الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣
الْمَأْمُونَ أَرَادَ أَنْ يُوَلِّيَ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ أَحَدًا، فَأَحْضَرَ بَيْنَ يَدَيْهِ يَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ فَاسْتَحْقَرَهُ (أَيْ لِصِغَرِ سِنِّهِ) فَسَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَال: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الْمَيِّتِ الأَْوَّل، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، فَعَلِمَ الْمَأْمُونُ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْمَسْأَلَةَ فَأَعْطَاهُ الْعَهْدَ، وَوَلاَّهُ الْقَضَاءَ.
وَالْجَوَابُ فِيهَا يَخْتَلِفُ بِكَوْنِ الْمَيِّتِ الأَْوَّل ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا، فَالْمَسْأَلَةُ الأُْولَى مِنْ سِتَّةٍ لِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَانِ، وَلِلأَْبَوَيْنِ السُّدُسَانِ، فَإِذَا مَاتَتْ إِحْدَى الْبِنْتَيْنِ فَقَدْ خَلَّفَتْ أُخْتًا وَجَدًّا صَحِيحًا أَبَا أَبٍ، وَجَدَّةً صَحِيحَةً أُمَّ أَبٍ، فَالسُّدُسُ لِلْجَدَّةِ وَالْبَاقِي لِلْجَدِّ، وَسَقَطَتِ الأُْخْتُ عَلَى قَوْل أَبِي بَكْرٍ. وَقَال زَيْدٌ: لِلْجَدَّةِ السُّدُسُ وَالْبَاقِي بَيْنَ الْجَدِّ وَالأُْخْتِ أَثْلاَثًا، وَصَحَّحَ الْمُنَاسَخَةَ. وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ الأَْوَّل أُنْثَى، فَقَدْ مَاتَتِ الْبِنْتُ عَنْ أُخْتٍ، وَجَدَّةٍ صَحِيحَةٍ أُمِّ أُمٍّ، وَجَدٍّ فَاسِدٍ أَبِي أُمٍّ، فَلِلْجَدَّةِ السُّدُسُ وَلِلأُْخْتِ النِّصْفُ، وَالْبَاقِي يُرَدُّ عَلَيْهِمَا، وَسَقَطَ الْجَدُّ الْفَاسِدُ بِالإِْجْمَاعِ. كَذَا فِي الاِخْتِيَارِ شَرْحِ الْمُخْتَارِ (١) .
إِرْجَافٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْرْجَافُ فِي اللُّغَةِ: الاِضْطِرَابُ الشَّدِيدُ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى: الْخَوْضِ فِي الأَْخْبَارِ السَّيِّئَةِ وَذِكْرِ
_________
(١) الفتاوى الهندية ٦ / ٤٧٧ - ٤٧٨
الْفِتَنِ؛ لأَِنَّهُ يَنْشَأُ عَنْهُ اضْطِرَابٌ بَيْنَ النَّاسِ (١) . وَالإِْرْجَافُ فِي اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ: الْتِمَاسُ الْفِتْنَةِ، وَإِشَاعَةُ الْكَذِبِ وَالْبَاطِل لِلاِغْتِمَامِ بِهِ. (٢)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّخْذِيل:
٢ - التَّخْذِيل هُوَ: تَثْبِيطُ النَّاسِ عَنِ الْغَزْوِ، وَتَزْهِيدُهُمْ فِي الْخُرُوجِ إِلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: الْوَقْتُ حَرٌّ شَدِيدٌ، الْمَشَقَّةُ شَدِيدَةٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ فِي التَّخْذِيل مَنْعَ النَّاسِ مِنَ النُّهُوضِ لِلْقِتَال، وَالإِْرْجَافُ نَشْرُ الاِضْطِرَابِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. فَالإِْرْجَافُ أَعَمُّ مِنَ التَّخْذِيل (٣) .
