الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣١
لِحَدِيثِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي طَهُورِهِ (١) وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَل مِنَ الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الْحِلاَبِ، فَأَخَذَ بِكَفِّهِ، ثُمَّ بَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأَْيْمَنِ ثُمَّ الأَْيْسَرِ (٢) .
و الْبَدْءُ بِأَعْلَى الْبَدَنِ:
٣٤ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ عِنْدَ غُسْل الْجَسَدِ الْبَدْءُ بِأَعْلاَهُ.
وَوَافَقَهُمُ الْمَالِكِيَّةُ فِي ذَلِكَ، لَكِنَّهُمْ عَدُّوهُ مِنَ الْمَنْدُوبَاتِ (٣) .
ز - تَثْلِيثُ الْغُسْل:
٣٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ تَثْلِيثَ غُسْل الأَْعْضَاءِ فِي الْغُسْل سُنَّةٌ، لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ ﵂: ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاَثَ حَفَنَاتٍ (٤)، وَفِي
_________
(١) حديث: " كان يعجبه التيمن في طهوره ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٢٦٩) ومسلم (١ / ٢٢٦) .
(٢) حديث عائشة: " كان إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب. . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٣٦٩) ومسلم (١ / ٢٥٥) .
(٣) المجموع شرح المهذب ٢ / ١٨٤، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ١٣٧.
(٤) حديث ميمونة: " ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٢٥٤) .
حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُدْخِل أَصَابِعَهُ فِي أُصُول الشَّعْرِ، حَتَّى إِذَا رَأَى أَنْ قَدِ اسْتَبْرَأَ، حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاَثَ حَفَنَاتٍ (١)، وَأَمَّا بَاقِي أَعْضَاءِ الْجَسَدِ فَقِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ.
قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: إِنْ كَانَ الْمَاءُ جَارِيًا كَفَى فِي التَّثْلِيثِ أَنْ يُمِرَّ عَلَيْهِ ثَلاَثًا جِرْيَاتٍ، وَإِنْ كَانَ رَاكِدًا انْغَمَسَ فِيهِ ثَلاَثًا، بِأَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ مِنْهُ وَيَنْقُل قَدَمَيْهِ، أَوْ يَنْتَقِل فِيهِ مِنْ مَقَامِهِ إِلَى آخَرَ ثَلاَثًا، وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى انْفِصَال جُمْلَتِهِ وَلاَ رَأْسِهِ، فَإِنَّ حَرَكَتَهُ تَحْتَ الْمَاءِ كَجَرْيِ الْمَاءِ عَلَيْهِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى نَدْبِ تَثْلِيثِ غُسْل الرَّأْسِ فَقَطْ، وَأَمَّا بَقِيَّةُ الأَْعْضَاءِ فَاعْتَمَدَ الدَّرْدِيرُ كَرَاهَةَ غُسْلِهَا أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، وَاعْتَمَدَ الْبُنَانِيُّ تَكْرَارَ غُسْل الأَْعْضَاءِ (٢) .
٣٦ - وَهُنَاكَ سُنَنٌ أُخْرَى مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ قَدْرُ الْمَاءِ الْمُغْتَسَل بِهِ صَاعًا لِحَدِيثِ سَفِينَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُغَسِّلُهُ الصَّاعُ مِنَ الْمَاءِ مِنَ الْجَنَابَةِ وَيُوَضِّئُهُ
_________
(١) حديث عائشة: " ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٢٥٣) .
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ١٠٧، وحاشية الدسوقي ١ / ١٣٧، والبناني على شرح الزرقاني ١ / ١٠٣، ومغني المحتاج ١ / ٧٤، والمجموع ٢ / ١٨٤، وكشاف القناع ١ / ١٥٢.
