الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣ الصفحة 48

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣

وَجَبَ الاِسْتِحْيَاءُ عَلَى الأَْقْرَبِ مِنْهُمْ إِلَى الْمُسْتَحْيَا فَالأَْقْرَبِ، عَلَى حَسَبِ تَرْتِيبِهِمْ فِي النَّفَقَةِ (ر: نَفَقَة) .

فَإِذَا امْتَنَعَ أَحَدُهُمْ عَنْ الاِسْتِحْيَاءِ انْتَقَل الْوُجُوبُ إِلَى مَنْ يَلِيهِ، إِنْ كَانَ الْوَقْتُ لاَ يَتَّسِعُ إِلَى إِجْبَارِهِ عَلَى الاِسْتِحْيَاءِ، وَكَذَا إِنِ اخْتَل فِيهِ شَرْطٌ مِنَ الشُّرُوطِ السَّابِقَةِ، إِلَى أَنْ يَصِل الْوُجُوبُ إِلَى مَنْ عَلِمَ مِنَ النَّاسِ.

الْمُسْتَحْيَا:

٧ - يُشْتَرَطُ فِي الْمُسْتَحْيَا حَتَّى يَجِبَ اسْتِحْيَاؤُهُ أَنْ يَكُونَ ذَا حَيَاةٍ مُحْتَرَمَةٍ - سَوَاءٌ أَكَانَ إِنْسَانًا أَمْ حَيَوَانًا - وَتَبْدَأُ الْحَيَاةُ الْمُحْتَرَمَةُ بِنَفْخِ الرُّوحِ فِي الْجَنِينِ بِلاَ خِلاَفٍ (١) . وَفِي ابْتِدَائِهَا قَبْل نَفْخِ الرُّوحِ خِلاَفٌ (٢) . (ر: إِجْهَاض) .

وَتُهْدَرُ هَذِهِ الْحُرْمَةُ لِلْحَيَاةِ وَيَسْقُطُ وُجُوبُ الاِسْتِحْيَاءِ بِمَا يَلِي:

أ - بِإِهْدَارِ اللَّهِ تَعَالَى لَهَا أَصْلًا، كَمَا هُوَ الْحَال فِي إِهْدَارِ حُرْمَةِ حَيَاةِ الْخِنْزِيرِ.

ب - أَوْ بِتَصَرُّفِهِ تَصَرُّفًا اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ مُوجِبًا لإِهْدَارِ دَمِهِ، كَقِتَال الْمُسْلِمِينَ (ر: بَغْي) (وَجِهَاد) وَالْقَتْل (ر: جِنَايَة) وَالرِّدَّةِ (ر: رِدَّة) وَزِنَى الْمُحْصَنِ (ر: إِحْصَان) وَالسِّحْرِ عِنْدَ الْبَعْضِ (رَ: سِحْرٍ) .

_________

(١) البحر الرائق ٨ / ٣٣ طبع المطبعة العلمية، وحاشية الرهوني على الزرقاني ٣ / ٢٦٤ طبع بولاق، وحاشية الجمل على شرح المنهاج ٥ / ٤٩٠ طبع المطبعة الميمنية، والمغني ٨ / ٤١٨ طبع مكتبة القاهرة.

(٢) البحر الرائق ٨ / ٢٣٣، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٦٦ طبع عيسى البابي الحلبي، وحاشية الرهوني على الزرقاني ٣ / ٢٦٣، وبداية المجتهد ٢ / ٤٥٣ طبع مكتبة الكليات الأزهرية سنة ١٣٨٦ هـ.

ج - أَوْ بِالضَّرَرِ، بِأَصْل خِلْقَتِهِ، كَالْحَيَوَانَاتِ الْمُؤْذِيَةِ بِأَصْل خِلْقَتِهَا، كَالْخَمْسِ الْفَوَاسِقِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ (١) وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ السَّبُعُ الْعَادِي (الْمُتَعَدِّي) وَنَحْوَ ذَلِكَ.

