الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٠
الإِْحْيَاءِ فِي مَبْحَثِ الْعَزْل مَا يَدُل عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَهُوَ الأَْوْجَهُ؛ لأَِنَّهَا بَعْدَ الاِسْتِقْرَارِ آيِلَةٌ إِلَى التَّخَلُّقِ مُتَهَيَّأَةٌ لِنَفْخِ الرُّوحِ، وَقَال أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: يَجُوزُ إِلْقَاءُ النُّطْفَةِ وَالْعَلَقَةِ.
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ شُرْبُ دَوَاءٍ لإِلْقَاءِ الْعَلَقَةِ لاِنْعِقَادِهَا، وَأَجَازُوا شُرْبَ الدَّوَاءِ لإِلْقَاءِ النُّطْفَةِ؛ لأَِنَّهَا لَمْ تَنْعَقِدْ بَعْدُ، وَقَدْ لاَ تَنْعَقِدُ وَلَدًا (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى إِبَاحَةِ إِسْقَاطِ الْعَلَقَةِ حَيْثُ إِنَّهُمْ يَقُولُونَ بِإِبَاحَةِ إِسْقَاطِ الْحَمْل مَا لَمْ يَتَخَلَّقْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَنْ يَتِمَّ التَّخَلُّقُ إِلاَّ بَعْدَ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَإِطْلاَقُهُمْ يُفِيدُ عَدَمَ تَوَقُّفِ جَوَازِ إِسْقَاطِهَا قَبْل الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى إِذْنِ الزَّوْجِ، وَكَانَ الْفَقِيهُ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الْحَنَفِيُّ يَقُول: إِنَّهُ يُكْرَهُ، فَإِنَّ الْمَاءَ بَعْدَمَا وَقَعَ فِي الرَّحِمِ مَآلُهُ الْحَيَاةُ، فَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْحَيَاةِ كَمَا فِي بَيْضَةِ صَيْدِ الْحَرَمِ، قَال ابْنُ وَهْبَانَ: فَإِبَاحَةُ الإِْسْقَاطِ مَحْمُولَةٌ عَلَى حَالَةِ الْعُذْرِ أَوْ أَنَّهَا لاَ تَأْثَمُ إِثْمَ الْقَتْل (٢) .
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ،
_________
(١) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢ / ٢٦٦، ٢٦٧، وتحفة المحتاج ٧ / ١٨٦ ومطالب أولي النهى ١ / ٢٦٧.
(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٨٠.
وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْغُرَّةِ بِإِلْقَاءِ الْعَلَقَةِ؛ لأَِنَّ الْعَلَقَةَ لَمْ تَتَصَوَّرْ فَلَمْ يَجِبْ فِيهَا شَيْءٌ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ الْغُرَّةِ بِإِلْقَاءِ الْعَلَقَةِ (١) .
. مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى سُقُوطِ الْعَلَقَةِ
٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّ الْعَلَقَةَ لاَ تُعْتَبَرُ حَمْلًا، فَلاَ تُعْتَبَرُ الْمَرْأَةُ بِسُقُوطِهَا نُفَسَاءَ لاَ يَقَعُ عَلَيْهَا طَلاَقٌ مُعَلَّقٌ عَلَى الْوِلاَدَةِ وَلَيْسَ عَلَيْهَا عِدَّةٌ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْعَلَقَةَ تُعْتَبَرُ حَمْلًا فَتُعْتَبَرُ الْمَرْأَةُ بِسُقُوطِهَا نُفَسَاءَ وَيَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلاَقُ الْمُعَلَّقُ عَلَى الْوِلاَدَةِ وَتَنْقَضِي بِهَا الْعِدَّةُ (٢) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٧٨، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٦٨ وأسنى المطالب ٤ / ٩١ والمغني لابن قدامة ٧ / ٨٠٢.
