الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣
إِنْ كَانَ مُعَيَّنًا، فَإِنْ كَانَ مَوْصُوفًا فَفِيهِ الْمِثْل (١) .
وَالثَّانِي: بَيْنُونَةُ الْمَرْأَةِ بِمَهْرِ الْمِثْل، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ (٢)، لأَِنَّهُ الْمُرَادُ عِنْدَ فَسَادِ الْعِوَضِ.
اسْتِحْقَاقُ الأُْضْحِيَّةِ:
٣٥ - الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الأُْضْحِيَّةَ الْمُسْتَحَقَّةَ لاَ تُجْزِئُ عَنِ الذَّابِحِ وَلاَ عَنِ الْمُسْتَحِقِّ، اسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ ضَمَّنَهُ الْمَالِكُ قِيمَتَهَا فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنِ الذَّابِحِ.
وَفِي لُزُومِ الْبَدَل قَال الْحَنَفِيَّةُ، يَلْزَمُ كُلًّا مِنْهُمَا أَنْ يُضَحِّيَ عِنْدَ عَدَمِ الإِْجْزَاءِ، فَإِنْ فَاتَ وَقْتُ النَّحْرِ فَعَلَى الذَّابِحِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِقِيمَةِ شَاةٍ وَسَطٍ، وَقَال الْحَنَابِلَةُ يَلْزَمُهُ بَدَلُهَا إِنْ تَعَيَّنَتْ قَبْل الاِسْتِحْقَاقِ، وَكَانَتْ وَاجِبَةً قَبْل التَّعْيِينِ، كَأَنْ نَذَرَهَا لِلأُْضْحِيَّةِ، فَإِنْ كَانَ الاِسْتِحْقَاقُ قَبْل التَّعْيِينِ فَلاَ يَلْزَمُهُ بَدَلُهَا لِعَدَمِ صِحَّةِ التَّعْيِينِ حِينَئِذٍ (٣) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: تَتَوَقَّفُ الأُْضْحِيَّةُ الْمُسْتَحَقَّةُ عَلَى إِجَازَةِ الْمُسْتَحِقِّ، فَإِنْ أَجَازَ الْبَيْعَ أَجْزَأَتْ قَطْعًا (٤) .
اسْتِحْقَاقُ بَعْضِ الْمَقْسُومِ:
٣٦ - لِلْفُقَهَاءِ فِي بُطْلاَنِ الْقِسْمَةِ وَبَقَائِهَا صَحِيحَةً - عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ بَعْضِ الْمَقْسُومِ - اتِّجَاهَاتٌ:
أ - أَوَّلُهَا: بَقَاءُ الْقِسْمَةِ صَحِيحَةً إِنْ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ بَعْضًا مُعَيَّنًا وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ، سَوَاءٌ عِنْدَهُمْ فِي
_________
(١) الخرشي ٣ / ١٦، والمغني ٨ / ١٩٥، ٢٠٢، وكشاف القناع ٣ / ١٣١، وقواعد ابن رجب ص ٢١٤
(٢) شرح الروض ٥ / ٢٥٥
(٣) البدائع ٥ / ٧٦، ونهاية المحتاج ٨ / ١٣٦، وكشاف القناع ٣ / ١١، ١٢ ط مكتبة النصر.
(٤) الزرقاني على خليل ٣ / ٤٣
ذَلِكَ كَوْنُ الْجُزْءِ الْمُسْتَحَقِّ الْمُعَيَّنِ فِي نَصِيبِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَمْ فِي نَصِيبِ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَإِنْ كَانَ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا رَجَعَ عَلَى شَرِيكِهِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الْمُسْتَحِقِّ. وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ يَرَوْنَ بَقَاءَهَا صَحِيحَةً إِنْ كَانَ الاِسْتِحْقَاقُ فِي نَصِيبِ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ (١) .
