الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣ الصفحة 54

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣

الصَّلاَةِ بِسُجُودِ السَّهْوِ، وَاسْتِدْرَاكُ الصَّلاَةِ إِذَا بَطَلَتْ بِإِعَادَتِهَا، وَاسْتِدْرَاكُ الصَّلاَةِ الْمَنْسِيَّةِ بِقَضَائِهَا، وَالاِسْتِدْرَاكُ بِإِبْطَال خَطَأِ الْقَوْل وَإِثْبَاتِ صَوَابِهِ.

وَيُخَصُّ الاِسْتِدْرَاكُ الَّذِي بِمَعْنَى فِعْل الشَّيْءِ الْمَتْرُوكِ بَعْدَ مَحِلِّهِ بِعِنْوَانِ " التَّدَارُكُ " سَوَاءٌ تُرِكَ سَهْوًا أَوْ تُرِكَ عَمْدًا. كَقَوْل الرَّمْلِيِّ: " إِذَا سَلَّمَ الإِْمَامُ مِنْ صَلاَةِ الْجِنَازَةِ تَدَارَكَ الْمَسْبُوقُ بَاقِيَ التَّكْبِيرَاتِ بِأَذْكَارِهَا (١) " وَقَوْلُهُ: " لَوْ نَسِيَ تَكْبِيرَاتِ صَلاَةِ الْعِيدِ فَتَذَّكَّرَهَا - وَقَدْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ - فَاتَتْ فَلاَ يَتَدَارَكُهَا (٢) ".

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الإِْضْرَابُ:

٢ - وَهُوَ لُغَةً: الإِْعْرَاضُ عَنِ الشَّيْءِ وَالْكَفُّ عَنْهُ، بَعْدَ الإِْقْبَال عَلَيْهِ (٣) .

وَفِي اصْطِلاَحِ النَّحْوِيِّينَ قَدْ يَلْتَبِسُ بِالاِسْتِدْرَاكِ " بِالْمَعْنَى الأَْوَّل " فَالإِْضْرَابُ: إِبْطَال الْحُكْمِ السَّابِقِ بِبَل، أَوْ نَحْوِهَا مِنَ الأَْدَوَاتِ الْمَوْضُوعَةِ لِذَلِكَ، أَوْ بِبَدَل الإِْضْرَابِ.

وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الاِسْتِدْرَاكِ، أَنَّكَ فِي الاِسْتِدْرَاكِ لاَ تُبْطِل الْحُكْمَ السَّابِقَ، كَمَا فِي قَوْلِكَ: جَاءَ زَيْدٌ لَكِنَّ أَخَاهُ لَمْ يَأْتِ، فَإِثْبَاتُ الْمَجِيءِ لِزَيْدٍ لَمْ يُلْغَ، بَل نَفْيُ الْمَجِيءِ عَنْ أَخِيهِ، وَفِي الإِْضْرَابِ تُبْطِل الْحُكْمَ السَّابِقَ، فَإِذَا قُلْتَ: جَاءَ زَيْدٌ، ثُمَّ ظَهَرَ لَكَ أَنَّكَ غَلِطْتَ فِيهِ فَقُلْتَ: بَل عَمْرٌو أَبْطَلْتَ

_________

(١) نهاية المحتاج ٢ / ٤٧٣ ط مصطفى الحلبي.

(٢) نهاية المحتاج ٢ / ٣٧٦

(٣) المرجع في اللغة مادة (درك)، وكشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي مصطلح (استدراك) .

حُكْمَكَ الأَْوَّل بِإِثْبَاتِ الْمَجِيءِ لِزَيْدٍ، وَجَعَلْتَهُ فِي حُكْمِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ.

