الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣ الصفحة 40

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣

وَثَلاَثُونَ يَوْمًا طُهْرٌ، ثُمَّ تَسْتَأْنِفُ مِنْ أَوَّل الاِسْتِمْرَارِ فَثَلاَثَةٌ حَيْضٌ، وَسَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ طُهْرٌ، وَهَكَذَا دَأْبُهَا، وَبِهَذَا تَشْتَرِكُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَعَ السَّابِقَةِ فِي الْحُكْمِ، مِنْ حَيْثُ نَصْبُ الْعَادَةِ عِنْدَ الاِسْتِمْرَارِ فِي كُل شَهْرٍ.

وَإِذَا كَانَ الطُّهْرُ الثَّانِي الَّذِي مَرَّ بِهَا قَبْل الاِسْتِمْرَارِ طُهْرًا فَاسِدًا - لأَِنَّهُ أَقَل مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا - فَالْحُكْمُ يَخْتَلِفُ عَمَّا تَقَرَّرَ؛ لأَِنَّهُ أَمْكَنَ اعْتِبَارُ الْيَوْمِ الَّذِي رَأَتْ فِيهِ الدَّمَ بَعْدَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ الأُْولَى مِنْ أَيَّامِ الْحَيْضِ.

فَلَوْ رَأَتِ الْمُرَاهِقَةُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ دَمًا، ثُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا طُهْرًا، ثُمَّ يَوْمًا دَمًا، ثُمَّ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا طُهْرًا، ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ، فَالأَْيَّامُ الثَّلاَثَةُ الأُْوَل دَمٌ صَحِيحٌ، فَهُوَ حَيْضٌ، وَالْخَمْسَةَ عَشَرَ بَعْدَهَا طُهْرٌ صَحِيحٌ، وَالْيَوْمُ الَّذِي بَعْدَهَا مَعَ اثْنَيْنِ مِمَّا بَعْدَهُ حَيْضٌ، ثُمَّ طُهْرُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ، اثْنَا عَشَرَ مِنْ أَيَّامِ الاِنْقِطَاعِ الَّتِي سَبَقَتِ الاِسْتِمْرَارَ، وَثَلاَثَةٌ مِنْ أَوَّل الاِسْتِمْرَارِ، وَلِهَذَا تُصَلِّي مِنْ أَوَّل الاِسْتِمْرَارِ ثَلاَثَةً ثُمَّ تُعْتَبَرُ حَائِضًا ثَلاَثَةً فَتَتْرُكُ فِيهَا الصَّلاَةَ، ثُمَّ تَغْتَسِل وَتُصَلِّي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَهَكَذَا يُقَدَّرُ حَيْضُهَا بِثَلاَثَةٍ وَطُهْرُهَا بِخَمْسَةَ عَشَرَ.

أَمَّا الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ فَسَتُبْحَثُ فِي الْفِقْرَةِ / ١٣ اسْتِحَاضَةُ الْمُبْتَدَأَةِ بِالْحَمْل.

اسْتِحَاضَةُ الْمُبْتَدَأَةِ بِالْحَيْضِ، وَالْمُبْتَدَأَةِ بِالْحَمْل:

٩ - الْمُبْتَدَأَةُ بِالْحَيْضِ هِيَ الَّتِي كَانَتْ فِي أَوَّل حَيْضٍ (١) فَابْتَدَأَتْ بِالدَّمِ، وَاسْتَمَرَّ بِهَا. فَعِنْدَ

_________

(١) رد المحتار على الدر المختار ١ / ١٩٠، وفتح القدير ١ / ١٥٨، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح.

الْحَنَفِيَّةِ تَقَدَّمَ تَفْصِيل حُكْمِهَا.

١٠ - وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تُعْتَبَرُ الْمُبْتَدَأَةُ بِأَتْرَابِهَا، فَإِنْ تَجَاوَزَتْهُنَّ فَرِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: تَتَمَادَى إِلَى تَمَامِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ هِيَ مُسْتَحَاضَةٌ تَغْتَسِل وَتُصَلِّي وَتَصُومُ.

وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهَا تَقْتَصِرُ عَلَى عَوَائِدِ أَتْرَابِهَا أَيْ فِي السِّنِّ، فَتَأْخُذُ بِعَوَائِدِهِنَّ فِي الْحَيْضِ مِنْ قِلَّةِ الدَّمِ وَكَثْرَتِهِ، يُقَال إِنَّهَا تُقِيمُ قَدْرَ أَيَّامِ لَدَّاتِهَا، ثُمَّ هِيَ مُسْتَحَاضَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ تُصَلِّي وَتَصُومُ، إِلاَّ أَنْ تَرَى دَمًا تَسْتَكْثِرُهُ لاَ تَشُكُّ فِيهِ أَنَّهُ دَمُ حَيْضَةٍ (١) . وَقَالُوا أَيْضًا: إِنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ إِذَا عَرَفَتْ أَنَّ الدَّمَ النَّازِل هُوَ دَمُ الْحَيْضِ، بِأَنْ مَيَّزَتْهُ بِرِيحٍ أَوْ ثِخَنٍ أَوْ لَوْنٍ أَوْ تَأَلُّمٍ، فَهُوَ حَيْضٌ بِشَرْطِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ أَقَل الطُّهْرِ، وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَإِنْ لَمْ تُمَيِّزْ، أَوْ مَيَّزَتْ قَبْل تَمَامِ أَقَل الطُّهْرِ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ أَيْ بَاقِيَةٌ عَلَى أَنَّهَا طَاهِرَةٌ، وَلَوْ مَكَثَتْ عَلَى ذَلِكَ طُول حَيَاتِهَا.

١١ - وَأَمَّا الْمُبْتَدَأَةُ بِالْحَيْضِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، فَقَدْ قَالُوا: الْمُبْتَدَأَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُمَيِّزَةً لِمَا تَرَاهُ أَوْ لاَ، فَإِذَا كَانَتِ الْمُبْتَدَأَةُ مُمَيِّزَةً لِمَا تَرَاهُ بِأَنْ تَرَى فِي بَعْضِ الأَْيَّامِ دَمًا قَوِيًّا وَفِي بَعْضِهَا دَمًا ضَعِيفًا، أَوْ فِي بَعْضِهَا دَمًا أَسْوَدَ وَفِي بَعْضِهَا دَمًا أَحْمَرَ، وَجَاوَزَ الدَّمُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، فَالضَّعِيفُ أَوِ الأَْحْمَرُ اسْتِحَاضَةٌ وَإِنْ طَال، وَالأَْسْوَدُ أَوِ الْقَوِيُّ حَيْضٌ (٢) إِنْ لَمْ يَنْقُصِ الأَْسْوَدُ أَوِ الْقَوِيُّ عَنْ أَقَل الْحَيْضِ، وَهُوَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ عِنْدَهُمْ، وَلاَ جَاوَزَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَيْضًا، حَتَّى لَوْ رَأَتْ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَسْوَدَ ثُمَّ اتَّصَل بِهِ

_________

(١) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك في فقه الإمام مالك ١٤١

(٢) مغني المحتاج ١ / ١١٣، وحاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب ١ / ١٥٣، والمجموع شرح المهذب للإمام النووي ٢ / ٤١٢

الضَّعِيفُ، وَتَمَادَى سِنِينَ كَانَ طُهْرًا، وَإِنْ كَانَتْ تَرَى الدَّمَ دَائِمًا؛ لأَِنَّ أَكْثَرَ الطُّهْرِ لاَ حَدَّ لَهُ، فَإِنْ فُقِدَ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ كَأَنْ رَأَتِ الأَْسْوَدَ أَقَل مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ سِتَّةَ عَشَرَ، أَوْ رَأَتِ الضَّعِيفَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، أَوْ رَأَتْ أَبَدًا يَوْمًا أَسْوَدَ وَيَوْمَيْنِ أَحْمَرَ فَحُكْمُهَا كَحُكْمِ غَيْرِ الْمُمَيِّزَةِ لِمَا تَرَاهُ.

وَالْمُبْتَدَأَةُ غَيْرُ الْمُمَيِّزَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، بِأَنْ رَأَتِ الدَّمَ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ بِصِفَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ لَكِنْ فَقَدَتْ شَرْطًا مِنْ شُرُوطِ التَّمْيِيزِ الَّتِي ذُكِرَتْ، فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ وَقْتَ ابْتِدَاءِ دَمِهَا فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمُتَحَيِّرَةِ، كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ (١) وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَإِنْ عَرَفَتْهُ فَالأَْظْهَرُ أَنَّ حَيْضَهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ مِنْ أَوَّل الدَّمِ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا؛ لأَِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُتَيَقَّنُ، وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلاَ يُحْكَمُ بِأَنَّهُ حَيْضٌ، وَطُهْرُهَا تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا تَتِمَّةَ الشَّهْرِ (٢) .