ب - الإِْشَاعَةُ:
٣ - الإِْشَاعَةُ: لُغَةً الإِْظْهَارُ، وَاصْطِلاَحًا: نَشْرُ الأَْخْبَارِ الَّتِي يَنْبَغِي سَتْرُهَا، لِشَيْنِ النَّاسِ. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: أَيُّمَا رَجُلٍ أَشَاعَ عَلَى رَجُلٍ عَوْرَةً لِيَشِينَهُ بِهَا. . (٤)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٤ - الإِْرْجَافُ حَرَامٌ، وَتَرْكُهُ وَاجِبٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْضْرَارِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَفَاعِلُهُ يَسْتَحِقُّ التَّعْزِيرَ (٥) .
_________
(١) لسان العرب مادة: رجف.
(٢) تفسير القرطبي ١٤ / ٢٤٥ ط دار الكتب في تفسير آية / ٦٠ من سورة الأحزاب، وحاشية الجمل على شرح المنهاج ٤ / ٩٥، طبع دار إحياء التراث العربي - بيروت، والمغني ٨ / ٣٥١ طبع مكتبة الرياض.
(٣) لسان العرب مادة: (تخذيل)، وأحكام القرآن للجصاص
(٤) لسان العرب مادة: (شيع) .
(٥) أحكام القرآن للجصاص ٣ / ٤٥٨ طبع المطبعة البهية المصرية، وعدة أرباب الفتوى ص ٨٢، طبع بولاق سنة ١٣٠٤ هـ
قَال تَعَالَى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَاَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ . (١)
قَال الْقُرْطُبِيُّ: لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ: لأَُسَلِّطَنَّكَ عَلَيْهِمْ فَتَسْتَأْصِلُهُمْ بِالْقَتْل (٢) .
وَبَلَغَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّ نَاسًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ يُثَبِّطُونَ النَّاسَ عَنْهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُحَرِّقُوا عَلَيْهِمُ الْبَيْتَ، فَفَعَل طَلْحَةُ ذَلِكَ. (٣)
٥ - وَلاَ يَجُوزُ لِلأَْمِيرِ أَنْ يَسْتَصْحِبَ مَعَهُ إِلَى الْجِهَادِ مُرْجِفًا، وَإِنْ كَانَ الأَْمِيرُ هُوَ أَحَدَ الْمُرْجِفِينَ لَمْ يُسْتَحَبَّ الْخُرُوجُ مَعَهُ لِلْجِهَادِ (٤)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيل اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا وَلأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ . (٥)
وَلَوْ خَرَجَ مُرْجِفٌ مَعَ الْجَيْشِ لاَ يُسْهَمُ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ، وَلاَ يُرْضَخُ لَهُ مِنْهَا (٦) .
وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ الإِْرْجَافِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ، وَفِي قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ.
_________
(١) سورة الأحزاب / ٦٠ - ٦١
(٢) تفسير القرطبي ١٤ / ٢٤٦
(٣) معين الحكام ص ٢١٠ طبع المطبعة الميمنية. والحديث أخرجه ابن هشام في السيرة ٢ / ٥١٧، ط مصطفى الحلبي.
(٤) حاشية قليوبي ٣ / ١٩٢، والمغني ٨ / ٣٥١، طبع مكتبة الرياض الحديثة.
(٥) سورة التوبة / ٤٦ - ٤٧
(٦) المغني ٨ / ٣٥١، وحاشية الجمل على شرح المنهاج ٤ / ٩٥، وحاشية قليوبي ٣ / ١٩٣
أَرْحَامٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْرْحَامُ جَمْعُ رَحِمٍ، وَالرَّحِمُ وَالرَّحْمُ وَالرِّحْمُ بَيْتُ مَنْبَتِ الْوَلَدِ وَوِعَاؤُهُ، وَمِنَ الْمَجَازِ: الرَّحِمُ الْقَرَابَةُ، وَفِي التَّهْذِيبِ: بَيْنَهُمَا رَحِمٌ: أَيْ قَرَابَةٌ قَرِيبَةٌ. وَقَال ابْنُ الأَْثِيرِ: ذَوُو الرَّحِمِ: هُمُ الأَْقَارِبُ (١) . وَالرَّحِمُ يُوصَفُ بِهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ (٢) .
وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ - غَيْرُ الْفَرْضِيِّينَ مِنْهُمْ - يُرَادُ بِهِمْ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ الأَْقَارِبُ (٣)، غَيْرَ أَنَّهُ فِي فُرُوعِ بَعْضِ الْمَذَاهِبِ بَيْنَ الأَْرْحَامِ وَالأَْقَارِبِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ، فَمَثَلًا لاَ تَدْخُل قَرَابَةُ الأُْمِّ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْقَرَابَةِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، بَيْنَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى ذَوِي رَحِمِهِ يَدْخُل الأَْقَارِبُ مِنَ الْجِهَتَيْنِ (٤) . وَهُمْ عِنْدَ أَهْل الْفَرَائِضِ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ، وَيُرَادُ بِهِمْ " مَنْ لَيْسُوا بِذَوِي سَهْمٍ وَلاَ عَصَبَةٍ، ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا ". (٥) وَالأَْرْحَامُ وَذَوُو الأَْرْحَامِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ عَلَى أَلْسِنَةِ الْفُقَهَاءِ (٦) .
_________
(١) النهاية لابن الأثير.
(٢) شرح الروض ٣ / ٥٢
(٣) تهانوي ٢ / ٥٨٩، وشرح السراجية ص ٢٦٥، والخرشي ٨ / ١٧٦، وكفاية الطالب الرباني ٢ / ٣٣٩، وبجيرمي على الخطيب ٣ / ٢٦٣، والعذب الفائض ٢ / ١٥
(٤) مطالب أولي النهى ٤ / ٣٥٩، ٣٦٠
(٥) شرح السراجية ص ٢٦٥، وبجيرمي على الخطيب ٣ / ٢٦٣، والعذب الفائض ٢ / ١٥
(٦) البحر الرائق ٨ / ٥٠٨، وابن عابدين ٥ / ٤٣٩، وشرح السراجية ص ٥٢، والتاج والإكليل ٦ / ٣٧٣، وحاشية الرملي على شرح الروض ٣ / ٥٢
٢ - الرَّحِمُ نَوْعَانِ:
رَحِمٌ مَحْرَمٌ، وَرَحِمُ غَيْرُ مَحْرَمٍ.
وَضَابِطُ الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ: كُل شَخْصَيْنِ بَيْنَهُمَا قَرَابَةُ لَوْ فُرِضَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا وَالآْخَرُ أُنْثَى لَمْ يَحِل لَهُمَا أَنْ يَتَنَاكَحَا، كَالآْبَاءِ وَالأُْمَّهَاتِ وَالإِْخْوَةِ وَالأَْخَوَاتِ وَالأَْجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ وَإِنْ عَلَوْا، وَالأَْوْلاَدِ وَأَوْلاَدِهِمْ وَإِنْ نَزَلُوا، وَالأَْعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ وَالأَْخْوَال وَالْخَالاَتِ، وَمَنْ عَدَا هَؤُلاَءِ مِنَ الأَْرْحَامِ، فَلاَ تَتَحَقَّقُ فِيهِمُ الْمَحْرَمِيَّةُ، كَبَنَاتِ الأَْعْمَامِ وَبَنَاتِ الْعَمَّاتِ وَبَنَاتِ الأَْخْوَال وَبَنَاتِ الْخَالاَتِ (١) .
الصِّفَةُ (الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ):
تَتَّصِل بِالأَْرْحَامِ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقِهَا. وَبَيَانُهَا فِيمَا يَأْتِي:
صِلَةُ الأَْرْحَامِ:
٣ - الصِّلَةُ هِيَ فِعْل مَا يُعَدُّ بِهِ الإِْنْسَانُ وَاصِلًا، قَال ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْثَمِيُّ: " الصِّلَةُ إِيصَال نَوْعٍ مِنَ الإِْحْسَانِ (٢) ".
