الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣ الصفحة 31

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣

وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ. وَدَلِيل ذَلِكَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁، عِنْدَمَا حُوصِرَ عُثْمَانُ ﵁، أَقَامَ الْجُمُعَةَ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ وَلاَ اسْتِئْذَانٍ مِنْ عُثْمَانَ ﵁، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ؛ وَلأَِنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، لاَ يَتَوَقَّفُ إِقَامَتُهَا عَلَى إِذْنٍ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، إِلَى أَنَّ إِذْنَ الإِْمَامِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَأْثُورُ عَنِ الأَْئِمَّةِ، وَالْمُتَوَارَثُ عَنْهُمْ، وَلأَِنَّ فِي هَذَا دَفْعًا لِلْفِتْنَةِ (١) .

ح - اسْتِئْذَانُ الْمَرْءُوسِ رَئِيسَهُ:

٢٧ - أُقِيمَتِ الْوِلاَيَاتُ رِعَايَةً لِلْمَصَالِحِ وَحِفَاظًا عَلَيْهَا، وَاسْتِئْذَانُ مَنْ لَهُ الْوِلاَيَةُ فِي حُدُودِ وِلاَيَتِهِ أَمْرٌ لاَ بُدَّ مِنْهُ؛ لِتَسْتَقِيمَ الأُْمُورُ وَتُحْسَمَ الْفَوْضَى، وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ مِنْهُ.

إِذَا غَزَا الأَْمِيرُ بِالنَّاسِ، لَمْ يَحِل لأَِحَدٍ مِمَّنْ مَعَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمُعَسْكَرِ لِيُحْضِرَ الزَّادَ وَالْعَتَادَ، وَلاَ أَنْ يُبَارِزَ أَحَدًا مِنَ الْعَدُوِّ، وَلاَ أَنْ يُحْدِثَ حَدَثًا إِلاَّ بِإِذْنِهِ؛ لأَِنَّ الأَْمِيرَ أَعْرَفُ بِحَال النَّاسِ، وَحَال الْعَدُوِّ، وَمَكَامِنِهِمْ وَمَوَاضِعِهِمْ وَقُرْبِهِمْ وَبُعْدِهِمْ، فَإِذَا خَرَجَ خَارِجٌ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يُصَادِفَ كَمِينًا لِلْعَدُوِّ أَوْ طَلِيعَةً لَهُمْ فَيَأْخُذُوهُ، أَوْ يَرْحَل الأَْمِيرُ بِالْمُسْلِمِينَ وَيَتْرُكُهُ فَيَهْلَكُ (٢) .

وَمَنْ كَانَ مَعَ الْجَيْشِ فِي الْغَزْوِ فَأَرَادَ الْجَيْشُ أَنْ

_________

(١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٨٣ - ٨٤، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٠٣، والمقنع ١ / ٢٤٩، ٤٥٣، والطحاوي على مراقي الفلاح ص ٢٧٨، وحاشية الدسوقي ١ / ٣٨٤

(٢) المغني ٨ / ٣٦٧

يَنْتَقِل مِنْ مَوْقِعٍ لآِخَرَ، وَأَرَادَ بَعْضُ الْجُنْدِ التَّخَلُّفَ لأَِمْرٍ مَا، لاَ يَحِل لأَِحَدٍ مِنْهُمُ التَّخَلُّفُ عَنِ الْمَسِيرِ مَعَ الْجَيْشِ، إِلاَّ بِإِذْنٍ (١) .

