ فِي الاِبْتِدَاءِ حَتَّى يَصِحَّ بِلَفْظِ الإِْعَارَةِ، وَلاَ يَمْلِكُهُ مَنْ لاَ يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ، كَالْوَصِيِّ وَالصَّبِيِّ، وَمُعَاوَضَةٌ فِي الاِنْتِهَاءِ، فَعَلَى اعْتِبَارِ الاِبْتِدَاءِ لاَ يَلْزَمُ التَّأْجِيل فِيهِ، كَمَا فِي الإِْعَارَةِ، إِذْ لاَ جَبْرَ فِي التَّبَرُّعِ، وَعَلَى اعْتِبَارِ الاِنْتِهَاءِ لاَ يَصِحُّ، لأَِنَّهُ يَصِيرُ بَيْعُ الدَّرَاهِمِ بِالدَّرَاهِمِ نَسِيئَةً، وَهُوَ رِبًا (٣) .

وَمَعَ اتِّفَاقِ هَؤُلاَءِ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ شَرْطَ الأَْجَل فِي الْقَرْضِ فَاسِدٌ غَيْرُ مُلْزِمٍ لِلْمُقْرِضِ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي عَقْدِ الْقَرْضِ هَل يَفْسُدُ بِفَسَادِ الشَّرْطِ أَمْ لاَ؟

_________

(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٤ / ١٧٠، والبدائع ٧ / ٣٩٦.

(٢) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٧، وكشاف القناع ٣ / ٣٠٣.

(٣) رد المحتار ٤ / ١٧٠ (ط. بولاق ١٢٧٢ هـ)، وبدائع الصنائع ٧ / ٣٩٦.

فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: الْقَرْضُ صَحِيحٌ.

وَالأَْجَل بَاطِلٌ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا شُرِطَ فِي الْقَرْضِ أَجَلٌ نُظِرَ:

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُقْرِضِ غَرَضٌ فِي التَّأْجِيل (أَيْ مَنْفَعَةٌ لَهُ) لَغَا الشَّرْطُ، وَلاَ يَفْسُدُ الْعَقْدُ فِي الأَْصَحِّ؛ لأَِنَّهُ زَادَ فِي الإِْرْفَاقِ بِجَرِّهِ الْمَنْفَعَةَ لِلْمُقْتَرِضِ فِيهِ، وَيُنْدَبُ لَهُ الْوَفَاءُ بِشَرْطِهِ.

أَمَّا إِذَا كَانَ لِلْمُقْرِضِ فِيهِ غَرَضٌ، بِأَنْ كَانَ زَمَنَ نَهْبٍ، وَالْمُسْتَقْرِضُ مَلِيءٌ، فَوَجْهَانِ:

أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يُفْسِدُ الْقَرْضَ؛ لأَِنَّ فِيهِ جَرَّ مَنْفَعَةٍ لِلْمُقْرِضِ (٢) .

(وَالثَّانِي) لِلْمَالِكِيَّةِ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَابْنِ تَيْمِيَّةَ وَابْنِ الْقَيِّمِ، وَهُوَ صِحَّةُ التَّأْجِيل بِالشَّرْطِ، فَإِذَا اشْتُرِطَ الأَْجَل فِي الْقَرْضِ، فَلاَ يَلْزَمُ الْمُقْتَرِضَ رَدُّ الْبَدَل قَبْل حُلُول الأَْجَل الْمُعَيَّنِ (٣)، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ (٤) .

_________

(١) النتف للسغدي ١ / ٤٩٣، والفتاوى الهندية ٣ / ٢٠٢، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٧، وكشاف القناع ٣ / ٣٠٣، ورد المحتار ٤ / ١٧٠.

(٢) روضة الطالبين ٤ / ٣٤، وأسنى المطالب ٢ / ١٤٢، ونهاية المحتاج ٤ / ٢٢٦.

(٣) ميارة على التحفة ٢ / ١٩٦، والبهجة ٢ / ٢٨٨، والمغني لابن قدامة ٦ / ٤٣١، والاختيارات الفقهية ص ١٣٢، وإعلام الموقعين ٣ / ٣٧٥ (مطبعة السعادة) .

(٤) حديث: " المسلمون على شروطهم ". أخرجه الترمذي (٣ / ٦٢٦) من حديث عمرو بن عوف، وقال: حديث حسن صحيح.