الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٠
مِثْل مَا يَأْخُذُهُ الْحَرْبِيُّونَ مِنْ تُجَّارِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ مِنَّا الْعُشْرَ أَخَذْنَا مِنْ تُجَّارِهِمُ الْعُشْرَ، وَإِنْ أَخَذُوا نِصْفَ الْعُشْرِ أَخَذْنَا مِنْ تُجَّارِهِمْ مِثْل ذَلِكَ، وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْل عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ لأَِبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ: خُذْ أَنْتَ مِنْهُمْ كَمَا يَأْخُذُونَ مِنْ تُجَّارِنَا؛ وَلأَِنَّ ذَلِكَ أَدْعَى لَهُمْ إِلَى الْمُخَالَطَةِ بِدَارِ الإِْسْلاَمِ فَيَرَوْا مَحَاسِنَ الإِْسْلاَمِ فَيَدْعُوهُمْ ذَلِكَ إِلَى الإِْسْلاَمِ، وَفِي حَالَةِ عَدَمِ الْعِلْمِ بِمِقْدَارِ مَا يَأْخُذُونَهُ مِنْ تُجَّارِ الْمُسْلِمِينَ يُؤْخَذُ مِنْ تُجَّارِهِمُ الْعُشْرُ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ تُجَّارِ أَهْل الْحَرْبِ وَأَهْل الذِّمَّةِ فِي الْمِقْدَارِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ إِذَا مَرُّوا بِتِجَارَةٍ عَلَى الْعَاشِرِ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْعُشْرُ مِنْ غَيْرِ الطَّعَامِ وَنِصْفُ الْعُشْرِ إِذَا جَلَبُوا الطَّعَامَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ إِلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، لَكِنَّهُمْ أَجَازُوا بِالنِّسْبَةِ لِتُجَّارِ أَهْل الْحَرْبِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ أَكْثَرُ مِنَ الْعُشْرِ إِنِ اشْتُرِطَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ (٢) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَهُوَ قَوْل ابْنِ نَافِعٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ تَقْدِيرَ الْعُشُورِ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنَ التَّاجِرِ الْحَرْبِيِّ مَتْرُوكٌ إِلَى اجْتِهَادِ الإِْمَامِ حَسَبَ مَا تَقْضِي بِهِ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٣١٤.
(٢) بلغة السالك ١ / ٣٧١.
الْمَصْلَحَةُ الْعَامَّةُ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ أَخْذَ الْعُشْرِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ دُونَهُ، وَيَجُوزُ لَهُ عَدَمُ أَخْذِ شَيْءٍ إِذَا جَلَبَ الْحَرْبِيُّ بِضَاعَةً يَحْتَاجُ إِلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْحَرْبِيِّ الْعُشْرُ دُفْعَةً وَاحِدَةً، سَوَاءٌ عَشَّرُوا أَمْوَال الْمُسْلِمِينَ إِذَا دَخَلَتْ إِلَيْهِمْ أَمْ لاَ؛ لأَِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أَخَذَ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ الْعُشْرَ وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ عَنْهُ وَلَمْ يُنْكَرْ وَعَمِل بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بَعْدَهُ (٢) .
الْمُدَّةُ الَّتِي يُجْزِئُ عَنْهَا الْعُشْرُ:
٢٧ - تَخْتَلِفُ الْمُدَّةُ الَّتِي يُجْزِئُ عَنْهَا الْعُشْرُ بِاخْتِلاَفِ الأَْشْخَاصِ الَّذِينَ يَخْضَعُونَ لَهُ.
أَوَّلًا - الذِّمِّيُّ:
٢٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْعُشْرَ لاَ يُؤْخَذُ مِنْ تُجَّارِ أَهْل الذِّمَّةِ فِي السَّنَةِ إِلاَّ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَاسْتَدَلُّوا بِالْقِيَاسِ عَلَى الْجِزْيَةِ فَهِيَ لاَ تُؤْخَذُ مِنَ الذِّمِّيِّ فِي السَّنَةِ إِلاَّ مَرَّةً وَاحِدَةً؛ وَلأَِنَّ الأَْخْذَ مِنْهُمْ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى اسْتِئْصَال الْمَال (٣) .
