الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣ الصفحة 32

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣

يَفُوزُ بِثَوَابِ الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ، وَيَسْلَمُ مِنْ تَحَكُّمِ الْكُفَّارِ عَلَيْهِ، بِالتَّعْذِيبِ وَالاِسْتِخْدَامِ وَالْفِتْنَةِ، وَإِنِ اسْتَأْسَرَ جَازَ، كَمَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ قِصَّةُ عَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ الأَْنْصَارِيِّ وَأَصْحَابِهِ، فَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ عَشَرَةً عَيْنًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ، فَنَفَرَتْ إِلَيْهِمْ هُذَيْلٌ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ رَامٍ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لَجَئُوا إِلَى فَدْفَدٍ، فَقَالُوا لَهُمْ: انْزِلُوا، فَأَعْطُونَا بِأَيْدِيكُمْ، وَلَكُمُ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ أَلاَّ نَقْتُل مِنْكُمْ أَحَدًا، فَقَال عَاصِمٌ: أَمَّا أَنَا فَلاَ أَنْزِل فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ، فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْل فَقَتَلُوا عَاصِمًا فِي سَبْعَةٍ مَعَهُ، وَنَزَل إِلَيْهِمْ ثَلاَثَةٌ عَلَى الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ، مِنْهُمْ خُبَيْبٌ وَزَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ، فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ، أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَرَبَطُوهُمْ بِهَا. (١) قَال صَاحِبُ الْمُغْنِي: فَعَاصِمٌ أَخَذَ بِالْعَزِيمَةِ، وَخَبِيبٌ وَزَيْدٌ أَخَذَا بِالرُّخْصَةِ، وَكُلُّهُمْ مَحْمُودٌ غَيْرُ مَذْمُومٍ وَلاَ مَلُومٍ (٢) .

مَوْطِنُ الْبَحْثِ:

أَبْوَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ، عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الْفِرَارِ وَالزَّحْفِ فِي الْقِتَال.

_________

(١) أخرجه البخاري (فتح الباري ٧ / ٣٠٨، ٣٧٨، ٣٧٩ ط السلفية) وأبو داود (٣ / ٤، ٥ بشرحه عون المعبود - نشر دار الكتاب العربي) .

(٢) الدر بهامش حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٢٢ ط بولاق، والمواق ٣ / ٣٥٧ ط ليبيا، وكشف الغمة عن جميع الأمة للشعراني ٢ / ١٥٤ ط الحلبي، والمغني١٠ / ٥٥٣ ط المنار.

اسْتِئْمَارٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِسْتِئْمَارُ فِي اللُّغَةِ: الْمُشَاوَرَةُ (١) . وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: هُوَ طَلَبُ الأَْمْرِ أَوِ الإِْذْنِ (٢) . وَمِمَّا اسْتَعْمَل الْفُقَهَاءُ الاِسْتِئْمَارَ فِيهِ: إِذْنُ الْبَالِغَةِ عِنْدَ تَزْوِيجِهَا.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الاِسْتِئْذَانُ:

٢ - الاِسْتِئْذَانُ طَلَبُ الإِْذْنِ، يُقَال اسْتَأْذَنْتُهُ: طَلَبْتُ مِنْهُ الإِْذْنَ فِي كَذَا، فَأَذِنَ لِي، وَقَدْ يُعْرَفُ الإِْذْنُ بِالسُّكُوتِ، وَالأَْمْرُ لاَ يُعْلَمُ إِلاَّ بِالنُّطْقِ (٣) .

يَدُل عَلَى ذَلِكَ قَوْل الرَّسُول ﷺ: الْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ، وَالأَْيِّمُ تُسْتَأْمَرُ (٤)

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٣ - اسْتِئْمَارُ الْمَرْأَةِ فِي تَزْوِيجِهَا مَطْلُوبٌ شَرْعًا، إِمَّا عَلَى سَبِيل الْوُجُوبِ، بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ فِي الثَّيِّبِ

_________

(١) لسان العرب مادة (أمر) .

(٢) فتح القدير على الهداية ٢ / ٣٩٦ دار صادر.

(٣) المصباح المنير مادة (أذن)، والنهاية لابن الأثير ولسان العرب مادة: (أمر) .

(٤) حديث " البكر تستأذن. . . "، ورد بلفظ: " لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ١٩١ و١٢ / ٣٤٠ ط السلفية)، ومسلم ٢ / ١٠٣٦ - بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي - طبع عيسى الحلبي) .