(٢) بدائع الصنائع ٣ / ١٩٦، وحاشية ابن عابدين ١ / ٢٠١، والشرح الصغير ٢ / ٦٧٢، وحاشية الدسوقي ٢ / ٤٧٤، ونهاية المحتاج ١ / ٣٣٨، وحاشية الشرواني ٨ / ١٠٦، وحاشية عميرة على المحلي ١ / ١٠٩، وكشاف القناع ١ / ٢١٩، والإنصاف ٧ / ٤٩٢، ٩ / ٨١.
عِلَّةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْعِلَّةُ لُغَةً تُطْلَقُ عَلَى الْمَرَضِ، وَتُطْلَقُ عَلَى السَّبَبِ.
أَمَّا فِي اصْطِلاَحِ الأُْصُولِيِّينَ: فَقَدْ عَرَّفَهَا الْغَزَالِيُّ بِقَوْلِهِ: هِيَ مَا أَضَافَ الشَّارِعُ الْحُكْمَ إِلَيْهِ وَنَاطَهُ بِهِ، وَنَصَبَهُ عَلاَمَةً عَلَيْهِ (١)، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٢) جُعِلَتِ السَّرِقَةُ فِيهِ مَنَاطًا لِقَطْعِ الْيَدِ، وَقَوْلُهُ ﷺ: الْقَاتِل لاَ يَرِثُ (٣) جَعَل فِيهِ قَتْل الْمُوَرَّثِ مَنَاطًا لِلْحُكْمِ وَهُوَ حِرْمَانُ الْقَاتِل إِرْثَ الْمَقْتُول.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْحِكْمَةُ:
٢ - الْحِكْمَةُ فِي اللُّغَةِ: عِبَارَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ أَفْضَل
_________
(١) المستصفى ٢ / ٢٣٠ ط. المطبعة الأميرية ببولاق بمصر سنة ١٣٢٤هـ.
(٢) سورة المائدة / ٣٨.
(٣) حديث: " القاتل لا يرث ". أخرجه الترمذي (٤ / ٤٢٥) والبيهقي (٦ / ٢٢٠) من حديث أبي هريرة وذكر البيهقي تضعيف أحد رواته ثم قال: " إلا أن شواهد تقويه ".
الأَْشْيَاءِ بِأَفْضَل الْعُلُومِ (١) .
وَفِي اصْطِلاَحِ الأُْصُولِيِّينَ هِيَ: الْمَصْلَحَةُ الَّتِي قَصَدَ الشَّارِعُ مِنْ تَشْرِيعِ الْحُكْمِ تَحْقِيقَهَا أَوْ تَكْمِيلَهَا، أَوِ الْمَفْسَدَةُ الَّتِي قَصَدَ الشَّارِعُ بِتَشْرِيعِ الْحُكْمِ دَفْعَهَا أَوْ تَقْلِيلَهَا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ حِكْمَةِ الْحُكْمِ وَعِلَّتِهِ: أَنَّ حِكْمَةَ الْحُكْمِ: هِيَ الْبَاعِثُ عَلَى تَشْرِيعِهِ، وَالْغَايَةُ الْمَقْصُودَةُ مِنْهُ، أَمَّا عِلَّةُ الْحُكْمِ فَهِيَ الأَْمْرُ الظَّاهِرُ الْمُنْضَبِطُ الَّذِي بَنَى الشَّارِعُ الْحُكْمَ عَلَيْهِ وَرَبَطَهُ بِهِ وُجُودًا وَعَدَمًا؛ لأَِنَّ مِنْ شَأْنِ بِنَائِهِ عَلَيْهِ وَرَبْطِهِ بِهِ أَنْ يُحَقِّقَ حِكْمَةَ تَشْرِيعِ الْحُكْمِ (٢) .