الاِسْتِثْنَاءُ:

٣ - حَقِيقَةُ الاِسْتِثْنَاءِ: إِخْرَاجُ بَعْضِ مَا دَخَل فِي الْكَلاَمِ السَّابِقِ بِإِلاَّ، أَوْ إِحْدَى أَخَوَاتِهَا. وَمِنْ هُنَا كَانَ الاِسْتِثْنَاءُ مِعْيَارَ الْعُمُومِ. أَمَّا الاِسْتِدْرَاكُ فَهُوَ إِثْبَاتُ نَقِيضِ الْحُكْمِ السَّابِقِ لِمَا يُتَوَهَّمُ انْطِبَاقُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ. فَالْفَرْقُ أَنَّ الاِسْتِثْنَاءَ لِلدَّاخِل فِي الأَْوَّل، وَأَنَّ الاِسْتِدْرَاكَ لِمَا لَمْ يَدْخُل فِي الأَْوَّل، وَلَكِنْ تُوُهِّمَ دُخُولُهُ، أَوْ سَرَيَانُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ.

وَلأَِجْل هَذَا التَّقَارُبِ تُسْتَعْمَل أَدَوَاتُ الاِسْتِثْنَاءِ مَجَازًا فِي الاِسْتِدْرَاكِ. وَهُوَ مَا يُسَمَّى فِي عُرْفِ النُّحَاةِ: الاِسْتِثْنَاءُ الْمُنْقَطِعُ، وَحَقِيقَتُهُ الاِسْتِدْرَاكُ (ر: اسْتِثْنَاء) كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ (١)﴾ كَمَا يَجُوزُ اسْتِعْمَال لَكِنْ - مِثْل غَيْرِهَا مِمَّا يُؤَدِّي مُؤَدَّاهَا - فِي الاِسْتِثْنَاءِ بِالْمَعْنَى، إِذْ الاِسْتِثْنَاءُ بِالْمَعْنَى لَيْسَ لَهُ صِيغَةٌ مُحَدَّدَةٌ، كَقَوْلِكَ: مَا جَاءَ الْقَوْمُ لَكِنْ جَاءَ بَعْضُهُمْ.

الْقَضَاءُ:

٤ - الْمُرَادُ بِهِ هُنَا: فِعْل الْعِبَادَةِ إِذَا خَرَجَ وَقْتُهَا الْمُقَدَّرُ لَهَا شَرْعًا قَبْل فِعْلِهَا صَحِيحَةً، سَوَاءٌ أَتُرِكَتْ عَمْدًا أَمْ سَهْوًا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْمُكَلَّفُ قَدْ تَمَكَّنَ مِنْ فِعْلِهَا فِي الْوَقْتِ، كَالْمُسَافِرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّوْمِ. أَمْ لَمْ يَتَمَكَّنْ (٢)، كَالنَّائِمِ وَالنَّاسِي بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلاَةِ. أَمَّا الاِسْتِدْرَاكُ فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْقَضَاءِ، إِذْ أَنَّهُ يَشْمَل

_________

(١) سورة النساء / ١٥٧

(٢) شرح مسلم الثبوت١ / ٨٥ مطبوع مع المستصفى.

تَلاَفِيَ النَّقْصِ بِكُل وَسِيلَةٍ مَشْرُوعَةٍ، وَمِنْهُ قَوْل صَاحِبِ مُسَلَّمِ الثُّبُوتِ وَشَارِحِهِ: " الْقَضَاءُ فِعْل الْوَاجِبِ بَعْدَ وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ شَرْعًا اسْتِدْرَاكًا لِمَا فَاتَ (١) " فَجَعَل الْقَضَاءَ اسْتِدْرَاكًا.

الإِْعَادَةُ:

٥ - هِيَ: فِعْل الْعِبَادَةِ ثَانِيًا فِي الْوَقْتِ لِخَلَلٍ وَاقِعٍ فِي الْفِعْل الأَْوَّل (٢)

وَالاِسْتِدْرَاكُ أَعَمُّ مِنَ الإِْعَادَةِ كَذَلِكَ.