ب - بُطْلاَنُ الْقِسْمَةِ وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ إِنْ كَانَ الاِسْتِحْقَاقُ شَائِعًا فِي الْكُل، أَوْ شَائِعًا فِي أَحَدِ الأَْنْصِبَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. وَالْبُطْلاَنُ أَيْضًا قَوْل الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ إِنْ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ بَعْضًا شَائِعًا؛ لأَِنَّ الْمُسْتَحَقَّ شَرِيكٌ لَهُمَا وَقَدِ اقْتَسَمَا مِنْ غَيْرِ حُضُورِهِ وَلاَ إِذْنِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ لَهُمَا شَرِيكٌ يُعَلِّمَانِهِ فَاقْتَسَمَا دُونَهُ، وَمِثْل الشَّائِعِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَيْضًا الْمُعَيَّنُ الْمُسْتَحَقُّ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا فَقَطْ أَوْ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنَ الآْخَرِ؛ لأَِنَّهَا قِسْمَةٌ لَمْ تَعْدِل فِيهَا السِّهَامُ فَكَانَتْ بَاطِلَةً (٢) .
ج - بُطْلاَنُ الْقِسْمَةِ فِي الْقَدْرِ الْمُسْتَحَقِّ إِنْ كَانَ شَائِعًا وَثُبُوتُ الْخِيَارِ فِي الْبَاقِي بَيْنَ إِنْفَاذِهِ الْقِسْمَةَ أَوْ إِلْغَائِهَا. وَهُوَ أَظْهَرُ الطَّرِيقَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (٣) .
د - التَّخْيِيرُ بَيْنَ التَّمَسُّكِ بِالْبَاقِي وَعَدَمِ الرُّجُوعِ بِشَيْءٍ، وَبَيْنَ رُجُوعِهِ فِيمَا بِيَدِ شَرِيكِهِ بِنِصْفِ قَدْرِ الْمُسْتَحَقِّ إِنْ كَانَ قَائِمًا، وَإِلاَّ فَبِنِصْفِ قِيمَتِهِ يَوْمَ قَبْضِهِ، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ إِنِ اسْتَحَقَّ النِّصْفَ أَوِ
_________
(١) الهداية مع نتائج الأفكار والكفاية ٨ / ٣٧٤ ط دار (إحياء التراث العربي، وشرح الروض ٤ / ٣٣٤، والمهذب ٢ / ٣١٠ ط مصطفى الحلبي، والمغني ٩ / ١٢٨، وقواعد ابن رجب ص ٤١٤
(٢) الهداية مع نتائج الأفكار والكفاية ٨ / ٣٧٤، وابن عابدين ٥ / ١٦٨، ١٦٩، وشرح الروض ٤ / ٣٣٤، والقليوبي ٤ / ٣١٨، والمهذب ٢ / ٣١٠، والمغني ٩ / ١٢٨، وقواعد ابن رجب ص ٤١٥
(٣) شرح الروض ٤ / ٣٣٤
الثُّلُثَ، فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ الرُّبُعَ فَلاَ خِيَارَ لَهُ وَالْقِسْمَةُ بَاقِيَةٌ لاَ تُنْقَضُ، وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ إِلاَّ بِنِصْفِ قِيمَةِ مَا اسْتَحَقَّ (١) .
هـ - التَّخْيِيرُ بَيْنَ إِبْقَاءِ الْقِسْمَةِ عَلَى حَالِهَا فَلاَ يَرْجِعُ بِشَيْءٍ وَبَيْنَ فَسْخِ الْقِسْمَةِ، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ إِنِ اسْتَحَقَّ الأَْكْثَرَ، وَهُوَ مَا زَادَ عَنِ النِّصْفِ (٢)
والتَّخَيُّرُ بَيْنَ رَدِّ الْبَاقِي وَالاِقْتِسَامِ ثَانِيًا، وَبَيْنَ الإِْبْقَاءِ عَلَى الْقِسْمَةِ وَالرُّجُوعِ عَلَى الشَّرِيكِ بِقَدْرِ مَا اسْتَحَقَّ، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ إِنِ اسْتُحِقَّ جُزْءٌ شَائِعٌ مِنْ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا وَحْدَهُ، وَتُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ كَمَا تَقَدَّمَ (٣) .
اسْتِحْلاَلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - هُوَ مَصْدَرُ اسْتَحَل الشَّيْءَ: بِمَعْنَى اتَّخَذَهُ حَلاَلًا، أَوْ سَأَل غَيْرَهُ أَنْ يُحِلَّهُ لَهُ (٤) وَتَحَلَّلْتُهُ وَاسْتَحْلَلْتُهُ: إِذَا سَأَلْتَهُ أَنْ يَجْعَلَكَ فِي حِلٍّ مِنْ قِبَلِهِ (٥) .
وَيَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَبِمَعْنَى اعْتِقَادِ الْحِل (٦) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - الاِسْتِحْلاَل بِمَعْنَى: اعْتِبَارِ الشَّيْءِ حَلاَلًا، فَإِنْ
_________
(١) الدسوقي ٣ / ٥١٤ ط دار الفكر.
(٢) المرجع السابق.
(٣) الكفاية مع نتائج الأفكار ٨ / ٣٧٤، وابن عابدين ٥ / ١٦٨، ١٦٩
(٤) ترتيب القاموس (حل)
(٥) لسان العرب (حل)
(٦) الزرقاني على خليل ٨ / ٦٥ ط دار الفكر.
كَانَ فِيهِ تَحْلِيل مَا حَرَّمَهُ الشَّارِعُ فَهُوَ حَرَامٌ، وَقَدْ يَكْفُرُ بِهِ إِذَا كَانَ التَّحْرِيمُ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ. فَمَنِ اسْتَحَل عَلَى جِهَةِ الاِعْتِقَادِ مُحَرَّمًا - عُلِمَ تَحْرِيمُهُ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ - دُونَ عُذْرٍ يَكْفُرُ (١) وَسَبَبُ التَّكْفِيرِ بِهَذَا أَنَّ إِنْكَارَ مَا ثَبَتَ ضَرُورَةً أَنَّهُ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِيهِ تَكْذِيبٌ لَهُ ﷺ وَقَدْ ضَرَبَ الْفُقَهَاءُ أَمْثِلَةً لِذَلِكَ بِاسْتِحْلاَل الْقَتْل وَالزِّنَى (٢)، وَشُرْبِ الْخَمْرِ (٣)،، وَالسِّحْرِ (٤) .
وَقَدْ يَكُونُ الاِسْتِحْلاَل حَرَامًا، وَيَفْسُقُ بِهِ الْمُسْتَحِل، لَكِنَّهُ لاَ يَكْفُرُ، كَاسْتِحْلاَل الْبُغَاةِ أَمْوَال الْمُسْلِمِينَ وَدِمَاءَهُمْ. وَوَجْهُ عَدَمِ التَّكْفِيرِ أَنَّهُمْ مُتَأَوِّلُونَ. وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْفِسْقِ بِالاِسْتِحْلاَل حِينَئِذٍ عَدَمُ قَبُول قَضَاءِ قَاضِيهِمْ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، إِلاَّ رَأْيًا لِلْمَالِكِيَّةِ يَقْضِي بِتَعَقُّبِ أَقْضِيَتِهِمْ، فَمَا كَانَ مِنْهَا صَوَابًا نَفَذَ، وَمَا كَانَ عَلَى خِلاَفِ كَذَلِكَ رُدَّ.
وَرَدُّ شَهَادَتِهِمْ كَنَقْضِ قَضَائِهِمْ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ. وَلِتَفْصِيل هَذِهِ الأَْحْكَامِ (ر: بَغْي (٥» .
_________
(١) البحر الرائق ١ / ٢٠٧ ط العلمية، والحطاب ٦ / ٢٨٠ ط ليبيا، ومنح الجليل ٤ / ٤٦٠، ٤٦٣ ط ليبيا، وحاشية الشرواني على التحفة ٩ / ٢٧، ٩١ ط دار صادر، والمغني مع الشرح الكبير ١٠ / ٨٥ ط المنار الأولى.
