الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣
الذِّمَّةِ، وَهَذَا لاَ يَتَأَتَّى فِي غَيْرِ الْمِثْلِيِّ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ إِلَى جَوَازِ قَرْضِ الْمِثْلِيَّاتِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ وَسَّعُوا دَائِرَةَ مَا يَصِحُّ إِقْرَاضُهُ، فَقَالُوا: يَصِحُّ إِقْرَاضُ كُل مَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ - حَيَوَانًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ - وَهُوَ كُل مَا يُمْلَكُ بِالْبَيْعِ وَيُضْبَطُ بِالْوَصْفِ وَلَوْ كَانَ مِنَ الْقِيَمِيَّاتِ، وَذَلِكَ لِصِحَّةِ ثُبُوتِهِ فِي الذِّمَّةِ، وَلِمَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ اسْتَقْرَضَ بَكْرًا (٢)، وَقِيسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، أَمَّا مَا لاَ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ، وَهُوَ مَا لاَ يُضْبَطُ بِالْوَصْفِ - كَالْجَوَاهِرِ وَنَحْوِهَا - فَلاَ يَصِحُّ إِقْرَاضُهُ (٣) .
ثُمَّ اسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ قَرْضِ مَا لاَ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ جَوَازَ قَرْضِ الْخُبْزِ وَزْنًا لِلْحَاجَةِ وَالْمُسَامَحَةِ (٤) .
وَالْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ جَوَازُ قَرْضِ كُل عَيْنٍ يَجُوزُ بَيْعُهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مِثْلِيَّةً أَمْ قِيَمِيَّةً، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ مِمَّا يُضْبَطُ بِالصِّفَةِ أَمْ لاَ (٥) .
_________
(١) رد المحتار ٤ / ١٧١ (ط. بولاق ١٢٧٢ هـ) .
(٢) الحديث سبق تخريجه في فقرة ٤.
(٣) القوانين الفقهية ص ٢٩٣، ومواهب الجليل ٤ / ٥٤٥، ومنح الجليل ٣ / ٤٧، والمهذب ١ / ٣١٠، ونهاية المحتاج ٤ / ٢٢٢، وتحفة المحتاج ٥ / ٤٤.
(٤) المهذب ١ / ٣١٠، وأسنى المطالب ٢ / ١٤١، وروضة الطالبين ٤ / ٣٢ - ٣٣، ونهاية المحتاج ٤ / ٢٢٠ - ٢٢٣، وتحفة المحتاج ٥ / ٤١ - ٤٤.
(٥) كشاف القناع ٣ / ٣٠٠، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٥، والمغني ٦ / ٤٣٢ وما بعدها ط. هجر، والمبدع ٤ / ٢٠٥.
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَيْنًا:
١٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فِي الْمَذْهَبِ (١) إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ إِقْرَاضُ الْمَنَافِعِ، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ اخْتِلاَفٌ بَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ فِي مُسْتَنَدِ الْمَنْعِ وَمَنْشَئِهِ.
فَأَسَاسُ مَنْعِ إِقْرَاضِ الْمَنَافِعِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ الْقَرْضَ إِنَّمَا يَرِدُ عَلَى دَفْعِ مَالٍ مِثْلِيٍّ لآِخَرَ لِيَرُدَّ مِثْلَهُ (٢)، وَالْمَنَافِعُ لاَ تُعْتَبَرُ أَمْوَالًا فِي مَذْهَبِهِمْ؛ لأَِنَّ الْمَال عِنْدَهُمْ مَا يَمِيل إِلَيْهِ طَبْعُ الإِْنْسَانِ وَيُمْكِنُ ادِّخَارُهُ لِوَقْتِ الْحَاجَةِ، وَالْمَنَافِعُ غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلإِْحْرَازِ وَالاِدِّخَارِ، إِذْ هِيَ أَعْرَاضٌ تَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا وَآنًا فَآنًا، وَتَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ وَقْتِهَا، وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا غَيْرُ الَّذِي يَنْتَهِي، وَمِنْ أَجْل ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ جَعْل الْمَنَافِعِ مَحَلًّا لِعَقْدِ الْقَرْضِ.