_________
(١) المدونة ١ / ٢٤١، وروضة الطالبين للنووي ١٠ / ٣١٩، ومغني المحتاج ٤ / ٢٤٧.
(٢) كشاف القناع ٣ / ١٣٨.
(٣) البدائع ٢ / ٣٧، ومغني المحتاج ٤ / ٢٤٧، وكشاف القناع ٣ / ١٣٨.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْعُشْرَ يُؤْخَذُ مِنْ تُجَّارِ أَهْل الذِّمَّةِ كُلَّمَا اخْتَلَفُوا إِلَى آفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فِي السَّنَةِ مِرَارًا إِذَا كَانَ اخْتِلاَفُهُ مِنْ قِطَاعٍ إِلَى آخَرَ؛ لأَِنَّ عِلَّةَ الأَْخْذِ مِنْهُمُ الاِنْتِفَاعُ وَالْحِمَايَةُ وَهِيَ مُتَحَقِّقَةٌ فِي كُل حَالٍ يَخْتَلِفُونَ بِهِ (١) .
ثَانِيًا: الْحَرْبِيُّ:
٢٩ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْحَرْبِيَّ إِذَا دَخَل دَارَ الإِْسْلاَمِ بِعَقْدِ أَمَانٍ وَدَفَعَ عُشْرَ تِجَارَتِهِ فَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ مَرَّةً ثَانِيَةً فِي أَثْنَاءِ مُدَّةِ الأَْمَانِ الَّتِي تَقِل عَنْ سَنَةٍ؛ لأَِنَّ بِلاَدَ الإِْسْلاَمِ كَالْبَلَدِ الْوَاحِدِ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَرْبِيِّ.
كَمَا ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ إِذَا عَادَ فِي السَّنَةِ بِمَالٍ آخَرَ غَيْرِ الَّذِي عَشَرَهُ أُخِذَ مِنْهُ الْعُشْرُ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا لَمْ تَنْفُقْ تِجَارَتُهُ الَّتِي عَشَرَهَا ثُمَّ رَجَعَ بِهَا إِلَى دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ عَادَ مَرَّةً أُخْرَى بِهَا، هَل تُعَشَّرُ مَرَّةً ثَانِيَةً أَمْ لاَ؟
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْعُشْرَ يُؤْخَذُ مِنْهُ كُلَّمَا دَخَل دَارَ الإِْسْلاَمِ، سَوَاءٌ عَادَ بِنَفْسِ الْمَال أَوْ بِمَالٍ آخَرَ سِوَاهُ؛ لأَِنَّ الأَْمَانَ الأَْوَّل قَدِ انْتَهَى بِدُخُولِهِ دَارَ الْحَرْبِ وَقَدْ رَجَعَ بِأَمَانٍ جَدِيدٍ فَلاَ بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ الْعُشْرِ؛ وَلأَِنَّ الأَْخْذَ مِنْهُمْ بَعْدَ
_________
(١) منح الجليل لعليش ١ / ٧٦٠، والمنتقى ٢ / ١٧٨.
دُخُول دَارِ الْحَرْبِ لاَ يُفْضِي إِلَى اسْتِئْصَال الْمَال.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الإِْمَامِ الشَّافِعِيِّ، إِلَى أَنَّ الْعُشْرَ لاَ يُؤْخَذُ مِنَ التَّاجِرِ الْحَرْبِيِّ سِوَى مَرَّةً وَاحِدَةً فِي السَّنَةِ وَلَوْ تَرَدَّدَ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ عِدَّةَ مَرَّاتٍ كَالذِّمِّيِّ؛ لأَِنَّهُ حَقٌّ يُؤْخَذُ مِنَ التِّجَارَةِ فَلاَ يُؤْخَذُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ فِي السَّنَةِ كَالزَّكَاةِ وَنِصْفِ الْعُشْرِ مِنَ الذِّمِّيِّ وَجِزْيَةِ الرُّءُوسِ (١) .
