الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٠ الصفحة 20

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٠

يَكُونُ فِي غَيْرِ الْقُبُل؛ وَلأَِنَّ الْحِل مُتَعَلِّقٌ بِذَوْقِ الْعُسَيْلَةِ وَلاَ يَحْصُل بِغَيْرِهِ، وَاعْتُبِرَ الاِنْتِشَارُ لِعَدَمِ حُصُول الْعُسَيْلَةِ إِلاَّ بِهِ، لِقَوْل امْرَأَةِ رِفَاعَةَ (وَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إِلاَّ مِثْل هُدْبَةٍ) قَال ابْنُ حَجَرٍ: أَرَادَتْ أَنَّ ذَكَرَهُ يُشْبِهُ الْهُدْبَةَ فِي الاِسْتِرْخَاءِ وَعَدَمِ الاِنْتِشَارِ.

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: أَنْ يَكُونَ لَهُ نَوْعُ انْتِشَارٍ يَحْصُل بِهِ إِيلاَجٌ، كَيْ لاَ يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ إِدْخَال خِرْقَةٍ فِي الْمَحَل.

قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَلاَ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الاِنْتِشَارِ تَامًّا.

قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: فَالْمُعْتَبَرُ الاِنْتِشَارُ بِالْفِعْل لاَ بِالْقُوَّةِ، حَتَّى لَوْ أَدْخَل السَّلِيمُ ذَكَرَهُ بِأُصْبُعِهِ بِلاَ انْتِشَارٍ لَمْ يَحِل.

وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ إِنْ ضَعُفَ الاِنْتِشَارُ وَاسْتَعَانَ بِأُصْبُعِهِ، أَوْ أُصْبُعِهَا لِيَحْصُل ذَوْقُ الْعُسَيْلَةِ كَفَى.

وَانْفَرَدَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ بِاشْتِرَاطِ الإِْنْزَال أَيْضًا، قَال ابْنُ بَطَّالٍ: شَذَّ الْحَسَنُ فِي هَذَا وَخَالَفَهُ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ، وَقَالُوا: يَكْفِي مِنْ ذَلِكَ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَيُحْصِنُ الشَّخْصَ وَيُوجِبُ كَمَال الصَّدَاقِ، وَيُفْسِدُ الْحَجَّ وَالصَّوْمَ (١) .

_________

(١) فتح القدير ٣ / ١٧٦، ط الأميرية ١٣١٦هـ، حاشية ابن عابدين ٢ / ٥٣٧ وما بعدها، حاشية الدسوقي ٣ / ٢٥٨، جواهر الإكليل ١ / ٢٩١، مغني المحتاج ٣ / ١٨٢، كشاف القناع ٥ / ٣٥٠، (فتح الباري ٩ / ٤٦٧ ط. السلفية) .

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (تَحْلِيل ف ٩) .

عَشَاء

انْظُرْ: صَلاَةُ الْعِشَاءِ

عُشْر

التَّعْرِيفُ:

١ - الْعُشْرُ لُغَةً: الْجُزْءُ مِنْ عَشَرَةِ أَجْزَاءٍ، وَيُجْمَعُ الْعُشْرُ عَلَى عُشُورٍ، وَأَعْشَارٍ (١)، وَفِي الاِصْطِلاَحِ يُطْلَقُ الْعُشْرُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ:

الأَْوَّل: عُشْرُ التِّجَارَاتِ وَالْبِيَاعَاتِ.

وَالثَّانِي: عُشْرُ الصَّدَقَاتِ، أَوْ زَكَاةُ الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ (٢) .

وَيُقْتَصَرُ هُنَا عَلَى بَحْثِ عُشْرِ التِّجَارَةِ. أَمَّا عُشْرُ الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ فَمَحَلُّهُ مُصْطَلَحُ: (زَكَاةٌ)

وَعُشْرُ التِّجَارَةِ: هُوَ مَا يُفْرَضُ عَلَى أَمْوَال أَهْل الذِّمَّةِ الْمُعَدَّةِ لِلتِّجَارَةِ إِذَا انْتَقَلُوا بِهَا مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ دَاخِل بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ (٣) .