وَأَمَّا مُسْتَنَدُ مَنْعِ إِقْرَاضِ الْمَنَافِعِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، فَهُوَ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْهُودٍ (٣)، أَيْ فِي الْعُرْفِ وَعَادَةِ النَّاسِ.
وَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَيَجُوزُ قَرْضُ الْمَنَافِعِ، مِثْل أَنْ يَحْصُدَ مَعَهُ يَوْمًا، وَيَحْصُدَ مَعَهُ الآْخَرُ يَوْمًا، أَوْ يُسْكِنَهُ دَارًا لِيُسْكِنَهُ الآْخَرُ بَدَلَهَا، لَكِنَّ
_________
(١) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٥، والمبدع ٤ / ٢٠٥، وكشاف القناع ٣ / ٣٠٠.
(٢) انظر رد المحتار ٤ / ١٧١، م (٧٩٦) من مرشد الحيران م (١٢٦) من مجلة الأحكام العدلية.
(٣) كشاف القناع ٣ / ٣٠٠.
الْغَالِبَ عَلَى الْمَنَافِعِ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ ذَوَاتِ الأَْمْثَال، حَتَّى يَجِبَ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الأُْخْرَى الْقِيمَةُ، وَيَتَوَجَّهُ فِي الْمُتَقَوِّمِ أَنَّهُ يَجُوزُ رَدُّ الْمِثْل بِتَرَاضِيهِمَا (١) .
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فَلَمْ يَشْتَرِطُوا فِي بَابِ الْقَرْضِ كَوْنَ مَحَل الْقَرْضِ عَيْنًا، وَلَكِنَّهُمْ أَقَامُوا ضَابِطًا لِمَا يَصِحُّ إِقْرَاضُهُ، وَهُوَ أَنَّ كُل مَا جَازَ السَّلَمُ فِيهِ صَحَّ إِقْرَاضُهُ، وَفِي بَابِ السَّلَمِ نَصُّوا عَلَى جَوَازِ السَّلَمِ فِي الْمَنَافِعِ كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي الأَْعْيَانِ (٢)، وَعَلَى ذَلِكَ يَصِحُّ إِقْرَاضُ الْمَنَافِعِ الَّتِي تَنْضَبِطُ بِالْوَصْفِ بِمُقْتَضَى قَوَاعِدِ مَذْهَبِهِمْ (٣) .
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا:
١٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي اشْتِرَاطِ مَعْلُومِيَّةِ مَحَل الْقَرْضِ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ، وَذَلِكَ لِيَتَمَكَّنَ الْمُقْتَرِضُ مِنْ رَدِّ الْبَدَل الْمُمَاثِل لِلْمُقْرِضِ، وَهَذِهِ الْمَعْلُومِيَّةُ تَتَنَاوَل أَمْرَيْنِ: مَعْرِفَةَ الْقَدْرِ، وَمَعْرِفَةَ الْوَصْفِ (٤)، جَاءَ فِي
_________
(١) الاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية للبعلي ص ١٣١، وكشاف القناع ٣ / ٣٠٠.
(٢) روضة الطالبين ٤ / ٢٧، وأسنى المطالب وحاشية الرملي عليه ٢ / ١٢٣، والخرشي ٥ / ٢٠٣، والقوانين الفقهية ص ٢٨٠ (ط. الدار العربية للكتاب) .
(٣) وهناك قول للقاضي حسين حكاه عنه النووي وهو أنه لا يجوز إقراض المنافع؛ لأنه لا يجوز السلم فيها، (روضة الطالبين ٤ / ٣٣) .
(٤) روضة الطالبين ٤ / ٣٣ - ٣٤، ونهاية المحتاج ٤ / ٢٢٣، وتحفة المحتاج ٥ / ٤٤، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٥، والمبدع ٤ / ٢٠٥، وكشاف القناع ٣ / ٣٠٠.