١٢ - وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: إِنَّ الْمُبْتَدَأَةَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُمَيِّزَةً لِمَا تَرَاهُ أَوْ لاَ، فَإِنْ كَانَتْ مُمَيِّزَةً عَمِلَتْ بِتَمْيِيزِهَا إِنْ صَلَحَ الأَْقْوَى أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، بِأَنْ لَمْ يَنْقُصْ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ قُدِّرَ حَيْضُهَا بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَتَغْتَسِل بَعْدَ ذَلِكَ وَتَفْعَل مَا تَفْعَلُهُ الطَّاهِرَاتُ. وَهَذَا فِي الشَّهْرِ الأَْوَّل وَالثَّانِي وَالثَّالِثِ، أَمَّا فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ فَتَنْتَقِل إِلَى غَالِبِ الْحَيْضِ، وَهُوَ سِتَّةُ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةٌ بِاجْتِهَادِهَا أَوْ تَحَرِّيهَا (٣) . وَقَال صَاحِبُ مَطَالِبِ أُولِي النُّهَى فِي شَرْحِ غَايَةِ الْمُنْتَهَى (٤): لَوْ رَأَتْ يَوْمًا وَلَيْلَةً دَمًا أَسْوَدَ، ثُمَّ رَأَتْ دَمًا أَحْمَرَ، وَجَاوَزَ خَمْسَةَ عَشَرَ

_________

(١) المجموع شرح المهذب للإمام النووي ٢ / ٤١٠

(٢) حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب ١ / ١٥٥، ١٥٦

(٣) المغني والشرح الكبير ١ / ٣٤٢

(٤) مطالب أولي النهى ١ / ٢٥٤

يَوْمًا، فَحَيْضُهَا زَمَنَ الدَّمِ الأَْسْوَدِ، وَمَا عَدَاهُ اسْتِحَاضَةٌ لأَِنَّهُ لاَ يَصْلُحُ حَيْضًا. أَوْ رَأَتْ فِي الشَّهْرِ الأَْوَّل خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا دَمًا أَسْوَدَ، وَفِي الشَّهْرِ الثَّانِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ، وَفِي الشَّهْرِ الثَّالِثِ ثَلاَثَةَ عَشَرَ، فَحَيْضُهَا زَمَنُ الأَْسْوَدِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَمُهَا مُتَمَيِّزًا، بِأَنْ كَانَ كُلُّهُ أَسْوَدَ أَوْ أَحْمَرَ وَنَحْوَهُ، أَوْ كَانَ مُتَمَيِّزًا، وَلَمْ يَصْلُحْ الأَْسْوَدُ وَنَحْوُهُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا بِأَنْ نَقَصَ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، أَوْ زَادَ عَنِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَتَجْلِسُ أَقَل الْحَيْضِ مِنْ كُل شَهْرٍ لأَِنَّهُ الْيَقِينُ حَتَّى تَتَكَرَّرَ اسْتِحَاضَتُهَا ثَلاَثًا؛ لأَِنَّ الْعَادَةَ لاَ تَثْبُتُ بِدُونِهَا، ثُمَّ تَجْلِسُ بَعْدَ التَّكْرَارِ مِنْ مِثْل أَوَّل وَقْتِ ابْتِدَاءٍ بِهَا إِنْ عَلِمَتْهُ مِنْ كُل شَهْرٍ سِتًّا أَوْ سَبْعًا بِتَحَرٍّ، أَوْ تَجْلِسُ مِنْ أَوَّل كُل شَهْرٍ هِلاَلِيٍّ إِنْ جَهِلَتْهُ، أَيْ: وَقْتَ ابْتِدَائِهَا بِالدَّمِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا مِنَ الأَْيَّامِ بِلَيَالِيِهَا بِتَحَرٍّ فِي حَال الدَّمِ وَعَادَةِ أَقَارِبِهَا النِّسَاءِ، وَنَحْوِهِ، لِحَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَبِيرَةً شَدِيدَةً، قَدْ مَنَعَتْنِي الصَّوْمَ وَالصَّلاَةَ، فَقَال: تَحِيضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا ثُمَّ اغْتَسِلِي. (١) وَيُتَّجَهُ احْتِمَالٌ قَوِيٌّ بِوُجُوبِ قَضَاءِ مَنْ جَهِلَتْ وَقْتَ ابْتِدَائِهَا بِالدَّمِ نَحْوِ صَوْمٍ كَطَوَافٍ وَاعْتِكَافٍ وَاجِبَيْنِ فِيمَا فَعَلَتْهُ أَيِ الصَّوْمَ وَنَحْوَهُ قَبْل التَّحَرِّي، كَمَنْ جَهِل الْقِبْلَةَ وَصَلَّى بِلاَ تَحَرٍّ فَيَقْضِي وَلَوْ أَصَابَ.