التَّدَارُكُ:

٦ - لَمْ نَجِدْ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ عَرَّفَ التَّدَارُكَ، وَلَكِنَّهُ دَائِرٌ فِي كَلاَمِهِمْ كَثِيرًا، وَيَعْنُونَ بِهِ فِي الأَْفْعَال: فِعْل الْعِبَادَةِ أَوْ فِعْل جُزْئِهَا إِذَا تَرَكَ الْمُكَلَّفُ فِعْل ذَلِكَ فِي مَحَلِّهِ الْمُقَرَّرِ شَرْعًا مَا لَمْ يَفُتْ. كَمَا فِي قَوْل صَاحِبِ كَشَّافِ الْقِنَاعِ (٣): " لَوْ دُفِنَ الْمَيِّتُ قَبْل الْغُسْل وَقَدْ أَمْكَنَ غُسْلُهُ لَزِمَ نَبْشُهُ، وَأَنْ يُخْرَجَ وَيُغَسَّل تَدَارُكًا لِوَاجِبِ غُسْلِهِ ".

وَقَدْ يَقَعُ الْغَلَطُ فِي الأَْقْوَال فَيَحْتَاجُ الإِْنْسَانُ إِلَى تَدَارُكِهِ، بِأَنْ يُبْطِلَهُ وَيُثْبِتَ الصَّوَابَ، وَلِذَلِكَ طُرُقٌ مِنْهَا: بَدَل الْغَلَطِ، وَمِنْهَا " بَل " فِي الإِْيجَابِ وَالأَْمْرِ. وَفَسَّرَ بَعْضُهُمُ التَّدَارُكَ بِبَل بِكَوْنِ الإِْخْبَارِ الأَْوَّل أَوْلَى مِنْهُ الإِْخْبَارُ الثَّانِي، فَيَعْرِضُ عَنِ الأَْوَّل إِلَى الثَّانِي، لاَ أَنَّهُ إِبْطَال الأَْوَّل وَإِثْبَاتُ الثَّانِي (٤) .

_________

(١) انظر أيضا شرح مسلم الثبوت ١ / ٨٥

(٢) ابن عابدين ١ / ٤٨٦ ط الأولى بولاق ١٢٧٤ هـ، وشرح مسلم الثبوت ١ / ٨٥، والمستصفى ١ / ٩٥ والمطبوع مع شرح مسلم الثبوت.

(٣) كشاف القناع ٢ / ٨٦

(٤) التوضيح على التنقيح ١ / ٣٦٢ المطبعة الخيرية، وتيسير التحرير ٢ / ٢٠٢

الإِْصْلاَحُ:

٧ - وَهُوَ اصْطِلاَحٌ لِلْمَالِكِيَّةِ ذَكَرُوهُ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا: قَوْل الدَّرْدِيرِ " مَنْ كَثُرَ مِنْهُ الشَّكُّ فَلاَ إِصْلاَحَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَصْلَحَ بِأَنْ أَتَى بِمَا شَكَّ فِيهِ لَمْ تَبْطُل صَلاَتُهُ (١) " (فَهُوَ بِمَعْنَى التَّدَارُكِ) .

الاِسْتِئْنَافُ:

٨ - اسْتِئْنَافُ الْعَمَل: ابْتِدَاؤُهُ، أَيْ فِعْلُهُ مُرَّةً أُخْرَى إِذَا نُقِضَ الْفِعْل الأَْوَّل قَبْل تَمَامِهِ. فَاسْتِئْنَافُ الصَّلاَةِ تَجْدِيدُ التَّحْرِيمَةِ بَعْدَ إِبْطَال التَّحْرِيمَةِ الأُْولَى، وَبِهَذَا الْمَعْنَى وَقَعَ فِي قَوْلِهِمْ: " الْمُصَلِّي إِذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَبْنِي عَلَى صَلاَتِهِ، أَوْ يَسْتَأْنِفُ، وَالاِسْتِئْنَافُ أَوْلَى (٢) "

وَكَاسْتِئْنَافِ الأَْذَانِ إِذَا قَطَعَهُ بِفَاصِلٍ طَوِيلٍ، وَاسْتِئْنَافِ الصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ إِذَا انْقَطَعَ التَّتَابُعُ.

فَالاِسْتِئْنَافُ عَلَى هَذَا طَرِيقَةٌ مِنْ طُرُقِ الاِسْتِدْرَاكِ، وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِئْنَاف) .