" أَسْنَى الْمَطَالِبِ ": يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الإِْقْرَاضِ الْعِلْمُ بِالْقَدْرِ وَالصِّفَةِ لِيَتَأَتَّى أَدَاؤُهُ، فَلَوْ أَقْرَضَهُ كَفًّا مِنْ دَرَاهِمَ لَمْ يَصِحَّ، وَلَوْ أَقْرَضَهُ عَلَى أَنْ يُسْتَبَانَ مِقْدَارُهُ وَيَرُدَّ مِثْلَهُ صَحَّ (١) .
وَقَدْ أَوْضَحَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي عِلَّةَ هَذَا الاِشْتِرَاطِ، فَقَال: " وَإِذَا اقْتَرَضَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ غَيْرَ مَعْرُوفَةِ الْوَزْنِ لَمْ يَجُزْ؛ لأَِنَّ الْقَرْضَ فِيهَا يُوجِبُ رَدَّ الْمِثْل، فَإِذَا لَمْ يُعْرَفِ الْمِثْل لَمْ يُمْكِنِ الْقَضَاءُ، وَكَذَلِكَ لَوِ اقْتَرَضَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا جُزَافًا لَمْ يَجُزْ لِذَلِكَ، وَلَوْ قَدَّرَهُ بِمِكْيَالٍ بِعَيْنِهِ أَوْ صَنْجَةٍ بِعَيْنِهَا غَيْرِ مَعْرُوفَيْنِ عِنْدَ الْعَامَّةِ لَمْ يَجُزْ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَأْمَنُ تَلَفَ ذَلِكَ، فَيَتَعَذَّرُ رَدُّ الْمِثْل، فَأَشْبَهَ السَّلَمَ فِي مِثْل ذَلِكَ (٢) ".
وَقَدِ اسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مِنْ قَوْلِهِمْ بِاشْتِرَاطِ كَوْنِ مَحَل الْقَرْضِ مَعْلُومَ الْقَدْرِ مَا سَمَّوْهُ بِالْقَرْضِ الْحُكْمِيِّ (٣)، كَقَوْلِهِ: " عَمِّرْ دَارِي " وَنَحْوِهِ، فَلَمْ يُوجِبُوا مَعْرِفَتَهُ لِصِحَّةِ الْقَرْضِ (٤) .
أَحْكَامُ الْقَرْضِ:
أ - (مِنْ حَيْثُ أَثَرُهُ):
١٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَرَتُّبِ أَثَرِ الْقَرْضِ،
_________
(١) أسنى المطالب ٢ / ١٤٢.
(٢) المغني ٦ / ٤٣٤ (ط هجر) .
(٣) انظر المراد بـ " القرض الحكمي " عند الشافعية في فقرة ١.
(٤) حاشية الرشيدي على نهاية المحتاج ٤ / ٢٢٣.
وَهُوَ نَقْل مِلْكِيَّةِ مَحَلِّهِ مِنَ الْمُقْرِضِ إِلَى الْمُقْتَرِضِ، هَل يَتِمُّ بِالْعَقْدِ، أَمْ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبْضِ، أَمْ لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ بِتَصَرُّفِ الْمُقْتَرِضِ فِيهِ أَوِ اسْتِهْلاَكِهِ. .؟ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:
(أَحَدُهَا) لِلْحَنَابِلَةِ وَالْحَنَفِيَّةِ فِي الْقَوْل الْمُعْتَمَدِ، وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ: وَهُوَ أَنَّ الْمُقْتَرِضَ إِنَّمَا يَمْلِكُ الْمَال الْمُقْرَضَ بِالْقَبْضِ (١)، قَال الشَّافِعِيَّةُ: غَيْرَ أَنَّ الْمِلْكَ فِي الْقَرْضِ غَيْرُ تَامٍّ لأَِنَّهُ يَجُوزُ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْفَسْخِ (٢) .
