الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٠ الصفحة 62

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٠

الآْخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٢) وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَال امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ (٣) وَلِمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: الْكَبَائِرُ: الإِْشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْل النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ.

(٤) وَالْيَمِينُ الَّتِي يُتَعَمَّدُ فِيهَا الْكَذِبُ سُمِّيَتْ غَمُوسًا؛ لأَِنَّهَا تَغْمِسُ الْحَالِفَ فِي الإِْثْمِ فِي الدُّنْيَا وَتَغْمِسُهُ فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: الْكَذِبُ حَرَامٌ فَإِذَا كَانَ مَحْلُوفًا عَلَيْهِ كَانَ أَشَدَّ فِي التَّحْرِيمِ، وَإِنْ أَبْطَل بِهِ حَقًّا أَوِ اقْتَطَعَ بِهِ مَال مَعْصُومٍ كَانَ أَشَدَّ (٥)

_________

(١) سورة آل عمران / ٧٧.

(٢) سورة المجادلة / ١٤.

(٣) حديث: " من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١١ / ٥٥٨) من حديث عبد الله بن مسعود.

(٤) حديث: " الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١١ / ٥٥٥) .

(٥) الكبائر للذهبي ص٩١، والزواجر عن اقتراف الكبائر ٢ / ١٥١ - ١٥٢، والفواكه الدواني ٢ / ٧، ومغني المحتاج ٤ / ٣٢٥، والمغني لابن قدامة ٨ / ٦٨٢.

رَاجِعْ مُصْطَلَحَ: (أَيْمَان ف ١٠٨ - ١١٤)

ح - الْحِنْثُ فِي الْيَمِينِ عَمْدًا:

١٢ - تَعَمُّدُ الْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ تَجْرِي عَلَيْهِ الأَْحْكَامُ الْخَمْسَةُ:

فَقَدْ يَكُونُ الْحِنْثُ وَاجِبًا وَذَلِكَ إِذَا كَانَ الْحَلِفُ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ عَيْنِيٍّ أَوْ عَلَى فِعْلٍ مُحَرَّمٍ، فَإِذَا حَلَفَ مَثَلًا عَلَى أَنْ لاَ يُصَلِّيَ إِحْدَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ الْمَفْرُوضَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحِنْثُ.

وَقَدْ يَكُونُ الْحِنْثُ مَنْدُوبًا وَذَلِكَ إِذَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِ مَنْدُوبٍ كَسُنَّةِ الضُّحَى أَوْ عَلَى فِعْل مَكْرُوهٍ كَأَنْ يَلْتَفِتَ بِوَجْهِهِ فِي الصَّلاَةِ فَيُنْدَبُ الْحِنْثُ وَقَدْ يَكُونُ الْحِنْثُ مُبَاحًا وَذَلِكَ إِذَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِ مُبَاحٍ أَوْ فِعْلِهِ كَدُخُول دَارٍ وَأَكْل طَعَامٍ مُعَيَّنٍ وَلُبْسِ ثَوْبٍ فَقَال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: الأَْفْضَل فِي هَذَا تَرْكُ الْحِنْثِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى.

وَقَدْ يَكُونُ الْحِنْثُ حَرَامًا وَذَلِكَ إِذَا حَلَفَ عَلَى فِعْل وَاجِبٍ أَوْ تَرْكِ حَرَامٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُنْفِذَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَنْقُضُوا الأَْيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (١) وَقَدْ

_________

(١) سورة النحل / ٩١.

يَكُونُ تَعَمُّدُ الْحِنْثِ مَكْرُوهًا وَذَلِكَ إِذَا حَلَفَ عَلَى فِعْل مَنْدُوبٍ أَوْ تَرْكِ مَكْرُوهٍ لِلأَْحَادِيثِ السَّابِقَةِ (١)

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (حِنْث ف ٦)

_________

(١) بدائع الصنائع ٣ / ١٧ - ١٨، والقوانين الفقهية ص١٦٣، ومغني المحتاج ٤ / ٣٢٥ - ٣٢٦، والمغني ٨ / ٦٨٢.

عُمْرَى

التَّعْرِيفُ:

١ - الْعُمْرَى لُغَةً: بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَأَلِفٍ مَقْصُورَةٍ: مَا تَجْعَلُهُ لِلرَّجُل طُول عُمُرِكَ أَوْ عُمُرِهِ، وَقَال ثَعْلَبٌ: الْعُمْرَى: أَنْ يَدْفَعَ الرَّجُل إِلَى أَخِيهِ دَارًا فَيَقُول: هَذِهِ لَكَ عُمُرَكَ أَوْ عُمُرِي أَيُّنَا مَاتَ دُفِعَتِ الدَّارُ إِلَى أَهْلِهِ (١) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: عَرَّفَهَا الْحَنَفِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهَا جَعْل الْمَالِكِ شَيْئًا يَمْلِكُهُ لِشَخْصٍ آخَرَ عُمُرَ أَحَدِهِمَا (٢) .