وَإِذَا جَمَعَ الإِْمَامُ أَوِ الأَْمِيرُ أُولِي الرَّأْيِ لاِسْتِشَارَتِهِمْ فِي أَمْرٍ مِنَ الأُْمُورِ، فَلَيْسَ لأَِحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَنْصَرِفَ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ. إِلَى رَأْيِهِ (٢)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٣) وَالآْيَةُ لَيْسَتْ خَاصَّةً بِرَسُول اللَّهِ ﷺ؛ لأَِنَّ الْوُلاَةَ خُلَفَاءُ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ فَتَنْطَبِقُ عَلَيْهِ الآْيَةُ

ط - اسْتِئْذَانُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا لِلْخُرُوجِ مِنْ مَنْزِلِهِ:

٢٨ - عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَسْتَأْذِنَ زَوْجَهَا لِلْخُرُوجِ مِنْ مَنْزِلِهِ، لأَِنَّ احْتِبَاسَهَا حَقٌّ لَهُ، فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِ فَلَهُ أَنْ يُؤَدِّبَهَا، لاَ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ إِلاَّ حَالاَتُ الضَّرُورَةِ (٤) أَوْ الْحَاجَةِ.

وَاسْتَثْنَى الْفُقَهَاءُ مِنْ ذَلِكَ خُرُوجَ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا فِي حَالَةِ النَّفِيرِ الْعَامِّ، بِهُجُومِ الْعَدُوِّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.

وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ خُرُوجَهَا لِخِدْمَةِ أَبِيهَا الزَّمِنِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَنْ يَخْدُمُهُ، وَخُرُوجِهَا لِلاِسْتِفْتَاءِ فِي حَادِثَةٍ وَقَعَتْ لَهَا، وَلاَ يُوجَدُ مَنْ يُعَرِّفَهَا

_________

(١) المغني ٨ / ٣٧٠

(٢) تفسير القرطبي ١٢ / ٣٢٠

(٣) سورة النور / ٦٢

(٤) إحياء علوم الدين ٢ / ٥٧، طبع مطبعة الاستقامة، وشرح الزرقاني ٢ / ٩٠، وأسنى المطالب ٣ / ٢٣٩، ط المكتبة الإسلامية، والمغني ٧ / ٢٠، ٤٦

حُكْمَ الشَّرْعِ فِيهَا إِنْ لَمْ تَخْرُجْ (١) . وَهَذَا إِنْ خَشِيَتْ أَنْ تَقَعَ فِي مَحْظُورٍ.

ي - اسْتِئْذَانُ الأَْبَوَيْنِ فِيمَا يَكْرَهَانِهِ:

٢٩ - إِذَا أَرَادَ الإِْنْسَانُ أَنْ يَأْتِيَ عَمَلًا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ، وَيَكْرَهُهُ وَالِدَاهُ، فَلاَ يَحِل لَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ إِلاَّ بَعْدَ اسْتِئْذَانِهِمَا فِيهِ، بِرًّا بِهِمَا، وَمُرَاعَاةً لِحَقِّهِمَا، إِلاَّ إِنْ كَانَ أَبَوَاهُ كَافِرَيْنِ، وَيَكْرَهَانِ هَذَا الْعَمَل؛ لِمَا فِيهِ مِنْ نُصْرَةِ الإِْسْلاَمِ وَالْمُسْلِمِينَ، كَالْجِهَادِ وَالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ، وَالدَّعْوَةِ إِلَيْهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لاَ عِبْرَةَ بِإِذْنِهِمَا أَوْ عَدَمِهِ.

وَخَالَفَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِي ذَلِكَ فَقَال: لاَ يَغْزُو إِلاَّ بِإِذْنِهِمَا وَلَوْ كَانَا كَافِرَيْنِ، لِعُمُومِ الأَْخْبَارِ الَّتِي سَيَأْتِي ذِكْرُهَا. وَبِنَاءً عَلَى هَذَا، فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْوَلَدُ أَنْ يَخْرُجَ، لِمَا يُخَافُ عَلَيْهِ الْهَلاَكُ مِنْهُ، كَخُرُوجِهِ إِلَى غَزْوٍ غَيْرِ مَفْرُوضٍ عَلَيْهِ عَيْنًا، أَوْ أَرَادَ الْخُرُوجَ لِمَا لاَ يُخْشَى عَلَيْهِ الْهَلاَكُ مِنْهُ، وَلَكِنْ يُخْشَى عَلَيْهِمَا الضَّيْعَةُ، كَمَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى الْحَجِّ وَأَبَوَاهُ مُعْسِرَانِ وَنَفَقَتُهُمَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ مِنَ الْمَال مَا يَفِي بِنَفَقَةِ الْحَجِّ - مِنَ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ - وَنَفَقَتِهِمَا، وَكَمَا إِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ لِطَلَبِ الْعِلْمِ فِي بَلْدَةٍ أُخْرَى، أَوْ لِلتِّجَارَةِ، وَخَافَ عَلَى وَالِدَيْهِ الضَّيْعَةَ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ إِلاَّ بِإِذْنِهِمَا.

وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ أَنَّهُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُول اللَّهِ فَقَال: جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى

_________

(١) فتح القدير ٢ / ٥٢٠ طبع بولاق، وشرح السير الكبير ١ / ٢٠١، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٦٥، وابن عابدين ٢ / ١٤٠، والمغني ٨ / ٣٥٨، والزرقاني ٣ / ١١١، وحاشية الجمل ٥ / ١٩٠ - ١٩١، وحاشية قليوبي٢ / ١٤٦

الْهِجْرَةِ وَتَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ، فَقَال ﷺ ارْجِعْ فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا. (١)

وَلِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ أُجَاهِدُ؟ فَقَال: أَلَكَ أَبَوَانِ؟ قَال: نَعَمْ، قَال: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ. (٢)

أَمَّا إِنْ كَانَ الْعَمَل لاَ بُدَّ لَهُ مِنْهُ، كَافْتِرَاضِهِ عَلَيْهِ فَرْضَ عَيْنٍ فَلاَ يُشْتَرَطُ اسْتِئْذَانُهُمَا لِعَمَلِهِ، كَمَا فِي حَالَةِ الْجِهَادِ، إِذَا هَجَمَ الْعَدُوُّ عَلَى بَلَدٍ مِنْ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ لِدَفْعِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ أَبِيهِ (٣) .

ك - الاِسْتِئْذَانُ فِي الْعَزْل عَنِ الزَّوْجَةِ:

٣٠ - الأَْصْل أَنَّ لِكُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ الْحَقَّ فِي إِنْجَابِ الأَْوْلاَدِ، فَلَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَعْزِل عَنْ زَوْجَتِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهَا، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ الأَْوْلَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَلَيْسَ لِلزَّوْجَةِ أَنْ تَتَّخِذَ أَيَّ وَسِيلَةٍ لِمَنْعِ الْحَمْل إِلاَّ بِإِذْنِهِ.

لِحَدِيثِ: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعْزَل عَنِ الْحُرَّةِ إِلاَّ بِإِذْنِهَا. رَوَاهُ الإِْمَامُ أَحْمَدُ، وَالْوَجْهُ الآْخَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ تَأْذَنْ (٤) .

_________

(١) أخرجه النسائي وأبو داود في الجهاد.

(٢) أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٤٠٣ ط السلفية)، ومسلم (٤ / ١٩٧٥ - ط عيسى الحلبي) إلا أنه قال: أحي والداك؟ .

(٣) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٦٥ طبع بولاق سنة ١٣١٠، وحاشية ابن عابدين ٢ / ١٤٠، والمغني ٨ / ٣٥٨ وما بعدها، وشرح الزرقاني ٣ / ١١١، وحاشية الجمل ٥ / ١٩٠ - ١٩١ طبع دار إحياء التراث العربي، وحاشية قليوبي ٢ / ١٤٦

(٤) ابن عابدين ٥ / ٢٣٩، والبدائع ٦ / ٢٩٦٥ ط الإمام، والمغني ٧ / ٢٤، وفتاوى الشيخ عليش ١ / ٣٩٨، والمهذب ٢ / ٦٧. والحديث أخرجه ابن ماجه (١ / ٦٢٠ ط عيسى الحلبي) وأحمد (١ / ٣١ ط الميمنية)، ونقل محقق سنن ابن ماجه عن البوصيري أنه قال في الزوائد: في إسناده ابن لهيعه وهو ضعيف، وبه أعله ابن حجر في التلخيص الحبير (٣ / ١٨٨ ط شركة الطباعة الفنية المتحدة بالقاهرة) .