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ:
أ - بِأَنَّ مَأْخَذَ الاِسْمِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الْقَرْضَ فِي اللُّغَةِ الْقَطْعُ، فَدَل عَلَى انْقِطَاعِ مِلْكِ الْمُقْرِضِ بِنَفْسِ التَّسْلِيمِ.
ب - وَبِأَنَّ الْمُسْتَقْرِضَ بِنَفْسِ الْقَبْضِ صَارَ بِسَبِيلٍ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْقَرْضِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ الْمُقْرِضِ بَيْعًا وَهِبَةً وَصَدَقَةً وَسَائِرَ التَّصَرُّفَاتِ، وَإِذَا تَصَرَّفَ فِيهِ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ، وَلاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَةِ الْقَرْضِ، وَتِلْكَ أَمَارَاتُ الْمِلْكِ، إِذْ لَوْ لَمْ يَمْلِكْهُ لَمَا جَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ.
_________
(١) رد المحتار ٤ / ١٧٣، والبدائع ٧ / ٣٩٦، والأشباه والنظائر لابن نجيم وحاشية الحموي عليه ٢ / ٢٠٤، ومرشد الحيران م (٧٩٧)، وأسنى المطالب ٢ / ١٤٣، والروضة ٤ / ٣٥، والمهذب ١ / ٣١٠، ونهاية المحتاج ٤ / ٢٢٦، وتحفة المحتاج ٥ / ٤٨، وفتح العزيز ٩ / ٣٩١، وكشاف القناع ٣ / ٣٠١، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٥، والمبدع ٤ / ٢٠٦.
(٢) المهذب للشيرازي ١ / ٣١٠.
ج - وَبِأَنَّ الْقَرْضَ عَقْدٌ اجْتَمَعَ فِيهِ جَانِبُ الْمُعَاوَضَةِ وَجَانِبُ التَّبَرُّعِ، أَمَّا الْمُعَاوَضَةُ: فَلأَِنَّ الْمُسْتَقْرِضَ يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ بَدَلٍ مُمَاثِلٍ عِوَضًا عَمَّا اسْتَقْرَضَهُ، وَأَمَّا التَّبَرُّعُ: فَلأَِنَّهُ يَنْطَوِي عَلَى تَبَرُّعٍ مِنَ الْمُقْرِضِ لِلْمُسْتَقْرِضِ بِالاِنْتِفَاعِ بِالْمَال الْمُقْرَضِ بِسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ، غَيْرَ أَنَّ جَانِبَ التَّبَرُّعِ فِي هَذَا الْعَقْدِ أَرْجَحُ؛ لأَِنَّ غَايَتَهُ وَثَمَرَتَهُ إِنَّمَا هِيَ بَذْل مَنَافِعِ الْمَال الْمُقْرَضِ لِلْمُقْتَرِضِ مَجَّانًا؛ لأَِنَّهُ لاَ يُقَابِلُهُ عِوَضٌ فِي الْحَال، وَلاَ يَمْلِكُهُ مَنْ لاَ يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ، وَلِهَذَا كَانَ حُكْمُهُ كَبَاقِي التَّبَرُّعَاتِ مِنْ هِبَاتٍ وَصَدَقَاتٍ، فَتَنْتَقِل الْمِلْكِيَّةُ فِيهِ بِالْقَبْضِ لاَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَلاَ بِالتَّصَرُّفِ، وَلاَ بِالاِسْتِهْلاَكِ.
(وَالثَّانِي) لِلْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُقْتَرِضَ يَمْلِكُ الْقَرْضَ مِلْكًا تَامًّا بِالْعَقْدِ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ، وَيَصِيرُ مَالًا مِنْ أَمْوَالِهِ، وَيُقْضَى لَهُ بِهِ (١)، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الشَّوْكَانِيُّ وَرَجَّحَهُ، وَحُجَّتُهُ أَنَّ التَّرَاضِيَ هُوَ الْمَنَاطُ فِي نَقْل مِلْكِيَّةِ الأَْمْوَال مِنْ بَعْضِ الْعِبَادِ إِلَى بَعْضٍ (٢) .