_________

(١) لسان العرب، والمصباح المنير، ومختار الصحاح، مادة: (عشر) .

(٢) معالم السنن للخطابي ٣ / ٣٩، وحاشية سعدي جلبي بهامش فتح القدير ٢ / ١٧١، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٣٠٨، ٣٠٩.

(٣) المغني لابن قدامة ٨ / ٥١٨.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الزَّكَاةُ:

٢ - الزَّكَاةُ لُغَةً: النَّمَاءُ وَالرَّيْعُ وَالزِّيَادَةُ. وَهِيَ فِي الاِصْطِلاَحِ: تُطْلَقُ عَلَى أَدَاءِ حَقٍّ يَجِبُ فِي أَمْوَالٍ مَخْصُوصَةٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، وَيُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِهِ الْحَوْل وَالنِّصَابُ (١)، وَتُطْلَقُ - أَيْضًا - عَلَى الْمَال الْمُخَرَّجِ.

وَالزَّكَاةُ تَجِبُ فِي مَال الْمُسْلِمِ سَوَاءٌ أَكَانَ لِلتِّجَارَةِ أَمْ غَيْرِهَا، أَمَّا الْعُشْرُ فَلاَ يَجِبُ إِلاَّ فِي الأَْمْوَال التِّجَارِيَّةِ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الذِّمِّيِّ.

ب - الْجِزْيَةُ:

٣ - الْجِزْيَةُ: مَا لَزِمَ الْكَافِرَ مِنْ مَالٍ لأَِمْنِهِ وَاسْتِقْرَارِهِ، تَحْتَ حُكْمِ الإِْسْلاَمِ وَصَوْنِهِ (٢) . وَوَجْهُ الصِّلَةِ بَيْنَ الْعُشْرِ وَالْجِزْيَةِ، أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَجِبُ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ وَأَهْل الْحَرْبِ بِأَمَانٍ، وَيُصْرَفُ فِي مَصَارِفِ الْفَيْءِ.

وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْجِزْيَةَ تُوضَعُ عَلَى الرُّءُوسِ، أَمَّا الْعُشْرُ فَيُوضَعُ عَلَى الأَْمْوَال التِّجَارِيَّةِ الَّتِي يَمُرُّ بِهَا التَّاجِرُ عَلَى الْعَاشِرِ

_________

(١) المصباح المنير، والعناية بهامش فتح القدير ١ / ٤٨١، والدسوقي ١ / ٤٣١.

(٢) جواهر الإكليل ١ / ٢٦٦، ومنح الجليل لعليش ١ / ٧٥٦.

ج - الْخَرَاجُ:

٤ - الْخَرَاجُ: مَا وُضِعَ عَلَى رِقَابِ الأَْرْضِ مِنْ حُقُوقٍ تُؤَدَّى عَنْهَا (١)، وَوَجْهُ الصِّلَةِ بَيْنَ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ: أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْمُسْلِمِ، وَيُصْرَفُ فِي مَصَارِفِ الْفَيْءِ، وَلِذَلِكَ أَطْلَقَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ (الْجِزْيَةَ الْعُشْرِيَّةَ (٢» .

وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْخَرَاجَ يُوضَعُ عَلَى رَقَبَةِ الأَْرْضِ، أَمَّا الْعُشْرُ فَيُوضَعُ عَلَى الأَْمْوَال التِّجَارِيَّةِ.

د - الْخُمُسُ:

٥ - الْخُمُسُ: اسْمٌ لِلْمَأْخُوذِ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَالرِّكَازِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يُخَمَّسُ (٣)، وَالْخُمُسُ يَجِبُ فِي كُل مَالٍ فَاءَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ سَوَاءٌ كَانَ عَقَارًا أَوْ مَنْقُولًا، أَمَّا الْعُشْرُ فَلاَ يَجِبُ إِلاَّ فِي الأَْمْوَال التِّجَارِيَّةِ الَّتِي يَنْتَقِل بِهَا التَّاجِرُ الذِّمِّيُّ أَوِ الْمُسْتَأْمَنُ. هـ الْفَيْءُ:

٦ - الْفَيْءُ لُغَةً: الرُّجُوعُ (٤) .