ل - اسْتِئْذَانُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ:

٣١ - لاَ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ صَوْمَ تَطَوُّعٍ بِحَضْرَةِ زَوْجِهَا إِلاَّ بَعْدَ اسْتِئْذَانِهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ تَصُومُ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ (١) . وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَلاَّ تُفَوِّتَ عَلَيْهِ حَقًّا مِنْ حُقُوقِهِ، كَالْوَطْءِ وَدَوَاعِيهِ، وَانْظُرْ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (صِيَام) .

م - اسْتِئْذَانُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا فِي إِرْضَاعِ غَيْرِ وَلَدِهَا:

٣٢ - إِذَا أَرَادَتِ الْمَرْأَةُ إِرْضَاعَ غَيْرِ وَلَدِهَا فَعَلَيْهَا اسْتِئْذَانُ زَوْجِهَا فِي ذَلِكَ، إِلاَّ إِذَا تَعَيَّنَتْ لإِرْضَاعِهِ، فَإِنَّ عَلَيْهَا إِرْضَاعَهُ وَلَوْ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ (٢) (ر: رَضَاع) .

ن - اسْتِئْذَانُ الرَّجُل زَوْجَتَهُ لِلْمَبِيتِ عِنْدَ غَيْرِهَا فِي لَيْلَتِهَا:

٣٣ - لاَ يَجُوزُ لِلرَّجُل أَنْ يَبِيتَ عِنْدَ غَيْرِ صَاحِبَةِ الْحَقِّ فِي الْقَسْمِ إِلاَّ بِإِذْنِهَا (٣) . (ر: نِكَاح، قَسْم)

س - اسْتِئْذَانُ الضَّيْفِ الْمُضِيفَ لِلاِنْصِرَافِ:

٣٤ - لاَ يَجُوزُ لِلضَّيْفِ أَنْ يَنْصَرِفَ مِنْ بَيْتِ مُضِيفِهِ إِلاَّ بَعْدَ اسْتِئْذَانِهِ (٤) . قَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ:

_________

(١) أخرجه البخاري في النكاح، باب صوم المرأة بإذن زوجها تطوعا، وانظر ما جاء في عمدة القاري ٢٠ / ١٨٤، وتحفة الأحوذي ٣ / ٤٩٥ طبع دار الاتحاد العربي للطباعة.

(٢) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٧٢

(٣) شرح الزرقاني ٢ / ٥٨، وأسنى المطالب ٣ / ٢٣١، وحاشية الجمل ٢ / ٥٨، والشرح الصغير ٢ / ٥٠٨، ٥٠٩

(٤) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٤٤، ٣٤٥

الرَّجُل تَدْخُل عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ لاَ تَخْرُجُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، هُوَ عَلَيْكَ أَمِيرٌ مَا دُمْتَ فِي بَيْتِهِ (١) .

ع - اسْتِئْذَانُ الرَّجُل لِلْجُلُوسِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ فِي بَيْتِهِ:

٣٥ - عَلَى الرَّجُل إِذَا دَخَل بَيْتَ إِنْسَانٍ أَلاَّ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ فِي الصَّلاَةِ، وَلاَ يَجْلِسَ فِي مَكَانِ جُلُوسِهِ الْمُخَصَّصِ لَهُ، إِلاَّ بَعْدَ اسْتِئْذَانِهِ، لِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ يُؤَمُّ الرَّجُل فِي سُلْطَانِهِ، وَلاَ يُجْلَسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ (٢) .

ف - اسْتِئْذَانُ الشَّخْصَيْنِ لِلْجُلُوسِ بَيْنَهُمَا:

٣٦ - إِذَا أَرَادَ الشَّخْصُ أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَعَلَيْهِ اسْتِئْذَانُهُمَا؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ يَحِل لِلرَّجُل أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ إِلاَّ بِإِذْنِهِمَا (٣) وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَحَبَّةٌ وَمَوَدَّةٌ، أَوْ حَدِيثُ سِرٍّ، وَجُلُوسُهُ بَيْنَهُمَا يَسُوءُهُمَا.