د - أَوْ بِالضَّرَرِ وُقُوعًا إِذَا لَمْ يُمْكِنْ دَفْعُ ضَرَرِهِ إِلاَّ بِقَتْلِهِ، كَالصَّائِل مِنَ الْحَيَوَانِ وَالإِْنْسَانِ.

وَسَائِل الاِسْتِحْيَاءِ:

٨ - لاَ تَخْرُجُ وَسَائِل الاِسْتِحْيَاءِ عَنْ كَوْنِهَا عَمَلًا، أَوِ امْتِنَاعًا عَنْ عَمَلٍ:

أ - أَمَّا الْعَمَل، فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ تَعْتَبِرُ كُل عَمَلٍ مَشْرُوعًا - عَدَا قَتْل الْبَرِيءِ - إِذَا تَعَيَّنَ لاِسْتِحْيَاءِ نَفْسٍ مُشْرِفَةٍ عَلَى الْهَلاَكِ، سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْعَمَل مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ كَإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ، أَوْ بَذْل الطَّعَامِ أَوِ الشَّرَابِ لِلْمُضْطَرِّ إِلَيْهِ. أَوْ تَمْدِيدِ إِجَارَةِ السَّفِينَةِ الَّتِي انْتَهَتْ مُدَّةُ إِجَارَتِهَا وَهِيَ فِي وَسَطِ الْبَحْرِ (ر: إِجَارَة)، وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَمْ كَانَ مُحَرَّمًا بِأَصْلِهِ كَأَكْل الْمَيْتَةِ مِنْ مَخْمَصَةٍ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ لِدَفْعِ غُصَّةٍ، وَالْكَذِبِ لِدَفْعِ ظَالِمٍ عَنْ بَرِيءٍ يُرِيدُ قَتْلَهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ (٢) .

ب - أَمَّا الاِمْتِنَاعُ عَنْ عَمَلٍ، كَالاِمْتِنَاعِ عَنْ قَتْل النَّفْسِ، وَالاِمْتِنَاعِ عَنْ قَتْل الْغَيْرِ فَهُوَ وَاجِبٌ.

_________

(١) حديث خمس من الدواب. . .) أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٣٤ ط السلفية) في الحج باب ما يقتله المحرم من الدواب، ومسلم ٢ / ٨٥٨ ط عيسى الحلبي في الحج باب ما يندب للمحرم وغيره قتله، وأبو داود (عون المعبود ٢ / ١٠٨ ط المطبعة الأنصارية) .

(٢) البحر الرائق ٨ / ٢٣٣، وحاشية ابن عابدين ١ / ٦٠٢

الإِْجْبَارُ عَلَى الاِسْتِحْيَاءِ:

٩ - إِذَا تَعَيَّنَ وُجُوبُ الاِسْتِحْيَاءِ أُجْبِرَ عَلَيْهِ عِنْدَ تَوَفُّرِ الشُّرُوطِ السَّابِقَةِ وَتَعَيَّنَ لِذَلِكَ، كَمَا إِذَا رَفَضَ الصَّغِيرُ الرَّضَاعَ مِنْ ثَدْيٍ غَيْرِ ثَدْيِ أُمِّهِ، فَإِنَّهَا تُجْبَرُ عَلَى إِرْضَاعِهِ اسْتِحْيَاءً لَهُ. (ر: رَضَاع) .

وُجُوبُ الاِسْتِحْيَاءِ فِي الزَّمَنِ الَّذِي يَتَّسِعُ لَهُ:

١٠ - يَجِبُ الاِسْتِحْيَاءُ فِي الزَّمَنِ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَقَّقَ بِهِ الاِسْتِحْيَاءُ، وَأَوَّلُهُ وَقْتُ الْحَاجَةِ إِلَى الاِسْتِحْيَاءِ، وَآخِرُهُ هُوَ الْفَرَاغُ مِنَ الاِسْتِحْيَاءِ، فَإِنْقَاذُ الْغَرِيقِ حَدَّدَ لَهُ الشَّرْعُ الزَّمَانَ، فَأَوَّلُهُ: مَا يَلِي زَمَنَ السُّقُوطِ، وَآخِرُهُ الْفَرَاغُ مِنْ إِنْقَاذِهِ (١) .

اسْتِخَارَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِسْتِخَارَةُ لُغَةً: طَلَبُ الْخِيَرَةِ فِي الشَّيْءِ. يُقَال: اسْتَخِرِ اللَّهَ يَخِرْ لَكَ (٢) . وَفِي الْحَدِيثِ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا الاِسْتِخَارَةَ فِي الأُْمُورِ كُلِّهَا. (٣)

وَاصْطِلاَحًا: طَلَبُ الاِخْتِيَارِ. أَيْ طَلَبُ صَرْفِ الْهِمَّةِ لِمَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ اللَّهِ وَالأَْوْلَى، بِالصَّلاَةِ، أَوِ

_________

(١) الفروق للقرافي ٢ / ٥٦

(٢) لسان العرب ٥ / ٣٥١

(٣) حديث: " كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها. . . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١١ / ١٨٣ ط السلفية)، والنسائي ٦ / ٨٠، ٨١ ط المكتبة التجارية.

الدُّعَاءِ الْوَارِدِ فِي الاِسْتِخَارَةِ (١) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الطِّيَرَةُ:

٢ - الطِّيَرَةُ مَا يُتَشَاءَمُ بِهِ مِنَ الْفَأْل الرَّدِيءِ (٢)، وَفِي الْحَدِيثِ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْفَأْل، وَيَكْرَهُ الطِّيَرَةَ. (٣)

ب - الْفَأْل:

٣ - الْفَأْل مَا يُسْتَبْشَرُ بِهِ، كَأَنْ يَكُونَ مَرِيضًا فَيَسْمَعُ مَنْ يَقُول: يَا سَالِمُ، أَوْ يَكُونَ طَالِبًا فَيَسْمَعُ مَنْ يَقُول: يَا وَاجِدُ (٤)، وَفِي الْحَدِيثِ: كَانَ ﷺ يُحِبُّ الْفَأْل (٥)

ج - الرُّؤْيَا:

٤ - الرُّؤْيَا بِالضَّمِّ مَهْمُوزًا، وَقَدْ يُخَفَّفُ: مَا رَأَيْتَهُ فِي مَنَامِكَ (٦) .

د - الاِسْتِقْسَامُ:

٥ - الاِسْتِقْسَامُ بِالأَْزْلاَمِ: هُوَ ضَرْبٌ بِالْقِدَاحِ لِيَخْرُجَ لَهُ قَدَحٌ مِنْهَا يَأْتَمِرُ بِمَا كُتِبَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَْزْلاَمِ﴾ . (٧)

هـ - الاِسْتِفْتَاحُ:

٦ - الاِسْتِفْتَاحُ: طَلَبُ النَّصْرِ (٨) وَفِي الْحَدِيثِ:

_________

(١) العدوي على الخرشي ١ / ٣٦

(٢) الصحاح ٢ / ٧٢٨، والقرطبي ٥ ١ / ١٦

(٣) حديث: " كان يحب الفأل ويكره الطيرة. . . . " أخرجه أحمد ٢ / ٣٣٢ ط الميمنية، وابن ماجه ٢ / ١١٧٠ ط عيسى الحلبي. وقال البوصيري: " إسناد. صحيح، ورجاله ثقات.

(٤) الصحاح ٥ / ١٧٨٨

(٥) تقدم تخريجه في فقرة (٢)

(٦) تاج العروس ١٠ / ١٣٩

(٧) لسان العرب ١٢ / مادة (قسم)، والآية من سورة المائدة / ٣

(٨) تاج العروس ٢ / ١٩٤ ط ليبيا.

كَانَ ﷺ يَسْتَفْتِحُ وَيَسْتَنْصِرُ بِصَعَالِيكِ الْمُسْلِمِينَ (١) وَبَعْضُ النَّاسِ قَدْ يَسْتَفْتِحُ وَيَسْتَطْلِعُ الْغَيْبَ مِنَ الْمُصْحَفِ أَوِ الرَّمْل أَوِ الْقُرْعَةِ (٢)، وَهَذَا لاَ يَجُوزُ لِحُرْمَتِهِ. قَال الطُّرْطُوشِي وَأَبُو الْحَسَنِ الْمَغْرِبِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ: هُوَ مِنَ الأَْزْلاَمِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ لأَِحَدٍ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلْغَيْبِ وَيَطْلُبَهُ؛ لأَِنَّ اللَّهَ قَدْ رَفَعَهُ بَعْدَ نَبِيِّهِ ﷺ إِلاَّ فِي الرُّؤْيَا (٣) .