١٣ - وَأَمَّا الْمُبْتَدَأَةُ بِالْحَمْل: وَهِيَ الَّتِي حَمَلَتْ مِنْ زَوْجِهَا قَبْل أَنْ تَحِيضَ إِذَا وَلَدَتْ فَرَأَتِ الدَّمَ زِيَادَةً عَنْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ فَالزِّيَادَةُ اسْتِحَاضَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ الأَْرْبَعِينَ لِلنِّفَاسِ كَالْعَشَرَةِ لِلْحَيْضِ، فَالزِّيَادَةُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا اسْتِحَاضَةٌ دُونَ نَظَرٍ إِلَى تَمْيِيزٍ أَوْ عَدَمِهِ. أَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فَإِنْ

_________

(١) رواه أحمد وغيره.

أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا فَحَيْضٌ، وَإِلاَّ فَاسْتِحَاضَةٌ؛ لأَِنَّهُ يُتَصَوَّرُ عِنْدَهُمْ اقْتِرَانُ الْحَيْضِ بِالنِّفَاسِ (١) .

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ الزِّيَادَةُ عَلَى السِّتِّينَ اسْتِحَاضَةٌ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْمُمَيِّزَةِ لِمَا تَرَى وَغَيْرِ الْمُمَيِّزَةِ، كَمَا فِي الْحَيْضِ.

فَإِذَا بَلَغَتْ بِالْحَمْل وَوَلَدَتْ وَاسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ، وَلَمْ تَرَ طُهْرًا صَحِيحًا بَعْدَ وِلاَدَتِهَا وَانْتِهَاءِ مُدَّةِ نِفَاسِهَا - وَهِيَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ - فَيُقَدَّرُ طُهْرُهَا بَعْدَ الأَْرْبَعِينَ بِعِشْرِينَ يَوْمًا، ثُمَّ بَعْدَهُ يَكُونُ حَيْضُهَا عَشَرَةً وَطُهْرُهَا عِشْرِينَ، وَهَذَا شَأْنُهَا مَا دَامَتْ حَالَةُ الاِسْتِمْرَارِ قَائِمَةً بِهَا.

وَإِذَا وَلَدَتْ فَرَأَتْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا دَمًا، ثُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ طُهْرًا، ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ، فَحَيْضُهَا عَشَرَةٌ مِنْ أَوَّل الاِسْتِمْرَارِ، وَطُهْرُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ، أَيْ تُرَدُّ إِلَى عَادَتِهَا فِي الطُّهْرِ إِذَا كَانَ طُهْرًا صَحِيحًا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَكْثَرَ، وَكَذَلِكَ يَكُونُ هَذَا الرَّدُّ إِذَا رَأَتْ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا طُهْرًا فَمَا فَوْقَهَا إِلَى وَاحِدٍ وَعِشْرِينَ، فَعِنْدَئِذٍ يُقَدَّرُ حَيْضُهَا بِتِسْعَةٍ وَطُهْرُهَا بِوَاحِدٍ وَعِشْرِينَ، ثُمَّ كُلَّمَا زَادَ الطُّهْرُ نَقَصَ مِنَ الْحَيْضِ مِثْلُهُ إِلَى أَنْ يَكُونَ حَيْضُهَا ثَلاَثَةً، وَطُهْرُهَا سَبْعَةً وَعِشْرِينَ، فَإِذَا زَادَ الطُّهْرُ عَلَى سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ فَحَيْضُهَا عَشَرَةٌ مِنْ أَوَّل الاِسْتِمْرَارِ، وَطُهْرُهَا مِثْل مَا رَأَيْتَ قَبْل الاِسْتِمْرَارِ كَائِنًا مَا كَانَ عَدَدُهُ. بِخِلاَفِ مَا إِذَا كَانَ طُهْرُهَا نَاقِصًا عَنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَإِنَّهُ يُقَدَّرُ بَعْدَ الأَْرْبَعِينَ - الَّتِي هِيَ مُدَّةُ نِفَاسِهَا - بِعِشْرِينَ وَحَيْضُهَا بِعَشَرَةٍ، فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي وَضَعَتْ وَاسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ ابْتِدَاءً، وَإِذَا كَانَ طُهْرُهَا الَّذِي رَأَتْهُ بَعْدَ الأَْرْبَعِينَ الَّتِي لِلنِّفَاسِ كَامِلًا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَكْثَرَ، وَقَدْ زَادَ دَمُهَا عَلَى أَرْبَعِينَ فِي النِّفَاسِ بِيَوْمٍ مَثَلًا،

_________

(١) كشاف القناع ١ / ١٨٨ ط أنصار السنة.

