الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ هُوَ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً وَتَرَكَهُ أُخْرَى، فَيَكُونُ دُونَ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ كَمَا قَال التَّهَانُوِيُّ، بَل دُونَ سُنَنِ الزَّوَائِدِ كَمَا قَال أَبُو الْبَقَاءِ الْكَفَوِيُّ.
وَيُسَمَّى عِنْدَهُمْ بِالْمَنْدُوبِ لِدُعَاءِ الشَّارِعِ إِلَيْهِ، وَبِالتَّطَوُّعِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ وَاجِبٍ، وَبِالنَّفَل لِزِيَادَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ (١) .
وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْمُسْتَحَبُّ مُسْتَحَبًّا لاِخْتِيَارِ الشَّارِعِ إِيَّاهُ عَلَى الْمُبَاحِ (٢) . وَهُمْ بِهَذَا يَقْتَرِبُونَ مِمَّا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، لَوْلاَ أَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ مَعَهُ فِي التَّطَوُّعِ، حَيْثُ يَجْعَلُونَهُ مُرَادِفًا لِلْمُسْتَحَبِّ، وَيَجْعَلُهُ قَسِيمًا لَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْمُسْتَحَبِّ وَبَيْنَ السُّنَّةِ بِأَنَّهَا هِيَ: الطَّرِيقَةُ الْمَسْلُوكَةُ فِي الدِّينِ مِنْ غَيْرِ الْتِزَامٍ عَلَى سَبِيل الْمُوَاظَبَةِ، فَيَخْرُجُ الْمُسْتَحَبُّ بِالْقَيْدِ الأَْخِيرِ، إِذْ لاَ مُوَاظَبَةَ عَلَيْهِ مِنْ قِبَل النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالتَّسْلِيمُ (٣) .
وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمُسْتَحَبَّاتِ وَسُنَنِ الزَّوَائِدِ، فَقَال: الْمُسْتَحَبُّ هُوَ الَّذِي يَكُونُ عَلَى سَبِيل الْعَادَةِ، سَوَاءٌ أَتُرِكَ أَحْيَانًا أَمْ لاَ.
وَفِي نُورِ الأَْنْوَارِ شَرْحِ الْمَنَارِ: السُّنَنُ الزَّوَائِدُ فِي مَعْنَى الْمُسْتَحَبِّ، إِلاَّ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ مَا أَحَبَّهُ الْعُلَمَاءُ، وَالسُّنَنُ الزَّوَائِدُ مَا اعْتَادَهُ النَّبِيُّ ﵇.
هَذَا وَقَدْ يُطْلَقُ الْمُسْتَحَبُّ عَلَى كَوْنِ الْفِعْل
_________
(١) كشاف اصطلاحات الفنون (جب) ٢ / ٢٧٤، وكليات أبي البقاء ١ / ١٧٣، ٢ / ١٠٨، ٣ / ١١، ٥ / ٩٦، وحاشية الرهاوي على شرح المنار ص ٥٨٦ ط إستانبول.
(٢) كشاف اصطلاحات الفنون (حبب) ٢ / ٢٧٤، وحاشية البناني على شرح جمع الجوامع ١ / ٩١
(٣) حاشية الرهاوي على شرح المنار ص ٥٨٦ ط الأولى.
مَطْلُوبًا، طَلَبًا جَازِمًا أَوْ غَيْرَ جَازِمٍ، فَيَشْمَل الْفَرْضَ وَالسُّنَّةَ وَالنَّدْبَ، وَعَلَى كَوْنِهِ مَطْلُوبًا طَلَبًا غَيْرَ جَازِمٍ فَيَشْمَل الأَْخِيرَيْنِ فَقَطْ (١) .