(٢) الشرواني على التحفة ٩ / ٨٧، والمواق على خليل ٦ / ٢٨٠، والزرقاني على خيل ٨ / ٦٥
(٣) المبسوط ٢٤ / ٢ ط دار المعرفة. والموق على خليل ٦ / ٢٨٠، والزرقاني على خليل ٨ / ٦٥
(٤) الشرواني على التحفة ٩ / ٦٢، ٨٧، وابن عابدين ٣ / ٣١٧ ط الثالثة، والخطاب مع التاج والإكليل ٦ / ٢٨٠. والمغني مع الشرح الكبير ١٠ / ١١٤
(٥) البحر الرائق ٥ / ١٥٤، ومنح الجليل ٤ / ٤٦٢، والدسوقي ٤ / ٣٠٠ ط دار الفكر، ونهاية المحتاج ٨ / ٩. والبجيرمي على المنهج ٤ / ٢٠١ ط المكتبة الإسلامية، والمغني مع الشرح ١٠ / ٧٠
وَأَمَّا الاِسْتِحْلاَل بِمَعْنَى: اتِّخَاذِ الشَّيْءِ حَلاَلًا. كَاسْتِحْلاَل الْفُرُوجِ بِطَرِيقِ النِّكَاحِ، فَقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهًا، أَوْ مُبَاحًا، أَوْ مُسْتَحَبًّا.
وَأَمَّا الاِسْتِحْلاَل بِمَعْنَى: طَلَبِ جَعْل الشَّخْصِ فِي حِلٍّ فَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا، كَالاِسْتِحْلاَل مِنَ الْغِيبَةِ إِنْ عَلِمَ بِهَا الْمُغْتَابُ (١)، وَقَدْ يَكُونُ مُبَاحًا كَاسْتِحْلاَل الْغَاصِبِ مِنَ الْمَغْصُوبِ بَدَلًا مِنْ رَدِّ الْمَغْصُوبِ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي أَحْكَامِ الْغِيبَةِ وَالْغَصْبِ.
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٣ - جَاءَ لَفْظُ الاِسْتِحْلاَل فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَوَاطِنِ، كَالْقَتْل، وَحَدِّ الزِّنَى، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَالْبَغْيِ، وَالرِّدَّةِ، وَالتَّوْبَةِ، وَالْغِيبَةِ.
وَيُرْجَعُ فِي كُل مُحَرَّمٍ إِلَى مَوْطِنِهِ لِمَعْرِفَةِ حُكْمِ اسْتِحْلاَلِهِ.
اسْتِحْيَاءٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِحْيَاءُ يَأْتِي فِي اللُّغَةِ بِمَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْهَا:
أ - بِمَعْنَى الْحَيَاءِ، وَهُوَ: الاِنْزِوَاءُ وَالاِنْقِبَاضُ (٢)، وَقَيَّدَ بَعْضُهُمْ هَذَا الاِنْقِبَاضَ لِيَكُونَ اسْتِحْيَاءً بِأَنْ
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٢٦٣، ٢٦٤، وشرح الروض ٤ / ٣٥٧ ط الميمنية، ومطالب أولي النهى ٦ / ٢١٠ ط المكتب الإسلامي، ومدارج السالكين ١ / ٢٩٠، ٢٩١ ط السنة المحمدية.
(٢) المصباح المنير.
يَكُونَ انْقِبَاضًا عَنِ الْقَبَائِحِ. وَقَدْ وَرَدَ الاِسْتِحْيَاءُ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي عَدَدٍ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، مِنْهَا قَوْلُهُ جَل شَأْنُهُ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوَك لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ (١) وَقَوْلُهُ ﷿ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (٢) وَقَوْلُهُ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ فِي سُورَةِ الأَْحْزَابِ ﴿وَاَللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ (٣)
وَالاِسْتِحْيَاءُ - بِهَذَا الْمَعْنَى - مُرَغَّبٌ فِيهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (حَيَاء) .
ب - بِمَعْنَى الإِْبْقَاءِ عَلَى الْحَيَاةِ، فَيُقَال: اسْتَحْيَيْتُ فُلاَنًا إِذَا تَرَكْتُهُ حَيًّا وَلَمْ أَقْتُلْهُ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ الْقَصَصِ: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ (٤) أَيْ يُبْقِيهِمْ أَحْيَاءً (٥) .
وَاسْتَعْمَل الْفُقَهَاءُ كَلِمَةَ اسْتِحْيَاءٍ بِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ، فَقَالُوا فِي الْبِكْرِ: تُسْتَأْذَنُ فِي النِّكَاحِ، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا، لأَِنَّهَا تَسْتَحْيِي مِنَ النُّطْقِ.
وَقَالُوا فِي الأَْسْرَى يَقَعُونَ فِي يَدِ الْمُسْلِمِينَ: إِنْ شَاءَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ اسْتَحْيَاهُمْ، وَإِنْ شَاءَ قَتَلَهُمْ.