الْكَبِيرَةِ الْعَاقِلَةِ، وَإِمَّا عَلَى سَبِيل النَّدْبِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ؛ لِلْبِكْرِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ. وَأَوْجَبَ ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ.

وَيَنْدُبُ اسْتِئْمَارُ الأُْمِّ، تَطْيِيبًا لِخَاطِرِهَا فِي تَزْوِيجِ بِنْتِهَا (١) .

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ. مُصْطَلَحُ: (نِكَاح) .

اسْتِئْمَانٌ

:

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِسْتِئْمَانُ فِي اللُّغَةِ: طَلَبُ الأَْمَانِ. يُقَال: اسْتَأْمَنَهُ: طَلَبَ مِنْهُ الأَْمَانَ، وَاسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ: دَخَل فِي أَمَانِهِ، وَقَدْ أَمَّنَهُ وَآمَنَهُ.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: دُخُول دَارِ الْغَيْرِ (أَيْ إِقْلِيمِهِ) بِأَمَانٍ، مُسْلِمًا كَانَ الدَّاخِل أَوْ حَرْبِيًّا (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْعَهْدُ:

٢ - الأَْصْل فِي مَعْنَاهُ: حِفْظُ الشَّيْءِ وَمُرَاعَاتُهُ حَالًا بَعْدَ حَالٍ، ثُمَّ اسْتُعْمِل فِي الْمُوثَقِ الَّذِي يَلْزَمُ مُرَاعَاتُهُ. فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعَهْدِ وَالاِسْتِئْمَانِ: أَنَّ الْعَهْدَ

_________

(١) المبسوط للسرخسي ٤ / ٢١٨، والمغني ٦ / ٤٩١، والحطاب ٣ / ٤٣٤، ٤٣٥ ط ليبيا، وفتح القدير على الهداية ٢ / ٣٩٦ ط دار صادر، وحاشية القليوبي ٣ / ٢٢٢، ونهاية المحتاج ٦ / ٢٢٤ ط المكتب الإسلامي.

(٢) المصباح، ولسان العرب مادة (أمن)، ورد المحتار ٣ / ٢٤٧، والتعريفات للجرجاني.

أَعَمُّ مِنَ الاِسْتِئْمَانِ (١) .

ب - الذِّمَّةُ:

٣ - مِنْ مَعَانِي الذِّمَّةِ فِي اللُّغَةِ: الْعَهْدُ، وَالأَْمَانُ، وَالضَّمَانُ. وَمِنْ مَعَانِيهَا فِي الاِصْطِلاَحِ: إِقْرَارُ بَعْضِ الْكُفَّارِ عَلَى كُفْرِهِمْ، بِشَرْطِ بَذْل الْجِزْيَةِ، وَالْتِزَامِ أَحْكَامِ الْمِلَّةِ. فَالْفَرْقُ بَيْنَ الذِّمَّةِ وَالاِسْتِئْمَانِ، أَنَّ عَقْدَ الاِسْتِئْمَانِ مُؤَقَّتٌ، وَعَقْدَ الذِّمَّةِ مُؤَبَّدٌ فِي الأَْصْل (٢) .

ج - الاِسْتِجَارَةُ:

٤ - الاِسْتِجَارَةُ مِنْ مَعَانِيهَا لُغَةً: طَلَبُ شَخْصٍ مِنْ آخَرَ أَنْ يَحْفَظَهُ وَيَحْمِيَهُ. وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ ذَلِكَ.

فَالاِسْتِجَارَةُ أَعَمُّ؛ لأَِنَّهَا تَشْمَل كُل أَحْوَال طَلَبِ الْحِمَايَةِ، بِخِلاَفِ الاِسْتِئْمَانِ، فَإِنَّهُ فِي دُخُول دَارِ الإِْسْلاَمِ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِ وَعَكْسِهِ.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٥ - اسْتِئْمَانُ رَايَةٍ أَوْ عَلاَمَةٍ تَدُل عَلَى الأَْمَانِ - جَائِزٌ بِشُرُوطٍ وَتَفْصِيلاَتٍ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (مُسْتَأْمَن)

فَإِذَا تَمَّ ذَلِكَ حُرِّمَتْ أَمْوَالُهُمْ وَدِمَاؤُهُمْ.