حُكْمُ الْمُسْتَحَبِّ:
٣ - ذَهَبَ الأُْصُولِيُّونَ - مِنْ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ - إِلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ يُمْدَحُ فَاعِلُهُ وَيُثَابُ، وَلاَ يُذَمُّ تَارِكُهُ وَلاَ يُعَاقَبُ (٢) . وَذَلِكَ لأَِنَّ تَرْكَ الْمُسْتَحَبِّ جَائِزٌ. غَيْرَ أَنَّ هَذَا التَّرْكَ إِنْ وَرَدَ فِيهِ نَهْيٌ غَيْرُ جَازِمٍ نُظِرَ: فَإِنْ كَانَ مَخْصُوصًا، كَالنَّهْيِ فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: إِذَا دَخَل أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلاَ يَجْلِسُ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ (٣) كَانَ مَكْرُوهًا، وَإِنْ كَانَ نَهْيًا غَيْرَ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ النَّهْيُ عَنْ تَرْكِ الْمَنْدُوبَاتِ عَامَّةً الْمُسْتَفَادُ مِنْ أَوَامِرِهَا، فَإِنَّ الأَْمْرَ بِالشَّيْءِ يُفِيدُ النَّهْيَ عَنْ تَرْكِهِ، فَيَكُونُ خِلاَفَ الأَْوْلَى، كَتَرْكِ صَلاَةِ الضُّحَى. وَذَلِكَ لأَِنَّ الطَّلَبَ بِدَلِيلٍ خَاصٍّ آكَدُ مِنَ الطَّلَبِ بِدَلِيلٍ عَامٍّ.
وَالْمُتَقَدِّمُونَ يُطْلِقُونَ الْمَكْرُوهَ عَلَى ذِي النَّهْيِ الْمَخْصُوصِ وَغَيْرِ الْمَخْصُوصِ، وَقَدْ يَقُولُونَ فِي الأَْوَّل: مَكْرُوهٌ كَرَاهَةً شَدِيدَةً، كَمَا يُقَال فِي الْمَنْدُوبِ: سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ (٤) .
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَإِنَّهُمْ يَنُصُّونَ عَلَى أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا كَانَ مُسْتَحَبًّا أَوْ مَنْدُوبًا عِنْدَهُمْ وَلَيْسَ سُنَّةً فَلاَ يَكُونُ تَرْكُهُ مَكْرُوهًا أَصْلًا، وَلاَ يُوجِبُ تَرْكُهُ إِسَاءَةً أَيْضًا
_________
(١) كشاف اسطلاحات الفنون (حبب) ٢ / ٢٧٤، ودستور العلماء ٢ / ١٨٥
(٢) إرشاد الفحول ص ٦، وشرح جمع الجوامع ١ / ٨٠، والكليات ١ / ١٧٣
(٣) حديث " إذا دخل أحدكم. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٤٨ - ط السلفية) ومسلم ١ / ٤٩٥ ط عيسى الحلبي.
(٤) شرح جمع الجوامع ١ / ٨١
فَلاَ يُوجِبُ عِتَابًا فِي الآْخِرَةِ، كَتَرْكِ سُنَنِ الزَّوَائِدِ، بَل أَوْلَى فِي عَدَمِ الإِْسَاءَةِ وَعَدَمِ اسْتِحْقَاقِ الْعِتَابِ؛ لأَِنَّهُ دُونَهَا فِي الدَّوَامِ وَالْمُوَاظَبَةِ، وَإِنْ كَانَ فِعْلُهُ أَفْضَل (١)
وَلِمَعْرِفَةِ مَا تَبَقَّى مِنْ مَبَاحِثِ الاِسْتِحْبَابِ، كَكَوْنِ الْمُسْتَحَبِّ مَأْمُورًا بِهِ، وَهَل يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ؟ يُرْجَعُ إِلَى الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
اسْتِحْدَادٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِحْدَادُ لُغَةً: مَأْخُوذٌ مِنَ الْحَدِيدَةِ، يُقَال: اسْتَحَدَّ إِذَا حَلَقَ عَانَتَهُ. اسْتُعْمِل عَلَى طَرِيقِ الْكِنَايَةِ وَالتَّوْرِيَةِ (٢) . وَالتَّعْرِيفُ الاِصْطِلاَحِيُّ لاَ يَفْتَرِقُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، حَيْثُ عَرَّفَهُ الْفُقَهَاءُ بِقَوْلِهِمْ: الاِسْتِحْدَادُ حَلْقُ الْعَانَةِ، وَسُمِّيَ اسْتِحْدَادًا، لاِسْتِعْمَال الْحَدِيدَةِ وَهِيَ: الْمُوسَى (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْحْدَادُ:
٢ - الإِْحْدَادُ: مَصْدَرُ أَحَدَّ. وَإِحْدَادُ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا تَرْكُهَا لِلزِّينَةِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الاِسْتِحْدَادُ
_________
(١) كشاف اصطلاحات الفنون (سنن) ٣ / ٧٠٥
(٢) لسان العرب مادة (حدد) ٣ / ١٤١ ط دار صادر.