ص - الاِسْتِئْذَانُ لِلنَّظَرِ فِي كِتَابِ غَيْرِهِ:

٣٧ - إِذَا أَرَادَ الشَّخْصُ أَنْ يَنْظُرَ فِي كِتَابٍ فِيهِ مَا يَخُصُّ غَيْرَهُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْذِنَهُ قَبْل النَّظَرِ؛ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ

_________

(١) آثار أبي يوسف برقم ٤١٣ طبع مطبعة الاستقامة.

(٢) تحفة الأحوذي ٨ / ٥٥، طبع مطبعة الفجالة الجديدة، وسنن الترمذي في الأدب برقم ٢٩٢٢

(٣) أخرجه الترمذي في الأدب، باب ما جاء في كراهية الجلوس بين الرجلين بغير إذنهما، وأخرجه أبو داود بلفظ (لا يجلس بين رجلين إلا بإذنهما) وانظر: تحفة الأحوذي ٨ / ٢٨

ﷺ: مَنْ نَظَرَ فِي كِتَابِ أَخِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَإِنَّمَا يَنْظُرُ فِي النَّارِ (١) لِئَلاَّ يَفْتَضِحَ لِذَلِكَ الْغَيْرِ سِرٌّ.

ق - اسْتِئْذَانُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا فِيمَا تُنْفِقُهُ مِنْ مَالِهَا:

٣٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ الْبَالِغَةَ الرَّشِيدَةَ تَتَصَرَّفُ فِي مَالِهَا بِمِلْءِ حُرِّيَّتِهَا دُونَ اسْتِئْذَانِ أَحَدٍ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَطَاوُسٌ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ الْمُتَزَوِّجَةَ لاَ تَتَبَرَّعُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مِنْ مَالِهَا، إِلاَّ بَعْدَ اسْتِئْذَانِ زَوْجِهَا، وَهَل إِذَا تَصَرَّفَتْ يَكُونُ تَصَرُّفُهَا نَافِذًا حَتَّى يَرُدَّهُ الزَّوْجُ، أَوْ يَكُونُ مَرْدُودًا حَتَّى يُجِيزَهُ؟ قَوْلاَنِ لِلْمَالِكِيَّةِ (٢) .

وَذَهَبَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لاَ يَجُوزُ لَهَا التَّبَرُّعُ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهَا، سَوَاءٌ أَكَانَ أَقَل مِنَ الثُّلُثِ أَمْ أَكْثَرَ، إِلاَّ بَعْدَ اسْتِئْذَانِ زَوْجِهَا (٣) . أَمَّا غَيْرُ التَّبَرُّعِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ، فَهِيَ وَالرَّجُل فِيهِ سَوَاءٌ (ر: حَجْر)

ر - مَا لاَ يَحْتَاجُ أَصْلًا إِلَى اسْتِئْذَانٍ:

٣٩ - تَصَرُّفُ الإِْنْسَانِ غَيْرِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فِي مِلْكِهِ أَوْ حَقِّهِ تَصَرُّفًا غَيْرَ مُضِرٍّ بِالْغَيْرِ، لاَ يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِئْذَانِ أَحَدٍ؛ لأَِنَّ الإِْذْنَ لِصَاحِبِ الْمِلْكِ أَوْ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَاسْتِئْذَانُ الإِْنْسَانِ نَفْسَهُ ضَرْبٌ مِنَ الْعَبَثِ الَّذِي تَتَنَزَّهُ عَنْهُ الشَّرِيعَةُ.

_________

(١) الحديث أخرجه أبو داود في الدعاء، وقال في المنهل العذب الورود: والحديث وإن كان ضعيفا فإن له شواهد تقويه ٨ / ١٥٢

(٢) شرح الزرقاني ٥ / ٣٠٦، ونيل الأوطار ٦ / ١٨ - ١٩ طبع المطبعة العثمانية المصرية.

