الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣
قَادِرٌ عَلَى الْكَسْبِ، أُجْبِرَ عَلَى التَّكَسُّبِ، وَيَسْتَدِينُ لِلنَّفَقَةِ الْحَاضِرَةِ، أَمَّا إِنْ كَانَ مَالُهُ غَائِبًا فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الاِسْتِدَانَةِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَدِنْ كَانَ لَهَا طَلَبُ الْفَسْخِ (١) .
ثَالِثًا: الاِسْتِدَانَةُ لِلإِْنْفَاقِ عَلَى الأَْوْلاَدِ وَالأَْقَارِبِ:
١٠ - نَفَقَةُ الصِّغَارِ مِنَ الأَْوْلاَدِ الْفُقَرَاءِ غَيْرِ الْمُتَكَسِّبِينَ وَاجِبَةٌ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى الْوَالِدِ دُونَ غَيْرِهِ فِي الأَْصْل، فَإِنِ امْتَنَعَ عَنِ الإِْنْفَاقِ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ مُوسِرًا، أُجْبِرَ عَلَى ذَلِكَ، وَيُؤْمَرُونَ بِالاِسْتِدَانَةِ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: تُؤْمَرُ الأُْمُّ بِالإِْنْفَاقِ عَلَيْهِمْ مِنْ مَالِهَا إِنْ كَانَتْ مُوسِرَةً، وَإِلاَّ أُلْزِمَ بِنَفَقَتِهِمْ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ الأَْبُ مَيِّتًا، ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُنْفِقُ عَلَى الأَْبِ إِنْ أَيْسَرَ (٢) . وَإِنْ كَانَ الأَْبُ زَمِنًا اعْتُبِرَ كَالْمَيِّتِ، فَلاَ رُجُوعَ لِلْمُنْفِقِ بَل هُوَ تَبَرُّعٌ.
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ كَالْحَنَفِيَّةِ فِي حَال الْيَسَارِ، وَيَنُوبُ عَنْ إِذْنِ الْقَاضِي عِنْدَهُمْ إِشْهَادُ الْمُنْفِقِ عَلَى أَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَى سَبِيل الرُّجُوعِ، أَوْ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ (٣) . أَمَّا إِذَا كَانَ مُعْسِرًا فَيُعْتَبَرُ الإِْنْفَاقُ عَلَى أَوْلاَدِهِ تَبَرُّعًا مِنَ الْمُنْفِقِ، لاَ رُجُوعَ لَهُ وَلَوْ أَيْسَرَ الأَْبُ بَعْدَئِذٍ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لِلأَْوْلاَدِ الاِسْتِدَانَةُ بِإِذْنِ
_________
(١) نهاية المحتاج ٧ / ٢٠٣ طبع المكتبة الإسلامية، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٦٨٦، ومواهب الجليل ٤ / ٢٠٢، والحطاب ٤ / ٢٠٥، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٢٥٢، ٢٥٧، ومطالب أولي النهى ٥ / ٦٤٦، ٦٤٩
(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ٦٧٣، ٦٧٧، ٦٨٦، وتبيين الحقائق ٣ / ٥٤، والفتاوى الهندية ١ / ٥٥١، وفتح القدير ٣ / ٣٢٥ طبع بولاق، والهداية بشرح فتح القدير ٣ / ٣٤٦ طبع بولاق.
(٣) مواهب الجليل ٤ / ١٩٣، وحاشية الدسوقي ٣ / ٢٧٤
الْقَاضِي، وَلاَ رُجُوعَ إِلاَّ إِذَا حَصَل الاِقْتِرَاضُ بِالْفِعْل لِلْمُنْفِقِ الْمَأْذُونِ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَدَانُ لِلأَْوْلاَدِ بِإِذْنٍ، لَكِنْ لَوِ اسْتَدَانَتِ الأُْمُّ لَهَا وَلأَِوْلاَدِهَا بِلاَ إِذْنٍ جَازَ تَبَعًا لِلأُْمِّ. أَمَّا الاِسْتِدَانَةُ لِغَيْرِ الزَّوْجَةِ وَالأَْوْلاَدِ فَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ كَبِيرٌ، مَوْطِنُهُ " نَفَقَة (٢) ".