(٣) تحفة الأحوذي ٨ / ٣٣ ط السلفية بالمدينة.
مُخَالِفًا لِلإِْحْدَادِ، وَلاَ يَشْتَرِكُ مَعَهُ فِي وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ.
ب - التَّنَوُّرُ:
٣ - التَّنَوُّرُ هُوَ: الطِّلاَءُ بِالنُّورَةِ. يُقَال: تَنَوَّرَ. تَطَلَّى بِالنُّورَةِ لِيُزِيل الشَّعْرَ. وَالنُّورَةُ مِنَ الْحَجَرِ الَّذِي يُحْرَقُ، وَيُسَوَّى مِنَ الْكِلْسِ، وَيُزَال بِهِ الشَّعْرُ (١) .
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الاِسْتِحْدَادُ أَعَمَّ فِي الاِسْتِعْمَال مِنَ التَّنَوُّرِ، لأَِنَّهُ كَمَا يَكُونُ بِالْحَدِيدَةِ يَكُونُ بِغَيْرِهَا كَالنُّورَةِ وَغَيْرِهَا.
حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:
٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الاِسْتِحْدَادَ سُنَّةٌ لِلرِّجَال وَالنِّسَاءِ عَلَى السَّوَاءِ. وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ دُونَ غَيْرِهِمْ بِالْوُجُوبِ لِلْمَرْأَةِ إِذَا طَلَبَ مِنْهَا زَوْجُهَا ذَلِكَ (٢) .
دَلِيل مَشْرُوعِيَّتِهِ:
٥ - يُسْتَدَل عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الاِسْتِحْدَادِ بِالسُّنَّةِ؛ لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: الْفِطْرَةُ خَمْسٌ، أَوْ خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: الْخِتَانُ، وَالاِسْتِحْدَادُ، وَنَتْفُ الإِْبِطِ، وَتَقْلِيمُ الأَْظَافِرِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ. (٣) وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال:
_________
(١) لسان العرب مادة (نور) ٥ / ٢٤٤ ط دار صادر، والصحاح مادة (نور) ٢ / ٨٣٩ ط دار الكتاب العربي.
(٢) المجموع للنووي ١ / ٢٨٩ ط المنيرية، وكفاية الطالب ٢ / ٣٥٤ ط مصطفى الحلبي.
(٣) رواه البخاري والترمذي.
عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَالاِسْتِنْشَاقُ، وَقَصُّ الأَْظَافِرِ، وَغَسْل الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الإِْبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ - قَال زَكَرِيَّا - (الرَّاوِي): وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ (١) .
مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الاِسْتِحْدَادُ:
٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الاِسْتِحْدَادُ عَلَى أَقْوَالٍ.
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: السُّنَّةُ الْحَلْقُ لِلرَّجُل، وَالنَّتْفُ لِلْمَرْأَةِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْحَلْقُ لِلرَّجُل وَالْمَرْأَةِ، وَيُكْرَهُ النَّتْفُ لِلْمَرْأَةِ؛ لأَِنَّهُ يُعَدُّ مِنَ التَّنَمُّصِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَهَذَا رَأْيُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ (٢) .