وَكَثِيرًا مَا يُعَبِّرُونَ عَنِ الاِسْتِحْيَاءِ بِلَفْظِ الإِْبْقَاءِ عَلَى الْحَيَاةِ، فَيَقُولُونَ فِي الصَّغِيرِ يَأْبَى الرَّضَاعَ مِنْ غَيْرِ أُمِّهِ: تُجْبَرُ أُمُّهُ عَلَى إِرْضَاعِهِ إِبْقَاءً عَلَى حَيَاتِهِ
_________
(١) سورة القصص / ٢٥
(٢) سورة البقرة / ٢٦
(٣) سورة الأحزاب / ٥٣
(٤) سورة القصص / ٤
(٥) انظر في ذلك لسان العرب، ومفردات الراغب الأصفهاني، وتفسير النسفي للآية ٥٣ من سورة الأحزاب، والآية ٤ من سورة القصص.
الاِسْتِحْيَاءُ بِمَعْنَى إِدَامَةِ الْحَيَاةِ:
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
إِحْيَاءٌ:
٢ - كَلِمَةُ " إِحْيَاءٌ " تُسْتَعْمَل فِي إِيجَادِ الْحَيَاةِ فِيمَا لاَ حَيَاةَ فِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ . (١)
أَمَّا كَلِمَةُ " اسْتِحْيَاءٌ " فَإِنَّهَا تُسْتَعْمَل فِي إِدَامَةِ الْحَيَاةِ الْمَوْجُودَةِ، وَعَدَمِ إِعْدَامِهَا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الأَْمْثِلَةِ السَّابِقَةِ. فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الإِْحْيَاءَ مَسْبُوقٌ بِالْعَدَمِ، بِخِلاَفِ الاِسْتِحْيَاءِ.
صِفَتُهُ (الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ):
٣ - لاَ يُمْكِنُ اطِّرَادُ الاِسْتِحْيَاءِ عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ، نَظَرًا لاِخْتِلاَفِ أَحْوَال الاِسْتِحْيَاءِ، بَل تَتَعَاقَبُهُ أَكْثَرُ الأَْحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ.
فَأَحْيَانًا يَكُونُ الاِسْتِحْيَاءُ وَاجِبًا، كَمَا هُوَ الْحَال فِي اسْتِحْيَاءِ مَنْ بَذَلْنَا لَهُ الأَْمَانَ (ر: أَمَان)، وَاسْتِحْيَاءِ الصَّغِيرِ بِالإِْجْبَارِ عَلَى الرَّضَاعَةِ (ر: رَضَاع)، وَاسْتِحْيَاءِ الإِْنْسَانِ الْعَاجِزِ عَنِ الْكَسْبِ، وَالْحَيَوَانِ الْمَحْبُوسِ بِالإِْنْفَاقِ عَلَيْهِ (ر: نَفَقَة)، وَاسْتِحْيَاءِ الذَّرَارِيِّ وَالنِّسَاءِ مِنَ السَّبْيِ (ر: سَبْي)، وَاسْتِحْيَاءِ الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ (ر: إِجْهَاض) .
وَأَحْيَانًا يَكُونُ الاِسْتِحْيَاءُ مَكْرُوهًا، كَاسْتِحْيَاءِ الْحَيَوَانِ الْمُؤْذِي بِطَبْعِهِ. وَأَحْيَانًا يَكُونُ الاِسْتِحْيَاءُ مُحَرَّمًا، كَاسْتِحْيَاءِ مَنْ وَجَبَ قَتْلُهُ فِي حَدٍّ (ر: حَدّ)، وَاسْتِحْيَاءِ مَا يَسْتَفِيدُ مِنْهُ جُنُودُ الْعَدُوِّ قَطْعًا فِي حَرْبِهِمْ لَنَا، كَالْحَيَوَانَاتِ
_________
(١) سورة البقرة / ٢٨
الَّتِي عَجَزْنَا عَنْ حَمْلِهَا إِلَى بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ (ر: جِهَاد) .