ب - السَّبَبُ:
٣ - السَّبَبُ فِي اللُّغَةِ الْحَبْل، وَهُوَ مَا يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى الاِسْتِعْلاَءِ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُل شَيْءٍ يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى أَمْرٍ مِنَ الأُْمُورِ (٣) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ: مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ، وَمِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ بِالنَّظَرِ لِذَاتِهِ (٤)، كَالزَّوَال مَثَلًا فَإِنَّ الشَّرْعَ وَضَعَهُ سَبَبًا لِدُخُول وَقْتِ الظُّهْرِ.
وَعِنْدَ أَهْل الشَّرْعِ يَشْتَرِكُ الْعِلَّةُ وَالسَّبَبُ فِي
_________
(١) لسان العرب.
(٢) حاشية العطار ٢ / ٣١٨ - ٣١٩.
(٣) المصباح المنير ونهاية المحتاج ١ / ١٠٨.
(٤) نهاية المحتاج ١ / ١٠٨، والكليات ٣ / ٢١.
تَرْتِيبِ الْمُسَبَّبِ، وَالْمَعْلُول عَلَيْهِمَا، وَيَفْتَرِقَانِ فِي وَجْهَيْنِ:
أَحَدِهِمَا: أَنَّ السَّبَبَ مَا يَحْصُل الشَّيْءُ عِنْدَهُ لاَ بِهِ، وَالْعِلَّةُ مَا يَحْصُل بِهِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْمَعْلُول يَتَأَثَّرُ عَنْ عِلَّتِهِ بِلاَ وَاسِطَةٍ بَيْنَهُمَا، وَلاَ شَرْطَ يَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ عَلَى وُجُودِهِ، وَالسَّبَبُ إِنَّمَا يُفْضِي إِلَى الْحُكْمِ بِوَاسِطَةٍ، وَقَدْ يُرَادُ بِالسَّبَبِ: الْعِلَّةُ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ فَيَقُولُونَ: النِّكَاحُ سَبَبُ الْحِل، وَالطَّلاَقُ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْعِدَّةِ شَرْعًا (١) .
ج - الشَّرْطُ:
٤ - الشَّرْطُ فِي اللُّغَةِ: الْعَلاَمَةُ: جَاءَ فِي التَّنْزِيل: ﴿فَهَل يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (٢) أَيْ: عَلاَمَاتُهَا.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ، وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلاَ عَدَمٌ لِذَاتِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعِلَّةِ وَالشَّرْطِ أَنَّ الشَّرْطَ مُنَاسَبَتُهُ فِي غَيْرِهِ كَالْوُضُوءِ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلاَةِ، وَالْعِلَّةُ مُنَاسَبَتُهَا فِي نَفْسِهَا كَالنِّصَابِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ (٣) .
_________
(١) نهاية المحتاج ١ / ١٠٨، والكليات ٣ / حرف السين.
(٢) سورة محمد / ١٨.
(٣) أسنى المطالب ١ / ١٧٠، والفروق للقرافي ١ / ١٠٩ - ١١٠.
د - الْمَانِعُ:
٥ - الْمَانِعُ لُغَةً: الْحَائِل.
وَاصْطِلاَحًا مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْعَدَمُ، وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ وُجُودٌ وَلاَ عَدَمٌ لِذَاتِهِ (١) .
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْعِلَّةِ:
٦ - الْعِلَّةُ مِنْ أَهَمِّ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ، وَالْقِيَاسُ مِنْ مَصَادِرِ الْفِقْهِ الإِْسْلاَمِيِّ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، فَإِذَا لَمْ يُدْرِكِ الْعَقْل عِلَّةً لِحُكْمِ الأَْصْل امْتَنَعَ الْقِيَاسُ؛ لاِنْعِدَامِ أَهَمِّ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهِ (٢) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
شُرُوطُ الْعِلَّةِ:
٧ - لِلْعِلَّةِ شُرُوطٌ مِنْهَا:
أ - أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ وَصْفًا ظَاهِرًا أَيْ: وَاضِحًا يُمْكِنُ إِدْرَاكُهُ وَالتَّحَقُّقُ مِنْ وُجُودِهِ أَوْ عَدَمِهِ، وَذَلِكَ كَالصِّغَرِ فِي ثُبُوتِ الْوِلاَيَةِ عَلَى الصَّغِيرِ، وَالرُّشْدِ فِي ثُبُوتِهَا لِلرَّشِيدِ، وَالإِْسْكَارِ فِي حُرْمَةِ الْخَمْرِ، وَقَدْ تَكُونُ الْعِلَّةُ أَمْرًا خَفِيًّا أَقَامَ الشَّارِعُ مَقَامَهُ أَمْرًا ظَاهِرًا يَقْتَرِنُ بِهِ وَيَدُل عَلَيْهِ. كَالرِّضَا الَّذِي هُوَ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ
_________
(١) أسنى المطالب ١ / ١٧٠.