الْمُدُّ (١) . وَقَدَّرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ بِالصَّاعِ الْعِرَاقِيِّ وَهُوَ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ، وَقَدَّرَهُ صَاحِبَاهُ بِالصَّاعِ الْحِجَازِيِّ وَهُوَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٍ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: نَقَل غَيْرُ وَاحِدٍ إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ مَا يُجْزِئُ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْل غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِمِقْدَارٍ، وَمَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مِنْ أَنَّ أَدْنَى مَا يَكْفِي فِي الْغُسْل صَاعٌ وَفِي الْوُضُوءِ مُدٌّ لِحَدِيثِ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَغْتَسِل بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ، وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ (٢) " لَيْسَ بِتَقْدِيرٍ لاَزِمٍ، بَل هُوَ بَيَانُ أَدْنَى الْقَدْرِ الْمَسْنُونِ، حَتَّى إِنَّ مَنْ أَسْبَغَ بِدُونِ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكْفِهِ زَادَ عَلَيْهِ. لأَِنَّ طِبَاعَ النَّاسِ وَأَحْوَالَهُمْ مُخْتَلِفَةٌ.
وَقَال الدَّرْدِيرُ: الْمَدَارُ عَلَى الإِْحْكَامِ، وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الأَْجْسَامِ.
وَبَعْدَ أَنْ قَرَّرَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ يُسَنُّ أَنْ لاَ يَنْقُصَ مَاءُ الْغُسْل عَنْ صَاعٍ، قَالُوا: وَلاَ حَدَّ لَهُ فَلَوْ نَقَصَ عَنْ ذَلِكَ وَأَسْبَغَ
_________
(١) حديث سفينة: " أنه ﷺ كان يغسله الصاع. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٢٥٨) .
(٢) حديث: " كان رسول الله ﷺ يغتسل بالصاع. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٣٠٤) ومسلم (١ / ٢٥٨) من حديث أنس بن مالك، واللفظ للبخاري.
كَفَى (١) .
٣٧ - وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ سُنَنَ الْغُسْل كَسُنَنِ الْوُضُوءِ سِوَى التَّرْتِيبِ وَالدُّعَاءِ، وَآدَابَهُ كَآدَابِ الْوُضُوءِ.
وَنَصُّوا عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ أَنْ يَبْتَدِئَ فِي حَال صَبِّ الْمَاءِ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ عَلَى مَيَامِنِهِ، ثُمَّ عَلَى مَيَاسِرِهِ كَمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَيُسَنُّ السِّوَاكُ أَيْضًا فِي الْغُسْل.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لاَ يَتَكَلَّمَ بِكَلاَمٍ مُطْلَقًا، أَمَّا كَلاَمُ النَّاسِ فَلِكَرَاهَتِهِ حَال الْكَشْفِ، وَأَمَّا الدُّعَاءُ فَلأَِنَّهُ فِي مَصَبِّ الْمُسْتَعْمَل وَمَحَل الأَْقْذَارِ وَالأَْوْحَال.
وَصَرَّحُوا بِأَنَّ مِنْ آدَابِ الْغُسْل: أَنْ يَغْتَسِل بِمَكَانٍ لاَ يَرَاهُ فِيهِ أَحَدٌ لاَ يَحِل لَهُ النَّظَرُ لِعَوْرَتِهِ؛ لاِحْتِمَال ظُهُورِهَا فِي حَال الْغُسْل أَوْ لُبْسِ الثِّيَابِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسِّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَل أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ (٢) .
وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ سُبْحَةً بَعْدَ الْغُسْل كَالْوُضُوءِ لأَِنَّهُ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ١٠٧، وحاشية الدسوقي ١ / ١٣٧، ومغني المحتاج ١ / ٧٤، ومطالب أولي النهى ١ / ١٨٣.
(٢) حديث: " إن الله حيي ستير يحب. . . ". أخرجه أبو داود (٤ / ٣٠٢) من حديث يعلى بن أمية.
يَشْمَلُهُ (١) .