فَسَدَ هَذَا الطُّهْرُ فِي الْمَعْنَى؛ لأَِنَّهُ خَالَطَهُ دَمٌ يَوْمَ تُؤْمَرُ بِالصَّلاَةِ فِيهِ، وَلِهَذَا لاَ يَصْلُحُ لاِعْتِبَارِهِ عَادَةً لَهَا، فَيُقَدَّرُ حَيْضُهَا وَطُهْرُهَا حَسَبَ التَّفْصِيل التَّالِي:

فَإِذَا كَانَ بَيْنَ نِهَايَةِ النِّفَاسِ - الأَْرْبَعِينَ - وَأَوَّل الاِسْتِمْرَارِ عِشْرُونَ يَوْمًا فَأَكْثَرُ، كَأَنْ زَادَ دَمُهَا عَلَى الأَْرْبَعِينَ بِخَمْسَةٍ أَوْ سِتَّةٍ وَطَهُرَتْ بَعْدَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ، فَإِنَّهُ يُقَدَّرُ حَيْضُهَا مِنْ أَوَّل الاِسْتِمْرَارِ بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ، وَطُهْرُهَا بِعِشْرِينَ، وَهَكَذَا دَأْبُهَا.

وَإِنْ كَانَ بَيْنَ النِّفَاسِ وَأَوَّل الاِسْتِمْرَارِ أَقَل مِنْ عِشْرِينَ كَأَنْ زَادَ دَمُهَا عَلَى الأَْرْبَعِينَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَإِنَّهُ يَكْمُل طُهْرُهَا إِلَى الْعِشْرِينَ، وَيُؤْخَذُ مِنْ أَوَّل الاِسْتِمْرَارِ مَا يَتِمُّ بِهِ تَكْمِيل هَذِهِ الْعِشْرِينَ، ثُمَّ يُقَدَّرُ حَيْضُهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِعَشَرَةٍ وَطُهْرُهَا بِعِشْرِينَ وَهَكَذَا.

وَالْجَدِيرُ بِالذِّكْرِ أَنَّ الْمُبْتَدَأَةَ بِالْحَيْضِ أَوِ النِّفَاسِ إِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا لأَِقَل مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَيْضِ، وَلأَِقَل مِنْ أَرْبَعِينَ فِي النِّفَاسِ، فَإِنَّهَا تَغْتَسِل وَتُصَلِّي فِي آخِرِ الْوَقْتِ، وَتَصُومُ احْتِيَاطًا، وَلاَ يَحِل لِزَوْجِهَا وَطْؤُهَا حَتَّى يَسْتَمِرَّ الاِنْقِطَاعُ إِلَى تَمَامِ الْعَشَرَةِ فِي الْحَيْضِ، هَذَا إِذَا انْقَطَعَ لِتَمَامِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، أَمَّا إِذَا انْقَطَعَ لأَِقَل مِنْ ثَلاَثَةٍ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَتَتَوَضَّأُ وَتُصَلِّي فِي آخِرِ الْوَقْتِ (١) . وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.

١٤ - أَمَّا أَحْكَامُ الْمُبْتَدَأَةِ بِالْحَمْل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فَقَوْلُهُمْ هُنَا كَأَقْوَالِهِمْ فِي الْمُبْتَدَأَةِ بِالْحَيْضِ.

وَالْمَالِكِيَّةُ قَالُوا: تُعْتَبَرُ الْمُبْتَدَأَةُ بِأَتْرَابِهَا، فَإِنْ تَمَادَى بِهَا الدَّمُ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا تَعْتَكِفُ سِتِّينَ يَوْمًا، ثُمَّ هِيَ مُسْتَحَاضَةٌ تَغْتَسِل، وَتَصُومُ وَتُصَلِّي، وَتُوطَأُ (٢) .

_________

(١) رد المحتار على الدر المختار ١ / ١٩٠

(٢) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك ١٤٢

فَإِذَا عَبَرَ الدَّمُ السِّتِّينَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَيَنْزِل مَنْزِلَةَ عُبُورِهِ أَكْثَرَ الْحَيْضِ؛ لأَِنَّ النِّفَاسَ كَالْحَيْضِ فِي غَالِبِ أَحْكَامِهِ، فَكَذَلِكَ فِي الرَّدِّ إِلَيْهِ، فَيُقَاسُ بِمَا ذُكِرَ فِي الْحَيْضِ وِفَاقًا وَخِلاَفًا، فَيُنْظَرُ هُنَا أَيْضًا إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُبْتَدَأَةً فِي النِّفَاسِ أَمْ مُعْتَادَةً، مُمَيِّزَةً لِمَا تَرَاهُ أَمْ غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ، وَيُقَاسُ بِمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَيْضِ، فَتُرَدُّ الْمُبْتَدَأَةُ الْمُمَيِّزَةُ إِلَى التَّمْيِيزِ شَرْطَ أَلاَّ يَزِيدَ الْقَوِيُّ عَلَى سِتِّينَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَغَيْرُ الْمُمَيِّزَةِ تُرَدُّ إِلَى لَحْظَةٍ فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْمُعْتَادَةُ الْمُمَيِّزَةُ تُرَدُّ إِلَى التَّمْيِيزِ لاَ الْعَادَةِ فِي الأَْصَحِّ، وَغَيْرُ الْمُمَيِّزَةِ الْحَافِظَةُ تُرَدُّ إِلَى الْعَادَةِ، وَتَثْبُتُ الْعَادَةُ بِمَرَّةٍ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَمَّا النَّاسِيَةُ لِعَادَتِهَا فَتُرَدُّ إِلَى مَرَدِّ الْمُبْتَدَأَةِ فِي قَوْلٍ، وَتَحْتَاطُ فِي الْقَوْل الآْخَرِ (١) .

أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَيَرَوْنَ أَنَّ النُّفَسَاءَ إِذَا زَادَ دَمُهَا عَلَى الأَْرْبَعِينَ، وَوَافَقَ عَادَةَ حَيْضٍ فَهُوَ حَيْضٌ، وَمَا زَادَ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ. وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْ عَادَةَ حَيْضٍ فَمَا زَادَ عَلَى الأَْرْبَعِينَ اسْتِحَاضَةٌ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مُبْتَدَأَةٍ بِالْحَمْل أَوْ مُعْتَادَةٍ لَهُ.

اسْتِحَاضَةُ ذَاتِ الْعَادَةِ:

أ - ذَاتُ الْعَادَةِ بِالْحَيْضِ:

١٥ - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ فِي ذَاتِ الْعَادَةِ بِالْحَيْضِ - وَهِيَ الَّتِي تَعْرِفُ شَهْرَهَا وَوَقْتَ حَيْضِهَا وَعَدَدَ أَيَّامِهَا أَنَّهُ: إِذَا رَأَتِ الْمُعْتَادَةُ مَا يُوَافِقُ عَادَتَهَا مِنْ حَيْثُ الزَّمَنُ وَالْعَدَدُ، فَكُل مَا رَأَتْهُ حَيْضٌ. وَإِذَا رَأَتْ مَا يُخَالِفُ عَادَتَهَا مِنْ حَيْثُ الزَّمَنُ أَوِ الْعَدَدُ أَوْ كِلاَهُمَا، فَحِينَئِذٍ قَدْ تَنْتَقِل الْعَادَةُ وَقَدْ لاَ تَنْتَقِل، وَيَخْتَلِفُ حُكْمُ مَا رَأَتْ، فَتَتَوَقَّفُ مَعْرِفَةُ حَال مَا رَأَتْ مِنَ

_________

(١) حاشيتا قليوبي وعميرة ١ / ١٠٩، ١١٠

الْحَيْضِ وَالاِسْتِحَاضَةِ عَلَى انْتِقَال الْعَادَةِ.

فَإِنْ لَمْ تَنْتَقِل كَمَا إِذَا زَادَ الدَّمُ عَنِ الْعَشَرَةِ رُدَّتْ إِلَى عَادَتِهَا، فَيُجْعَل الْمَرْئِيُّ فِي الْعَادَةِ حَيْضًا، وَالْبَاقِي الَّذِي جَاوَزَ الْعَادَةَ اسْتِحَاضَةً.

وَإِنِ انْتَقَلَتِ الْعَادَةُ فَكُل مَا رَأَتْهُ حَيْضٌ.

وَتَفْصِيل قَاعِدَةِ انْتِقَال الْعَادَةِ وَحَالاَتِهَا وَأَمْثِلَتِهَا فِي مُصْطَلَحِ (حَيْض (١» .

١٦ - وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَقْوَالٌ مُتَعَدِّدَةٌ أَشَارَ إِلَيْهَا ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ أَشْهَرُهَا:

أَنَّهَا تَبْقَى أَيَّامَهَا الْمُعْتَادَةَ، وَتَسْتَظْهِرُ (أَيْ تَحْتَاطُ) بِثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ تَكُونُ مُسْتَحَاضَةً تَغْتَسِل وَتُصَلِّي وَتَصُومُ وَتَطُوفُ وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا، مَا لَمْ تَرَ دَمًا تُنْكِرُهُ بَعْدَ مُضِيِّ أَقَل مُدَّةِ الطُّهْرِ مِنْ يَوْمِ حُكِمَ بِاسْتِحَاضَتِهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ.

وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَغْتَسِل عِنْدَ تَمَامِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا اسْتِحْبَابًا لاَ إِيجَابًا.

وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ تَكُنْ مُمَيِّزَةً، أَمَّا الْمُمَيِّزَةُ فَتَعْمَل بِتَمْيِيزِهَا مِنْ رُؤْيَةِ أَوْصَافِ الدَّمِ وَأَحْوَالِهِ مِنَ التَّقَطُّعِ وَالزِّيَادَةِ وَاللَّوْنِ، فَتُمَيِّزُ بِهِ مَا هُوَ حَيْضٌ، وَمَا هُوَ اسْتِحَاضَةٌ (٢) .

وَإِذَا أَتَاهَا الْحَيْضُ فِي وَقْتِهِ، وَانْقَطَعَ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ سَاعَةٍ، وَأَتَاهَا بَعْدَ ذَلِكَ قَبْل طُهْرٍ تَامٍّ، فَإِنَّهَا تُلَفِّقُ أَيَّامَ الدَّمِ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، فَإِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً فَتُلَفِّقُ عَادَتَهَا وَاسْتِظْهَارَهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً لَفَّقَتْ نِصْفَ شَهْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فِي ثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ لَفَّقَتْ نِصْفَ شَهْرٍ وَنَحْوَهُ، أَوْ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَفَّقَتْ عِشْرِينَ يَوْمًا وَنَحْوَهَا.

_________

(١) شرح رسالة الحيض (مجموعة رسائل ابن عابدين) ١ / ٨٦ - ٨٧

(٢) أسهل المدارك شرح إرشاد السالك ١٤٢

وَالأَْيَّامُ الَّتِي اسْتَظْهَرَتْ بِهَا هِيَ فِيهَا حَائِضٌ، وَهِيَ مُضَافَةٌ إِلَى الْحَيْضِ، إِنْ رَأَتِ الدَّمَ فِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ تَرَهُ، وَأَيَّامُ الطُّهْرِ الَّتِي كَانَتْ تُلْغِيهَا عِنْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ فِي خِلاَل ذَلِكَ، وَكَانَتْ لاَ تَرَى فِيهَا دَمًا هِيَ فِيهَا طَاهِرَةٌ، تُصَلِّي فِيهَا وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا وَتَصُومُهَا، وَلَيْسَتْ تِلْكَ الأَْيَّامُ بِطُهْرٍ تَعْتَدُّ بِهِ فِي عِدَّةٍ مِنْ طَلاَقٍ؛ لأَِنَّ الَّذِي قَبْل تِلْكَ الأَْيَّامِ مِنَ الدَّمِ، وَاَلَّتِي بَعْدَ تِلْكَ الأَْيَّامِ قَدْ أُضِيفَتْ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَجُعِل حَيْضَةً وَاحِدَةً، وَكُل مَا بَيْنَ ذَلِكَ مِنَ الطُّهْرِ مُلْغًى، ثُمَّ تَغْتَسِل بَعْدَ الاِسْتِظْهَارِ، وَتُصَلِّي، وَتَتَوَضَّأُ لِكُل صَلاَةٍ، إِنْ رَأَتِ الدَّمَ فِي تِلْكَ الأَْيَّامِ، وَتَغْتَسِل كُل يَوْمٍ إِذَا انْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ مِنْ أَيَّامِ الطُّهْرِ (١) .

١٧ - أَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَالْمُعْتَادَةُ بِالْحَيْضِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ لِمَا تَرَى بِأَنْ كَانَ الدَّمُ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ كَانَ بِصِفَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَفَقَدَتْ شَرْطَ التَّمْيِيزِ، وَلَكِنْ سَبَقَ لَهَا حَيْضٌ وَطُهْرٌ، وَهِيَ تَعْلَمُ أَيَّامَ حَيْضِهَا وَطُهْرِهَا قَدْرًا وَوَقْتًا فَتُرَدُّ إِلَيْهِمَا قَدْرًا وَوَقْتًا، وَتَثْبُتُ الْعَادَةُ بِمَرَّةٍ فِي الأَْصَحِّ.

وَأَمَّا الْمُعْتَادَةُ الْمُمَيِّزَةُ فَيُحْكَمُ بِالتَّمْيِيزِ لاَ بِالْعَادَةِ فِي الأَْصَحِّ، كَمَا لَوْ كَانَتْ عَادَتُهَا خَمْسَةً مِنْ أَوَّل كُل شَهْرٍ وَبَاقِيهِ طُهْرٌ، فَاسْتُحِيضَتْ فَرَأَتْ عَشَرَةً سَوَادًا مِنْ أَوَّل الشَّهْرِ وَبَاقِيهِ حُمْرَةً، فَحَيْضَتُهَا الْعَشَرَةُ السَّوَادُ وَمَا يَلِيهِ اسْتِحَاضَةٌ.