الاِسْتِدَانَةُ لِيَتَمَحَّضَ الْمَال حَلاَلًا:
١١ - إِذَا أَرَادَ أَنْ يَحُجَّ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحُجَّ بِمَالٍ حَلاَلٍ، فَإِنْ لَمْ يَتَوَفَّرْ لَهُ إِلاَّ مَالٌ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَأَرَادَ أَنْ يَحُجَّ بِمَالٍ حَلاَلٍ، فَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: يَسْتَدِينُ لِلْحَجِّ، وَيَقْضِي دَيْنَهُ مِنْ مَالِهِ (٣) .
شُرُوطُ صِحَّةِ الاِسْتِدَانَةِ:
الشَّرْطُ الأَْوَّل: عَدَمُ انْتِفَاعِ الدَّائِنِ:
١٢ - إِنَّ انْتِفَاعَ الدَّائِنِ مِنْ عَمَلِيَّةِ الاِسْتِدَانَةِ إِمَّا أَنْ يَتِمَّ بِشَرْطٍ فِي الْعَقْدِ، أَوْ بِغَيْرِ شَرْطٍ، فَإِنْ كَانَ بِشَرْطٍ فَهُوَ حَرَامٌ بِلاَ خِلاَفٍ، قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُسْلِفَ - أَيِ الدَّائِنَ - إِذَا شَرَطَ عَلَى الْمُسْتَلِفِ زِيَادَةً أَوْ هَدِيَّةً، فَأَسْلَفَ عَلَى ذَلِكَ، أَنَّ أَخْذَ الزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ رِبًا، وَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَوْلَهُ: كُل قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا (٤) . وَهُوَ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفَ السَّنَدِ إِلاَّ
_________
(١) الإقناع ٤ / ١٤٤، وحاشية قليوبي ٤ / ٨٥، وتحفة المحتاج ٨ / ٣٤٦، ومغني المحتاج ٤ / ٤٤٨
(٢) شرح منتهى الإرادات ٣ / ٢٥٧
(٣) الفتاوى الهندية ١ / ٢٢٠
(٤) حديث: " كل قرض جر منفعة. . . " رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده من حديث علي مرفوعا، وفي إسناده سوار بن مصعب وهو متروك، قال عمر بن بدر في المغني: لم يصح فيه شيء (تلخيص الحبير ٣ / ٢٤ ط شركة الطباعة الفنية ١٣٨٤ هـ، وفيض القدير ٥ / ٢٨ ط المكتبة التجارية ١٣٥٦ هـ) وأخرجه البيهقي في المعرفة عن فضالة بن عبيد موقوفا بلفظ: (كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا) ورواه في السنن الكبرى عن ابن مسعود وأبي بن كعب وعبد الله بن سلام وابن عباس موقوفا عليهم (نيل الأوطار ٥ / ٣٥٠ - ٣٥١ ط دار الجيل ببيروت) .
أَنَّهُ صَحِيحٌ مَعْنًى، وَرُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُمْ نَهَوْا عَنْ كُل قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً لِلْمُقْرِضِ. وَلأَِنَّ عَقْدَ الاِسْتِدَانَةِ عَقْدُ إِرْفَاقٍ وَقُرْبَةٍ، وَاشْتِرَاطُ الْمَنْفَعَةِ فِيهِ لِلدَّائِنِ إِخْرَاجٌ لَهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ، وَهُوَ شَرْطٌ لاَ يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَلاَ يُلاَئِمُهُ، وَقَدْ أَوْرَدَ الْفُقَهَاءُ كَثِيرًا مِنَ التَّطْبِيقَاتِ الْعَمَلِيَّةِ عَلَى الْقَرْضِ الَّذِي يَجُرُّ نَفْعًا لِلدَّائِنِ (١) . وَمِنْ ذَلِكَ:
أَنْ يَشْتَرِطَ الدَّائِنُ أَنْ يَرُدَّ لَهُ الْمَدِينُ أَكْثَرَ مِمَّا أَخَذَ، أَوْ أَجْوَدَ مِمَّا أَخَذَ، وَهَذَا هُوَ الرِّبَا بِعَيْنِهِ (ر: رِبا) . وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ اشْتِرَاطُ الدَّائِنِ عَلَى الْمَدِينِ أَنْ يُعْطِيَهُ رَهْنًا بِالدَّيْنِ، أَوْ كَفِيلًا ضَمَانًا لِدَيْنِهِ؛ لأَِنَّ هَذَا شَرْطٌ يُلاَئِمُ الْعَقْدَ كَمَا سَيَأْتِي.