وَصِلَةُ الرَّحِمِ بِالنِّسْبَةِ لِلأَْبَوَيْنِ، وَغَيْرِهِمَا وَاجِبَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ (٣)، وَهُوَ مَا صَوَّبَهُ النَّوَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ.
_________
(١) البدائع ٥ / ١٢٢، والفروق ١ / ١٤٧، وكفاية الطالب الرباني ٢ / ٣٣٩، وشرح الروض ٣ / ١١٠، والآداب الشرعية ١ / ٥٠٧، وفتاوى ابن تيمية ٢٩ / ٢٨٢، والفتاوى الهندية ٢ / ٨،٧
(٢) البحر الرائق ٨ / ٥٠٨، ونهاية المحتاج ٥ / ٤١٩، ومغني المحتاج ٢ / ٤٠٥، وبجيرمي على المنهج ٣ / ٢١٩، والزواجر لابن حجر ٢ / ٦٥
(٣) ابن عابدين ٥ / ٢٦٤، وكفاية الطالب الرباني ٢ / ٣٣٩، وفتاوى ابن تيمية ٢٩ / ١٨٦، والآداب الشرعية ١ / ٥٠٧
وَدَلِيل الْوُجُوبِ قَوْل اللَّهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَْرْحَامَ﴾ . (١)
وَقَوْلُهُ ﷺ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَلْيَصِل رَحِمَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَلْيَقُل خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ. (٢) وَفَصَّل الشَّافِعِيَّةُ بَيْنَ الأَْبَوَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، فَاتَّفَقُوا مَعَ غَيْرِهِمْ عَلَى وُجُوبِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَأَنَّ عُقُوقَهُمَا كَبِيرَةٌ، وَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ صِلَةَ غَيْرِهِمَا مِنَ الأَْقَارِبِ سُنَّةٌ. عَلَى أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ صَرَّحُوا بِأَنَّ ابْتِدَاءَ فِعْل الْمَعْرُوفِ مَعَ الأَْقَارِبِ سُنَّةٌ، وَأَنَّ قَطْعَهُ بَعْدَ حُصُولِهِ كَبِيرَةٌ (٣) .
صِلَةُ الأَْبَوَيْنِ:
٤ - وَصِلَةُ الأُْمِّ مُقَدَّمَةٌ عَلَى صِلَةِ الأَْبِ بِالإِْجْمَاعِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِرَجُلٍ سَأَلَهُ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟: أُمُّكَ ثُمَّ أُمُّكَ ثُمَّ أُمُّكَ ثُمَّ أَبُوكَ. (٤)
وَالتَّعْبِيرُ الْغَالِبُ لِلْفُقَهَاءِ عَنِ الإِْحْسَانِ لِلأَْبَوَيْنِ بِالْبِرِّ، وَفِي غَيْرِهِمَا مِنَ الأَْقَارِبِ بِالصِّلَةِ، لَكِنَّهُ قَدْ
_________
(١) سورة النساء / ١، وانظر القرطبي في تفسير هذه الآية، وكفاية الطالب الرباني ٢ / ٣٣٩
(٢) حديث " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٤٤٥ ط السلفية) ومسلم ١ / ٦٨ (طبع عيسى الحلبي) من حديث أبي هريرة مرفوعا. وانظر الزواجر ٢ / ٦٣، ٦٧
(٣) الجمل على المنهج ٣ / ٥٩٩، وبجيرمي على الخطيب ٣ / ٢٢٩، ٢٣٠