هَذَا وَبِسَبَبِ اسْتِعْمَال هَذَا الْمُصْطَلَحِ " الاِسْتِدْرَاكُ " بِمَعْنَيَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: الاِسْتِدْرَاكُ الْقَوْلِيُّ بِأَدَاةِ الاِسْتِدْرَاكِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهَا، وَالآْخَرُ: الاِسْتِدْرَاكُ بِإِصْلاَحِ الْخَلَل فِي الأَْفْعَال وَالأَْقْوَال، يَنْقَسِمُ الْبَحْثُ قِسْمَيْنِ تَبَعًا لِذَلِكَ.

_________

(١) الدسوقي والشرح الكبير ١ / ٢٧٦، ٢٧٨ ط دار الفكر.

(٢) كشاف اصطلاحات الفنون مادة (استدراك) .

الْقِسْمُ الأَْوَّل

الاِسْتِدْرَاكُ الْقَوْلِيُّ بِ " لَكِنَّ " وَأَخَوَاتِهَا

صِيَغُ الاِسْتِدْرَاكِ:

هِيَ: لَكِنَّ (مُشَدَّدَةٌ) وَلَكِنْ (مُخَفَّفَةٌ) وَبَل وَعَلَى، وَأَدَوَاتُ الاِسْتِثْنَاءِ.

٩ - أ - لَكِنَّ: وَهِيَ أُمُّ الْبَابِ. وَهِيَ الْمَوْضُوعَةُ لَهُ (١) .

وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الأُْصُولِيِّينَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي اسْتِعْمَال " لَكِنَّ " وَمَا فِي مَعْنَاهَا لِلاِسْتِدْرَاكِ: الاِخْتِلاَفُ بَيْنَ مَا قَبْل (لَكِنَّ) وَمَا بَعْدَهَا بِالإِْيجَابِ وَالسَّلْبِ لَفْظًا، نَحْوُ مَا جَاءَ زَيْدٌ لَكِنَّ أَخَاهُ جَاءَ.

وَلَوْ كَانَ الاِخْتِلاَفُ مَعْنَوِيًّا جَازَ أَيْضًا (٢) . كَقَوْل الْقَائِل: عَلِيٌّ حَاضِرٌ لَكِنَّ أَخَاهُ مُسَافِرٌ، أَيْ لَيْسَ بِحَاضِرٍ.

ب - لَكِنْ:

" بِسُكُونِ النُّونِ " فَهِيَ فِي الأَْصْل مُخَفَّفَةٌ مِنْ " لَكِنَّ "، وَتَكُونُ عَلَى حَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الأَْغْلَبُ أَنْ تَكُونَ ابْتِدَائِيَّةً فَتَلِيهَا جُمْلَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (٣)

وَالْحَال الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ عَاطِفَةً، وَيُشْتَرَطُ لِذَلِكَ: أَنْ يَسْبِقَهَا نَفْيٌ أَوْ نَهْيٌ، وَأَنْ يَلِيَهَا مُفْرَدٌ، وَأَلاَّ تَدْخُل عَلَيْهَا الْوَاوُ مِثْل: مَا جَاءَ زَيْدٌ لَكِنْ عَمْرٌو.

_________

(١) مغني اللبيب لابن هشام بحاشية الدسوقي ١ / ٢٩٢

(٢) شرح مسلم الثبوت ٢ / ٢٣٧، وشرح التوضيح على التنقيح مع حاشية التفتازاني والفنري ص ٢٦٣

(٣) سورة الإسراء / ٤٤

وَلاَ تَخْلُو فِي كِلاَ الْحَالَيْنِ مِنْ مَعْنَى الاِسْتِدْرَاكِ، فَتُقَرِّرُ حُكْمَ مَا قَبْلَهَا، وَتُثْبِتُ نَقِيضَهُ لِمَا بَعْدَهَا (١) .

ج - بَل:

إِذَا سَبَقَهَا نَفْيٌ أَوْ نَهْيٌ تَكُونُ حَرْفَ اسْتِدْرَاكٍ (٢) مِثْل (لَكِنْ) تُقَرِّرُ حُكْمَ مَا قَبْلَهَا، وَتُثْبِتُ نَقِيضَهُ لِمَا بَعْدَهَا.