أَمَّا إِنْ كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ الَّتِي حَصَل عَلَيْهَا الدَّائِنُ مِنَ الْمَدِينِ غَيْرَ مَشْرُوطَةٍ، فَيَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ (٢) . وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمَكْحُولٍ، وَقَتَادَةَ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ.
_________
(١) فتح القدير ٤ / ٤٥٢، وأسنى المطالب ٢ / ١٤٢
(٢) المغني ٤ / ٣٢١، وتحفة المحتاج ٥ / ٤٧، وأسهل المدارك ٢ / ٢١٨، وابن عابدين ٤ / ٢٩٥
وَاسْتَدَل هَؤُلاَءِ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَال: ﴿
أَقْبَلْنَا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَاعْتَل جَمَلِي. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَفِيهِ ثُمَّ قَال: بِعْنِي جَمَلَكَ هَذَا، قَال: فَقُلْتُ: لاَ، بَل هُوَ لَكَ، قَال: بَل بِعْنِيهِ، قَال: قُلْتُ: لاَ، بَل هُوَ لَكَ يَا رَسُول اللَّهِ، قَال: لاَ، بَل بِعْنِيهِ، قَال: قُلْتُ: فَإِنَّ لِرَجُلٍ عَلَيَّ أُوقِيَّةَ ذَهَبٍ فَهُوَ لَكَ بِهَا، قَال: قَدْ أَخَذْتُهُ، فَتَبَلَّغْ عَلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ لِبِلاَلٍ: أَعْطِهِ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ وَزِيَادَةً، قَال: فَأَعْطَانِي أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ وَزَادَنِي قِيرَاطًا (١) وَهَذِهِ زِيَادَةٌ فِي الْقَدْرِ.
١٣ - أَمَّا الزِّيَادَةُ فِي الصِّفَةِ: فَعَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّ رَسُول اللَّهِ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِل الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُل بَكْرَهُ (٢)، فَرَجَعَ أَبُو رَافِعٍ فَقَال: لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلاَّ خِيَارًا بَعِيرًا رُبَاعِيًّا، فَقَال: أَعْطِهِ إِيَّاهُ، إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً. (٣)
وَلأَِنَّهُ لَمْ يَجْعَل تِلْكَ الزِّيَادَةَ عِوَضًا عَنِ الْقَرْضِ، وَلاَ وَسِيلَةً إِلَيْهِ، وَلاَ إِلَى اسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ.
وَقَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، وَهِيَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أُبَيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ النَّخَعِيِّ: لاَ يَجُوزُ لِلْمُقْرِضِ قَبُول هَدِيَّةِ الْمُقْتَرِضِ، وَلاَ الْحُصُول عَلَى
_________
(١) حديث: " أقبلنا من مكة. . . " أخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله ٣ / ١٢٢٢ ط عيسى الحلبي.
(٢) هو من الإبل ما بلغ سبع سنين.
(٣) حديث: " إن رسول الله ﷺ استسلف من رجل. . . . " أخرجه مسلم من حديث أبي رافع مرفوعا ٣ / ١٢٢٤ ط عيسى الحلبي.
مَا بِهِ الاِنْتِفَاعُ لَهُ، كَرُكُوبِ دَابَّتِهِ، وَشُرْبِ شَيْءٍ عِنْدَهُ فِي بَيْتِهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَعْرُوفًا بَيْنَهُمَا قَبْل الْقَرْضِ، أَوْ حَدَثَ مَا يَسْتَدْعِي ذَلِكَ؛ لِزَوَاجٍ وَوِلاَدَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ (١) .