٣٨ - وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ مَسْحُ صِمَاخِ (ثَقْبِ) الأُْذُنَيْنِ فِي الْغُسْل، وَذَلِكَ بِأَنْ يَحْمِل الْمَاءَ فِي يَدَيْهِ وَإِمَالَةِ رَأْسِهِ حَتَّى يُصِيبَ الْمَاءُ بَاطِنَ أُذُنَيْهِ وَلاَ يَصُبُّ الْمَاءَ فِي أُذُنَيْهِ صَبًّا؛ لأَِنَّهُ يُورِثُ الضَّرَرَ، قَال الدُّسُوقِيُّ: السُّنَّةُ هُنَا مَسْحُ الثَّقْبِ الَّذِي هُوَ الصِّمَاخُ، وَأَمَّا مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَيَجِبُ غُسْلُهُ (٢) .
٣٩ - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: مِنَ السُّنَنِ اسْتِصْحَابُ النِّيَّةِ إِلَى آخِرِ الْغُسْل، وَأَنْ لاَ يَغْتَسِل فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ وَلَوْ كَثُرَ، وَأَنْ يَكُونَ اغْتِسَالُهُ مِنَ الْجَنَابَةِ بَعْدَ بَوْلٍ لِئَلاَّ يَخْرُجَ بَعْدَهُ مَنِيٌّ.
وَيُسَنُّ أَنْ يَقُول بَعْدَ فَرَاغِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنْ يَسْتَقْبِل الْقِبْلَةَ وَيَتْرُكَ الاِسْتِعَانَةَ وَالتَّنْشِيفَ (٣) .
وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُخَلِّل أُصُول شَعْرِ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ بِمَاءٍ قَبْل إِفَاضَتِهِ عَلَيْهِ (٤) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ١٠٥، والطحطاوي على مراقي الفلاح ٥٧.
(٢) حاشية الدسوقي ١ / ١٣٦ - ١٣٧، وحاشية العدوي على الرسالة ١ / ١٨٥.
(٣) المجموع شرح المهذب ٢ / ١٨٤، ومغني المحتاج ١ / ٧٤ - ٧٥.
(٤) المغني لابن قدامة ١ / ٢١٧.
مَكْرُوهَاتُ الْغُسْل:
٤٠ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ مِنْ مَكْرُوهَاتِ الْغُسْل الإِْسْرَافُ فِي الْمَاءِ.
وَمِنَ الْمَكْرُوهَاتِ ضَرْبُ الْوَجْهِ بِالْمَاءِ، وَالتَّكَلُّمُ بِكَلاَمِ النَّاسِ، وَالاِسْتِعَانَةُ بِالْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَرَجَّحَ الطَّحْطَاوِيُّ أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِالاِسْتِعَانَةِ، وَتَنْكِيسِ الْفِعْل، وَتَكْرَارِ الْغُسْل بَعْدَ الإِْسْبَاغِ، وَالْغُسْل فِي الْخَلاَءِ وَفِي مَوَاضِعِ الأَْقْذَارِ، وَتَرْكِ الْوُضُوءِ أَوِ الْمَضْمَضَةِ أَوِ الاِسْتِنْشَاقِ وَالاِغْتِسَال دَاخِل مَاءٍ كَثِيرٍ كَالْبَحْرِ خَشْيَةَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ الْمَوْجُ فَيُغْرِقَهُ (١) .
صِفَةُ الْغُسْل:
٤١ - لِلْغُسْل صِفَتَانِ: صِفَةُ إِجْزَاءٍ وَصِفَةُ كَمَالٍ.
فَصِفَةُ الإِْجْزَاءِ تَحْصُل بِالنِّيَّةِ عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُهَا، وَتَعْمِيمِ جَمِيعِ الشَّعْرِ وَالْبَشَرَةِ بِالْمَاءِ (٢) .
وَصِفَةُ الْكَمَال تَحْصُل بِذَلِكَ وَبِمُرَاعَاةِ وَاجِبَاتِ الْغُسْل وَسُنَنِهِ وَآدَابِهِ الَّتِي سَبَقَ بَيَانُهَا.
_________
(١) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ٤٤ - ٤٥ - ٥٧، وحاشية العدوي على شرح الرسالة ١ / ١٨٥، والبجيرمي على الخطيب ١ / ٢١٥ - ٢١٨، والمجموع ٢ / ١٩٠، ومطالب أولي النهى ١ / ١٨٤.