فَإِنْ وَقَعَتْ بَعْدَ إِيجَابٍ أَوْ أَمْرٍ لَمْ تُفِدْ ذَلِكَ، بَل تُفِيدُ الإِْضْرَابَ عَنِ الأَْوَّل، حَتَّى كَأَنَّهُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، وَتَنْقُل حُكْمَهُ لِمَا بَعْدَهَا، كَقَوْلِكَ: جَاءَ زَيْدٌ بَل عَمْرٌو، وَهَذَا مَا يُسَمَّى بِالإِْضْرَابِ الإِْبْطَالِيِّ. قَال السَّعْدُ: " أَيْ إِنَّ الإِْخْبَارَ عَنْهُ مَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ. وَإِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ " لاَ " صَارَ نَصًّا فِي نَفْيِ الأَْوَّل ".

وَلِذَا لاَ يَقَعُ مِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ وَلاَ فِي السُّنَّةِ، إِلاَّ عَلَى سَبِيل الْحِكَايَةِ.

وَقَدْ تَكُونُ لِلإِْضْرَابِ الاِنْتِقَالِيِّ، أَيْ مِنْ غَرَضٍ إِلَى آخَرَ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَل تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ . (٣)

_________

(١) شرح ابن عقيل وحاشية الخضري ٢ / ٦٥، ٦٦ ط مصطفى الحلبي ١٣٤١ هـ، وشرح الكوكب المنير ص ٨٤ ط حامد الفقي. وشرح التوضيح١ / ٣٦٣

(٢) ابن هشام في المغني في أوائل الباب السادس. ونقله الصبان في حاشيته على الأشموني ٣ / ١١٣ وأقره، والخضري على شرح ابن عقيل ٢ / ٦٥، ٦٦، وحاشية السعد على التوضيح شرح التنقيح ١ / ٣٦٢

(٣) المنار وحواشيه ص ٤٥١، وتيسير التحرير ٢ / ٢٠٢، والآية من سورة الأعلى / ١٤ - ١٦

د - عَلَى:

تُسْتَعْمَل لِلاِسْتِدْرَاكِ، كَمَا فِي قَوْل الشَّاعِرِ:

بِكُلٍّ تَدَاوَيْنَا فَلَمْ يَشْفِ مَا بِنَا

عَلَى أَنَّ قُرْبَ الدَّارِ خَيْرٌ مِنَ الْبُعْدِ

عَلَى أَنَّ قُرْبَ الدَّارِ لَيْسَ بِنَافِعٍ

إِذَا كَانَ مَنْ تَهْوَاهُ لَيْسَ بِذِي وُدِّ (١) .

هـ - أَدَوَاتُ الاِسْتِثْنَاءِ:

قَدْ تُسْتَخْدَمُ أَدَوَاتُ الاِسْتِثْنَاءِ فِي الاِسْتِدْرَاكِ، فَيَقُولُونَ: زَيْدٌ غَنِيٌّ غَيْرَ أَنَّهُ بَخِيلٌ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿قَال لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ﴾ وَهَذَا مَا يُسَمَّى الاِسْتِثْنَاءَ الْمُنْقَطِعَ (ر: اسْتِثْنَاء)، فَيُسْتَعْمَل فِي ذَلِكَ (إِلاَّ وَغَيْرُ)، وَيُسْتَعْمَل فِيهِ أَيْضًا (سِوَى) عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَ أَهْل اللُّغَةِ (٢) .

شُرُوطُ الاِسْتِدْرَاكِ:

١٠ - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الاِسْتِدْرَاكِ شُرُوطٌ، وَهِيَ:

الشَّرْطُ الأَْوَّل:

اتِّصَالُهُ بِمَا قَبْلَهُ وَلَوْ حُكْمًا. فَلاَ يَضُرُّ انْفِصَالُهُ بِمَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْكَلاَمِ الأَْوَّل، أَوْ بِمَا لاَ بُدَّ لَهُ مِنْهُ، كَتَنَفُّسٍ وَسُعَالٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَإِنْ حَال بَيْنَهُ وَبَيْنَ الأَْوَّل سُكُوتٌ يُمْكِنُهُ الْكَلاَمُ فِيهِ، أَوْ كَلاَمٌ أَجْنَبِيٌّ عَنِ الْمَوْضُوعِ، اسْتَقَرَّ حُكْمُ الْكَلاَمِ الأَْوَّل، وَبَطَل الاِسْتِدْرَاكُ.