كَمَا يَجُوزُ اسْتِئْمَانُ الْمُسْلِمِ لِدُخُول دَارِ الْحَرْبِ لِتِجَارَةٍ، أَوْ تَبْلِيغِ رِسَالَةٍ، إِذَا كَانُوا مِمَّنْ يُوفُونَ بِالْعَهْدِ؛ لأَِنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ تَعَرُّضِهِمْ لَهُ (٣) .

_________

(١) المصباح، ولسان العرب مادة (عهد)

(٢) المصباح، ولسان العرب مادة (ذم)

(٣) ابن عابدين ٣ / ٢٢٤، ٢٢٧، ٢٤٧ ط بولاق، والمغني ٨ / ٣٩٦، ٣٩٩، ٤ / ٤٠٢، وقليوبي وعميرة ٤ / ١٠٥، ١٧٢، ٢٢٥، ٢٢٦، وجواهر الإكليل ١ / ٢٥٧، ٢٥٨، ٢٥٥ ط شقرون، وبدائع الصنائع ٩ / ٤٣٢١ ط الإمام.

اسْتِئْنَاسٌ

:

التَّعْرِيفُ:

١ - مِنْ مَعَانِي الاِسْتِئْنَاسِ فِي اللُّغَةِ: الاِسْتِئْذَانُ. وَاسْتَأْنَسَ بِهِ: سَكَنَ إِلَيْهِ قَلْبُهُ، وَاسْتَأْنَسَ الْحَيَوَانُ: ذَهَبَ تَوَحُّشُهُ (١) .

وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنِ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الاِسْتِئْذَانُ:

٢ - الاِسْتِئْذَانُ: طَلَبُ الإِْذْنِ فِي شَيْءٍ مَا، فَالاِسْتِئْذَانُ مُرَادِفٌ لِلاِسْتِئْنَاسِ بِالإِْطْلاَقِ الأَْوَّل.

أَوَّلًا - بِمَعْنَى الاِسْتِئْذَانِ

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٣ - الاِسْتِئْنَاسُ مَطْلُوبٌ شَرْعًا فِي الْجُمْلَةِ عَلَى تَفْصِيلٍ، مَوْضِعُهُ (اسْتِئْذَانٌ (٢» .

ثَانِيًا - بِمَعْنَى اطْمِئْنَانِ الْقَلْبِ

٤ - الاِسْتِئْنَاسُ بِمَعْنَى اطْمِئْنَانِ الْقَلْبِ، لَهُ صُوَرٌ مِنْهَا: الاِسْتِئْنَاسُ بِالرُّفْقَةِ فِي السَّفَرِ، وَالاِسْتِئْنَاسُ بِمَجَالِسِ الصَّالِحِينَ، وَإِينَاسُ الْمُحْتَضَرِ، وَمَنِ

_________

(١) المصباح المنير، ولسان العرب مادة: (أنس) .

(٢) القرطبي ١٢ / ٢١٢ ط دار الكتب، والفخر الرازي ٢٣ / ١٩٦، والألوسي ١٨ / ١٣٤، وابن عابدين ١ / ٣٧٤ و٥ / ٢٦٥ ط بولاق.

اشْتَدَّ بِهِ الْمَرَضُ إِذَا كَانَ يَسْتَأْنِسُ بِذَلِكَ، وَهُوَ مَطْلُوبٌ فِي الْجُمْلَةِ كَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ خَيْرٍ وَرَحْمَةٍ، لَكِنْ إِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ بِإِيذَاءِ صَاحِبِ الْبَيْتِ، أَوْ كَانَ ذَرِيعَةً إِلَى مَفْسَدَةٍ، فَهُوَ حَرَامٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ . (١)

وَقَدْ أَجَازَ الْعُلَمَاءُ تَرْكَ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، إِذَا كَانَ أَدَاؤُهُمَا يُؤَدِّي إِلَى تَخَلُّفِهِ عَنِ الرَّكْبِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ فَوَاتِ اطْمِئْنَانِ الْقَلْبِ بِالأُْنْسِ بِالرُّفْقَةِ. وَيَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ، إِذَا كَانَ طَلَبُ الْمَاءِ يُفَوِّتُ عَلَيْهِ الرُّفْقَةَ، أَوْ يَشُقُّ عَلَى الْمُحْتَضَرِ أَوِ الْمَرِيضِ. وَقَدْ فَصَّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي مَبَاحِثِ (التَّيَمُّمِ، وَالسَّفَرِ، وَالاِحْتِضَارِ وَالْمَرَضِ) . (٢)