(٤) حديث " من أحق الناس بحسن صحابتي؟ . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٤٠١ ط السلفية) ومسلم (٤ / ١٩٧٤ - بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي (طبع عيسى الحلبي) من حديث أبي هريرة ﵁. وانظر كذلك البجيرمي ٣ / ٢٢٨، وتحفة المحتاج ٦ / ٣٠٨
يَحْدُثُ الْعَكْسُ فَيَقُولُونَ: صِلَةُ الأَْبَوَيْنِ، وَبِرُّ الأَْرْحَامِ، وَلَمَّا كَانَتْ أَكْثَرُ أَحْكَامِ صِلَةِ الْوَالِدَيْنِ مُعَبَّرًا عَنْهَا بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، فَإِنَّ مَوْطِنَ تَفْصِيلِهَا فِي ذَلِكَ الْمُصْطَلَحِ، مَعَ الْبَيَانِ هُنَا لِلتَّيْسِيرِ الَّذِي لاَ يُمْكِنُ الاِسْتِغْنَاءُ عَنْهُ مَعَ التَّفْصِيل لأَِحْكَامِ بَقِيَّةِ الأَْرْحَامِ (١)
صِلَةُ الأَْقَارِبِ:
٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - فِي قَوْلٍ لَهُمْ - إِلَى أَنَّ الأَْخَ الأَْكْبَرَ كَالأَْبِ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي حُكْمِ الصِّلَةِ، وَكَذَا الْجَدُّ، وَإِنْ عَلاَ، وَالأُْخْتُ الْكَبِيرَةُ، وَالْخَالَةُ كَالأُْمِّ فِي الصِّلَةِ. وَقَرِيبٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ مَا اخْتَارَهُ الزَّرْكَشِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَمِّ وَالْخَالَةِ، إِذْ يَجْعَل الْعَمَّ بِمَثَابَةِ الأَْبِ، وَالْخَالَةَ بِمَثَابَةِ الأُْمِّ، لِمَا صَحَّ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْخَالَةَ بِمَنْزِلَةِ الأُْمِّ، وَأَنَّ عَمَّ الرَّجُل صِنْوُ أَبِيهِ (٢) .
لَكِنْ كَلاَمُ الزَّرْكَشِيِّ مُخَالِفٌ لأَِئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ، لأَِنَّ الْوَالِدَيْنِ اخْتَصَّا مِنَ الرِّعَايَةِ وَالاِحْتِرَامِ وَالإِْحْسَانِ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ جِدًّا وَغَايَةٍ رَفِيعَةٍ لَمْ يَصِل إِلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ بَقِيَّةِ الأَْرْحَامِ، وَأَجَابُوا عَمَّا صَحَّ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ يَكْفِي التَّشَابُهُ فِي أَمْرٍ مَا كَالْحَضَانَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْخَالَةِ وَالأُْمِّ، وَالإِْكْرَامِ بِالنِّسْبَةِ لِلأَْبِ وَالْعَمِّ (٣) .
_________
(١) الزواجر ٢ / ٦١، والفروق ١ / ١٤٧، وابن عابدين ٥ / ٢٦٤، وفتاوى ابن تيمية ٣ / ٢٢٤
(٢) حديث " عم الرجل صنو أبيه. . . " أخرجه مسلم (٢ / ٦٧٧ - ط عيسى الحلبي) وأبو داود (عون المعبود ٢ / ٣٢ ط المطبعة الأنصارية بدهلي) من حديث أبي هريرة. وحديث " الخالة بمنزلة الأم. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٣٠٤ ط السلفية) والترمذي (٤ / ٣١٣ - ط مصطفى الحلبي) من حديث البراء بن عازب.