قَال الدُّسُوقِيُّ: " وَالْمُعْتَمَدُ جَوَازُ الشُّرْبِ وَالتَّظَلُّل، وَكَذَلِكَ الأَْكْل إِنْ كَانَ لأَِجْل الإِْكْرَامِ لاَ لأَِجْل الدَّيْنِ " لأَِنَّهُ إِنْ أَخَذَ فَضْلًا، أَوْ حَصَل عَلَى مَنْفَعَةٍ يَكُونُ قَدْ تَعَاطَى قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَةً بِالْفِعْل، فَقَدْ رَوَى الأَْثْرَمُ أَنَّ رَجُلًا كَانَ لَهُ عَلَى، سَمَّاكٍ عِشْرُونَ دِرْهَمًا، فَجَعَل يُهْدِي إِلَيْهِ السَّمَكَ وَيُقَوِّمُهُ، حَتَّى بَلَغَ ثَلاَثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا، فَسَأَل ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَال لَهُ: أَعْطِهِ سَبْعَةَ دَرَاهِمَ.
وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ عُمَرَ أَسْلَفَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، فَأَهْدَى إِلَيْهِ أُبَيٌّ بْنُ كَعْبٍ مِنْ ثَمَرَةِ أَرْضِهِ، فَرَدَّهَا عَلَيْهِ وَلَمْ يَقْبَلْهَا، فَأَتَاهُ أُبَيٌّ فَقَال: لَقَدْ عَلِمَ أَهْل الْمَدِينَةِ أَنِّي مِنْ أَطْيَبِهِمْ ثَمَرَةً، وَأَنَّهُ لاَ حَاجَةَ لَنَا، فَبِمَ مَنَعْتَ هَدِيَّتَنَا؟ ثُمَّ أَهْدَى إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَبِل. وَهَذَا يَدُل عَلَى رَدِّهَا عِنْدَ الشُّبْهَةِ، وَقَبُولِهَا عِنْدَ انْتِفَائِهَا.
وَعَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَال: قُلْتُ لأُِبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسِيرَ إِلَى أَرْضِ الْجِهَادِ إِلَى الْعِرَاقِ، فَقَال: إِنَّكَ تَأْتِي أَرْضًا فَاشٍ فِيهَا الرِّبَا، فَإِنْ أَقْرَضْتَ رَجُلًا قَرْضًا فَأَتَاكَ بِقَرْضِكَ، وَمَعَهُ هَدِيَّةٌ، فَاقْبِضْ قَرْضَكَ، وَأَرْدُدْ عَلَيْهِ هَدِيَّتَهُ (٢) .
الشَّرْطُ الثَّانِي: عَدَمُ انْضِمَامِ عَقْدٍ آخَرَ:
١٤ - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الاِسْتِدَانَةِ أَلاَّ يَنْضَمَّ إِلَيْهَا عَقْدٌ
_________
(١) حاشية الدسوقي ٣ / ٢٢٤، وأسهل المدارك ٢ / ٣١٨، والمغني ٤ / ٣٢٢، والمحلى ٨ / ٨٦، وآثار محمد بن الحسن ص ١٣٢
(٢) المغني ٤ / ٣٢٠ وما بعدها.
آخَرُ، سَوَاءٌ اشْتُرِطَ ذَلِكَ فِي عَقْدِ الاِسْتِدَانَةِ، أَمْ تَمَّ التَّوَافُقُ عَلَيْهِ خَارِجَهُ، كَأَنْ يُؤَجِّرَ الْمُسْتَقْرِضُ دَارَهُ لِلْمُقْرِضِ (١)، أَوْ يَسْتَأْجِرَ الْمُسْتَقْرِضُ دَارَ الْمُقْرِضِ، لأَِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ. (٢)
وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي (الْبُيُوعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا) .
الاِسْتِدَانَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَال، وَلِبَيْتِ الْمَال، وَنَحْوِهِ، كَالْوَقْفِ:
١٥ - الأَْصْل فِي ذَلِكَ أَنَّ الاِسْتِدَانَةَ لِبَيْتِ الْمَال، أَوْ مِنْهُ جَائِزَةٌ شَرْعًا.
أَمَّا الاِسْتِدَانَةُ مِنْهُ: فَلِمَا وَرَدَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَقْرَضَ مِنْ بَيْتِ الْمَال سَبْعَةَ آلاَفِ دِرْهَمٍ، فَمَاتَ وَهِيَ عَلَيْهِ، فَأَوْصَى أَنْ تُقْضَى عَنْهُ.
وَقَال عُمَرُ: إِنِّي أَنْزَلْتُ مَال اللَّهِ مِنِّي مَنْزِلَةَ مَال الْيَتِيمِ، إِنِ احْتَجْتُ إِلَيْهِ أَخَذْتُ مِنْهُ، فَإِذَا أَيْسَرْتُ قَضَيْتُ.