ثَالِثًا - بِمَعْنَى ذَهَابِ التَّوَحُّشِ

٥ - يَجُوزُ تَرْوِيضُ الْحَيَوَانِ الْمُتَوَحِّشِ لِيَسْتَأْنِسَ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ، مِنْ كَوْنِهِ يُنْتَفَعُ بِجِلْدِهِ أَوْ عَظْمِهِ أَوْ لَحْمِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَيَتَرَتَّبُ عَلَى اسْتِئْنَاسِ الْحَيَوَانِ الْمُتَوَحِّشِ آثَارٌ مِنْهَا: أَنْ تَكُونَ تَذْكِيَتُهُ كَالْمُسْتَأْنِسِ، إِنْ كَانَ مِمَّا يَحِل أَكْلُهُ، وَتَجْرِي عَلَيْهِ كُل أَحْكَامِ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَجْرِي عَلَى سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الْمُسْتَأْنِسَةِ. وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَى مَبَاحِثِ (الذَّكَاةِ وَالصَّيْدِ) . (٣)

_________

(١) سورة الأحزاب / ٥٣

(٢) بدائع الصنائع ١ / ١٨٦ ط زكريا يوسف، وابن عابدين ١ / ٣٨٤ ط بولاق الأولى، وحاشية الجمل ١ / ١٩٩ ط إحياء التراث العربي، والمغني ١ / ٢٣٩ ط السعودية، وحاشية الدسوقي ١ / ١٤٩، ١٥٠ ط دار الفكر.

(٣) ابن عابدين ٥ / ٢٩٨ - ٣٠٥، والدسوقي ٢ / ١٠٣ - ١٠٩، ونهاية المحتاج ٨ / ١١٧، والمغني مع الشرح الكبير١١ / ٢٦

اسْتِئْنَافٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - مِنْ مَعَانِي الاِسْتِئْنَافِ لُغَةً: الاِبْتِدَاءُ وَالاِسْتِقْبَال، وَقَدِ اسْتَأْنَفَ الشَّيْءَ أَخَذَ أَوَّلَهُ وَابْتَدَأَهُ (١) .

وَبِتَتَبُّعِ اسْتِعْمَالاَتِ هَذَا الْمُصْطَلَحِ لَدَى الْفُقَهَاءِ، يُمْكِنُ الْوُصُول إِلَى تَعْرِيفٍ بِأَنَّهُ: الْبَدْءُ بِالْمَاهِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ أَوَّلِهَا، بَعْدَ التَّوَقُّفِ فِيهَا وَقَطْعِهَا لِمَعْنًى خَاصٍّ (٢) .

فَالاِسْتِئْنَافُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ قَطْعِ الْمَاهِيَّةِ الأُْولَى؛ لِمَا جَاءَ فِي رَدِّ الْمُحْتَارِ: " قَوْلُهُ (وَاسْتِئْنَافُهُ أَفْضَل) أَيْ: بِأَنْ يَعْمَل عَمَلًا يَقْطَعُ الصَّلاَةَ ثُمَّ يَشْرَعَ بَعْدَ الْوُضُوءِ، شُرُنْبُلاَلِيَّةٌ عَنِ الْكَافِي، وَفِي حَاشِيَةِ أَبِي السُّعُودِ عَنْ شَيْخِهِ: فَلَوْ لَمْ يَعْمَل مَا يَقْطَعُ الصَّلاَةَ، بَل ذَهَبَ عَلَى الْفَوْرِ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ كَبَّرَ يَنْوِي الاِسْتِئْنَافَ، لَمْ يَكُنْ مُسْتَأْنِفًا بَل بَانِيًا

. اهـ. (٣)

_________

(١) تاج العروس مادة (أنف) ٦ / ٤٨، والمصباح المنير مادة (أنف) ١ / ٣٥، والنهاية ١ / ٧٥ - ٧٦

(٢) تبيين الحقائق ١ / ١٤٥، والمغني ١ / ٢٤٤ - ٢٤٥، والفروع ١ / ٤٠١، ورد المحتار ١ / ٦٠٣، وبدائع الصنائع ٤ / ٢٠٢٠ ط الإمام، والدسوقي ٢ / ٤٥٢، والمنهاج ١ / ٢٧٩ - ٢٨٠، والمجموع ٤ / ٤٥٧