(٣) نيل الأوطار ٦ / ١٨ - ١٩

فَمَنْ أَرَادَ بَيْعَ مَالِهِ، أَوْ أَكْل طَعَامِهِ، لَيْسَ بِحَاجَةٍ إِلَى اسْتِئْذَانٍ، وَمِنْ ذَلِكَ التَّصَرُّفُ فِي الْمِلْكِيَّاتِ الْعَامَّةِ، كَالطُّرُقَاتِ وَالْمَسَاجِدِ وَالأَْنْهَارِ الْعَامَّةِ، لأَِنَّ لِكُل وَاحِدٍ فِيهَا حَقًّا، فَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِئْذَانٍ لِتَصَرُّفِهِ فِيهَا التَّصَرُّفَ الْمَشْرُوعَ الَّذِي لاَ يَضُرُّ بِالآْخَرِينَ (١) .

وَمِنْ ذَلِكَ الْقِيَامُ بِالْفُرُوضِ الْعَيْنِيَّةِ كَأَدَاءِ الصَّلاَةِ، وَمُقَاتَلَةِ الأَْعْدَاءِ الْمُغِيرِينَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ.

ومَا يَسْقُطُ فِيهِ الاِسْتِئْذَانُ لِسَبَبٍ:

أ - تَعَذُّرُ الإِْذْنِ:

٤٠ - يَسْقُطُ الاِسْتِئْذَانُ حَال تَعَذُّرِ الإِْذْنِ لِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ التَّعَذُّرِ، كَمَوْتِ صَاحِبِ الإِْذْنِ، أَوْ سَفَرِهِ سَفَرًا بَعِيدًا، أَوْ حَبْسِهِ وَمَنْعِهِ مِنْ مُقَابَلَةِ أَحَدٍ، وَكَانَ التَّصَرُّفُ لاَ يُمْكِنُ تَأْخِيرُهُ إِلَى حِينِ قُدُومِهِ مِنَ السَّفَرِ، أَوْ خُرُوجِهِ مِنَ الْحَبْسِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمِنْ هُنَا نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ إِنْقَاقِ بَعْضِ أَهْل الْمَحَلَّةِ عَلَى مَسْجِدٍ لاَ مُتَوَلِّي لَهُ مِنْ غَلَّتِهِ. وَجَوَازُ إِنْفَاقِ الْوَرَثَةِ الْكِبَارِ عَلَى الْوَرَثَةِ الصِّغَارِ الَّذِينَ لاَ وَلِيَّ لَهُمْ، وَجَوَازُ إِنْفَاقِ الْمُودَعِ لَدَيْهِ عَلَى أَبَوَيِ الْمُودِعِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانِهِ، إِنْ كَانَ فِي مَكَانٍ لاَ يُمْكِنُ فِيهِ اسْتِطْلاَعُ رَأْيِ الْقَاضِي.

وَمِثْلُهُ إِنْفَاقُ الْمُودَعِ لَدَيْهِ عَلَى الْوَدِيعَةِ، إِنِ احْتَاجَتْ إِلَى النَّفَقَةِ (٢)، وَجَوَازُ إِنْفَاقِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فِي الطَّرِيقِ، بَعْدَ مَوْتِ مَنْ أَذِنَ لَهُ،

_________

(١) المغني ٥ / ٥٢٠، ٥٤١، و٤ / ٥١٨

(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ١٢٧. والمغني ٦ / ٣٩٦

وَجَوَازُ بَيْعِ الرُّفْقَةِ فِي السَّفَرِ أَمْتِعَةَ الْمُتَوَفَّى مِنْهُمْ، لِتَجْهِيزِهِ مِنْ ثَمَنِهَا (١) .