أَمَّا الاِسْتِدَانَةُ عَلَيْهِ: فَلِمَا رَوَى أَبُو رَافِعٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِبِل الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُل بَكْرَهُ. (٣) . . الْحَدِيثَ. فَهَذِهِ اسْتِدَانَةٌ عَلَى
_________
(١) المغني ٤ / ٣٢٠، وتحفة المحتاج ٥ / ٤٧، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٣٩
(٢) حديث: " أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع وسلف " رواه مالك بلاغا، والبيهقي موصولا، وصححه الترمذي، ورواه النسائي والحاكم عن عبد الله بن عمرو مرفوعا وهو عند البيهقي من حديث ابن عباس بسند ضعيف، وفي الطبراني من حديث حكيم بن حزام (تلخيص الحبير ٣ / ١٧ ط شركة الطباعة الفنية ١٣٨٤ هـ) .
(٣) حديث: " أن رسول الله ﷺ استسلف. . . " تقدم تخريجه فقرة (١٣)
بَيْتِ الْمَال؛ لأَِنَّ الرَّدَّ كَانَ مِنْ مَال الصَّدَقَةِ، وَكُل هَذَا يُرَاعَى فِيهِ الْمَصْلَحَةُ الْعَامَّةُ، وَالْحَيْطَةُ الشَّدِيدَةُ فِي تَوْثِيقِ الدَّيْنِ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِيفَائِهِ.
وَيُشْتَرَطُ لِذَلِكَ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْوَقْفِ - وَبَيْتِ الْمَال مِثْلُهُ - أَنْ يَكُونَ بِإِذْنِ مَنْ لَهُ الْوِلاَيَةُ، وَأَنْ يَكُونَ الإِْقْرَاضُ لِمَلِيءٍ مُؤْتَمَنٍ، وَأَلاَّ يُوجَدَ مَنْ يَقْبَل الْمَال مُضَارَبَةً، وَأَلاَّ يُوجَدَ مُسْتَغَلاَّتٌ تُشْتَرَى بِذَلِكَ الْمَال.
وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَقْفِ بِأَنَّهُ يُسْتَغْنَى بِشَرْطِ الْوَاقِفِ عَنْ إِذْنِ الْقَاضِي. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي مَال الْيَتِيمِ وَمَال الْغَائِبِ وَاللُّقَطَةِ (١) . وَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ، مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ: (قَرْض) (وَدَيْن) .
آثَارُ الاِسْتِدَانَةِ:
أ - ثُبُوتُ الْمِلْكِ:
١٦ - يَمْلِكُ الْمُسْتَدِينُ الْمَحَل الْمُقَابِل لِلدَّيْنِ بِالْعَقْدِ نَفْسِهِ إِلاَّ فِي الْقَرْضِ، فَفِيهِ ثَلاَثَةُ اتِّجَاهَاتٍ هِيَ: أَنَّهُ يَمْلِكُ بِالْعَقْدِ، أَوْ بِالْقَبْضِ، أَوْ بِالاِسْتِهْلاَكِ (٢)، عَلَى تَفْصِيلٍ مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ: (قَرْض) .
ب - حَقُّ الْمُطَالَبَةِ، وَحَقُّ الاِسْتِيفَاءِ:
١٧ - مِنْ آثَارِ الاِسْتِدَانَةِ وُجُوبُ الْوَفَاءِ عَلَى الْمُسْتَدِينِ عِنْدَ حُلُول الأَْجَل، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣) وَلِقَوْلِهِ ﷺ: مَطْل الْغَنِيِّ
_________
(١) ابن عابدين ٤ / ٣٤١، والمغني ٤ / ٢٤٣، والقليوبي ٣ / ١٠٩، وآثار أبي يوسف ص ٩١٣، والمحلى ٨ / ٣٢٤ ط المنيرية.