(٣) ابن عابدين ٥ / ٢٦٤، والزواجر ٢ / ٦٦
مَنْ تُطْلَبُ صِلَتُهُ مِنَ الأَْرْحَامِ:
٦ - لِلْعُلَمَاءِ فِي الرَّحِمِ الَّتِي يُطْلَبُ وَصْلُهَا رَأْيَانِ:
الأَْوَّل: أَنَّ الصِّلَةَ خَاصَّةٌ بِالرَّحِمِ الْمَحْرَمِ دُونَ غَيْرِهِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَغَيْرُ الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ (١)،. قَالُوا: لأَِنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ لِجَمِيعِ الأَْقَارِبِ لَوَجَبَ صِلَةُ جَمِيعِ بَنِي آدَمَ، وَذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ ضَبْطِ ذَلِكَ بِقَرَابَةٍ تَجِبُ صِلَتُهَا وَإِكْرَامُهَا وَيَحْرُمُ قَطْعُهَا، وَتِلْكَ قَرَابَةُ الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ.
وَقَدْ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلاَ عَلَى خَالَتِهَا وَلاَ عَلَى بِنْتِ أَخِيهَا وَأُخْتِهَا، فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَطَعْتُمْ أَرْحَامَكُمْ. (٢)
الثَّانِي: أَنَّ الصِّلَةَ تُطْلَبُ لِكُل قَرِيبٍ، مَحْرَمًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ نَصُّ أَحْمَدَ، وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ إِطْلاَقِ الشَّافِعِيَّةِ، فَلَمْ يُخَصِّصْهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ بِالرَّحِمِ الْمَحْرَمِ (٣) .
_________
(١) البحر الرائق ٨ / ٥٠٨، والطحطاوي على الدر ٤ / ٢٠٥، والفواكه الدواني ٢ / ٣٨٥، وكفاية الطالب الرباني ٢ / ٣٣٩، والآداب الشرعية ١ / ٥٠٧
(٢) حديث " لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها. . . " أخرجه أبو داود (عون المعبود ٢ / ١٨٣ طبع المطبعة الأنصارية بدهلي) بلفظ مقارب دون " فإنكم. . . . " إلخ الشطر الأخير، وأصله في الصحيحين. وأخرج الشطر الأخير منه الطبراني في المعجم الكبير (١١ / ٣٣٧ - نشر وزارة الأوقاف العراقية)، وانظر الفروق للقرافي ١ / ١٤٧
(٣) ابن عابدين ٥ / ٢٦٤، والطحطاوي على الدر ٤ / ٢٠٥، والفواكه الدواني ٢ / ٣٨٥، وكفاية الطالب الرباني ٢ / ٣٣٩، والآداب الشرعية ١ / ٥٠٧، والبجيرمي ٣ / ٢٢٩
الصِّلَةُ مَعَ اخْتِلاَفِ الدِّينِ:
٧ - لاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ صِلَةَ الاِبْنِ الْمُسْلِمِ لأَِبَوَيْهِ الْكَافِرَيْنِ مَطْلُوبَةٌ (١) . أَمَّا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الأَْقَارِبِ الْكُفَّارِ فَلاَ تُطْلَبُ صِلَتُهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِ؛ لِقَوْل اللَّهِ سُبْحَانَهُ: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٢) . وَدَلِيل اسْتِثْنَاءِ الأَْبَوَيْنِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ . (٣) ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٤)، لَكِنْ نَقَل السَّمَرْقَنْدِيُّ عَنْ سَحْنُونِ بْنِ مُهَمَّدَانَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ فِي الصِّلَةِ.