(وَالثَّالِثُ) لِلشَّافِعِيَّةِ فِي الْقَوْل الْمُقَابِل لِلأَْصَحِّ، وَهُوَ أَنَّ الْمُقْتَرِضَ إِنَّمَا يَمْلِكُ الْمَال
_________
(١) الخرشي ٥ / ٢٣٢، والبهجة شرح التحفة ٢ / ٢٨٨، وكفاية الطالب الرباني وحاشية العدوي عليه ٢ / ١٥٠، والشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه ٣ / ٢٢٦.
(٢) السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار للشوكاني ٣ / ١٤٤.
الْمُقْرَضَ بِالتَّصَرُّفِ، فَإِذَا تَصَرَّفَ فِيهِ تَبَيَّنَ ثُبُوتُ مِلْكِهِ قِبَلَهُ، وَالْمُرَادُ بِالتَّصَرُّفِ: كُل عَمَلٍ يُزِيل الْمِلْكَ، كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالإِْعْتَاقِ وَالإِْتْلاَفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (١) قَالُوا: لأَِنَّهُ لَيْسَ بِتَبَرُّعٍ مَحْضٍ، إِذْ يَجِبُ فِيهِ الْبَدَل، وَلَيْسَ عَلَى حَقَائِقِ الْمُعَاوَضَاتِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ تَمَلُّكُهُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ بَدَلِهِ (٢) .
(وَالرَّابِعُ) لأَِبِي يُوسُفَ، وَهُوَ أَنَّ الْقَرْضَ لاَ يُمْلَكُ بِالْقَبْضِ مَا لَمْ يُسْتَهْلَكْ، وَحُجَّتُهُ أَنَّ الإِْقْرَاضَ إِعَارَةٌ، بِدَلِيل أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُ فِيهِ الأَْجَل، إِذْ لَوْ كَانَ مُعَاوَضَةً لَلَزِمَ فِيهِ، كَمَا فِي سَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ؛ وَلأَِنَّهُ لاَ يَمْلِكُهُ الأَْبُ وَالْوَصِيُّ وَالْعَبْدُ الْمَأْذُونُ وَالْمُكَاتَبُ، وَهَؤُلاَءِ يَمْلِكُونَ الْمُعَاوَضَاتِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الإِْقْرَاضَ إِعَارَةٌ، فَتَبْقَى الْعَيْنُ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمُقْرِضِ قَبْل أَنْ يَسْتَهْلِكَهَا الْمُقْتَرِضُ (٣) .
ب - مِنْ حَيْثُ مُوجِبُهُ:
١٨ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْمُقْتَرِضَ تَنْشَغِل ذِمَّتُهُ بِبَذْل الْقَرْضِ لِلْمُقْرِضِ بِمُجَرَّدِ تَمَلُّكِهِ لِمَحَل الْقَرْضِ، وَيَصِيرُ مُلْتَزِمًا بِرَدِّ الْبَدَل إِلَيْهِ
_________
(١) نهاية المحتاج ٤ / ٢٢٦، وروضة الطالبين ٤ / ٣٥، وتحفة المحتاج ٥ / ٤٨، ومغني المحتاج ٢ / ١٢٠، والمهذب ١ / ٣١٠، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٣٢٠.
(٢) فتح العزيز للرافعي ٩ / ٣٩٢.
(٣) رد المحتار ٤ / ١٧٣، (ط. بولاق ١٢٧٢ هـ) وبدائع الصنائع ٧ / ٣٩٦.