وَعَرَّفَهَا الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ: بِأَنَّهَا جَعْل الْمَالِكِ شَيْئًا يَمْلِكُهُ لِشَخْصٍ آخَرَ عُمُرَ هَذَا الشَّخْصِ (٣)

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الإِْعَارَةُ:

٢ - الإِْعَارَةُ تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ مُؤَقَّتَةٍ بِلاَ

_________

(١) لسان العرب، ومختار الصحاح، والمغرب في ترتيب المعرب، والمفردات في غريب القرآن.

(٢) التعريفات، بدائع الصنائع ٦ / ١١٦، والمغني ٥ / ٦٨٦، وكشاف القناع ٤ / ٣٠٧.

(٣) الشرح الصغير ٤ / ١٦٠، والقوانين الفقهية ص٢٤٥، وجواهر الإكليل ٢ / ١٥٧، وروضة الطالبين ٥ / ٣٧٠، والإقناع ٢ / ٣٤.

عِوَضٍ (١) .

وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْعُمْرَى مُقَيَّدَةٌ بِالْعُمُرِ

ب - الْعَرِيَّةُ:

٣ - أَنْ يَهَبَ لَهُ ثَمَرَ نَخْلَةٍ أَوْ ثَمَرَ شَجَرَةٍ دُونَ أَصْلِهَا

(٢) فَالْعَرِيَّةُ تَنْفَرِدُ بِأَنَّهَا بِثَمَرٍ، وَأَمَّا الْعُمْرَى فَهِيَ بِثَمَرٍ وَبِغَيْرِهِ مُدَّةَ الْعُمُرِ.

ج - الْمِنْحَةُ:

٤ - الْمِنْحَةُ أَنْ يُعْطِيَهُ شَاةً أَوْ بَقَرَةً أَوْ نَاقَةً يَحْلُبُهَا فِي أَيَّامِ اللَّبَنِ ثُمَّ تَعُودُ إِلَى رَبِّهَا

(٣) فَالْمِنْحَةُ خَاصَّةٌ بِلَبَنِ شَاةٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَوْ نَاقَةٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعُمْرَى.

د - الرُّقْبَى:

٥ - الرُّقْبَى فِي اللُّغَةِ مِنَ الْمُرَاقَبَةِ، يُقَال أَرْقَبْتُ زَيْدًا الدَّارَ إِرْقَابًا، وَالاِسْمُ الرُّقْبَى؛ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْ طَرَفَيْهَا يَرْقُبُ مَوْتَ صَاحِبِهِ لِتَبْقَى لَهُ.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ هِيَ أَنْ يَقُول الشَّخْصُ أَرْقَبْتُكَ الدَّارَ مَثَلًا أَوْ هِيَ لَكَ رُقْبَى مُدَّةَ حَيَاتِكَ عَلَى أَنَّكَ إِنْ مِتَّ قَبْلِي عَادَتْ إِلَيَّ وَإِنْ مِتُّ قَبْلَكَ فَهِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ.

_________

(١) التعريفات وحاشية ابن عابدين ٤ / ٥٠٢، وشرح الزرقاني ٧ / ١٠٢، والشرح الصغير ٣ / ٥٧٠.

(٢) القوانين الفقهية ص٢٤٥، والمغني ٥ / ٦٨٧.

(٣) القوانين الفقهية ص٢٤٥، والمغني ٥ / ٦٨٧.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: هِيَ أَنْ يَقُول الرَّجُل لِلآْخَرِ إِنْ مِتَّ قَبْلِي فَدَارُكَ لِي وَإِنْ مِتُّ قَبْلَكَ فَدَارِي لَكَ (١)

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٦ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى جَوَازِ الْعُمْرَى لِقَوْلِهِ ﷺ: مِنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أَعْمَرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ (٢) وَلِقَوْلِهِ ﷺ: الْعُمْرَى جَائِزٌ لأَِهْلِهَا. (٣)

وَالْعُمْرَى نَوْعٌ مِنَ الْهِبَةِ يَفْتَقِرُ إِلَى مَا يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ سَائِرُ الْهِبَاتِ مِنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول وَالْقَبْضِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ ذَلِكَ (٤) .

٧ - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَوْنِ الْعُمْرَى تَمْلِيكَ عَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ.

فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّهَا تَمْلِيكُ عَيْنٍ فِي الْحَال، وَتُنْقَل إِلَى الْمُعْمَرِ (٥) لِمَا

_________

(١) المصباح المنير، والهداية ٣ / ٢٢٢، والتعريفات ص١١١، والقوانين الفقهية ص٢٤٥، ونهاية المحتاج ٥ / ٤١٠، والمغني ٦ / ٦٨٦.

(٢) حديث: " من أعمر عمري. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٢٤٦ - ١٢٤٧) من حديث جابر.

(٣) حديث: " العمري جائزة لأهلها ". أخرجه الترمذي (٣ / ٦٢٣) من حديث سمرة. وأخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٢٣٨) ومسلم (٣ / ١٢٤٨) بلفظ " العمري جائزة " ولمسلم " العمري ميراث لأهلها ".

(٤) الاختيار ٣ / ٥٣ والبدائع ٦ / ١١٦، والقوانين الفقهية ص٢٤٥، والشرح الصغير ٤ / ١٦٠، والإقناع ٢ / ٣٤، ومغني المحتاج ٣ / ٣٠٩، والمغني ٥ / ٦٨٧، ونيل الأوطار ٦ / ١١٨.

(٥) تبيين الحقائق ٥ / ٩٣، والبدائع ٦ / ١١٦، وبداية المجتهد ٢ / ٣٦١ ط. مكتبة الكليات الأزهرية، ونهاية المحتاج ٥ / ٤٠٧، وروضة الطالبين ٥ / ٣٧٠، والمغني لابن قدامة ٥ / ٦٨٧ - ٦٨٨.

رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وَلاَ تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أَعْمَرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ (١) وَفِي لَفْظٍ: قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالْعُمْرَى أَنَّهَا لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ. (٢)

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَاللَّيْثُ: إِنَّهُ لَيْسَ لِلْمُعْمَرِ فِيهَا إِلاَّ الْمَنْفَعَةُ فَإِذَا مَاتَ عَادَتْ إِلَى الْمُعْمِرِ، لِمَا رَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ قَال: سَمِعْتُ مَكْحُولًا يَسْأَل الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنِ الْعُمْرَى مَا يَقُول النَّاسُ فِيهَا؟ فَقَال الْقَاسِمُ: مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إِلاَّ عَلَى شُرُوطِهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَمَا أَعْطَوْا.

وَقَال إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ عَنِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ: لَمْ يَخْتَلِفِ الْعَرَبُ فِي الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى وَالْمِنْحَةِ وَنَحْوِهَا أَنَّهَا عَلَى مِلْكِ أَرْبَابِهَا وَمَنَافِعُهَا لِمَنْ جُعِلَتْ لَهُ،؛ وَلأَِنَّ التَّمْلِيكَ لاَ يَتَأَقَّتُ كَمَا لَوْ بَاعَهُ إِلَى مُدَّةٍ فَإِذَا كَانَ لاَ يَتَأَقَّتُ حُمِل قَوْلُهُ عَلَى تَمْلِيكِ الْمَنَافِعِ؛ لأَِنَّهُ يَصْلُحُ تَوْقِيتُهُ (٣) .

_________

(١) حديث: " أمسكوا عليكم أموالكم ". أخرجه مسلم (٣ / ١٢٤٦ - ١٢٤٧) .

(٢) حديث: " قضى النبي ﷺ بالعمري ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٢٣٨) ومسلم (٣ / ١٢٤٦) من حديث جابر، واللفظ للبخاري.

(٣) مواهب الجليل ٦ / ٦١، وجواهر الإكليل ٢ / ٣٤، وبداية المجتهد ٢ / ٣٦١، والمغني ٥ / ٦٨٧.

وَفَصَّل الشَّافِعِيَّةُ، فَقَالُوا: لِلْعُمْرَى ثَلاَثَةُ أَحْوَالٍ:

أَحَدُهَا: إِذَا قَال الرَّجُل: أَعَمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ فَإِذَا مِتُّ فَهِيَ لِوَرَثَتِكَ أَوْ لِعَقِبِكَ فَيَصِحُّ وَهِيَ الْهِبَةُ بِعَيْنِهَا، فَإِذَا مَاتَ فَالدَّارُ لِوَرَثَتِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَلِبَيْتِ الْمَال، وَلاَ تَعُودُ إِلَى الْوَاهِبِ بِحَالٍ.

الثَّانِي: يَقْتَصِرُ عَلَى قَوْلِهِ: جَعَلْتُهَا لَكَ عُمُرَكَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا سِوَاهُ فَفِيهِ قَوْلاَنِ: أَظْهَرُهُمَا وَهُوَ الْجَدِيدُ: أَنَّهُ يَصِحُّ وَلَهُ حُكْمُ الْهِبَةِ، وَفِي الْقَدِيمِ: أَنَّهُ بَاطِلٌ.