وَقَال جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ: النَّتْفُ لِلْمَرْأَةِ الشَّابَّةِ، وَالْحَلْقُ لِلْعَجُوزِ. وَنُسِبَ هَذَا الرَّأْيُ إِلَى ابْنِ الْعَرَبِيِّ (٣) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ بَأْسَ بِالإِْزَالَةِ بِأَيِّ شَيْءٍ، وَالْحَلْقُ أَفْضَل (٤) .
وَقْتُ الاِسْتِحْدَادِ:
٧ - يُكْرَهُ تَرْكُهُ بَعْدَ الأَْرْبَعِينَ، كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمِ الأَْظَافِرِ وَنَتْفِ الإِْبِطِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ أَلاَّ يُتْرَكَ أَكْثَرَ مِنْ
_________
(١) أخرجه مسلم وأحمد والنسائي والترمذي وحسنه (صحيح مسلم ١ / ٢٢٣ ط الحلبي، سنن النسائي ٨ / ١٠٩ ط الحلبي) .
(٢) كفاية الطالب ٢ / ٣٥٣، وفتح الباري ١٠ / ٢٧٣ ط عبد الرحمن محمد.
(٣) فتح الباري ١٠ / ٢٧٣
(٤) المغني ١ / ٨٦ ط السعودية، وكشاف القناع ١ / ٦٥
أَرْبَعِينَ يَوْمًا. (١)
وَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الأَْحْوَال وَالأَْشْخَاصِ وَالأَْزْمَانِ وَالأَْمَاكِنِ، بِشَرْطِ أَلاَّ يَتَجَاوَزَ الأَْرْبَعِينَ يَوْمًا، وَهُوَ التَّوْقِيتُ الَّذِي جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ (٢) .
الاِسْتِعَانَةُ بِالآْخَرِينَ فِي الاِسْتِحْدَادِ:
٨ - الأَْصْل عِنْدَ الْفُقَهَاءِ جَمِيعًا أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الإِْنْسَانِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى أَنْ يُظْهِرَ عَوْرَتَهُ لأَِجْنَبِيٍّ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ. وَيُرْجَعُ إِلَى تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (اسْتِتَار، وَعَوْرَة) . وَاعْتَبَرَ الْفُقَهَاءُ حَلْقَ الْعَانَةِ لِمَنْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْلِقَهَا بِالْحَدِيدَةِ أَوْ يُزِيلَهَا بِالنُّورَةِ ضَرُورَةً (٣) .
آدَابُ الاِسْتِحْدَادِ:
٩ - تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ عَلَى آدَابِ الاِسْتِحْدَادِ فِي ثَنَايَا الْكَلاَمِ عَلَى الاِسْتِحْدَادِ، وَخِصَال الْفِطْرَةِ، وَالْعَوْرَةِ. فَقَالُوا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ فِي حَلْقِ الْعَانَةِ مِنْ تَحْتِ السُّرَّةِ، كَمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْلِقَ الْجَانِبَ الأَْيْمَنَ، ثُمَّ الأَْيْسَرَ، كَمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَتِرَ، وَأَلاَّ يُلْقِيَ الشَّعْرَ فِي الْحَمَّامِ أَوِ الْمَاءِ، وَأَنْ يُوَارِيَ مَا يُزِيلُهُ مِنْ شَعْرٍ وَظُفُرٍ (٤) .
_________
(١) فتح الباري ١٠ / ٢٨٤، والترمذي (تحفة الأحوذي ٨ / ٣٨) ومسلم ١ / ٢٢٢ - ط عيسى الحلبي.