وَالْقَوْل الثَّانِي يُحْكَمُ بِالْعَادَةِ، فَيَكُونُ حَيْضُهَا الْخَمْسَةَ الأُْولَى (٢) . وَالأَْوَّل أَصَحُّ لأَِنَّ التَّمْيِيزَ

_________

(١) المواق ١ / ٣٦٩، وأسهل المدارك شرح إرشاد السالك في فقه الإمام مالك ١٤٣

(٢) مغني المحتاج ١ / ١١٥، وحاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب ٣ / ١٥٦، والمجموع شرح المهذب للإمام النووي ٢ / ٤٢٤

عَلاَمَةٌ قَائِمَةٌ فِي شَهْرِ الاِسْتِحَاضَةِ، فَكَانَ اعْتِبَارُهُ أَوْلَى مِنِ اعْتِبَارِ عَادَةٍ انْقَضَتْ (١) .

١٨ - أَمَّا الْحَنَابِلَةُ: فَقَالُوا لاَ تَخْلُو الْمُسْتَحَاضَةُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ: مُمَيِّزَةٌ لاَ عَادَةَ لَهَا، وَمُعْتَادَةٌ لاَ تَمْيِيزَ لَهَا، وَمَنْ لَهَا عَادَةٌ وَتَمْيِيزٌ، وَمَنْ لاَ عَادَةَ لَهَا وَلاَ تَمْيِيزَ.

أَمَّا الْمُمَيِّزَةُ: وَهِيَ الَّتِي لِدَمِهَا إِقْبَالٌ وَإِدْبَارٌ، بَعْضُهُ أَسْوَدُ ثَخِينٌ مُنْتِنٌ، وَبَعْضُهُ أَحْمَرُ مُسَرَّقٌ أَوْ أَصْفَرُ أَوْ لاَ رَائِحَةَ لَهُ، وَيَكُونُ الدَّمُ الأَْسْوَدُ أَوِ الثَّخِينُ لاَ يَزِيدُ عَنْ أَكْثَرِ الْحَيْضِ، وَلاَ يَنْقُصُ عَنْ أَقَلِّهِ، فَحُكْمُ هَذِهِ: أَنَّ حَيْضَهَا زَمَانُ الدَّمِ الأَْسْوَدِ أَوِ الثَّخِينِ أَوِ الْمُنْتِنِ، فَإِنِ انْقَطَعَ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ، تَغْتَسِل لِلْحَيْضِ، وَتَتَوَضَّأُ بَعْدَ ذَلِكَ لِكُل صَلاَةٍ وَتُصَلِّي.

أَمَّا الْمُسْتَحَاضَةُ الَّتِي لَهَا عَادَةٌ وَلاَ تَمْيِيزَ لَهَا؛ لِكَوْنِ دَمِهَا غَيْرَ مُنْفَصِلٍ أَيْ عَلَى صِفَةٍ لاَ تَخْتَلِفُ، وَلاَ يَتَمَيَّزُ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ، أَوْ كَانَ مُنْفَصِلًا، إِلاَّ أَنَّ الدَّمَ الَّذِي يَصْلُحُ لِلْحَيْضِ دُونَ أَقَل الْحَيْضِ، أَوْ فَوْقَ أَكْثَرِهِ؟ فَهَذِهِ لاَ تَمْيِيزَ لَهَا، فَإِنْ كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ قَبْل أَنْ تُسْتَحَاضَ جَلَسَتْ أَيَّامَ عَادَتِهَا، وَاغْتَسَلَتْ عِنْدَ انْقِضَائِهَا، ثُمَّ تَتَوَضَّأُ بَعْدَ ذَلِكَ لِوَقْتِ كُل صَلاَةٍ.

وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَنْ لَهَا عَادَةٌ وَتَمْيِيزٌ، فَاسْتُحِيضَتْ، وَدَمُهَا مُتَمَيِّزٌ، بَعْضُهُ أَسْوَدُ وَبَعْضُهُ أَحْمَرُ، فَإِنْ كَانَ الأَْسْوَدُ فِي زَمَنِ الْعَادَةِ فَقَدِ اتَّفَقَتِ الْعَادَةُ وَالتَّمْيِيزُ فِي الدَّلاَلَةِ فَيُعْمَل بِهِمَا، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنَ الْعَادَةِ أَوْ أَقَل - وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا - فَفِيهِ

_________

(١) المجموع شرح المهذب ٢ / ٤٣٩، ٤٤١ حيث ذكر أيضا أنها إن كانت ناسية لعادتها مميزة للحيض من الاستحاضة باللون مثلا فإنها ترد إلى التمييز. وعلى قول من قال تقدم العادة على التمييز حكمها حكم من لا تمييز لها.