الثَّالِثُ: أَنْ يَقُول جَعَلْتُهَا لَكَ عُمُرَكَ فَإِذَا مِتَّ عَادَتْ إِلَيَّ أَوْ إِلَى وَرَثَتِي إِنْ كُنْتُ مِتُّ، فَالأَْصَحُّ أَنَّ ذَلِكَ هِبَةُ إِلْغَاءٍ لِلشَّرْطِ الْفَاسِدِ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ بُطْلاَنُ الْعَقْدِ لِفَسَادِ الشَّرْطِ (١) .

وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ حَتَّى قَال الْبُهُوتِيُّ: فَتَصِحُّ الْهِبَةُ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ وَهِيَ أَمْثِلَةُ الْعُمْرَى، وَتَكُونُ الْعَيْنُ الْمَوْهُوبَةُ لِلْمُعْمَرِ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ إِنْ كَانُوا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَرَثَةٌ فَلِبَيْتِ الْمَال كَسَائِرِ الأَْمْوَال الْمُتَخَلِّفَةِ (٢) .

_________

(١) روضة الطالبين للنووي ٥ / ٣٧٠، ونهاية المحتاج ٥ / ٤٠٧.

(٢) كشاف القناع ٤ / ٣٠٧.

عُمْرَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْعُمْرَةُ: بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْمِيمِ لُغَةً: الزِّيَارَةُ، وَقَدِ اعْتَمَرَ إِذَا أَدَّى الْعُمْرَةَ، وَأَعْمَرَهُ: أَعَانَهُ عَلَى أَدَائِهَا (١) .

وَاصْطِلاَحًا عَرَّفَهَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهَا الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ بِإِحْرَامٍ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الْحَجُّ:

٢ - الْحَجُّ فِي اللُّغَةِ: الْقَصْدُ، أَوِ الْقَصْدُ إِلَى مُعَظَّمٍ (٣)

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: عَرَّفَهُ الدَّرْدِيرُ بِأَنَّهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ وَالطَّوَافُ بِالْكَعْبَةِ وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مُحْرِمًا بِنِيَّةِ الْحَجِّ (٤) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ وَثِيقَةٌ، فَالْحَجُّ

_________

(١) لسان العرب، والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير، والقاموس المحيط للفيروزآبادي.

(٢) الشرح الكبير للدردير بهامش حاشية الدسوقي ٢ / ٢.

(٣) المصادر اللغوية السابقة.

(٤) الشرح الكبير على مختصر خليل للدردير ٢ / ٢.

يَتَضَمَّنُ أَعْمَال الْعُمْرَةِ وَيَزِيدُ عَلَيْهَا بِأَشْيَاءَ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَالْمَبِيتِ بِمِنًى وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَال الْحَجِّ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٣ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْعُمْرَةَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً وَاحِدَةً عَلَى اصْطِلاَحِ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْوَاجِبِ (١) .

وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْعُمْرَةَ فَرْضٌ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ الْعُمْرَةَ لاَ تَجِبُ عَلَى الْمَكِّيِّ (٢)؛ لأَِنَّ أَرْكَانَ الْعُمْرَةِ مُعْظَمُهَا الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَهُمْ يَفْعَلُونَهُ فَأَجْزَأَ عَنْهُمُ.

اسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى سُنِّيَّةِ الْعُمْرَةِ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا: حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَال: سُئِل رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الْعُمْرَةِ أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ قَال: لاَ، وَأَنْ تَعْتَمِرُوا هُوَ أَفْضَل (٣)، وَبِحَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ

_________

(١) الهداية وفتح القدير ٢ / ٣٠٦، وبدائع الصنائع ٢ / ٢٢٦، والدسوقي ٢ / ٢.

(٢) المنهاج للنووي وشرحه للمحلي بحاشيتي القليوبي وعميرة ٢ / ٩٢ (ط. محمد علي صبيح وأولاده) . والمغني لابن قدامة ٣ / ٢٢٣، ٢٢٤) ط. دار المنار الثالثة) والفروع لابن مفلح ٣ / ٢٠٣ (تصوير عالم الكتب)، وكشاف القناع ٢ / ٣٧٦.

(٣) حديث جابر: " سئل رسول الله ﷺ عن العمرة. . . ". أخرجه الترمذي (٣ / ٢٦١) والبيهقي (٤ / ٣٤٩) وصوّب البيهقي وقفه.