(٢) الإبهاج في شرح المنهاج ٢ / ٢٩، وما بعدها، والتحصيل من المحصول ٢ / ٢٤٤ وفواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت ٢ / ٢٥٠، المستصفى ٢ / ٢٦٤
لِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَتَشْرِيعِهِ، وَهُوَ أَمْرٌ خَفِيٌّ لاَ يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ، فَأَقَامَ الشَّارِعُ مَقَامَهُ أَمْرًا ظَاهِرًا يَقْتَرِنُ بِهِ وَيَدُل عَلَى وُجُودِهِ وَهُوَ: الإِْيجَابُ وَالْقَبُول، وَالْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ لِلْحُكْمِ فِي الْقِصَاصِ وُقُوعُ الْقَتْل عَمْدًا وَعُدْوَانًا، فَإِذَا كَانَ الْقَتْل أَمْرًا ظَاهِرًا فَالتَّعَمُّدُ أَمْرٌ خَفِيٌّ، فَأَقَامَ الشَّارِعُ مَقَامَهُ مَا يَقْتَرِنُ بِهِ وَيَدُل عَلَيْهِ، وَهُوَ اسْتِعْمَال الآْلَةِ الَّتِي تُسْتَعْمَل عَادَةً فِي الْقَتْل (١) .
ب - أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ وَصْفًا مُنْضَبِطًا لاَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ مَوْصُوفِهِ، فَقَتْل الْوَارِثِ مُوَرَّثَهُ - الْمُؤَدِّي إِلَى الْحِرْمَانِ مِنْ إِرْثِ الْمَقْتُول - أَمْرٌ مَحْدُودٌ، لاَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْقَاتِل أَوِ الْمَقْتُول، وَالشِّدَّةُ الْمُؤَدِّيَةُ إِلَى السُّكْرِ فِي حُرْمَةِ الْخَمْرِ وَصْفٌ مَحْدُودٌ؛ لأَِنَّهَا فِي نَبِيذِ الْعِنَبِ مِثْلُهَا فِي نَبِيذِ الشَّعِيرِ أَوِ التَّمْرِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ يَكُونُ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ غَيْرَ مُنْضَبِطٍ فَيُقِيمُ الشَّارِعُ أَيْضًا مَقَامَهُ أَمْرًا مُنْضَبِطًا يَقْتَرِنُ بِهِ وَيَدُل عَلَيْهِ، كَإِبَاحَةِ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ، فَالْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ لإِبَاحَةِ الْفِطْرِ الْمَشَقَّةُ وَهِيَ أَمْرٌ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ، فَقَدْ يُعَدُّ مَشَقَّةً عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ مَا لَيْسَ بِمَشَقَّةٍ عِنْدَ آخَرِينَ، فَأَقَامَ الشَّارِعُ مَقَامَهَا مَا هُوَ مَظِنَّةٌ لِلْمَشَقَّةِ فِي الأُْمُورِ الْمُنْضَبِطَةِ: وَهُوَ السَّفَرُ أَوِ الْمَرَضُ.
_________
(١) المستصفى ٢ / ٣٣٥ وما بعدها.