وَقْتُ اسْتِيفَاءِ الْعُشْرِ:
٣٠ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، أَنَّ وَقْتَ اسْتِيفَاءِ الْعُشْرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَرْبِيِّ عِنْدَ دُخُولِهِ دَارَ الإِْسْلاَمِ، وَبِالنِّسْبَةِ لِلذِّمِّيِّ عِنْدَ مُرُورِهِ بِعَاشِرِ الإِْقْلِيمِ الْمُنْتَقِل إِلَيْهِ، سَوَاءٌ بَاعَ مَا فِي يَدِهِ مِنْ بِضَاعَةٍ أَوْ لَمْ يَبِعْ؛ لأَِنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْهُمْ لَهُ حَقُّ الْوُصُول وَالْحِمَايَةِ مِنَ اللُّصُوصِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ.
وَذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ وَقْتَ اسْتِيفَاءِ الْعُشْرِ بِالنِّسْبَةِ لِلذِّمِّيِّ الَّذِي يَنْتَقِل بِبِضَاعَتِهِ مِنْ أُفُقٍ إِلَى آخَرَ عِنْدَ بَيْعِ مَا بِيَدِهِ مِنْ بِضَاعَةٍ، فَإِذَا لَمْ يَبِعْ شَيْئًا لَمْ يُؤْخَذْ
_________
(١) البدائع ٢ / ٣٧، وتبيين الحقائق ١ / ٢٨٥، وبلغة السالك ١ / ٣٧١، وروضة الطالبين ١٠ / ٣٢٠، وكشاف القناع ٣ / ١٣٨.
مِنْهُ شَيْءٌ؛ لأَِنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ لِحَقِّ الاِنْتِفَاعِ، أَمَّا الْحَرْبِيُّ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ عِنْدَ دُخُولِهِ دَارَ الإِْسْلاَمِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ تَحْدِيدَ وَقْتِ اسْتِيفَاءِ الْعُشْرِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ شَرْطِ الإِْمَامِ، فَإِنِ اشْتَرَطَ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْبِضَاعَةِ، أَوْ عِنْدَ الدُّخُول كَانَ الْوَقْتُ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَرْبِيِّ عِنْدَ دُخُول دَارِ الإِْسْلاَمِ وَبِالنِّسْبَةِ لِلذِّمِّيِّ عِنْدَ مُرُورِهِ بِالْعَاشِرِ سَوَاءٌ بَاعَ أَوْ لَمْ يَبِعْ، وَإِنِ اشْتَرَطَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ ثَمَنِ مَا بَاعُوهُ كَانَ وَقْتُ الاِسْتِيفَاءِ بَعْدَ أَنْ يَبِيعُوا الْبِضَاعَةَ فَإِنْ كَسَدَتْ وَلَمْ يَبِيعُوا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمْ شَيْءٌ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُحَصِّل الثَّمَنَ (١) .
مَنْ لَهُ حَقُّ اسْتِيفَاءِ الْعُشْرِ:
٣١ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْعُشْرَ مِنَ الأَْمْوَال الْعَامَّةِ الَّتِي يَتَوَلَّى أَمْرَهَا الأَْئِمَّةُ وَالْوُلاَةُ؛ لأَِنَّ أَمْنَ الطَّرِيقِ بِالإِْمَامِ وَالْوُلاَةِ، فَصَارَ هَذَا الْمَال آمِنًا بِرِعَايَتِهِمْ وَحِمَايَتِهِمْ، فَثَبَتَ حَقُّ أَخْذِ الْعُشْرِ لَهُمْ (٢) .
طُرُقُ اسْتِيفَاءِ الْعُشْرِ:
٣٢ - إِذَا كَانَ الإِْمَامُ أَوِ الْوَالِي هُوَ صَاحِبَ
_________
(١) الاختيار ١ / ١١٦، والشرح الصغير للدردير ١ / ٣٧١، ومغني المحتاج ٤ / ٢٤٧، وأحكام أهل الذمة ١ / ١٥٩.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ١٨ / ١٤، وشرح السير الكبير ٥ / ٢١٣٤، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٦.