(٢) شرح الخرشي ٥ / ٢٣٢، وبدائع الصنائع ١٠ / ٤٩٨٤، وأحكام القرآن للجصاص ١ / ٥٧٤، والمغني ٤ / ٣١٧، ومطالب أولي النهى ٣ / ٢٤٠، وتحفة المحتاج ٥ / ٤٨
(٣) سورة البقرة / ١٧٨
ظُلْمٌ. (١) وَنَدْبُ الإِْحْسَانِ فِي الْمُطَالَبَةِ، وَوُجُوبُ إِنْظَارِ الْمَدِينِ الْمُعْسِرِ إِلَى حِينِ الْمَيْسَرَةِ بِالاِتِّفَاقِ (٢) .
وَاسْتَدَل لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٣) وَأَنَّهَا عَامَّةٌ فِي الدُّيُونِ كُلِّهَا وَلَيْسَتْ خَاصَّةً بِالرِّبَا.
ج - حَقُّ الْمَنْعِ مِنَ السَّفَرِ:
١٨ - لِلدَّائِنِ فِي الْجُمْلَةِ حَقُّ مَنْعِ الْمَدِينِ مِنَ السَّفَرِ فِي الدَّيْنِ الْحَال، إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَدِينِ مَالٌ حَاضِرٌ يُمْكِنُهُ الاِسْتِيفَاءُ مِنْهُ، أَوْ كَفِيلٌ، أَوْ رَهْنٌ. وَإِنَّمَا ثَبَتَ هَذَا الْحَقُّ لأَِنَّ سَفَرَ الْمَدِينِ قَدْ يُفَوِّتُ عَلَى الدَّائِنِ حَقَّ الْمُطَالَبَةِ وَالْمُلاَزَمَةِ، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ تَبَعًا لِنَوْعِ الدَّيْنِ، وَالأَْجَل، وَالسَّفَرِ، وَالْمَدِينِ. (ر: دَيْن (٤»
د - حَقُّ مُلاَزَمَةِ الْمَدِينِ:
١٩ - مِنْ حَقِّ الدَّائِنِ أَنْ يُلاَزِمَ الْمَدِينَ - عَلَى تَفْصِيلٍ فِي هَذِهِ الْمُلاَزَمَةِ - إِلاَّ إِذَا كَانَ الدَّائِنُ رَجُلًا وَالْمَدِينُ امْرَأَةً؛ لِمَا فِي مُلاَزَمَتِهَا مِنَ الإِْفْضَاءِ إِلَى الْخَلْوَةِ بِالأَْجْنَبِيَّةِ، وَلَكِنْ يَجُوزُ لِلدَّائِنِ أَنْ يَبْعَثَ بِالْمَرْأَةِ تَنُوبُ عَنْهُ فِي مُلاَزَمَتِهَا، وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ (٥) .
_________
(١) حديث: " مطل الغني. . . " أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعا ٣ / ١١٩٧ ط عيسى الحلبي.
(٢) أسنى المطالب ٢ / ١٨٦، والفتاوى الهندية ٥ / ٦٣، وتفسير القرطبي ٣ / ٣٧٢
(٣) سورة البقرة / ٢٨٠
(٤) أسنى المطالب ٤ / ١٧٧، وحاشية الدسوقي ٢ / ١٧٥، ٣ / ٢٦٢، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٢٢١، والمغني ٨ / ٣٦٠، ٤ / ٤٥٥
(٥) أسنى المطالب ٢ / ٤٤، والفتاوى الهندية ٥ / ٦٣
هـ - طَلَبُ الإِْجْبَارِ عَلَى الْوَفَاءِ:
٢٠ - يَلْزَمُ الْمَدِينَ وَفَاءُ دَيْنِهِ مَا دَامَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ، فَإِنِ امْتَنَعَ وَكَانَ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَيْهِ مِثْلِيًّا وَعِنْدَهُ مِثْلُهُ، قَضَى الْقَاضِي الدَّيْنَ مِمَّا عِنْدَهُ جَبْرًا عَنْهُ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ الدَّيْنُ مِثْلِيًّا، وَمَا عِنْدَهُ قِيَمِيٌّ، فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ) إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ يَبِيعُ مَا عِنْدَ الْمَدِينِ جَبْرًا عَنْهُ - عَدَا حَاجَاتِهِ الضَّرُورِيَّةِ - وَيَقْضِي دَيْنَهُ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُجْبِرُهُ الْقَاضِي عَلَى الْبَيْعِ، وَلَكِنْ يَحْبِسُهُ إِلَى أَنْ يُؤَدِّيَ الدَّيْنَ (١) .