صِفَتُهَا (حُكْمُهَا التَّكْلِيفِيُّ):

٧ - أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الاِسْتِخَارَةَ سُنَّةٌ، وَدَلِيل مَشْرُوعِيَّتِهَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَلِّمُنَا الاِسْتِخَارَةَ فِي الأُْمُورِ كُلِّهَا، كَالسُّورَةِ مِنَ الْقُرْآنِ: إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَْمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ يَقُول: إِلَخْ (٤)، وَقَال ﷺ: مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ اسْتِخَارَةُ اللَّهِ ﷿. (٥)

_________

(١) حديث: " كان ﷺ يستفتح ويستنصر بصعاليك المسلمين " أخرجه ابن أبي شيبة، والطبراني كما في فيض القدير (٥ / ٢١٩ - ط المكتبة التجارية) وحكم عليه المناوي بالإرسال.

(٢) المراد بالقرعة المحرمة هنا هي التي يقصد بها معرفة الغيب، بمعنى أن تستعمل ليعلم أفي هذا الأمر خير لي أم شر؟ أأخرج أم لا؟ أما القرعة التي تستعمل في تمييز الأنصباء في القسمة وأشباهها فهي جائزة. ولتفصيل ذلك انظر مصطلح (قرعة) .

(٣) الرهوني ٣ / ٣٦، ٣٧ ط بولاق.

(٤) حديث: " إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين. . . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١١ / ١٨٣ - ط السلفية)، والنسائي (٦ / ٨٠ - ٨١ - ط المكتبة التجارية) وانظر ابن عابدين ١ / ٦٤٣ ط الثالثة، والمجموع ٤ / ٥٤ ط المطبعة المنيرية، وانظر تكملة الحديث في فقرة (١٦)

(٥) حديث: " من سعادة ابن آدم استخارته لله ﷿. . . " أخرجه أحمد (١ / ١٦٨ - ط الميمنية) وإسناده ضعيف كما في المسند (٣ / ٢٨ ط دار المعارف) .

حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا:

٨ - حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ الاِسْتِخَارَةِ، هِيَ التَّسْلِيمُ لأَِمْرِ اللَّهِ، وَالْخُرُوجُ مِنَ الْحَوْل وَالطَّوْل، وَالاِلْتِجَاءُ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ. لِلْجَمْعِ بَيْنَ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ. وَيَحْتَاجُ فِي هَذَا إِلَى قَرْعِ بَابِ الْمَلِكِ، وَلاَ شَيْءَ أَنْجَعُ لِذَلِكَ مِنَ الصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَالاِفْتِقَارِ إِلَيْهِ قَالًا وَحَالًا (١) .

سَبَبُهَا (مَا يَجْرِي فِيهِ الاِسْتِخَارَةُ):

٩ - اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ الأَْرْبَعَةُ عَلَى أَنَّ الاِسْتِخَارَةَ تَكُونُ فِي الأُْمُورِ الَّتِي لاَ يَدْرِي الْعَبْدُ وَجْهَ الصَّوَابِ فِيهَا، أَمَّا مَا هُوَ مَعْرُوفٌ خَيْرَهُ أَوْ شَرَّهُ كَالْعِبَادَاتِ وَصَنَائِعِ الْمَعْرُوفِ وَالْمَعَاصِي وَالْمُنْكَرَاتِ فَلاَ حَاجَةَ إِلَى الاِسْتِخَارَةِ فِيهَا، إِلاَّ إِذَا أَرَادَ بَيَانَ خُصُوصِ الْوَقْتِ كَالْحَجِّ مَثَلًا فِي هَذِهِ السُّنَّةِ؛ لاِحْتِمَال عَدُوٍّ أَوْ فِتْنَةٍ، وَالرُّفْقَةِ فِيهِ، أَيُرَافِقُ فُلاَنًا أَمْ لاَ؟ (٢)