(٢) انظر: حاشية ابن عابدين ١ / ١٠٦، والشرح الكبير للدردير مع الدسوقي ١ / ١٣٧، ومغني المحتاج ١ / ٧٢ وما بعدها، وكشاف القناع ١ / ١٥٢ وما بعدها.
غِشٌّ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْغِشُّ بِالْكَسْرِ فِي اللُّغَةِ نَقِيضُ النُّصْحِ، يُقَال: غَشَّ صَاحِبَهُ: إِذَا زَيَّنَ لَهُ غَيْرَ الْمَصْلَحَةِ، وَأَظْهَرَ لَهُ غَيْرَ مَا أَضْمَرَ، وَلَبَنٌ مَغْشُوشٌ: أَيْ مَخْلُوطٌ بِالْمَاءِ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّدْلِيسُ:
٢ - التَّدْلِيسُ: الْخَدِيعَةُ وَهُوَ مَصْدَرُ دَلَّسَ، وَالدُّلْسَةُ: الظُّلْمَةُ، وَالتَّدْلِيسُ فِي الْبَيْعِ: كِتْمَانُ عَيْبِ السِّلْعَةِ عَنِ الْمُشْتَرِي، يُقَال: دَلَّسَ الْبَائِعُ تَدْلِيسًا: كَتَمَ عَيْبَ السِّلْعَةِ عَنِ الْمُشْتَرِي وَأَخْفَاهُ، وَمِنْهُ التَّدْلِيسُ فِي الإِْسْنَادِ (٢) .
فَالتَّدْلِيسُ مِنْ أَنْوَاعِ الْغِشِّ.
_________
(١) لسان العرب والمصباح المنير.
(٢) المصباح المنير ولسان العرب، والتعريفات للجرجاني، وتدريب الراوي ص١٣٩ وما بعدها.
ب - التَّغْرِيرُ:
٣ - التَّغْرِيرُ هُوَ: الْخَطَرُ وَالْخُدْعَةُ، وَتَعْرِيضُ الْمَرْءِ نَفْسَهُ أَوْ مَالَهُ لِلْهَلَكَةِ، وَقَال الْجُرْجَانِيُّ: الْغَرَرُ: مَا يَكُونُ مَجْهُول الْعَاقِبَةِ لاَ يُدْرَى أَيَكُونُ أَمْ لاَ (١) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: التَّغْرِيرُ تَوْصِيفُ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي بِغَيْرِ صِفَتِهِ الْحَقِيقِيَّةِ (٢) . وَبَيْعُ الْغَرَرِ هُوَ الْبَيْعُ الَّذِي فِيهِ خَطَرُ انْفِسَاخِهِ بِهَلاَكِ الْمَبِيعِ (٣) .
وَالتَّغْرِيرُ مِنْ أَنْوَاعِ الْغِشِّ.
ج - الْخِلاَبَةُ:
٤ - الْخِلاَبَةُ بِالْكَسْرِ: الْمُخَادَعَةُ، وَقِيل: الْخَدِيعَةُ بِاللِّسَانِ (٤)، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال لِرَجُلٍ كَانَ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ: إِذَا بَايَعْتَ فَقُل: لاَ خِلاَبَةَ (٥) . وَالْخِلاَبَةُ نَوْعٌ مِنَ الْغِشِّ.
_________
(١) لسان العرب والقاموس المحيط ومتن اللغة والتعريفات.
(٢) مجلة الأحكام العدلية المادة (١٦٤) .
(٣) قواعد الفقه للبركتي.
(٤) لسان العرب.
(٥) حديث: " إذا بايعت فقل: لا خلابة ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٣٣٧) من حديث ابن عمر.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْغِشَّ حَرَامٌ سَوَاءٌ أَكَانَ بِالْقَوْل أَمْ بِالْفِعْل، وَسَوَاءٌ أَكَانَ بِكِتْمَانِ الْعَيْبِ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَوِ الثَّمَنِ أَمْ بِالْكَذِبِ وَالْخَدِيعَةِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ فِي الْمُعَامَلاَتِ أَمْ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْمَشُورَةِ وَالنَّصِيحَةِ (١) .