أَمَّا صِفَةُ الْبَدَل، وَمَكَانُ رَدِّهِ، وَزَمَانُهُ، فَتَفْصِيلُهُ فِيمَا يَلِي:
صِفَةُ بَدَل الْقَرْضِ:
١٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بَدَل الْقَرْضِ الَّذِي يَلْزَمُ الْمُقْتَرِضَ أَدَاؤُهُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: لِلْمَالِكِيَّةِ (١) وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ (٢)، وَهُوَ أَنَّ الْمُقْتَرِضَ مُخَيَّرٌ فِي أَنْ يَرُدَّ مِثْل الَّذِي اقْتَرَضَهُ إِذَا كَانَ مِثْلِيًّا؛ لأَِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى حَقِّهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّهُ بِعَيْنِهِ إِذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ قِيَمِيًّا، فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ بِعَيْنِهِ مَا دَامَتِ الْعَيْنُ عَلَى حَالِهَا لَمْ تَتَغَيَّرْ، أَوْ بِمِثْلِهِ صُورَةً (٣)، لِمَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ اسْتَسْلَفَ بَكْرًا وَرَدَّ رُبَاعِيًّا، وَقَال: إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً (٤)، وَلأَِنَّ مَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ بِعَقْدِ السَّلَمِ ثَبَتَ بِعَقْدِ الْقَرْضِ قِيَاسًا عَلَى مَا لَهُ مِثْلٌ.
قَال الْهَيْتَمِيُّ: وَمِنْ لاَزِمِ اعْتِبَارِ الْمِثْل
_________
(١) الخرشي وحاشية العدوي عليه ٥ / ٢٣٢، والقوانين الفقهية ص ٢٩٣.
(٢) أسنى المطالب ٢ / ١٤٣، وتحفة المحتاج ٥ / ٤٤، ونهاية المحتاج ٤ / ٢٢٣، وروضة الطالبين ٤ / ٣٥، ٣٧.
(٣) نهاية المحتاج ٤ / ٢٢٤، وروضة الطالبين ٤ / ٣٧، وتحفة المحتاج ٥ / ٤٥، والمهذب ١ / ٣١١.
(٤) حديث أبي رافع: " أن النبي ﷺ استسلف من رجل بكرًا. . . " سبق تخريجه (ف ٤) .
الصُّورِيِّ اعْتِبَارُ مَا فِيهِ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي تَزِيدُ بِهَا الْقِيمَةُ، فَيَرُدُّ مَا يَجْمَعُ تِلْكَ الصِّفَاتِ كُلَّهَا، حَتَّى لاَ يَفُوتَ عَلَيْهِ شَيْءٌ (١) .
وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَهُوَ أَنَّ الْمُقْتَرِضَ بِمُجَرَّدِ تَمَلُّكِهِ لِلْعَيْنِ الْمُقْتَرَضَةِ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ مِثْلُهَا لاَ عَيْنُهَا وَلَوْ كَانَتْ قَائِمَةً، حَتَّى لَوْ أَرَادَ الْمُقْرِضُ أَنْ يَأْخُذَ مَحَل الْقَرْضِ بِعَيْنِهِ مِنَ الْمُسْتَقْرِضِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَلِلْمُسْتَقْرِضِ أَنْ يُعْطِيَهُ غَيْرَهُ (٢)، وَأَنَّهُ لَوِ اسْتَقْرَضَ شَيْئًا مِنَ الْمَكِيلاَتِ أَوِ الْمَوْزُونَاتِ أَوِ الْمَسْكُوكَاتِ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ، فَرَخُصَتْ أَسْعَارُهَا أَوْ غَلَتْ فَعَلَيْهِ مِثْلُهَا، وَلاَ عِبْرَةَ بِرُخْصِهَا وَغَلاَئِهَا، وَأَنَّهُ إِذَا تَعَذَّرَ عَلَى الْمُقْتَرِضِ رَدُّ مِثْل مَا اقْتَرَضَهُ بِأَنِ اسْتَهْلَكَهَا ثُمَّ انْقَطَعَتْ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُجْبَرُ الْمُقْرِضُ عَلَى الاِنْتِظَارِ إِلَى أَنْ يُوجَدَ مِثْلُهَا، وَلاَ يُصَارُ إِلَى الْقِيمَةِ إِلاَّ إِذَا تَرَاضَيَا عَلَيْهَا، وَذَهَبَ الصَّاحِبَانِ إِلَى أَنَّهُ يُصَارُ إِلَى الْقِيمَةِ لأَِنَّ مَبْنَى قَوْل الْحَنَفِيَّةِ بِوُجُوبِ الْمِثْل مُطْلَقًا دُونَ الْقِيمَةِ هُوَ عَدَمُ صِحَّةِ الْقَرْضِ عِنْدَهُمْ إِلاَّ فِي الْمِثْلِيَّاتِ (٣) .