و الْحَجْرُ عَلَى الْمَدِينِ الْمُفْلِسِ:
٢١ - الْحَجْرُ عَلَى الْمَدِينِ الْمُفْلِسِ أَجَازَهُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَمَنَعَهُ الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ سَيَأْتِي فِي (حَجْر) (وَإِفْلاَس) .
ز - حَبْسُ الْمَدِينِ:
٢٢ - لِلدَّائِنِ أَنْ يَطْلُبَ حَبْسَ الْمَدِينِ الْغَنِيِّ الْمُمْتَنِعِ عَنِ الْوَفَاءِ (٢) .
اخْتِلاَفُ الدَّائِنِ وَالْمَدِينِ:
٢٣ - إِذَا اخْتَلَفَ الدَّائِنُ وَالْمَدِينُ وَلاَ بَيِّنَةَ لَهُمَا، فَالْقَوْل قَوْل الْمَدِينِ مَعَ يَمِينِهِ فِي الصِّفَةِ، وَالْقَدْرِ،
_________
(١) أسنى المطالب ٢ / ١٩٣،١٨٧، وحاشية الدسوقي ٣ / ٢٦٩، ٢٧٠، والمغني ٤ / ١٣٧، ٤٤٤ وما بعدها، والفتاوى الهندية ٥ / ٦١ وما بعدها، وتبيين الحقائق ٥ / ٢٠٠ وما بعدها، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٩٢
(٢) أسنى المطالب ٢ / ١٨٦، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٣١٥ وما بعدها، والفتاوى الهندية ٥ / ٦٤، والدسوقي ٣ / ٥٧٨
وَالْيَسَارِ. وَإِنْ كَانَتْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الدَّائِنِ فِي الْيَسَارِ وَالإِْعْسَارِ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ مَكَانُهُ مَبْحَثُ (دَعْوَى) .
اسْتِدْرَاكٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِدْرَاكُ لُغَةً: اسْتِفْعَالٌ مِنْ (دَرَكَ) . وَالدَّرْكُ الدَّرَكُ: اللَّحَاقُ وَالْبُلُوغُ. يُقَال: أَدْرَكَ الشَّيْءُ إِذَا بَلَغَ وَقْتُهُ وَانْتَهَى، وَعِشْتُ حَتَّى أَدْرَكْتُ زَمَانَهُ.
وَلِلاِسْتِدْرَاكِ فِي اللُّغَةِ اسْتِعْمَالاَنِ:
الأَْوَّل: أَنْ يَسْتَدْرِكَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ، إِذَا حَاوَل اللَّحَاقَ بِهِ، يُقَال: اسْتَدْرَكَ النَّجَاةَ بِالْفِرَارِ.
وَالثَّانِي: فِي مِثْل قَوْلِهِمْ: اسْتَدْرَكَ الرَّأْيَ وَالأَْمْرَ، إِذَا تَلاَفَى مَا فَرَّطَ فِيهِ مِنَ الْخَطَأِ أَوِ النَّقْصِ (١) .
وَلِلاِسْتِدْرَاكِ فِي الاِصْطِلاَحِ مَعْنَيَانِ:
الأَْوَّل. وَهُوَ لِلأُْصُولِيِّينَ وَالنَّحْوِيِّينَ: رَفْعُ مَا يُتَوَهَّمُ ثُبُوتُهُ مِنْ كَلاَمٍ سَابِقٍ. أَوْ إِثْبَاتُ مَا يُتَوَهَّمُ نَفْيُهُ. وَزَادَ بَعْضُهُمْ: (بِاسْتِعْمَال أَدَاةِ الاِسْتِدْرَاكِ وَهِيَ لَكِنَّ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ أَدَوَاتِ الاِسْتِثْنَاءِ) .
الثَّانِي: وَهُوَ مَا يَرِدُ فِي كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ كَثِيرًا وَهُوَ: إِصْلاَحُ مَا حَصَل فِي الْقَوْل أَوِ الْعَمَل مِنْ خَلَلٍ أَوْ قُصُورٍ أَوْ فَوَاتٍ. وَمِنْهُ عِنْدَهُمْ: اسْتِدْرَاكُ نَقْصِ
_________
(١) لسان العرب، ومحيط المحيط، والأساس، والمرجع في اللغة مادة (درك) .