وَقَدْ وَرَدَ فِي تَحْرِيمِ الْغِشِّ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَل يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَال: مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟ قَال: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُول اللَّهِ، قَال: أَفَلاَ جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنِّي. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا (٢) .
وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَأَمْثَالَهُ غَيْرُ مَحْمُولٍ عَلَى الظَّاهِرِ، فَالْغِشُّ لاَ يُخْرِجُ الْغَاشَّ عَنِ الإِْسْلاَمِ، قَال الْخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُ لَيْسَ عَلَى سِيرَتِنَا وَمَذْهَبِنَا (٣) .
_________
(١) الزواجر عن اقتراف الكبائر ١ / ١٩٢.
(٢) حديث: " أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غشنا فليس مني ". أخرجه مسلم (١ / ٩٩)، وكذا الحديث الآخر: " من غشنا فليس منا ".
(٣) تحفة الأحوذي ٤ / ٥٤٤.
وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ الْجَدُّ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ، حَدِيثٌ قَال: مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا أَيْ: لَيْسَ عَلَى مِثْل هُدَانَا وَطَرِيقَتِنَا، إِلاَّ أَنَّ الْغِشَّ لاَ يُخْرِجُ الْغَاشَّ مِنَ الإِْيمَانِ، فَهُوَ مَعْدُودٌ فِي جُمْلَةِ الْمُؤْمِنِينَ، إِلاَّ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى هُدَاهُمْ وَسَبِيلِهِمْ؛ لِمُخَالَفَتِهِ إِيَّاهُمْ فِي الْتِزَامِ مَا يَلْزَمُهُ فِي شَرِيعَةِ الإِْسْلاَمِ لأَِخِيهِ الْمُسْلِمِ. . فَلاَ يَحِل لاِمْرِئٍ مُسْلِمٍ أَنْ يَبِيعَ سِلْعَةً مِنَ السِّلَعِ أَوْ دَارًا أَوْ عَقَارًا أَوْ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً أَوْ شَيْئًا مِنَ الأَْشْيَاءِ - وَهُوَ يَعْلَمُ فِيهِ عَيْبًا قَل أَوْ كَثُرَ - حَتَّى يُبَيِّنَ ذَلِكَ لِمُبْتَاعِهِ، وَيَقِفَهُ عَلَيْهِ وَقْفًا يَكُونُ عِلْمُهُ بِهِ كَعِلْمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَل ذَلِكَ وَكَتَمَهُ الْعَيْبَ وَغَشَّهُ بِذَلِكَ لَمْ يَزَل فِي مَقْتِ اللَّهِ وَلَعْنَةِ مَلاَئِكَةِ اللَّهِ (١) . ثُمَّ قَال: وَقَدْ يُحْتَمَل أَنْ يُحْمَل قَوْلُهُ: مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا عَلَى ظَاهِرِهِ فِيمَنْ غَشَّ الْمُسْلِمِينَ مُسْتَحِلًّا لِذَلِكَ؛ لأَِنَّ مَنِ اسْتَحَل التَّدْلِيسَ بِالْعُيُوبِ وَالْغِشَّ فِي الْبُيُوعِ وَغَيْرِهَا، فَهُوَ كَافِرٌ حَلاَل الدَّمِ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلاَّ قُتِل (٢) .
وَلاَ تَخْتَلِفُ كَلِمَةُ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ النُّصْحَ فِي الْمُعَامَلَةِ وَاجِبٌ (٣) .
_________
(١) المقدمات الممهدات ٢ / ٥٦٩.
(٢) المرجع السابق.
(٣) رد المحتار وبهامشه الدر المختار ٤ / ٩٨، والمقدمات الممهدات ٢ / ٥٦٩ والزواجر ١ / ١٩٣.