_________
(١) تحفة المحتاج ٥ / ٤٤، ونهاية المحتاج ٤ / ٢٢٣، وقد علق الشبراملسي على قول صاحب النهاية: فيرد ما يجمع تلك الصفات: أي فإن لم يتأت اعتبر مع الصورة مراعاة القيمة ٤ / ٢٢٣ وانظر أسنى المطالب ٢ / ١٤٤.
(٢) الفتاوى الهندية ٣ / ٢٠٧.
(٣) رد المحتار ٤ / ١٧٢ - ١٧٣ (ط. بولاق. ١٢٧٢ هـ)، والعقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية ١ / ٢٧٩ (ط. بولاق ١٣٠٠ هـ)، ومواد (٧٩٧، ٨٠٥، ٨٠٦) من مرشد الحيران.
وَالثَّالِثُ: لِلْحَنَابِلَةِ، حَيْثُ فَرَّقُوا بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ مَحَل الْقَرْضِ مِثْلِيًّا مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا، وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَ قِيَمِيًّا لاَ يَنْضَبِطُ بِالصِّفَةِ كَالْجَوَاهِرِ وَنَحْوِهَا، وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَ سِوَى ذَلِكَ، وَقَالُوا:
(أ) إِنْ كَانَ مَحَل الْقَرْضِ مِثْلِيًّا مِنَ الْمَكِيلاَتِ أَوِ الْمَوْزُونَاتِ، فَيَلْزَمُ الْمُقْتَرِضَ مِثْلُهُ، وَلَوْ أَرَادَ رَدَّهُ بِعَيْنِهِ فَيُجْبَرُ الْمُقْرِضُ عَلَى قَبُولِهِ مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ عَيْنُهُ بِعَيْبٍ أَوْ نُقْصَانٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، سَوَاءٌ تَغَيَّرَ سِعْرُهُ أَوْ لاَ، لأَِنَّهُ رَدَّهُ عَلَى صِفَةِ حَقِّهِ، فَلَزِمَ قَبُولُهُ كَالسَّلَمِ، وَلَوْ تَغَيَّرَ حَالُهَا بِنَحْوِ مَا ذَكَرْنَا، فَإِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ قَبُول الْمَرْدُودِ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ دُونَ حَقِّهِ، وَيَجِبُ عَلَى الْمُقْتَرِضِ أَدَاءُ مِثْلِهِ (١) .
وَفِي الْحَالَيْنِ إِذَا رَدَّ الْمُقْتَرِضُ الْمِثْل وَجَبَ عَلَى الْمُقْرِضِ قَبُولُهُ، سَوَاءٌ رَخُصَ سِعْرُهُ أَوْ غَلاَ أَوْ بَقِيَ عَلَى حَالِهِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمِثْل يُضْمَنُ فِي الْغَصْبِ وَالإِْتْلاَفِ بِمِثْلِهِ، فَكَذَا هَاهُنَا، فَإِنْ أَعْوَزَ الْمِثْل - أَيْ تَعَذَّرَ - فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ إِعْوَازِهِ؛ لأَِنَّهُ يَوْمَ ثُبُوتِ الْقِيمَةِ فِي الذِّمَّةِ.
(ب) وَإِنْ كَانَ مَحَل الْقَرْضِ غَيْرَ مَكِيلٍ وَلاَ مَوْزُونٍ، فَيَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْقَبْضِ إِنْ كَانَ
_________
(١) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٦، وكشاف القناع ٣ / ٣٠١ - ٣٠٢، والمبدع ٤ / ٢٠٧ - ٢٠٨، والمغني ٦ / ٤٣١ - ٤٣٢.