ج - أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ مُتَعَدِّيًا غَيْرَ مَقْصُورٍ عَلَى الأَْصْل، فَإِذَا كَانَ مَقْصُورًا عَلَى الأَْصْل لَمْ يَصِحَّ الْقِيَاسُ؛ لاِنْعِدَامِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ، كَإِبَاحَةِ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ لِلْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ فَإِنَّهُ لاَ يُقَاسُ عَلَيْهِمَا الْمُشْتَغِل بِالأَْعْمَال الشَّاقَّةِ؛ لأَِنَّ الْعِلَّةَ هِيَ السَّفَرُ وَهُوَ لاَ يُوجَدُ إِلاَّ فِي مُسَافِرٍ، أَوِ الْمَرَضُ وَهُوَ لاَ يُوجَدُ إِلاَّ فِي مَرِيضٍ.
د - أَلاَّ يَكُونَ مِنَ الأَْوْصَافِ الَّتِي أَلْغَى الشَّارِعُ اعْتِبَارَهَا، كَأَنْ يُضِيفَ الشَّارِعُ الْحُكْمَ إِلَى وَصْفٍ وَيَنُوطَهُ بِهِ ثُمَّ تَقْتَرِنُ بِهِ أَوْصَافٌ عُلِمَ بِعَادَةِ الشَّرْعِ وَمَوَارِدِهِ وَمَصَادِرِهِ فِي أَحْكَامِهِ أَنَّهُ لاَ مَدْخَل لَهَا فِي التَّأْثِيرِ كَكَوْنِ الَّذِي أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ بِوِقَاعِ أَهْلِهِ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الشَّارِعُ الْعِتْقَ أَعْرَابِيًّا، فَإِنَّا نُلْحِقُهُ كُل مُكَلَّفٍ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ، وَنَحْذِفُ عَنْ دَرَجَةِ الاِعْتِبَارِ وَصْفَ كَوْنِهِ أَعْرَابِيًّا وَاقَعَ مَنْكُوحَتَهُ فِي رَمَضَانَ مُعَيَّنٍ وَفِي يَوْمٍ مِنْهُ؛ لأَِنَّا نَعْلَمُ مِنْ عَادَةِ الشَّرْعِ وَمَوَارِدِهِ وَمَصَادِرِهِ أَنَّ مَنَاطَ الْحُكْمِ وِقَاعُ مُكَلَّفٍ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ صَائِمٌ.
وَتَفْصِيل شُرُوطِ الْعِلَّةِ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ
. مَا تَثْبُتُ بِهِ الْعِلَّةُ:
٨ - تَثْبُتُ الْعِلَّةُ بِالأَْدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مِنَ الْكِتَابِ
وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ، أَوْ نَوْعٍ مِنَ الاِسْتِدْلاَل الْمُسْتَنْبَطِ.
فَالَّتِي تَثْبُتُ بِالأَْدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ النَّقْلِيَّةِ إِنَّمَا تُسْتَفَادُ مِنْ صَرِيحِ النُّطْقِ، أَوِ الإِْيمَاءِ، أَوْ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى الأَْسْبَابِ، فَالْمُسْتَفَادُ مِنَ الصَّرِيحِ: أَنْ يَرِدَ فِيهِ لَفْظُ التَّعْلِيل مِثْل قَوْله تَعَالَى: ﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَْغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ (١) قَوْلُهُ جَل شَأْنُهُ: ﴿مِنْ أَجْل ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل﴾ (٢) الآْيَةَ.
وَالْمُسْتَفَادُ مِنَ الإِْيمَاءِ عَلَى الْعِلَّةِ: كَقَوْلِهِ ﷺ: لَمَّا سُئِل عَنِ الْهِرَّةِ: إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ (٣) فَإِنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْتِ بِأَدَوَاتِ التَّعْلِيل عَلَى قَوْل بَعْضِ الأُْصُولِيِّينَ الَّذِينَ لاَ يَعُدُّونَ (إِنْ) مِنْ أَدَوَاتِ التَّعْلِيل (٤)، إِلاَّ أَنَّهُ أَوْمَأَ إِلَى التَّعْلِيل؛ لأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الطَّوَافُ عِلَّةً لَمْ يَكُنْ ذِكْرُهُ مُفِيدًا.