فَلَوْ أَقَرَّ لِزَيْدٍ بِثَوْبٍ، فَقَال زَيْدٌ: مَا كَانَ لِي قَطُّ، لَكِنْ لِعَمْرٍو، فَإِنْ وَصَل فَلِعَمْرٍو، وَإِنْ فَصَل

_________

(١) مغني اللبيب بحاشية الدسوقي ١ / ١٥٧

(٢) شرح ابن عقيل وحاشية الخضري ٢ / ٢٠٩، ٢١٠، والآية من سورة هود / ٤٣

فَلِلْمُقِرِّ، لأَِنَّ النَّفْيَ يَحْتَمِل أَمْرَيْنِ: يَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ تَكْذِيبًا لِلْمُقِرِّ وَرَدًّا لإِقْرَارِهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْكَلاَمِ، فَيَكُونُ النَّفْيُ رَدًّا إِلَى الْمُقِرِّ. وَيَحْتَمِل أَلاَّ يَكُونَ تَكْذِيبًا، إِذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ مَعْرُوفًا بِكَوْنِهِ لِزَيْدٍ، ثُمَّ وَقَعَ فِي يَدِ الْمُقِرِّ فَأَقَرَّ بِهِ لِزَيْدٍ، فَقَال زَيْدٌ: الثَّوْبُ مَعْرُوفٌ بِكَوْنِهِ لِي، لَكِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ لِعَمْرٍو، فَقَوْلُهُ: " لَكِنَّهُ لِعَمْرٍو " بَيَانُ تَغْيِيرٍ لِذَلِكَ النَّفْيِ، فَيَتَوَقَّفُ عَلَى الاِتِّصَال؛ لأَِنَّ بَيَانَ التَّغْيِيرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يَصِحُّ إِلاَّ مَوْصُولًا، وَلاَ يَصِحُّ مُتَرَاخِيًا، فَإِنْ وَصَل يَثْبُتُ النَّفْيُ عَنْ زَيْدٍ وَالإِْثْبَاتُ لِعَمْرٍو مَعًا، إِذْ صَدْرُ الْكَلاَمِ مَوْقُوفٌ عَلَى آخِرِهِ فَيَثْبُتُ حُكْمُهُمَا مَعًا.

وَلَوْ فَصَل يَصِيرُ النَّفْيُ رَدًّا لِلإِْقْرَارِ. ثُمَّ لاَ تَثْبُتُ الْمِلْكِيَّةُ لِعَمْرٍو بِمُجَرَّدِ إِخْبَارِهِ بِذَلِكَ (١) .

الشَّرْطُ الثَّانِي:

اتِّسَاقُ الْكَلاَمِ أَيِ انْتِظَامُهُ وَارْتِبَاطُهُ. وَالْمُرَادُ أَنْ يَصْلُحَ لِلاِسْتِدْرَاكِ، بِأَنْ يَكُونَ الْكَلاَمُ السَّابِقُ لِلأَْدَاةِ بِحَيْثُ يَفْهَمُ مِنْهُ الْمُخَاطَبُ عَكْسَ الْكَلاَمِ اللاَّحِقِ لَهَا، أَوْ يَكُونُ فِيمَا بَعْدَ الأَْدَاةِ تَدَارُكٌ لِمَا فَاتَ مِنْ مَضْمُونِ الْكَلاَمِ. نَحْوُ: مَا قَامَ زَيْدٌ لَكِنْ عَمْرٌو، بِخِلاَفِ نَحْوِ: مَا جَاءَ زَيْدٌ لَكِنْ رَكِبَ الأَْمِيرُ، وَفَسَّرَ صَاحِبُ الْمَنَارِ الاِتِّسَاقَ: بِكَوْنِ مَحَل النَّفْيِ غَيْرَ مَحَل الإِْثْبَاتِ (٢)، لِيُمْكِنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَلاَ يُنَاقِضُ آخِرُ الْكَلاَمِ أَوَّلَهُ، ثُمَّ إِنِ اتَّسَقَ الْكَلاَمُ فَهُوَ اسْتِدْرَاكٌ، وَإِلاَّ فَهُوَ كَلاَمٌ مُسْتَأْنَفٌ. وَمَثَّل فِي