ب - دَفْعُ الضَّرَرِ:

٤١ - يَسْقُطُ الاِسْتِئْذَانُ إِنْ كَانَ فِي الاِسْتِئْذَانِ ضَرَرٌ، فَيَجُوزُ بَيْعُ مَا يُخَافُ عَلَيْهِ التَّلَفُ مِنَ الأَْمَانَاتِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ، وَيَجُوزُ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُزَوِّجَ مَنْ غَابَ وَلِيُّهَا، أَوْ حُبِسَ وَمُنِعَ مِنَ الْوُصُول إِلَيْهِ دَفْعًا لِضَرَرِ الاِنْتِظَارِ، وَيَجُوزُ دُخُول الْبَيْتِ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ إِنْ كَانَ ذَلِكَ الدُّخُول يَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ جَرِيمَةٍ (٢) .

ج - الْحُصُول عَلَى حَقٍّ لاَ يُمْكِنُ

الْحُصُول عَلَيْهِ بِالاِسْتِئْذَانِ:

٤٢ - يَسْقُطُ الاِسْتِئْذَانُ عَنْ صَاحِبِ الْحَقِّ، إِنْ كَانَ الاِسْتِئْذَانُ يُفَوِّتُ حَقَّهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْل مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ . (٣)

فَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَال زَوْجِهَا مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا بِالْمَعْرُوفِ، مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ، إِذَا مَنَعَهَا النَّفَقَةَ (٤)؛ لأَِنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لَهَا، وَيَجُوزُ لِلضَّيْفِ أَنْ يَأْخُذَ مَا يَأْكُلُهُ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ إِذَا مَنَعَ قِرَاهُ (٥)،

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ١٢٧

(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ١٢٧ و٣ / ١٨٠ - ١٨١، وجواهر الإكليل ١ / ٢٥١، وحاشية قليوبي٣ / ٣٣، ٢٢٨، ومعالم القربة في أحكام الحسبة ص ٣٧ - ٣٨

(٣) سورة البقرة / ١٩٤، وانظر حاشية الدسوقي ٣ / ٤٣١ طبع دار الفكر، وحاشية القليوبي ٤ / ٣٣٥، والمغني ٩ / ٣٢٧

(٤) المغني ٨ / ٢٧٨

(٥) المغني ٨ / ٢٧٨ و٦١٣

وَيَجُوزُ لِمَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ فَجَحَدَهُ إِيَّاهُ. وَلاَ بَيِّنَةَ لَهُ عَلَيْهِ، أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ مَا يَقَعُ وَفَاءً لِحَقِّهِ، بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ مِنْهُ (١)، بِشُرُوطٍ وَخِلاَفٍ يَسِيرٍ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مَوْضِعِهِ.

اسْتِئْسَارٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الاِسْتِئْسَارُ لُغَةً: بِمَعْنَى تَسْلِيمِ النَّفْسِ لِلأَْسْرِ، يُقَال: اسْتَأْسِرْ أَيْ: كُنْ لِي أَسِيرًا (٢)، وَاسْتَأْسَرَ الرَّجُل لِلْعَدُوِّ: إِذَا أَعْطَى بِيَدِهِ وَانْقَادَ (٣) . وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الْفِقْهِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الاِسْتِسْلاَمُ:

٢ - الاِسْتِسْلاَمُ: هُوَ الاِنْقِيَادُ (٤) . وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الاِسْتِئْسَارِ، فَقَدْ يَكُونُ الاِسْتِسْلاَمُ فِي غَيْرِ الْحَرْبِ.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٣ - الأَْصْل أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِئْسَارُ إِلاَّ لِمُقْتَضًى شَرْعِيٍّ، وَمَعَ ذَلِكَ إِذَا خَشِيَ الأَْسْرَ فَالأَْوْلَى لَهُ أَنْ يُقَاتِل حَتَّى يُقْتَل، وَلاَ يُسَلِّمَ نَفْسَهُ لِلأَْسْرِ؛ لأَِنَّهُ

_________

(١) المغني ٩ / ٣٢٧

(٢) الصحاح ولسان العرب، مادة (أسر) .

(٣) المغرب في ترتيب المعرب، ونيل الأوطار ٧ / ٢٦٩ ط مصطفى الحلبي.

(٤) المصباح المنير.