وَعَلَى هَذَا فَالاِسْتِخَارَةُ لاَ مَحَل لَهَا فِي الْوَاجِبِ وَالْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ فِي الْمَنْدُوبَاتِ وَالْمُبَاحَاتِ. وَالاِسْتِخَارَةُ فِي الْمَنْدُوبِ لاَ تَكُونُ فِي أَصْلِهِ؛ لأَِنَّهُ مَطْلُوبٌ، وَإِنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ التَّعَارُضِ، أَيْ إِذَا تَعَارَضَ عِنْدَهُ أَمْرَانِ أَيُّهُمَا يَبْدَأُ بِهِ أَوْ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ؟

أَمَّا الْمُبَاحُ فَيُسْتَخَارُ فِي أَصْلِهِ. وَهَل يَسْتَخِيرُ فِي مُعَيَّنٍ أَوْ مُطْلَقٍ؟ اخْتَارَ بَعْضُهُمُ الأَْوَّل؛ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ. لأَِنَّ فِيهِ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَْمْرَ

_________

(١) العدوي على الخرشي ١ / ٣٦، ٣٧ ط الشرقية بمصر.

(٢) العدوي على الخرشي ١ / ٣٦، ٣٧ ط الشرقية بمصر.

إِلَخْ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَرَفَةَ الثَّانِيَ، وَقَال الشَّعْرَانِيُّ: وَهُوَ أَحْسَنُ، وَقَدْ جَرَّبْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ صَحِيحًا (١) .

مَتَى يَبْدَأُ الاِسْتِخَارَةَ؟

١٠ - يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَخِيرُ خَالِيَ الذِّهْنِ، غَيْرَ عَازِمٍ عَلَى أَمْرٍ مُعَيَّنٍ، فَقَوْلُهُ ﷺ فِي الْحَدِيثِ: " إِذَا هَمَّ " يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الاِسْتِخَارَةَ تَكُونُ عِنْدَ أَوَّل مَا يَرِدُ عَلَى الْقَلْبِ، فَيَظْهَرُ لَهُ بِبَرَكَةِ الصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَا هُوَ الْخَيْرُ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا تَمَكَّنَ الأَْمْرُ عِنْدَهُ، وَقَوِيَتْ فِيهِ عَزِيمَتُهُ وَإِرَادَتُهُ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ إِلَيْهِ مَيْلٌ وَحُبٌّ، فَيَخْشَى أَنْ يَخْفَى عَنْهُ الرَّشَادُ؛ لِغَلَبَةِ مَيْلِهِ إِلَى مَا عَزَمَ عَلَيْهِ.

وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْهَمِّ الْعَزِيمَةَ؛ لأَِنَّ الْخَاطِرَ لاَ يَثْبُتُ فَلاَ يَسْتَمِرُّ إِلاَّ عَلَى مَا يَقْصِدُ التَّصْمِيمَ عَلَى فِعْلِهِ مِنْ غَيْرِ مَيْلٍ. وَإِلاَّ لَوِ اسْتَخَارَ فِي كُل خَاطِرٍ لاَسْتَخَارَ فِيمَا لاَ يَعْبَأُ بِهِ، فَتَضِيعُ عَلَيْهِ أَوْقَاتُهُ (٢) . وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَمْرًا فَلْيَقُل. . " (٣)

الاِسْتِشَارَةُ قَبْل الاِسْتِخَارَةِ:

١١ - قَال النَّوَوِيُّ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَشِيرَ قَبْل الاِسْتِخَارَةِ مَنْ يَعْلَمُ مَنْ حَالِهِ النَّصِيحَةَ وَالشَّفَقَةَ

_________

(١) العدوي على الخرشي ١ / ٣٦، وكشاف القناع ١ / ٤٠٨ والطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٢١٧