_________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص١٤٦، والأحكام السلطانية للفراء ص ١٦٢.

(٢) القوانين لابن جزي ص١٧٦.

(٣) لسان العرب، والمصباح المنير، والمفردات للأصفهاني مادة خمس، وحاشية الدسوقي ٢ / ١٩٠.

(٤) لسان العرب، والمصباح المنير، مادة: فاء.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: مَا رَدَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَهْل دِينِهِ مِنْ أَمْوَال مَنْ خَالَفَهُمْ فِي الدِّينِ بِلاَ قِتَالٍ، إِمَّا بِالْجَلاَءِ، أَوْ بِالْمُصَالَحَةِ عَلَى جِزْيَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا (١) .

فَبَيْنَ الْفَيْءِ وَالْعُشُورِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ، فَالْفَيْءُ أَعَمُّ مِنَ الْعُشُورِ. حُكْمُ أَخْذِ الْعُشْرِ:

٧ - يُؤْخَذُ الْعُشْرُ مِنْ تِجَارَةِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ دُخُولِهِمْ بِهَا إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ، وَتَفْصِيل الْحُكْمِ سَيَأْتِي (٢) أَدِلَّةُ مَشْرُوعِيَّةِ الْعُشْرِ:

٨ - اسْتَدَل الْفُقَهَاءُ لِمَشْرُوعِيَّةِ الْعُشْرِ عَلَى غَيْرِ الْمُسْلِمِ بِالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ وَالْمَعْقُول. أَمَّا السُّنَّةُ، فَقَوْلُهُ: إِنَّمَا الْعُشُورُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عُشُورٌ (٣)

فَالْحَدِيثُ يَدُل عَلَى أَنَّهُ لاَ يُؤْخَذُ مِنَ الْمُسْلِمِ مَالٌ سِوَى الزَّكَاةِ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الْيَهُودِ

_________

(١) التعريفات للجرجاني ١٤٨.

(٢) الهداية ١ / ١٠٧، والفواكه الدواني ١ / ٣٩٣ - ٣٩٤، ومغني المحتاج ٤ / ٢٤٧، وأحكام أهل الذمة ١ / ١٦٧، المغني ٨ / ٥٢٢، وكشاف القناع ٣ / ١٣٨.

(٣) حديث: " إنما العشور على اليهود والنصارى. . . ". أخرجه أبو داود ٣ / ٤٣٤، ونقل ابن القيم عن عبد الحق الأشبيلي أنه قال: في إسناده اختلاف، ولا أعلمه من طريق يحتج به. كذا في (تهذيب السنن ٤ / ٢٥٣ - بهامش مختصر المنذري) .

وَالنَّصَارَى عُشْرُ التِّجَارَاتِ كَمَا تُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ.

وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ فَقَدْ بَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ الْعُشَّارَ لِيَأْخُذُوا الْعُشْرَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُخَالِفْهُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ، فَكَانَ إِجْمَاعًا سُكُوتِيًّا (١) .

وَأَمَّا الْمَعْقُول فَالتَّاجِرُ الَّذِي يَنْتَقِل بِتِجَارَتِهِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى آخَرَ يَحْتَاجُ إِلَى الأَْمَانِ، وَالْحِمَايَةِ مِنَ اللُّصُوصِ وَقُطَّاعِ الطُّرُقِ، وَالدَّوْلَةُ الإِْسْلاَمِيَّةُ تَتَكَفَّل بِتَأْمِينِ ذَلِكَ عَبْرَ طُرُقِهَا وَمَمَرَّاتِهَا التِّجَارِيَّةِ، فَالْعُشْرُ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنَ التَّاجِرِ هُوَ فِي مُقَابِل تِلْكَ الْحِمَايَةِ، وَالاِنْتِفَاعِ بِالْمَرَافِقِ الْعَامَّةِ لِلدَّوْلَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ (٢) .

حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ الْعُشْرِ:

٩ - الْعُشْرُ وَسِيلَةٌ لِهِدَايَةِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْحَرْبِيِّينَ إِلَى الإِْسْلاَمِ، إِذْ بِدُخُولِهِمْ بَعْدَ أَخْذِ الْعُشْرِ مِنْهُمْ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ لِلتِّجَارَةِ يَطَّلِعُونَ عَلَى مَحَاسِنِ الإِْسْلاَمِ فَيَحْمِلُهُمْ ذَلِكَ عَلَى الدُّخُول فِيهِ (٣)

وَالْعُشْرُ مَوْرِدٌ مَالِيٌّ تَسْتَعِينُ بِهِ الدَّوْلَةُ

_________

(١) نيل الأوطار ٨ / ٧١.

(٢) المبسوط ٢ / ١٩٩، وتبيين الحقائق ١ / ٢٨٢، والمنتقى ٢ / ١٧٨، والمغني ٨ / ٥٢٢.

(٣) البدائع ٢ / ٣٨.

الإِْسْلاَمِيَّةُ فِي الإِْنْفَاقِ عَلَى الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ (١) .

وَالْعُشْرُ وَسِيلَةٌ لِزِيَادَةِ الْمَال وَنَمَائِهِ، إِذْ أَنَّ السَّمَاحَ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ بِدُخُول دَارِ الإِْسْلاَمِ وَالتَّنَقُّل بِتِجَارَاتِهِمْ فِي مُقَابِل الْعُشْرِ يُؤَدِّي إِلَى تَنْمِيَةِ أَمْوَالِهِمْ وَزِيَادَتِهَا، كَمَا قَال الدَّهْلَوِيُّ؛ لأَِنَّ النُّمُوَّ لاَ يَتِمُّ إِلاَّ بِالتَّرَدُّدِ خَارِجَ الْبِلاَدِ (٢) .

وَالْعُشْرُ وَسِيلَةٌ لِزِيَادَةِ التَّبَادُل التِّجَارِيِّ بَيْنَ الدَّوْلَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ وَالدُّوَل الأُْخْرَى.

قَال السَّرَخْسِيُّ: إِنَّا إِذَا عَامَلْنَاهُمْ بِمِثْل مَا يُعَامِلُونَنَا بِهِ، كَانَ ذَلِكَ أَقْرَبَ إِلَى مَقْصُودِ الأَْمَانِ وَاتِّصَال التِّجَارَاتِ (٣) .

الأَْشْخَاصُ الَّذِينَ تُعَشَّرُ أَمْوَالُهُمْ:

١٠ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى مَشْرُوعِيَّةِ أَخْذِ الْعُشْرِ مِنْ تِجَارَةِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ إِذَا دَخَلُوا بِهَا دَارَ الإِْسْلاَمِ عَلَى التَّفْصِيل الآْتِي:

أَوَّلًا: الْمُسْتَأْمَنُونَ:

١١ - الْمُسْتَأْمَنُ هُوَ الَّذِي يَقْدَمُ بِلاَدَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ اسْتِيطَانٍ لَهَا، وَهَؤُلاَءِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: رُسُلٌ، تُجَّارٌ، وَمُسْتَجِيرُونَ حَتَّى يُعْرَضَ

_________

(١) البدائع ٢ / ٦٨.

(٢) حجة الله البالغة للدهلوي ٢ / ٤٩٩، وانظر المقدمة لابن خلدون ص٣٤٦.

(٣) المبسوط للسرخسي ٢ / ١٩٩، وحاشية الشلبي ١ / ٢٨٥.

عَلَيْهِمُ الإِْسْلاَمُ وَالْقُرْآنُ، وَطَالِبُو حَاجَةٍ مِنْ زِيَارَةٍ وَغَيْرِهَا (١) .

فَمَنْ دَخَل مِنْ هَؤُلاَءِ بِتِجَارَةٍ، فَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي أَخْذِ الْعُشْرِ مِنْهُ مَذَاهِبَ:

ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا دَخَل الْحَرْبِيُّ بِمَال التِّجَارَةِ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ بِأَمَانٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ عُشْرُ مَالِهِ إِذَا بَلَغَ الْمَال نِصَابًا، وَهَذَا إِذَا لَمْ يُعْلَمْ مِقْدَارُ مَا يَأْخُذُونَ مِنَّا، فَإِنْ عُلِمَ مِقْدَارُ مَا يَأْخُذُونَ مِنَّا أُخِذَ مِنْهُمْ مِثْلُهُ مُجَازَاةً، إِلاَّ إِذَا عُرِفَ أَخْذُهُمُ الْكُل فَلاَ نَأْخُذُ مِنْهُمُ الْكُل بَل نَتْرُكُ لَهُمْ مَا يُبَلِّغُهُمْ مَأْمَنَهُمْ إِبْقَاءً لِلأَْمَانِ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُمْ لاَ يَأْخُذُونَ مِنَّا لاَ نَأْخُذُ مِنْهُمْ لِيَسْتَمِرُّوا عَلَيْهِ؛ وَلأَِنَّنَا أَحَقُّ بِالْمَكَارِمِ، وَلاَ يُؤْخَذُ الْعُشْرُ مِنْ مَال صَبِيٍّ حَرْبِيٍّ إِلاَّ أَنْ يَكُونُوا يَأْخُذُونَ مِنْ أَمْوَال صِبْيَانِنَا (٢) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا دَخَل الْحَرْبِيُّ بِمَال التِّجَارَةِ إِلَى بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ بِأَمَانٍ عَلَى شَيْءٍ يُعْطِيهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ وَلَوْ أَكْثَرُ مِنَ الْعُشْرِ، وَلاَ يَجُوزُ أَخْذُ زَائِدٍ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ عَدَمِ تَعْيِينِ جُزْءٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ، إِلاَّ أَنْ يُؤَدِّيَ الإِْمَامَ اجْتِهَادُهُ إِلَى أَخْذِ أَقَل فَيَقْتَصِرَ عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ (٣) .

_________

(١) أحكام أهل الذمة ٢ / ٤٧٦.

(٢) الدر المختار مع ابن عابدين ٢ / ٤١، ٤٢.

(٣) الفواكه الدواني ١ / ٣٩٤.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ دَخَلُوا بِأَمَانٍ وَشَرَطَ الإِْمَامُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ عُشْرَ تِجَارَتِهِمْ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَل أَخَذَ مِنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ بَل عَقَدَ لَهُمُ الأَْمَانَ عَلَى دِمَائِهِمْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا إِنْ دَخَلُوا بِأَمْوَالِهِمْ، إِلاَّ بِشَرْطٍ أَوْ طِيبِ أَنْفُسِهِمْ، وَسَوَاءٌ كَانَ هَؤُلاَءِ الْمُسْتَأْمَنُونَ مِنْ قَوْمٍ يُعَشِّرُونَ الْمُسْلِمِينَ إِنْ دَخَلُوا بِلاَدَهُمْ أَوْ يُخَمِّسُونَهُمْ (١) .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْحَرْبِيَّ إِذَا دَخَل بِلاَدَ الإِْسْلاَمِ بِأَمَانٍ وَاتَّجَرَ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ تِجَارَتِهِ الْعُشْرُ دُفْعَةً وَاحِدَةً، سَوَاءٌ أَكَانَ كَبِيرًا أَمْ صَغِيرًا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى، وَسَوَاءٌ أَعَشَّرُوا أَمْوَال الْمُسْلِمِينَ إِذَا دَخَلَتْ إِلَيْهِمْ أَمْ لاَ؛ لأَِنَّ عُمَرَ ﵁ أَخَذَ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ الْعُشْرَ، وَاشْتُهِرَ وَلَمْ يُنْكَرْ، عَمِل بِهِ الْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ، وَلاَ يُؤْخَذُ الْعُشْرُ مِنْ أَقَل مِنْ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ، وَذَكَرَ الْمُوَفَّقُ أَنَّ لِلإِْمَامِ تَرْكَ الْعُشْرِ إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ (٢) .

ثَانِيًا: أَهْل الذِّمَّةِ:

١٢ - أَهْل الذِّمَّةِ: هُمْ غَيْرُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ النَّصَارَى، وَالْيَهُودِ، وَالْمَجُوسِ الَّذِينَ يُقِيمُونَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ بِمُوجَبِ عَقْدِ الذِّمَّةِ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا انْتَقَل الذِّمِّيُّ

_________

(١) الأم ٤ / ٢٠٥.

(٢) كشاف القناع ٣ / ١٣٨.