_________

(١) التوضيح على التنقيح وحاشية الفنري ١ / ٣٦٤

(٢) التوضيح على التنقيح وحواشيه ١ / ٣٦٥، والمنار وحواشيه ص ٤٥٣

التَّوْضِيحِ لِلْمُتَّسَقِ مِنْ الاِسْتِدْرَاكِ بِمَا لَوْ قَال الْمُقِرُّ: لَكَ عَلَيَّ أَلْفٌ قَرْضٌ، فَقَال لَهُ الْمُقَرُّ لَهُ: لاَ، لَكِنْ غَصْبٌ. الْكَلاَمُ مُتَّسِقٌ فَصَحَّ الْوَصْل عَلَى أَنَّهُ نَفْيٌ لِسَبَبِ الْحَقِّ، وَهُوَ كَوْنُ الْمُقَرِّ بِهِ عَنْ قَرْضٍ، لاَ نَفْيٍ لِلْوَاجِبِ وَهُوَ الأَْلْفُ. فَإِنَّ قَوْلَهُ: " لاَ " لاَ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى نَفْيِ الْوَاجِبِ؛ لأَِنَّ حَمْلَهُ عَلَى نَفْيِ الْوَاجِبِ لاَ يَسْتَقِيمُ مَعَ قَوْلِهِ: " لَكِنْ غَصْبٌ " وَلاَ يَكُونُ الْكَلاَمُ مُتَّسِقًا مُرْتَبِطًا. فَلَمَّا نَفَى كَوْنَهُ قَرْضًا تَدَارَكَ بِكَوْنِهِ غَصْبًا، فَصَارَ الْكَلاَمُ مُرْتَبِطًا، وَلاَ يَكُونُ رَدًّا لإِقْرَارِهِ بَل يَكُونُ لِمُجَرَّدِ نَفْيِ السَّبَبِ.

وَمِنْ أَمْثِلَةِ مَا يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الاِسْتِئْنَافِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: مَا إِذَا تَزَوَّجَتِ الصَّغِيرَةُ الْمُمَيِّزَةُ مِنْ كُفْءٍ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا بِمِائَةٍ، فَقَال الْوَلِيُّ: لاَ أُجِيزُ النِّكَاحَ لَكِنْ أُجِيزُهُ بِمِائَتَيْنِ. قَالُوا: يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ، وَيَجْعَل " لَكِنْ " وَمَا بَعْدَهَا كَلاَمًا مُبْتَدَأً؛ لأَِنَّهُ لَمَّا قَال: " لاَ أُجِيزُ النِّكَاحَ " انْفَسَخَ النِّكَاحُ الأَْوَّل، فَإِنَّ النَّفْيَ انْصَرَفَ إِلَى أَصْل النِّكَاحِ، فَلاَ يُمْكِنُ إِثْبَاتُ ذَلِكَ النِّكَاحِ بَعْدَ ذَلِكَ بِمِائَتَيْنِ؛ لأَِنَّهُ يَكُونُ نَفْيُ النِّكَاحِ وَإِثْبَاتُهُ بِعَيْنِهِ، فَيَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرَ مُتَّسِقٍ، فَيُحْمَل " لَكِنْ بِمِائَتَيْنِ " عَلَى أَنَّهُ كَلاَمٌ مُسْتَأْنَفٌ، فَيَكُونُ إِجَازَةً لِنِكَاحٍ آخَرَ، الْمَهْرُ فِيهِ مِائَتَانِ. وَإِنَّمَا يَكُونُ كَلاَمُهُ مُتَّسِقًا لَوْ قَال بَدَل ذَلِكَ: لاَ أُجِيزُ هَذَا النِّكَاحَ بِمِائَةٍ لَكِنْ أُجِيزُهُ بِمِائَتَيْنِ؛ لأَِنَّ النَّفْيَ يَنْصَرِفُ إِلَى الْقَيْدِ وَهُوَ كَوْنُهُ بِمِائَةٍ، لاَ إِلَى أَصْل النِّكَاحِ، فَيَكُونُ الاِسْتِدْرَاكُ فِي الْمَهْرِ لاَ فِي أَصْل النِّكَاحِ. وَبِذَلِكَ لاَ يَكُونُ قَوْلُهُ إِبْطَالًا لِلنِّكَاحِ، فَلاَ يَنْفَسِخُ بِهِ. (١) وَفِي