الْحَقِّ فِي اسْتِيفَاءِ الْعُشْرِ فَلاَ يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سَيُبَاشِرُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يُوَكِّل غَيْرَهُ فِي اسْتِيفَائِهَا، وَمِنَ الطُّرُقِ الْمُتَّبَعَةِ فِي اسْتِيفَاءِ الْعُشُورِ الْعِمَالَةُ عَلَى الْعُشُورِ، وَالْقُبَالَةُ (التَّضْمِينُ) .
الطَّرِيقَةُ الأُْولَى: الْعِمَالَةُ عَلَى الْعُشْرِ:
٣٣ - الْعِمَالَةُ عَلَى الْعُشْرِ وِلاَيَةٌ مِنَ الْوِلاَيَاتِ الشَّرْعِيَّةِ الصَّادِرَةِ عَنِ الإِْمَامِ يَتِمُّ بِمُقْتَضَاهَا اسْتِيفَاءُ الْعُشْرِ وَقَبْضُهُ، وَيُطْلَقُ عَلَى عَامِل الْعُشْرِ الْعَاشِرُ وَهُوَ: مَنْ يُنَصِّبْهُ الإِْمَامُ عَلَى الطَّرِيقِ لِيَأْخُذَ الْعُشْرَ الشَّامِل لِرُبُعِهِ وَنِصْفِهِ.
وَلِلْعَاشِرِ وَظِيفَتَانِ هُمَا: الْجِبَايَةُ وَالْحِمَايَةُ، فَهُوَ يَجْبِي الْعُشْرَ سَوَاءٌ كَانَ الْمَأْخُوذُ عُشْرًا لُغَوِيًّا أَوْ رُبُعَهُ أَوْ نِصْفَهُ، وَهُوَ يَحْمِي التُّجَّارَ مِنَ اللُّصُوصِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ (١) .
حُكْمُ الْعَمَل عَلَى الْعُشُورِ:
٣٤ - الْعَمَل عَلَى الْعُشْرِ مِنَ الأَْعْمَال الْمَشْرُوعَةِ الَّتِي عَمِل بِهَا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَالسَّلَفُ الصَّالِحُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَحَرَّجَ مِنْهَا بَعْضُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أَرَادَ أَنْ يَسْتَعْمِل أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ عَلَى هَذَا الْعَمَل، فَقَال لَهُ: أَتَسْتَعْمِلُنِي عَلَى الْمَكْسِ مِنْ
_________
(١) المراجع السابقة.
عَمَلِكَ؟ فَقَال: أَلاَ تَرْضَى أَنْ أُقَلِّدَكَ مَا قَلَّدَنِيهِ رَسُول اللَّهِ؟ ﷺ.
وَكَانَ أَوَّل عَاشِرٍ فِي الإِْسْلاَمِ زِيَادَ بْنَ حُدَيْرٍ الأَْسَدِيَّ الَّذِي بَعَثَهُ عُمَرُ ﵁ عَلَى عُشُورِ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رُبُعَ الْعُشْرِ وَمِنْ أَهْل الذِّمَّةِ نِصْفَ الْعُشْرِ وَمِنْ أَهْل الْحَرْبِ الْعُشْرَ، فَصَارَ ذَلِكَ سُنَّةً فِي الْمُرُورِ بِأَمْوَال التِّجَارَةِ خَاصَّةً (١) .
شُرُوطُ الْعَاشِرِ:
٣٥ - كَانَتْ مُهِمَّةُ الْعَاشِرِ لاَ تَقْتَصِرُ عَلَى جِبَايَةِ الْعُشْرِ مِنْ تُجَّارِ أَهْل الْحَرْبِ، وَأَهْل الذِّمَّةِ، وَإِنَّمَا تَشْتَمِل فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ عَلَى جِبَايَةِ الزَّكَاةِ وَحِمَايَةِ التُّجَّارِ مِنَ اللُّصُوصِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ، فَيُشْتَرَطُ فِيهِ مِنَ الشُّرُوطِ مَا يُؤَهِّلُهُ لِلْقِيَامِ بِهَذَا الْعَمَل، وَمِنْ ذَلِكَ: الإِْسْلاَمُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْعِلْمُ بِأَحْكَامِ الْعُشْرِ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى حِمَايَةِ التُّجَّارِ مِنَ اللُّصُوصِ وَقُطَّاعِ الطُّرُقِ؛ لأَِنَّ الْجِبَايَةَ بِالْحِمَايَةِ (٢) .