(٢) العدوي على الخرشي ١ / ٣٧، وكشاف القناع ص ٤٠٨ ط أنصار السنة المحمدية، وفتح الباري ١١ / ١٥٤، والطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٢١٧

(٣) حديث أبي سعيد: " إذا أراد أحدكم أمرا فليقل. . . " أخرجه ابن حبان (مورد الظمآن ص ١٧٧ - ط السلفية) وأبو يعلى. كما في مجمع الزوائد (٢ / ٢٨١ - ط القدسي) قال الهيثمي: " رجاله موثقون " وأخرجه الطبراني وصححه الحاكم (فتح الباري ١١ / ١٥٣، ١٥٤)

وَالْخِبْرَةَ، وَيَثِقُ بِدِينِهِ وَمَعْرِفَتِهِ. قَال تَعَالَى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَْمْرِ﴾ (١) وَإِذَا اسْتَشَارَ وَظَهَرَ أَنَّهُ مَصْلَحَةٌ، اسْتَخَارَ اللَّهَ تَعَالَى فِي ذَلِكَ.

قَال ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْثَمِيُّ: حَتَّى عِنْدَ التَّعَارُضِ (أَيْ تَقَدُّمِ الاِسْتِشَارَةِ) لأَِنَّ الطُّمَأْنِينَةَ إِلَى قَوْل الْمُسْتَشَارِ أَقْوَى مِنْهَا إِلَى النَّفْسِ لِغَلَبَةِ حُظُوظِهَا وَفَسَادِ خَوَاطِرِهَا. وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ نَفْسُهُ مُطْمَئِنَّةً صَادِقَةً إِرَادَتُهَا مُتَخَلِّيَةً عَنْ حُظُوظِهَا، قَدَّمَ الاِسْتِخَارَةَ (٢)

كَيْفِيَّةُ الاِسْتِخَارَةِ:

١٢ - وَرَدَ فِي الاِسْتِخَارَةِ حَالاَتٌ ثَلاَثٌ:

الأُْولَى: وَهِيَ الأَْوْفَقُ، وَاتَّفَقَتْ عَلَيْهَا الْمَذَاهِبُ الأَْرْبَعَةُ، تَكُونُ بِرَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ بِنِيَّةِ الاِسْتِخَارَةِ، ثُمَّ يَكُونُ الدُّعَاءُ الْمَأْثُورُ بَعْدَهَا.

الثَّانِيَةُ: قَال بِهَا الْمَذَاهِبُ الثَّلاَثَةُ: الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، تَجُوزُ بِالدُّعَاءِ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ صَلاَةٍ (٣)، إِذَا تَعَذَّرَتِ الاِسْتِخَارَةُ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعًا.

الثَّالِثَةُ: وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهَا غَيْرَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، فَقَالُوا: تَجُوزُ بِالدُّعَاءِ عَقِبَ أَيِّ صَلاَةٍ كَانَتْ مَعَ نِيَّتِهَا، وَهُوَ أَوْلَى، أَوْ بِغَيْرِ نِيَّتِهَا كَمَا فِي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ (٤) .

وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ قُدَامَةَ إِلاَّ الْحَالَةَ الأُْولَى، وَهِيَ الاِسْتِخَارَةُ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ (٥) .

_________

(١) سورة آل عمران / ١٥٩

(٢) الفتوحات الربانية على الأذكار ٣ / ٩٤، ٩٥ ط المكتبة الإسلامية.

(٣) ابن عابدين ١ / ٦٤٣، وحاشية العدوي والخرشي ١ / ٣٨، والفتوحات الربانية ٣ / ٣٤٨

(٤) العدوي على الحرشي ١ / ٣٧، والفتوحات ٣ / ٣٤٨

(٥) المغني ١ / ٧٦٩

وَإِذَا صَلَّى الْفَرِيضَةَ أَوِ النَّافِلَةَ، نَاوِيًا بِهَا الاِسْتِخَارَةَ، حَصَل لَهُ بِهَا فَضْل سُنَّةِ صَلاَةِ الاِسْتِخَارَةِ، وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ النِّيَّةُ؛ لِيَحْصُل الثَّوَابُ قِيَاسًا عَلَى تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَعَضَّدَ هَذَا الرَّأْيَ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْثَمِيُّ، وَقَدْ خَالَفَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي ذَلِكَ وَنَفَوْا حُصُول الثَّوَابِ (١) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقْتُ الاِسْتِخَارَةِ:

١٣ - أَجَازَ الْقَائِلُونَ بِحُصُول الاِسْتِخَارَةِ بِالدُّعَاءِ فَقَطْ وُقُوعَ ذَلِكَ فِي أَيِّ وَقْتٍ مِنَ الأَْوْقَاتِ؛ لأَِنَّ الدُّعَاءَ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ فِي جَمِيعِ الأَْوْقَاتِ (٢) .

أَمَّا إِذَا كَانَتِ الاِسْتِخَارَةُ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ فَالْمَذَاهِبُ الأَْرْبَعَةُ تَمْنَعُهَا فِي أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ. نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ صَرَاحَةً عَلَى الْمَنْعِ (٣) غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ أَبَاحُوهَا فِي الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ فِي أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ، قِيَاسًا عَلَى رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ (٤) . لِمَا رُوِيَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لاَ تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى فِي أَيِّ سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ. (٥)

وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٦) فَلِعُمُومِ الْمَنْعِ عِنْدَهُمْ.

_________

(١) الفتوحات الربانية ١ / ٣٤٨، ٣٥٤

(٢) الخرشي والعدوي على الخرشي ١ / ٣٨

(٣) حاشية العدوي على الخرشي ١ / ٣٧، والفتوحات الربانية على الأذكار ٣ / ٣٤٨

(٤) المغني ١ / ٧٤٧، والطحطاوي على مراقي الفلاح ص ١٠١

(٥) حديث " يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا الببت. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ٢٢٠ - ط عيسي الحلبي) وقال: " حسن صحيح " وابن ماجه (١ / ٣٩٨ - ط عيسى الحلبي)

(٦) المغني ١ / ٧٤٧ ط المنار، والطحطاوي على مراقي الفلاح ص ١٠١

فَهُمْ يَمْنَعُونَ صَلاَةَ النَّفْل فِي أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ، لِعُمُومِ أَحَادِيثِ النَّهْيِ، وَمِنْهَا:

رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَال: شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ، وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ. (١)

وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قَال: قُلْتُ يَا رَسُول اللَّهِ: أَخْبِرْنِي عَنِ الصَّلاَةِ. قَال: صَل صَلاَةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ اقْصِرْ عَنِ الصَّلاَةِ حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَل فَإِنَّ الصَّلاَةَ مَحْضُورَةٌ مَشْهُودَةٌ حَتَّى يَسْتَقِل الظِّل بِالرُّمْحِ، ثُمَّ اقْصِرْ عَنِ الصَّلاَةِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فَإِذَا أَقْبَل الْفَيْءُ فَصَل، فَإِنَّ الصَّلاَةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ، ثُمَّ اقْصِرْ عَنِ الصَّلاَةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ (٢)

كَيْفِيَّةُ صَلاَةِ الاِسْتِخَارَةِ:

١٤ - اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ عَلَى أَنَّ الأَْفْضَل فِي صَلاَةِ الاِسْتِخَارَةِ أَنْ تَكُونَ رَكْعَتَيْنِ. وَلَمْ يُصَرِّحِ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا، أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَأَجَازُوا أَكْثَرَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ، وَاعْتَبَرُوا التَّقْيِيدَ بِالرَّكْعَتَيْنِ لِبَيَانِ أَقَل مَا يَحْصُل بِهِ. (٣)

_________

(١) حديث: " نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس. . . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٥٨ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٥٦٦ - ط عيسى الحلبي) برواية أبي هريرة وروي بنحوه عن عمرو بن عبسه (تلخيص الحبير ١ / ١٨٥) .

(٢) حديث عمرو بن عبسه " صل صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة. . . " أخرجه مسلم ١ / ٥٧٠ ط عيسى الحلبي.

(٣) الفتوحات الربانية ٣ / ٣٤٨