_________

(١) التوضيح لمتن التنقيح وحواشيه ١ / ٣٦٥، ٣٦٦، وتيسير التحرير ٢ / ٢٠٢

د - عَلَى:

تُسْتَعْمَل لِلاِسْتِدْرَاكِ، كَمَا فِي قَوْل الشَّاعِرِ:

بِكُلٍّ تَدَاوَيْنَا فَلَمْ يَشْفِ مَا بِنَا

عَلَى أَنَّ قُرْبَ الدَّارِ خَيْرٌ مِنَ الْبُعْدِ

عَلَى أَنَّ قُرْبَ الدَّارِ لَيْسَ بِنَافِعٍ

إِذَا كَانَ مَنْ تَهْوَاهُ لَيْسَ بِذِي وُدِّ (١) .

هـ - أَدَوَاتُ الاِسْتِثْنَاءِ:

قَدْ تُسْتَخْدَمُ أَدَوَاتُ الاِسْتِثْنَاءِ فِي الاِسْتِدْرَاكِ، فَيَقُولُونَ: زَيْدٌ غَنِيٌّ غَيْرَ أَنَّهُ بَخِيلٌ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿قَال لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ﴾ وَهَذَا مَا يُسَمَّى الاِسْتِثْنَاءَ الْمُنْقَطِعَ (ر: اسْتِثْنَاء)، فَيُسْتَعْمَل فِي ذَلِكَ (إِلاَّ وَغَيْرُ)، وَيُسْتَعْمَل فِيهِ أَيْضًا (سِوَى) عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَ أَهْل اللُّغَةِ (٢) .

شُرُوطُ الاِسْتِدْرَاكِ:

١٠ - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الاِسْتِدْرَاكِ شُرُوطٌ، وَهِيَ:

الشَّرْطُ الأَْوَّل:

اتِّصَالُهُ بِمَا قَبْلَهُ وَلَوْ حُكْمًا. فَلاَ يَضُرُّ انْفِصَالُهُ بِمَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْكَلاَمِ الأَْوَّل، أَوْ بِمَا لاَ بُدَّ لَهُ مِنْهُ، كَتَنَفُّسٍ وَسُعَالٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَإِنْ حَال بَيْنَهُ وَبَيْنَ الأَْوَّل سُكُوتٌ يُمْكِنُهُ الْكَلاَمُ فِيهِ، أَوْ كَلاَمٌ أَجْنَبِيٌّ عَنِ الْمَوْضُوعِ، اسْتَقَرَّ حُكْمُ الْكَلاَمِ الأَْوَّل، وَبَطَل الاِسْتِدْرَاكُ.

فَلَوْ أَقَرَّ لِزَيْدٍ بِثَوْبٍ، فَقَال زَيْدٌ: مَا كَانَ لِي قَطُّ، لَكِنْ لِعَمْرٍو، فَإِنْ وَصَل فَلِعَمْرٍو، وَإِنْ فَصَل

_________

(١) مغني اللبيب بحاشية الدسوقي ١ / ١٥٧

(٢) شرح ابن عقيل وحاشية الخضري ٢ / ٢٠٩، ٢١٠، والآية من سورة هود / ٤٣