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (عَامِلٌ ف ٦) .
مَا يُرَاعِيهِ الْعَاشِرُ فِي جِبَايَةِ الْعُشُورِ:
٣٦ - عَلَى الْعَاشِرِ أَنْ يُرَاعِيَ عِنْدَ أَخْذِهِ الْعُشْرَ الأُْمُورَ التَّالِيَةَ:
_________
(١) الخراج ١٣٥.
(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٠٩.
أ - أَنْ لاَ يَتَعَدَّى عَلَى النَّاسِ فِيمَا يُعَامِلُهُمْ بِهِ، فَلاَ يَأْخُذُ مِنْهُمْ أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَمْتَثِل مَا أَمَرَهُ بِهِ الْحَاكِمُ (١) .
ب - أَنْ لاَ يُكَرِّرَ أَخْذَ الْعُشْرِ. فَعَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ أَنَّهُ مَدَّ حَبْلًا عَلَى الْفُرَاتِ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ نَصْرَانِيٌّ فَأَخَذَ مِنْهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ فَبَاعَ سِلْعَتَهُ فَلَمَّا رَجَعَ مَرَّ عَلَيْهِ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ، فَقَال: كُلَّمَا مَرَرْتُ عَلَيْكَ تَأْخُذُ مِنِّي؟ قَال: نَعَمْ، فَرَحَل الرَّجُل إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَوَجَدَهُ بِمَكَّةَ يَخْطُبُ النَّاسَ، قَال فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي رَجُلٌ نَصْرَانِيٌّ مَرَرْتُ عَلَى زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ فَأَخَذَ مِنِّي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ فَبِعْتُ سِلْعَتِي، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ مِنِّي، قَال: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، لَيْسَ لَهُ عَلَيْكَ فِي مَالِكَ فِي السَّنَةِ إِلاَّ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ نَزَل، فَكَتَبَ إِلَيْهِ فِيَّ، وَمَكَثْتُ أَيَّامًا ثُمَّ أَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: أَنَا الشَّيْخُ النَّصْرَانِيُّ الَّذِي كَلَّمْتُكَ فِي زِيَادٍ، فَقَال: وَأَنَا الشَّيْخُ الْحَنِيفِيُّ قَدْ قَضَيْتُ حَاجَتَكَ (٢) .
ج - أَنْ يَكْتُبَ الْعَاشِرُ كِتَابًا لِمَنْ يَأْخُذُ مِنْهُ الْعُشْرَ، فَقَدْ رَوَى أَبُو يُوسُفَ فِي كِتَابِهِ الْخَرَاجُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى رُزَيْقِ بْنِ حَيَّانَ
_________
(١) الرتاج على كتاب الخراج ٢ / ١٦١، ١٧١ ط ديوان الأوقاف - بغداد ١٩٧٥.
(٢) الرتاج ٢ / ١٨٠.
وَكَانَ عَلَى مَكْسِ مِصْرَ - يَأْمُرُهُ بِأَنْ يَكْتُبَ كِتَابًا لِمَنْ يَأْخُذُ مِنْهُ بِمَا أَخَذَ مِنْهُمْ إِلَى مِثْلِهَا فِي الْحَوْل (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْعَاشِرَ لاَ يَكْتُبُ بَرَاءَةً بِمَا يَأْخُذُ مِنْ تُجَّارِ أَهْل الْحَرْبِ وَأَهْل الذِّمَّةِ كَمَا يَكْتُبُ إِلَى تُجَّارِ الْمُسْلِمِينَ؛ لأَِنَّ أَخْذَ الْعُشْرِ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ دُخُول الْحَرْبِيِّ دَارَ الإِْسْلاَمِ وَاخْتِلاَفِ الذِّمِّيِّ بِتِجَارَتِهِ عَلَى الْعَاشِرِ (٢) .