(٢) تحفة الأحوذي ٨ / ٣٩، وفتح الباري ١٠ / ٢٨٤، وكشاف القناع ١ / ٦٥ ط السنة المحمدية، والنووي ١ / ٢٨٩، وابن عابدين ٥ / ٢٦١، والهندية ٥ / ٣٥٧، والمغني ١ / ٨٧، وكفاية الطالب ٢ / ٣٥٣
(٣) البحر الرائق ٨ / ٢١٩
(٤) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٥٨، والمغني ١ / ٨٦، والمراجع السابقة
مُوَارَاةُ الشَّعْرِ الْمُزَال أَوْ إِتْلاَفُهُ:
١٠ - صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِاسْتِحْبَابِ مُوَارَاةِ شَعْرِ الْعَانَةِ بِدَفْنِهِ؛ لِمَا رَوَى الْخَلاَّل بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُمْل بِنْتِ مُشَرِّحٍ الأَْشْعَرِيَّةِ قَالَتْ: رَأَيْتُ أَبِي يُقَلِّمُ أَظَافِرَهُ، وَيَدْفِنُهَا وَيَقُول: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَل ذَلِكَ. وَسُئِل أَحْمَدُ، يَأْخُذُ الرَّجُل مِنْ شَعْرِهِ وَأَظَافِرِهِ أَيُلْقِيهِ أَمْ يَدْفِنُهُ؟ قَال: يَدْفِنُهُ، قِيل: بَلَغَكَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ؟ قَال: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَدْفِنُهُ.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِدَفْنِ الشَّعْرِ وَالأَْظَافِرِ، قَال الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَدِ اسْتَحَبَّ أَصْحَابُنَا دَفْنَهَا؛ لِكَوْنِهَا أَجْزَاءً مِنَ الآْدَمِيِّ (١)، وَنُقِل ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ.
اسْتِحْسَانٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الاِسْتِحْسَانُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ عَدُّ الشَّيْءِ حَسَنًا (٢)، وَضِدُّهُ الاِسْتِقْبَاحُ. وَفِي عِلْمِ أُصُول الْفِقْهِ عَرَّفَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّهُ: اسْمٌ لِدَلِيلٍ يُقَابِل الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ يَكُونُ بِالنَّصِّ أَوِ الإِْجْمَاعِ أَوِ الضَّرُورَةِ أَوِ الْقِيَاسِ الْخَفِيِّ.
كَمَا يُطْلَقُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - فِي كِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ
_________
(١) تحفة الأحوذي ٨ / ٣٩، ٤٠، وكشاف القناع ١ / ٦٥، والمغني ١ / ٨٨. والمجموع للنووي ١ / ٢٨٩، ٢٩٠
(٢) تاج العروس (حسن) .
وَالاِسْتِحْسَانِ - عَلَى اسْتِخْرَاجِ الْمَسَائِل الْحِسَانِ، فَهُوَ اسْتِفْعَالٌ بِمَعْنَى إِفْعَالٍ، كَاسْتِخْرَاجٍ بِمَعْنَى إِخْرَاجٍ. قَال النَّجْمُ النَّسَفِيُّ: فَكَأَنَّ الاِسْتِحْسَانَ هَاهُنَا إِحْسَانُ الْمَسَائِل، وَإِتْقَانُ الدَّلاَئِل (١) .
حُجِّيَّةُ الاِسْتِحْسَانِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ:
٢ - اخْتَلَفَ الأُْصُولِيُّونَ فِي قَبُول الاِسْتِحْسَانِ، فَقَبِلَهُ الْحَنَفِيَّةُ، وَرَدَّهُ الشَّافِعِيَّةُ وَجُمْهُورُ الأُْصُولِيِّينَ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ نَسَبَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْقَوْل بِهِ إِلَى مَالِكٍ، وَقَال بَعْضُهُمْ: الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ الْقَوْل بِالاِسْتِحْسَانِ لاَ عَلَى مَا سَبَقَ، بَل حَاصِلُهُ: اسْتِعْمَال مَصْلَحَةٍ جُزْئِيَّةٍ فِي مُقَابَلَةِ قِيَاسٍ كُلِّيٍّ، فَهُوَ يُقَدِّمُ الاِسْتِدْلاَل الْمُرْسَل عَلَى الْقِيَاسِ.