وَأَحْيَانًا يَكُونُ الاِسْتِحْيَاءُ مُبَاحًا، كَتَخْيِيرِ الإِْمَامِ فِي أَسْرَى الْمُشْرِكِينَ بَيْنَ الْقَتْل أَوِ الْمَنِّ أَوِ الْفِدَاءِ أَوِ الاِسْتِرْقَاقِ.
الْمُسْتَحْيِي:
الْمُسْتَحْيِي: إِمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ نَفْسَ الْمُسْتَحْيَا (كَاسْتِحْيَاءِ الإِْنْسَانِ نَفْسَهُ) أَوْ غَيْرَهُ.
اسْتِحْيَاءُ الإِْنْسَانِ نَفْسَهُ:
٤ - يَجِبُ عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَعْمَل عَلَى اسْتِحْيَاءِ نَفْسِهِ مَا اسْتَطَاعَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِأَمْرَيْنِ:
أَوَّلُهُمَا: بِدَفْعِ التَّلَفِ عَنْهَا بِإِزَالَةِ سَبَبِهِ، كَالْجُوعِ وَالْعَطَشِ (١)، وَإِطْفَاءِ الْحَرِيقِ أَوِ الْهَرَبِ مِنْهُ، كَمَا إِذَا احْتَرَقَتْ سَفِينَةٌ وَلَمْ يُمْكِنْ إِطْفَاؤُهَا، وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ رِكَابَهَا لَوْ أَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ فِي الْمَاءِ نَجَوْا، وَجَبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ (٢) .
وَلَيْسَ مِنْ هَذَا تَنَاوُل الدَّوَاءِ؛ لأَِنَّ الْمَرَضَ غَيْرُ مُفْضٍ إِلَى الْمَوْتِ حَتْمًا؛ وَلأَِنَّ الشِّفَاءَ بِتَنَاوُل الدَّوَاءِ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ (٣)، لَكِنِ التَّدَاوِي مَطْلُوبٌ شَرْعًا؛ لِحَدِيثِ تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ (٤)
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي دَفْعِ التَّلَفِ عَنْ نَفْسِهِ إِتْلاَفٌ لِلْغَيْرِ، أَوْ لِعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ، أَوْ كَانَ فِيهِ إِتْلاَفٌ لِنَفْسٍ غَيْرِ مُحْتَرَمَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ اسْتِحْيَاءُ نَفْسِهِ، كَمَا
_________
(١) حاشية عميرة ٤ / ٢٠٧. والمبسوط ٣٠ / ٢٦٥ و٢٧١ ط دار المعرفة.
(٢) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٦١
(٣) الفتاوى الهندية ٥ / ٢٥٤ طبع بولاق.
(٤) حديث (تداووا عباد الله) أخرجه الترمذي (٦ / ١٩٠ تحفة الأحوذي نشر السلفية) وقال: حسن صحيح.
هُوَ الْحَال فِي طَلَبِ الزَّادِ مِمَّنْ هُوَ مَعَهُ وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ، أَوْ فِي دَفْعِ الصَّائِل عَلَى النَّفْسِ (١) .
وَإِنْ كَانَ فِي إِحْيَاءِ نَفْسِهِ إِتْلاَفٌ لِنَفْسٍ مُحْتَرَمَةٍ، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ الإِْقْدَامُ عَلَى هَذَا الإِْتْلاَفِ إِحْيَاءً لِنَفْسِهِ؛ لأَِنَّ الضَّرَرَ لاَ يُزَال بِضَرَرٍ مِثْلِهِ.
ثَانِيهُمَا: عَدَمُ الإِْقْدَامِ عَلَى إِمَاتَةِ نَفْسِهِ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ أَوْ غَيْرِ مُبَاشِرٍ، أَمَّا إِمَاتَةُ نَفْسِهِ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ كَمَا إِذَا بَعَجَ بَطْنَهُ بِحَدِيدَةٍ، أَوْ أَلْقَى نَفْسَهُ مِنْ شَاهِقٍ لِيَمُوتَ، فَمَاتَ، لِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، يَتَرَدَّى خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَسُمُّهُ بِيَدِهِ، يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ وَجَأَ بَطْنَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ، يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا (٢) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ، أَوْ كِتَابِ الْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ، عِنْدَ كَلاَمِهِمْ عَلَى الاِنْتِحَارِ (ر: انْتِحَار) .