دَرَجَاتُ الصِّلَةِ:
٨ - ذَهَبَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ دَرَجَاتِ الصِّلَةِ تَتَفَاوَتُ بِالنِّسْبَةِ لِلأَْقَارِبِ، فَهِيَ فِي الْوَالِدَيْنِ أَشَدُّ مِنَ الْمَحَارِمِ، وَفِيهِمْ أَشَدُّ مِنْ غَيْرِهِمْ (٥) . وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالصِّلَةِ أَنْ تَصِلَهُمْ إِنْ وَصَلُوكَ؛ لأَِنَّ هَذَا مُكَافَأَةٌ، بَل أَنْ تَصِلَهُمْ وَإِنْ قَطَعُوكَ (٦) . فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ لَيْسَ الْوَاصِل بِالْمُكَافِئِ وَلَكِنَّ الْوَاصِل الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا (٧)
_________
(١) الفروق ١ / ١٤٥، والزواجر ٢ / ٦٢، والآداب الشرعية ١ / ٤٨٧، وتنبيه الغافلين ص ٤٨، وعمدة القاري ١٣ / ١٧٤
(٢) سورة المجادلة / ٢٢
(٣) سورة لقمان / ١٥
(٤) الطحطاوي على الدر ٤ / ٢٠٥، والفواكه الدواني ٢ / ٢٨٦، وبجيرمي على الخطيب ٤ / ٢٤٥، وتنبيه الغافلين ص ٤٨، والعيني ١٣ / ١٧٣، والآداب الشرعية ١ / ٤٨٧
(٥) ابن عابدين ٥ / ٢٦٤، والزواجر ٢ / ٧٣
(٦) ابن عابدين ٥ / ٢٦٤، وكفاية الطالب الرباني ٢ / ٣٣٩، والزواجر ٢ / ٧٦، وفتاوى ابن تيمية ١٥ / ٣٤٩، ٣٥٠
(٧) حديث " ليس الواصل بالمكافئ. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٤٢٣ ط السلفية) وأبو داود (عون المعبود ٢ / ٦١ طبع المطبعة الأنصارية بدهلي) من حديث عبد الله بن عمر
بِمَ تَحْصُل الصِّلَةُ؟
٩ - تَحْصُل صِلَةُ الأَْرْحَامِ بِأُمُورٍ عَدِيدَةٍ مِنْهَا:
الزِّيَارَةُ، وَالْمُعَاوَنَةُ، وَقَضَاءُ الْحَوَائِجِ، وَالسَّلاَمُ، لِقَوْلِهِ ﷺ: بُلُّوا أَرْحَامَكُمْ وَلَوْ بِالسَّلاَمِ (١) وَلاَ يَكْفِي مُجَرَّدُ السَّلاَمِ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ (٢)
كَمَا تَحْصُل الصِّلَةُ بِالْكِتَابَةِ إِنْ كَانَ غَائِبًا، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الأَْبَوَيْنِ، أَمَّا هُمَا فَلاَ تَكْفِي الْكِتَابَةُ إِنْ طَلَبَا حُضُورَهُ (٣) .
وَكَذَلِكَ بَذْل الْمَال لِلأَْقَارِبِ، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ صِلَةٌ لَهُمْ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ، وَصِلَةٌ (٤)
وَظَاهِرُ عِبَارَةِ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْغَنِيَّ لاَ تَحْصُل صِلَتُهُ بِالزِّيَارَةِ لِقَرِيبِهِ الْمُحْتَاجِ إِنْ كَانَ قَادِرًا
_________
(١) حديث " بلوا أرحامكم ولو بالسلام " أخرجه البزار والطبراني كما في مجمع الزوائد (٨ / ١٥٢ - ط القدسي) . وقال السخاوي في المقاصد الحسنة: طرقه يقوي بعضها بعضا.
(٢) الطحطاوي على الدر ٤ / ٢٠٥، وكفاية الطالب الرباني ٢ / ٣٣٩، ونهاية المحتاج ٢ / ٧٦، والآداب الشرعية ١ / ٥٠٧ والفواكه الدواني ٢ / ٣٨٦
(٣) الطحطاوي على الدر ٤ / ٢٠٦، الفواكه الدواني ٢ / ٣٨٦، وكفاية الطالب الرباني ٢ / ٣٣٩، والبجيرمي على الخطيب ٣ / ٢٢٩
(٤) حديث: " الصدقة على المسكين. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ٣٨ - طبع مصطفى الحلبي) وحسنه، وأحمد (٤ / ١٧ - ط الميمنية)، والحاكم (١ / ٤٠٧ ط حيدر آباد الدكن) وصححه، من حديث كمال بن عامر.