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ حُكِيَ عَنْهُمُ الْقَوْل بِهِ أَيْضًا.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْخِلاَفَ لَفْظِيٌّ؛ لأَِنَّ الاِسْتِحْسَانَ إِنْ كَانَ هُوَ الْقَوْل بِمَا يَسْتَحْسِنُهُ الإِْنْسَانُ وَيَشْتَهِيهِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَلاَ يَقُول بِهِ أَحَدٌ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْعُدُول عَنْ دَلِيلٍ إِلَى دَلِيلٍ أَقْوَى مِنْهُ، فَهَذَا مِمَّا لاَ يُنْكِرُهُ أَحَدٌ (٢) .
أَقْسَامُ الاِسْتِحْسَانِ:
يَنْقَسِمُ الاِسْتِحْسَانُ بِحَسَبِ تَنَوُّعِ الدَّلِيل الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ إِلَى أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ:
_________
(١) إفاضة الأنوار بحاشية نسمات الأسحار ص ١٥٥ ط الأولى، وطلبة الطلبة ص ٨٩ ط الأولى. ورد المحتار ٥ / ٢١٣ ط الأولى.
(٢) إرشاد الفحول ص ٢٤٠ ط مصطفى الحلبي، والبحر المحيط للزركشي مخطوطة باريس، الورقة: (٣٣٤ / ب)، والمستصفى ١ / ٢٧٤ ط بولاق، وشرح العضد لمختصر ابن الحاج ٢ / ٢٨٨ ط الأولى
أَوَّلًا - اسْتِحْسَانُ الأَْثَرِ أَوِ السُّنَّةِ:
٣ - وَهُوَ أَنْ يَرِدَ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ حُكْمٌ لِمَسْأَلَةٍ مَا مُخَالِفٌ لِلْقَاعِدَةِ الْمَعْرُوفَةِ فِي الشَّرْعِ فِي أَمْثَالِهَا؛ لِحِكْمَةٍ يُرَاعِيهَا الشَّارِعُ، كَبَيْعِ السَّلَمِ، جَوَّزَتْهُ السُّنَّةُ نَظَرًا لِلْحَاجَةِ، عَلَى خِلاَفِ الأَْصْل فِي بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الإِْنْسَانِ وَهُوَ الْمَنْعُ.
ثَانِيًا - اسْتِحْسَانُ الإِْجْمَاعِ:
٤ - وَهُوَ أَنْ يَنْعَقِدَ الإِْجْمَاعُ فِي أَمْرٍ عَلَى خِلاَفِ مُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ، كَمَا فِي صِحَّةِ عَقْدِ الاِسْتِصْنَاعِ، فَهُوَ فِي الأَْصْل أَيْضًا بَيْعُ مَعْدُومٍ لاَ يَجُوزُ، وَإِنَّمَا جُوِّزَ بِالإِْجْمَاعِ اسْتِحْسَانًا لِلْحَاجَةِ الْعَامَّةِ إِلَيْهِ.
ثَالِثًا - اسْتِحْسَانُ الضَّرُورَةِ:
٥ - وَهُوَ أَنْ يُخَالِفَ الْمُجْتَهِدُ حُكْمَ الْقَاعِدَةِ نَظَرًا إِلَى ضَرُورَةٍ مُوجِبَةٍ مِنْ جَلْبِ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ، وَذَلِكَ عِنْدَمَا يَكُونُ اطِّرَادُ الْحُكْمِ الْقِيَاسِيِّ مُؤَدِّيًا إِلَى حَرَجٍ فِي بَعْضِ الْمَسَائِل، كَتَطْهِيرِ الآْبَارِ وَالْحِيَاضِ؛ لأَِنَّ الْقِيَاسَ إِلاَّ تَطْهُرَ إِلاَّ بِجَرَيَانِ الْمَاءِ عَلَيْهَا، وَفِيهِ حَرَجٌ شَدِيدٌ.