(٣) رد المحتار ١ / ٦٠٣

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْبِنَاءُ:

٢ - مِنْ مَعَانِي الْبِنَاءِ لُغَةً: أَنَّهُ ضِدُّ الْهَدْمِ، وَاصْطِلاَحًا: يَأْتِي بِمَعْنَى الْمُضِيِّ فِي الْمَاهِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الْمَبْدُوءِ بِهَا إِلَى نِهَايَتِهَا، بَعْدَ زَوَال الْعَارِضِ الَّذِي قَطَعَهَا بِسَبَبِهِ،

وَمِثَالُهُ: أَنْ يَسْبِقَ الْمُصَلِّيَ حَدَثٌ، بَعْدَ أَنْ صَلَّى رَكْعَةً، فَيَتَوَضَّأَ، وَيَبْنِيَ عَلَى صَلاَتِهِ بِإِكْمَال مَا بَقِيَ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (١) . وَفِيهِ خِلاَفٌ تَفْصِيلُهُ فِي مَبَاحِثِ (الصَّلاَةِ) فَالْبِنَاءُ مُبَايِنٌ لِلاِسْتِئْنَافِ.

ب - الاِسْتِقْبَال:

٣ - الاِسْتِقْبَال لُغَةً: الْمُوَاجَهَةُ، أَمَّا شَرْعًا: فَيَأْتِي مُرَادِفًا لِلاِسْتِئْنَافِ، وَمِثَالُهُ قَوْل الْكَاسَانِيِّ: إِذَا أَيِسَتِ الْمُعْتَدَّةُ بِالأَْقْرَاءِ، تَنْتَقِل عِدَّتُهَا إِلَى الأَْشْهُرِ، فَتَسْتَقْبِل الْعِدَّةَ بِهَا (٢) . وَيَأْتِي بِمَعْنَى الاِتِّجَاهِ إِلَى الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرِهَا.

ج - الاِبْتِدَاءُ:

٤ - مِنْ مَعَانِي الاِبْتِدَاءِ لُغَةً: التَّقْدِيمُ، وَالأَْخْذُ فِي الشَّيْءِ مِنْ أَوَّلِهِ، وَلاَ يَخْرُجُ التَّعْرِيفُ الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ ذَلِكَ. فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الاِسْتِئْنَافِ، أَنَّ الاِبْتِدَاءَ أَعَمُّ (٣) .

_________

(١) تبيين الحقائق ١ / ١٤٥

(٢) بدائع الصنائع ١ / ١٤٩ و٤ / ٢٠١٧ ط الإمام، وحاشية الشلبي على تبيين الحقائق ١ / ٤١، ورد المحتار١ / ٣٩٣، والمغني ١ / ٢٤٦

(٣) المصباح.

د - الإِْعَادَةُ:

٥ - مِنْ مَعَانِي الإِْعَادَةِ لُغَةً: فِعْل الشَّيْءِ ثَانِيَةً، وَمِنْهُ التَّكْرَارُ.

وَاصْطِلاَحًا: عَرَّفَهَا الْغَزَالِيُّ عِنْدَ كَلاَمِهِ عَنْ إِعَادَةِ الْمُوَقَّتِ: بِأَنَّهَا فِعْل الشَّيْءِ ثَانِيًا فِي الْوَقْتِ بَعْدَ فِعْلِهِ عَلَى نَوْعٍ مِنَ الْخَلَل (١) .

وَتَفْتَرِقُ الإِْعَادَةُ عَنِ الاِسْتِئْنَافِ بِأَنَّهَا لاَ تَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ فِعْل الْعَمَل الأَْوَّل مَعَ خَلَلٍ مَا، أَمَّا الاِسْتِئْنَافُ فَلاَ يَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ قَطْعِ الْعَمَل قَبْل تَمَامِهِ.

هـ: الْقَضَاءُ:

٦ - الْقَضَاءُ لُغَةً: أَدَاءُ الشَّيْءِ، وَاصْطِلاَحًا: عَرَّفَهُ الْغَزَالِيُّ: بِأَنَّهُ فِعْل مِثْل مَا فَاتَ وَقْتُهُ الْمُحَدَّدِ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الاِسْتِئْنَافِ، أَنَّ الْقَضَاءَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ الْوَقْتِ، وَلاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي الأَْفْعَال ذَاتِ الْوَقْتِ الْمُحَدَّدِ. أَمَّا الاِسْتِئْنَافُ فَقَدْ يَكُونُ فِي الْوَقْتِ، وَقَدْ يَكُونُ بَعْدَهُ، وَقَدْ يَكُونُ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ.