وَأَمَّا إِمَاتَةُ نَفْسِهِ بِشَكْلٍ غَيْرِ مُبَاشِرٍ، كَمَا إِذَا اقْتَحَمَ عَدُوًّا، أَوْ مَجْمُوعَةً مِنَ اللُّصُوصِ، وَهُوَ مُوقِنٌ أَنَّهُ مَقْتُولٌ لاَ مَحَالَةَ، دُونَ أَنْ يَقْتُل مِنْهُمْ أَحَدًا، أَوْ يُوقِعَ فِيهِمْ نِكَايَةً، أَوْ يُؤَثِّرَ فِيهِمْ أَثَرًا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ؛ لأَِنَّ هَذَا إِلْقَاءٌ لِلنَّفْسِ فِي التَّهْلُكَةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُول: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٣)، وَمَحَل تَفْصِيل ذَلِكَ كِتَابُ الْجِهَادِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ (ر: جِهَاد) .
٥ - وَاسْتِحْيَاءُ نَفْسِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى اسْتِحْيَاءِ غَيْرِهِ؛ لأَِنَّ
_________
(١) المغني ٨ / ٣٢٨
(٢) حديث (من تردى. . .) أخرجه مسلم ١ / ١٠٣ - ١٠٤ ط عيسى الحلبي.
(٣) سورة البقرة / ١٩٥، وانظر تفسبر القرطبي لهذه الآية الكريمة ٢ / ٣٦٣ - ٣٦٤ طبع دار الكتب المصربة.
حُرْمَةَ نَفْسِهِ عَلَيْهِ فَوْقَ حُرْمَةِ نَفْسٍ أُخْرَى (١)، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ مَنْ قَتَل نَفْسَهُ كَانَ إِثْمُهُ أَكْثَرَ مِمَّنْ قَتَل غَيْرَهُ (٢)، وَمِنْ هُنَا قَرَّرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الْمَرْءَ يُكَلَّفُ بِالإِْنْفَاقِ عَلَى نَفْسِهِ أَوَّلًا، ثُمَّ عَلَى غَيْرِهِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي النَّفَقَاتِ (ر: نَفَقَة)، وَكَمَنْ اضْطُرَّ إِلَى طَعَامِ غَيْرِهِ اسْتِحْيَاءً لِنَفْسِهِ، وَصَاحِبُ الطَّعَامِ مُضْطَرٌّ لِطَعَامِهِ اسْتِحْيَاءً لِنَفْسِهِ أَيْضًا، فَصَاحِبُ الطَّعَامِ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ (٣) .
اسْتِحْيَاءُ الإِْنْسَانِ غَيْرَهُ:
٦ - يُشْتَرَطُ فِي الْمُسْتَحْيِي لِغَيْرِهِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ الاِسْتِحْيَاءُ مَا يَلِي:
١ - أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَحْيِي مُكَلَّفًا عَالِمًا بِحَاجَةِ الْمُسْتَحْيَا إِلَى الاِسْتِحْيَاءِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَثْبُتُ الْوُجُوبُ عَلَى غَيْرِ الْمُكَلَّفِ.
٢ - أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى الاِسْتِحْيَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لاَ يُكَلَّفُ بِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٤)، قَال فِي الْمُغْنِي: " كُل مَنْ رَأَى إِنْسَانًا فِي مُهْلِكَةٍ فَلَمْ يُنَجِّهِ مِنْهَا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهُ وَقَدْ أَسَاءَ " وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: يَضْمَنُهُ لأَِنَّهُ لَمْ يُنَجِّهِ مِنَ الْهَلاَكِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ مَنَعَهُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ (٥)، فَالْخِلاَفُ وَاقِعٌ فِي الضَّمَانِ، لاَ فِي الاِسْتِحْيَاءِ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْجِنَايَاتِ (ر: جِنَايَة) .
فَإِذَا تَحَقَّقَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ فِي مَجْمُوعَةٍ مِنَ النَّاسِ
_________
(١) المبسوط ٣٠ / ٢٧٠
(٢) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٦١
(٣) المغني ٨ / ٨٣٤
(٤) سورة البقرة ٢٨٦
(٥) الفروق للقرافي ٢ / ٥٦ طبع دار المعرفة.