رَابِعًا - الاِسْتِحْسَانُ الْقِيَاسِيُّ:
٦ - وَهُوَ أَنْ يَعْدِل عَنْ حُكْمِ الْقِيَاسِ الظَّاهِرِ الْمُتَبَادَرِ إِلَى حُكْمٍ مُخَالِفٍ بِقِيَاسٍ آخَرَ هُوَ أَدَقُّ وَأَخْفَى مِنَ الْقِيَاسِ الأَْوَّل، لَكِنَّهُ أَقْوَى حُجَّةً وَأَسَدُّ نَظَرًا. فَهُوَ عَلَى الْحَقِيقَةِ قِيَاسٌ سُمِّيَ اسْتِحْسَانًا أَيْ قِيَاسًا مُسْتَحْسَنًا لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا. وَذَلِكَ كَالْحُكْمِ عَلَى سُؤْرِ سِبَاعِ الطَّيْرِ، فَالْقِيَاسُ نَجَاسَةُ سُؤْرِهَا قِيَاسًا عَلَى نَجَاسَةِ سُؤْرِ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ كَالأَْسَدِ وَالنَّمِرِ؛ لأَِنَّ السُّؤْرَ مُعْتَبَرٌ بِاللَّحْمِ، وَلَحْمُهَا نَجِسٌ.
وَالاِسْتِحْسَانُ طَهَارَةُ سُؤْرِهَا قِيَاسًا عَلَى طَهَارَةِ سُؤْرِ الآْدَمِيِّ، فَإِنَّ مَا يَتَّصِل بِالْمَاءِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا طَاهِرٌ. وَإِنَّمَا رَجَحَ الْقِيَاسُ الثَّانِي لِضَعْفِ الْمُؤَثِّرِ فِي الْحُكْمِ فِي الْقِيَاسِ الأَْوَّل، وَهُوَ مُخَالَطَةُ اللُّعَابِ النَّجِسِ لِلْمَاءِ فِي سُؤْرِ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ، فَإِنَّهُ مُنْتَفٍ فِي سِبَاعِ الطَّيْرِ إِذْ تَشْرَبُ بِمِنْقَارِهَا، وَهُوَ عَظْمٌ طَاهِرٌ جَافٌّ لاَ لُعَابَ فِيهِ، فَانْتَفَتْ عِلَّةُ النَّجَاسَةِ فَكَانَ سُؤْرُهَا طَاهِرًا كَسُؤْرِ الآْدَمِيِّ، لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ؛ لأَِنَّهَا لاَ تَحْتَرِزُ عَنِ الْمَيْتَةِ فَكَانَتْ كَالدَّجَاجَةِ الْمِخْلاَةِ (١) .
وَلِبَيَانِ أَقْسَامِ الاِسْتِحْسَانِ الأُْخْرَى مِنْ حَيْثُ قُوَّتُهُ وَتَرْجِيحُهُ عَلَى الْقِيَاسِ وَبَقِيَّةُ مَبَاحِثِهِ يُنْظَرُ الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ.
اسْتِحْقَاقٌ
١ - الاِسْتِحْقَاقُ لُغَةً: إِمَّا ثُبُوتُ الْحَقِّ وَوُجُوبُهُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ (٢) أَيْ: وَجَبَتْ عَلَيْهِمَا عُقُوبَةٌ، وَإِمَّا بِمَعْنَى طَلَبِ الْحَقِّ (٣) .
وَاصْطِلاَحًا عَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ: ظُهُورُ كَوْنِ الشَّيْءِ حَقًّا وَاجِبًا لِلْغَيْرِ (٤) .
_________
(١) إفاضة الأنوار بحاشية نسمات الأسحار ص ١٥٥ ط الأولى، والمبسوط للسرخسي ١٠ / ١٤٥ ط الأولى، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٣ / ٢٢٢ ط بولاق.
(٢) سورة المائدة ١٠٧
(٣) المطلع على أبواب المقنع ص ٢٧٥، ولسان العرب والمصباح مادة (حق) بتصرف
(٤) ابن عابدين ٤ / ١٩١