د - الرِّفْقُ بِأَهْل الْعُشْرِ:
٣٧ - يَنْبَغِي لِلْعَاشِرِ أَنْ يَكُونَ رَفِيقًا بِأَهْل الْعُشْرِ عِنْدَ اسْتِيفَائِهَا مِنْهُمْ، فَلاَ يُؤَخِّرَهُمْ وَلاَ يَظْلِمَهُمْ وَلاَ يُتْلِفَ بَضَائِعَهُمْ عِنْدَ مُعَايَنَتِهَا أَوْ تَفْتِيشِهَا، وَيَقْبَل مِنْهُمْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْعَيْنِ أَوِ الْقِيمَةِ.
فَإِذَا أَرَادَ الْعَاشِرُ اسْتِيفَاءَ الْعُشْرِ مِنَ الأَْمْوَال التِّجَارِيَّةِ الَّتِي يَمُرُّ بِهَا غَيْرُ الْمُسْلِمِ فَلاَ يَتَعَيَّنُ الاِسْتِيفَاءُ مِنَ الْعَيْنِ، أَوْ مِنَ الْقِيمَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي:
قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُؤْخَذُ مِنْ عَيْنِ السِّلْعَةِ الْوَارِدَةِ، فَإِنْ كَانَتْ مَتَاعًا أُخِذَ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ نَقْدًا أُخِذَ مِنْهُ، وَأَضَافَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ
_________
(١) الرتاج ٢ / ١٨٢ وما بعدها، ومغني المحتاج ٤ / ٢٤٧.
(٢) المدونة ١ / ٣٤١.
الْخَمْرَ يُؤْخَذُ مِنْ قِيمَتِهَا (١) .
وَذَهَبَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا يَنْقَسِمُ وَمَا لاَ يَنْقَسِمُ، فَيُؤْخَذُ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ عُشْرُ مَا يَنْقَسِمُ، قِيَاسًا عَلَى زَكَاةِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، وَأَمَّا مَا لاَ يَنْقَسِمُ فَيُؤْخَذُ عُشْرُ الْقِيمَةِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ الْعَاشِرَ يَأْخُذُ الْقِيمَةَ عَلَى كُل حَالٍ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَال مِمَّا يَنْقَسِمُ أَوْ مِمَّا يُكَال أَوْ يُوزَنُ؛ لأَِنَّ الأَْسْوَاقَ تُحَوَّل وَتَخْتَلِفُ فَيَجِبُ أَنْ يَأْخُذَ مَالًا تُحِيلُهُ الأَْسْوَاقُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الأَْصْل فِي اسْتِيفَاءِ الْعُشْرِ الْعَيْنُ، فَيُؤْخَذُ مِنْ نَفْسِ الْمَتَاعِ، بِدَلِيل فِعْل عُمَرَ ﵁ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الإِْمَامُ عَلَى أَهْل الْعُشُورِ الأَْخْذَ مِنَ الثَّمَنِ (٢) .
الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ لاِسْتِيفَاءِ الْعُشُورِ: الْقَبَالَةُ (التَّضْمِينُ)
٣٨ - الْقَبَالَةُ لُغَةً: مَصْدَرُ قَبَل (بِفَتْحِ الْبَاءِ) قَال الزَّمَخْشَرِيُّ: " كُل مَنْ تَقَبَّل بِشَيْءٍ مُقَاطَعَةً، وَكَتَبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْكِتَابِ، فَعَمَلُهُ الْقِبَالَةُ (بِالْكَسْرِ)، وَكِتَابُهُ الْمَكْتُوبُ عَلَيْهِ هُوَ الْقَبَالَةُ (بِالْفَتْحِ) .
(٣) وَفِي الاِصْطِلاَحِ: أَنْ يَدْفَعَ السُّلْطَانُ أَوْ
_________
(١) الخراج لأبي يوسف ١٣٢، والاختيار ١ / ١١٦، وكشاف القناع ٣ / ١٣٧ - ١٣٨.
(٢) المنتقى للباجي ٢ / ١٧٧، ومغني المحتاج ٤ / ٢٤٧.
(٣) أساس البلاغة ص٤٩٠، والنهاية لابن الأثير ٤ / ١٠.