وَالْمُسْتَفَادُ بِالتَّنْبِيهِ عَلَى الأَْسْبَابِ: أَنْ يُرَتِّبَ الأَْحْكَامَ عَلَيْهَا بِصِيغَةِ الْجَزَاءِ وَالشَّرْطِ - أَوْ بِإِلْغَاءِ الَّتِي هِيَ لِلتَّعْقِيبِ - وَالتَّسْبِيبِ، كَقَوْلِهِ ﵊: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً
_________
(١) سورة الحشر / ٧.
(٢) سورة المائدة / ٣٢.
(٣) حديث: " إنها من الطوافين عليكم. . . ". أخرجه أحمد (٥ / ٣٠٣) والترمذي (١ / ١٥٤) من حديث أبي قتادة واللفظ لأحمد، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح) .
(٤) البحر المحيط للزركشي ٥ / ١٩٢.
فَهِيَ لَهُ (١) وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ . (٢)
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
٩ - وَتَثْبُتُ الْعِلَّةُ كَذَلِكَ بِالإِْجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْوَصْفَ مُؤَثِّرٌ، وَمِثَالُهُ قَوْلُهُمْ: إِذَا قُدِّمَ الأَْخُ مِنَ الأَْبِ وَالأُْمِّ عَلَى الأَْخِ لِلأَْبِ فِي الْمِيرَاثِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ عَلَيْهِ فِي وِلاَيَةِ النِّكَاحِ، فَإِنَّ الْعِلَّةَ فِي التَّقْدِيمِ فِي الْمِيرَاثِ بِسَبَبِ امْتِزَاجِ الأُْخُوَّةِ وَهُوَ الْمُؤَثِّرُ بِالاِتِّفَاقِ.
وَكَذَلِكَ يُقَال: يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى السَّارِقِ وَإِنْ قُطِعَ؛ لأَِنَّهُ مَالٌ تَلِفَ تَحْتَ الْيَدِ الْعَادِيَةِ فَيُضْمَنُ كَمَا فِي الْغَصْبِ وَهَذَا الْوَصْفُ هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي الْغَصْبِ اتِّفَاقًا.
إِثْبَاتُ الْعِلَّةِ بِالاِسْتِنْبَاطِ، وَطُرُقِ الاِسْتِدْلاَل:
١٠ - إِذَا لَمْ تَثْبُتِ الْعِلَّةُ بِنَصٍّ - أَوْ إِجْمَاعٍ - بَحَثَ الْمُجْتَهِدُ فِي الأَْصْل الْمَنْصُوصِ عَلَى حُكْمِهِ عَنْ وَصْفٍ يُدْرِكُ الْعَقْل مُنَاسَبَتَهُ، أَيْ: صَلاَحِيَتَهُ لِرَبْطِ الْحُكْمِ بِهِ، وَبِنَائِهِ عَلَيْهِ، لِتَتَحَقَّقَ الْمَصْلَحَةُ الْمَقْصُودَةُ مِنْهُ، فَإِذَا وَجَدَ فِي الْفِعْل الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ وَصْفًا مُنَاسِبًا
_________
(١) حديث: " من أحيا أرضًا ميتة فهي له ". أخرجه الترمذي (٣ / ٦٥٥) من حديث جابر بن عبد الله وقال: " حديث حسن صحيح ".
(٢) سورة المائدة / ٣٨. وانظر المستصفى ٢ / ٢٨٨ وما بعدها، والبحر المحيط ٥ / ٣٢ وما بعدها ١٨٤ وما بعدها.