صِفَتُهُ (الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ):

٧ - الاِسْتِئْنَافُ تَعْتَرِيهِ بِضْعَةُ أَحْكَامٍ تَكْلِيفِيَّةٍ.

فَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا اتِّفَاقًا، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ تَعَمَّدَ الْحَدَثَ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ. وَهُوَ أَيْضًا وَاجِبٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (٢)، إِذَا سَبَقَهُ حَدَثٌ غَيْرُ الرُّعَافِ، إِذْ لاَ

_________

(١) المستصفى ١ / ٩٥، ورد المحتار ٢ / ٦٥

(٢) الدسوقي ١ / ٢٠٧، ورد المحتار ١ / ٣٨٩، ٣٩٣، ٤٥٧، ٦٠٣، والمجموع ٤ / ٤٥٦، ٤٥٧، ونهاية المحتاج ١ / ٤١٥، والمغني ١ / ٢٤٦، ٢ / ٩٥ ط مطبعة العاصمة. القاهرة وفواتح الرحموت ١ / ٨٥ ط الأميرية، وبدائع الصنائع ٢ / ١٣٠

بِنَاءَ عِنْدَهُمْ إِلاَّ فِي الرُّعَافِ؛ لأَِنَّهُ رُخْصَةٌ فَيَتَوَقَّفُ فِيهَا عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ.

وَقَدْ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا، كَمَنْ أَحْدَثَ وَهُوَ يُؤَذِّنُ، وَاحْتَاجَ لِفَاصِلٍ طَوِيلٍ لِلتَّطَهُّرِ، فَإِنَّ اسْتِئْنَافَ الأَْذَانِ أَوْلَى.

وَقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهًا كَمَا فِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ إِذَا كَانَ الْفَاصِل لِلتَّطَهُّرِ يَسِيرًا؛ لأَِنَّ الْبِنَاءَ هُنَا أَوْلَى، لِئَلاَّ يُوهِمَ التَّلاَعُبَ إِذَا اسْتَأْنَفَ.

وَقَدْ يَكُونُ الاِسْتِئْنَافُ مُبَاحًا، كَالْبَيْعِ الصَّحِيحِ وَالإِْجَارَةِ الصَّحِيحَةِ - إِذَا جَرَتْ فِيهَا الإِْقَالَةُ أَوْ كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا - فَإِنَّهُ يَصِحُّ اسْتِئْنَافُ الْعَقْدِ.

مَوَاطِنُ الاِسْتِئْنَافِ:

الاِسْتِئْنَافُ مُصْطَلَحٌ يَرِدُ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، إِلاَّ أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي أَبْوَابِ الْعِبَادَاتِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي غَيْرِهَا، وَفِيمَا يَلِي بَعْضُ الصُّوَرِ.

الاِسْتِئْنَافُ فِي الْوُضُوءِ:

٨ - جَاءَ فِي الْفُرُوعِ لاِبْنِ مُفْلِحٍ فِي مَعْرِضِ بَيَانِ أَثَرِ نِسْيَانِ التَّسْمِيَةِ عَلَى صِحَّةِ الْوُضُوءِ: " وَإِنْ ذَكَرَ فِي بَعْضِهِ ابْتَدَأَ، وَقِيل بَنَى، وَعَنْهُ تُسْتَحَبُّ (١) " أَيْ أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ إِذَا ذَكَرَ التَّسْمِيَةَ فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ اسْتَأْنَفَ وُضُوءَهُ وُجُوبًا فِي قَوْلٍ لَدَى الْحَنْبَلِيَّةِ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لاَ يَجِبُ الاِسْتِئْنَافُ، وَيَجُوزُ الْبِنَاءُ.

الاِسْتِئْنَافُ فِي الْغُسْل:

٩ - جَاءَ فِي الْفُرُوعِ لاِبْنِ مُفْلِحٍ فِي الْغُسْل: " وَحَيْثُ فَاتَتِ الْمُوَالاَةُ فِيهِ أَوْ فِي وُضُوءٍ، وَقُلْنَا يَجُوزُ فَلاَ بُدَّ

_________

(١) الفروع ١ / ١٤٣ - ١٤٤ ط الثانية ١٣٧٩ هـ